لقاءات رعوية عابرة في الطريق

لقاءات رعوية عابرة في الطريق[1]
هناك خدمات مركزة في دور العبادة.
من أمثلتها خدمة السيد المسيح في بعض مجامع اليهود. مثلما قيل إنه في كفر ناحوم: “دَخَلَ الْمَجْمَعَ… وَصَارَ يُعَلِّمُ” (مر1: 21). وقيل: “وَلَمَّا جَاءَ إِلَى وَطَنِهِ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ فِي مَجْمَعِهِمْ حَتَّى بُهِتُوا” (مت13: 54). وقيل أيضًا: “وَجَاءَ إِلَى النَّاصِرَةِ… وَدَخَلَ الْمَجْمَعَ حَسَبَ عَادَتِهِ يَوْمَ السَّبْتِ وَقَامَ لِيَقْرَأَ” (لو4: 16)، “وَكَانَ يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهِمْ مُمَجَّدًا مِنَ الْجَمِيعِ” (لو4: 15).
ومن الخدمات العامة وسط الجموع.
عظة السيد الرب على الجبل (مت5 – 7) تعليمه للشعب حتى الغروب في معجزة الخمس خبزات والسمكتين، حيث كان خمسة آلاف رجل غير النساء والأطفال (لو9: 11، 14). كذلك مثل عظته في البيت الذي نقبوا سقفه ودلّوا المفلوج (مر2: 3) أو عظته للجموع من السفينة (مر3: 7، 9)..
وعلى الرغم من خدمة الجموع كانت له خدمات عابرة في الطريق:
في الطريـــق
يمكن أن تسميها خدمة (على الماشي) أي فيما يمشي الشخص يقوم بخدمة، غير مقتصر على الخدمات الرسمية أو التي تكون داخل الكنيسة.
وإنما هي خدمة عابرة مع أي شخص، في أي مكان.
وكان الرب هكذا “جَالَ يَصْنَعُ خَيْرا” (أع10: 38). كما قيل أنه كان “وَكَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ كُلَّ الْجَلِيلِ يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهِمْ وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضَعْفٍ فِي الشَّعْبِ” (مت4: 23).
كان يقوم بعمل الرعاية أحيانًا في البيوت.
في بيت بطرس حيث شفى حماته (مت8: 14، 15). في بيت يايرس، حيث أقام ابنته من الموت (لو8: 51 – 55). كذلك دخل بيوتًا كثيرة، مثل بيت سمعان الفريسي الذي منح فيه المغفرة لامرأة خاطئة، وقدم تعليمًا لسمعان (لو7: 36 – 48). ومثلما دخل بيت مريم ومرثا، واستمعت مريم لتعليمه، وقدم نصيحة لمرثا (لو10: 38- 42). كذلك دخل بيت لاوي (متى) العشار، حيث اجتمع هناك كثيرون من العشارين والخطاة، فاجتذبهم إلى التوبة (مر2: 14 – 17).
وكان يمشي في الطريق، فيقوم بعمل محبة للناس.
*ففي الطريق عند بركة بيت حسدا، رأى مريضًا منذ ثمان وثلاثين سنة مضطجعًا، فتحنن عليه وشفاه.. ولما رآه بعد ذلك في الهيكل قال له: “هَا أَنْتَ قَدْ بَرِئْتَ فلاَ تُخْطِئْ أَيْضًا لِئَلَّا يَكُونَ لَكَ أَشَرُّ” (يو5: 14).
*وفي الطريق أيضًا: “وَفِيمَا هُوَ مُجْتَازٌ رَأَى إِنْسَانًا أَعْمَى مُنْذُ وِلاَدَتِهِ” (يو9: 1). فتحنن عليه ومنحه البصر. ولما سمع أن اليهود أخرجوه خارج المجمع، وجده ودعاه إلى الإيمان، فآمن وسجد له (يو9: 35- 38).
* في الطريق أيضًا، في أريحا، على الرغم من زحام الجمع، تطلع فرأى زكا العشار وكان رجلًا قصير القامة، صعد إلى جميزة ليراه فقال له: “أَسْرِعْ وَانْزِلْ لأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَمْكُثَ الْيَوْمَ فِي بَيْتِكَ…”. ولم يبال بتذمر الجميع قائلين إنه دخل بيت رجل خاطئ. واستطاع أن يقتاد زكا إلى التوبة، وقال: “الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهَذَا الْبَيْتِ إِذْ هُوَ أَيْضًا ابْنُ إِبْرَاهِيمَ” (لو19: 1- 9).
*أريدكم أن تتعلموا هذه الخدمة العابرة، كل إنسان يلقيه الله في طريقك، قم بعمل من جهته، ولا تقتصر على مجرد خدمتك الرسمية في الكنيسة.
لا تقل أنا مسئوليتي هي خدمة فصل مدارس الأحد، أو خدمة اجتماعية أقوم بها نحو أخوة الرب، أو خدمة في جمعية خيرية، أو عضوية في مجلس كنيسة. وتظهر أنه لا شأن لك بتلك الخدمة العابرة.. كلا، إنها من عملك…
*ومن الخدمات العابرة للسيد، هداية المرأة السامرية.
كان سائرًا في الطريق، مرَّ في طريقة على قرية سامرية اسمها سوخار، كان قد تعب من المشي، فاستراح عند البئر (بئر يعقوب). وكانت نحو الساعة السادسة (يو4: 6). وجاءت امرأة سامرية لتستقي ماء، وكانت امرأة خاطئة، عاشت مع خمسة أزواج، والذي كان معها وقتذاك لم يكن رجلها. ووجدها الرب فرصة سانحة لهداية تلك المرأة.
إنه لقاء عابر ولكنه فرصة لعمل روحي.
وبدأ معها الحديث وطلب منها ماء ليشرب، وحدثها عن الماء الحي. واستدرجها إلى الاعتراف، وحلّ لها مشاكل عقائدية كانت أمامها في العلاقة بين اليهود والسامريين. وقادها إلى الإيمان، فتركت جرتها وذهبت لتبشر أهل القرية… وذهب السيد فالتقَى بهم، وآمنوا جميعهم أن “هَذَا هُوَ بِالْحَقِيقَةِ الْمَسِيحُ مُخَلِّصُ الْعَالَمِ” (يو4: 42).
هذه النتيجة الرائعة كانت في استخدام لقاء عابر لعمل روحي.
*بل في لقاءات عابرة أيضًا، دعا بعض رسله القديسين.
فيما كان “مَاشِيًا عِنْدَ بَحْرِ الْجَلِيلِ” (مت4: 18). أبصر أخوين هما سمعان وأندراوس يصيدان. فقال لهما: “هَلُمَّ وَرَائِي فَأَجْعَلُكُمَا صَيَّادَيِ النَّاسِ”.
كذلك مر عليهما من قبل، وقد تعبا الليل كله ولم يصطادا شيئًا، فنصحهما بإلقاء شباكهما في العمق فأمسكوا سمكًا كثيرًا جدًا (لو5: 6). فتركا كل شيء وتبعاه.
وقصة مماثلة مع يوحنا وأخيه يعقوب (مر1: 19، 20). كل ذلك في لقاءات عابرة.
نفس الوضع تقريبًا مع متى العشار “فِيمَا يَسُوعُ مُجْتَازٌ… رَأَى إِنْسَانًا جَالِسًا عِنْدَ مَكَانِ الْجِبَايَةِ اسْمُهُ مَتَّى. فَقَالَ لَهُ: اتْبَعْنِي. فَقَامَ وَتَبِعَهُ” (مت9: 9).
*بنفس الأسلوب دعا بولس الرسول (شاول الطرسوسي).
قابله في الطريق إلى دمشق، بنور عظيم، وعاتبه قائلًا: “شَاوُلُ، شَاوُلُ لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟ صَعْبٌ عَلَيْكَ أَنْ تَرْفُسَ مَنَاخِسَ” (أع9: 4، 5).. ودعاه لأن يكون إناءً مختارًا ورسولًا للأمم…
*ونفس الأسلوب أيضًا في العهد القديم، مع موسى النبي.
قابله الرب في الطريق، وهو يرعى الغنم عند جبل حوريب (خر3: 1). استلفت نظره بعليقة تشتعل بالنار وهي لا تحترق، فلما مال ليراها، ناداه قائلًا: “اخْلَعْ حِذَاءَكَ مِنْ رِجْلَيْكَ لأَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ…”، ثم قال له: “أَنَا إِلَهُ أَبِيكَ إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلَهُ إِسْحَاقَ وَإِلَهُ يَعْقُوبَ” (خر3: 5، 6).
خدمات أخرى في الطريـق:
أسلوب السيد الرب اتبعه بعض الملائكة أيضًا.
حدث أن السارافيم كانوا يسبحون حول عرش الله قائلين: “قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ رَبُّ الْجُنُودِ. مَجْدُهُ مِلْءُ كُلِّ الأَرْضِ” فتأثر إشعياء بهذا المنظر المهيب وقال: “وَيْلٌ لِي! إِنِّي هَلَكْتُ لأَنِّي إِنْسَانٌ نَجِسُ الشَّفَتَيْنِ وَأَنَا سَاكِنٌ بَيْنَ شَعْبٍ نَجِسِ الشَّفَتَيْنِ”.
فلم يحتمل واحد من السارافيم أن يقول هذا الآدمي: “وَيْلٌ لِي! إِنِّي هَلَكْتُ” فطار وبيده جمره أخذها من على المذبح، ومسَّ بها فم إشعياء وقال له: “إِنَّ هَذِهِ قَدْ مَسَّتْ شَفَتَيْكَ فَانْتُزِعَ إِثْمُكَ وَكُفِّرَ عَنْ خَطِيَّتِكَ” (إش6: 3- 7).
* لقاء عابر، لم يقل فيه هذا الساراف: ما شأني؟! وما مسئوليتي؟! وإنما تحركت عاطفته، فقام بخدمة روحية عجيبة لإشعياء.
إنها خدمة في الطريق، على الماشي، طمأنت إنسانًا على مصيره، وجعلته هو أيضًا يتقدم إلى دعوة الخدمة. فلما قال الرب: “مَنْ أُرْسِلُ وَمَنْ يَذْهَبُ مِنْ أَجْلِنَا؟”، قال إشعياء على الفور: “هَئَنَذَا أَرْسِلْنِي” فأرسله. (إش6: 8)
وهكذا رأينا ثلاثة مواقف، أو لقاءات، لها خطورتها، تمت على يدي الله، وواحد من السارافيم وإشعياء. وكلها في الطريق.
*مثال آخر امتدحه الرب، وهو السامري الصالح.
هذا كان مسافرًا، وفي طريقه رأى إنسانًا جريحًا ملقَى بين الحياة والموت… فتحنن عليه، وضمد جراحاته، وأركبه على دابته، وأوصله إلى فندق للعناية به على نفقته… (لو10: 30 – 35). بينما عبر من قبل كاهن ولاوي وجازا مقابله!
لم يقل هذا السامري: ما شأني به، وأنا غريب بالنسبة إليه، ولا تعامل بين اليهود والسامريين (يو4: 9)، لكنه تحنن عليه وأنقذ حياته…
وأنت – أيها القارئ العزيز – كم إنسانًا ألقاه الله في طريقك، وانتظر منك أن تقوم له بخدمة كهذه الخدمة العابرة العميقة في دلالتها؟
أتراك تعقد الأمور بأنك لم تتلق دعوة إلهية، لكي تحثك على عمل الخير؟! وأية دعوة تَلَقاها هذا السامري الصالح؟!
أم أن كثيرين أرسلهم الله إلى طريقك، وكنت تتركهم في لا مبالاة، وتجوز مقابلهم كما فعل الكاهن وكما فعل اللاوي مع ذلك الإنسان الجريح!! (لو10: 31، 32).
كم صديق لك، وكم جار، وكم قريب أو نسيب، وكم زميل لك في العمل، مرت سنوات طويلة على علاقتك بهم، ولم تحدثهم في يوم ما عن الله، وعن أي موضوع روحي!! ولو في حديث عابر…
يا ليت كلًا منا يوبخه ضميره من جهة الذين ألقاهم الله في طريقه، ولم يقم لهم بالخدمة العابرة، خدمة الطريق.
والأسوأ من هذا، أننا بدلًا من خدمة هؤلاء، ننتقدهم!
وهذا هو الذي حدث في قصة الفريسي والعشار (لو 18)
وهذا هو الفريسي المدقق جدًا في حفظ الناموس، لم يؤد أية خدمة روحية ينتفع بها العشار، واكتفى بأن يدينه في صلاته قائلًا: “أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ الْخَاطِفِينَ الظَّالِمِينَ الزُّنَاةِ وَلاَ مِثْلَ هَذَا الْعَشَّارِ”…
عكس هذا السيد المسيح الذي جعل من متى العشار رسولًا، وبحبه قاد زكا العشار إلى التوبة، وحصل خلاص لذلك البيت.
*من الخدمات العابرة العميقة، قصة فيلبس مع الخصي الحبشي.
كان هذا الخصي الحبشي راجعًا من أورشليم، وجالسًا في مركبته يقرأ النبي إشعياء، وبإرشاد إلهي قام فيلبس، ورافق مركبة الخصي. ثم سأله هل يفهم ما يقرأ، وعمن يتحدث إشعياء… وانتهى الأمر بأن هداه إلى الإيمان المسيحي. وطلب ذلك الخصي أن يعتمد، وعمَّدَهُ فيلبس، ومضى الخصي في طريقه فرحًا، بينما خطف روح الرب فيلبس، فوُجِدَ في أشدود (أع8: 27- 40).
إنه لقاء عابر في الطريق، كان له تأثيره العميق في خلاص النفس…
*بالإضافة إلى الكرازة الجماعية للآباء الرسل القديسين، كانت لهم أيضًا خدمات عابرة ذات تأثير واسع عجيب. من أمثلتها:
*شفاء المتسول الأعرج عند باب الجميل (أع 3). كثيرون قدموا له إحسانًا، مالاً… أما بطرس الرسول فقدم له شفاءً وإيمانًا، ومع أنه كان حادثًا عابرًا، إلا أن تأثيره كان أوسع بكثير.
*شفاء إينياس المفلوج، وتأثيره في إيمان كثيرين (أع9: 32 – 35).
*إقامة طابيثا في يافا، وإيمان كثيرين بسببها (أع9: 36 – 42).
*تعميد كرنليوس في قيصرية (أع 10) وأثر ذلك.
*إيمان ليديا بائعة الأرجوان في فيلبي (أع16: 13 -15).
*إيمان سجان فيلبي وتعميده هو وكل أهل بيته.
كلها أعمال تبدو فردية، وحدثت بلقاءات عابرة، وكان لها أثرها.
اللقاءات العابرة في حياتــك:
الإنسان الروحي لا يتمسك بالرسميات، ولا يحتج بها. إنما يؤدي خدمة في أية مناسبة، كلما فتح له الله بابًا.
للأسف فإن البعض يعتذر عن العمل بحجة الاتضاع… والبعض بحجة الدعوة. والبعض يكتفي بمجرد اختصاصاته الرسمية في الكنيسة، ويقول إنه: “لاَ يَرْتَئِيَ فَوْقَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَئِيَ” (رو12: 3).
أما أصحاب الضمير الحساس، فيتحرك قلبه من الداخل.
يتحرك بالشفقة على الآخرين، والغيرة المقدسة على خلاصهم، ويلتهب قلبه بالنار في محيط الخدمة، ولا يحاول أن يقدم اعتذارات… ولا تخوفًا من عدم قدرته، ومن عدم جدوى الخدمة.
يضع أمامه مثل الزارع الذي ألقى بذاره هنا وهناك، لم يكتفِ بالأرض الجيدة التي تنبت ثلاثين وستين ومائة. بل ألقى البذار حتى على الأرض المحجرة، والتي لا عمق لها، وعلى الأرض المليئة بالأشواك. عمله أن يبذُر، ويترك الباقي لنعمة الله العاملة. وصاحب الضمير الحساس يضع أمامه قول الكتاب: “مَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذَلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ” (يع4: 17).
يضع أمامه أيضًا قول السيد الرب لتلاميذه: “وَأَقَمْتُكُمْ لِتَذْهَبُوا وَتَأْتُوا بِثَمَرٍ وَيَدُومَ ثَمَرُكُمْ” (يو15: 16). “بِهَذَا يَتَمَجَّدُ أَبِي أَنْ تَأْتُوا بِثَمَرٍ كَثِيرٍ فَتَكُونُونَ تلاَمِيذِي” (يو15: 8).
يا أخي، هل أنت شجرة مثمرة في ملكوت الله؟
آباؤنا بدأوا من الصفر، وبدون إمكانيات، وأوصلوا الإيمان إلينا. هم تعبوا، ونحن دخلنا على تعبهم (يو4: 38). ليتنا نكمل رسالتهم.
[1]مقال: قداسة البابا شنوده الثالث ” لقاءات رعوية عابرة في الطريق..”، الكرازة 29 مايو 1998م




