نشيد الأناشيد

نشيد الأناشيد
الروحيون يقرأون هذا السفر، فيزدادون في محبة الله. أما الجسدانيون فيحتاجون في قراءته إلى مرشد لئلا يسيئوا فهمه، وبخرجوا من معناه السامي إلى معان عالمية…
تأملنا في العدد الماضي في قول العذراء في النشيد “حبيبي أبيض وأحمر. معلم بين ربوة”. ونكمل تأملاتنا في قولها “طَلْعَتُهُ كَلُبْنَانَ. فَتًى كَالأَرْزِ” (نش 5: 15).
طلعته كلبنان:
لبنان بلاد جميلة، كأنها جنة في الشرق الأوسط. مرتفعاتها الخضراء ذات الأشجار الباسقة، والأزهار العطرة، والمساكن الشاعرية، كل ذلك يعطيها رونقًا وبهجة وجمالا. والسيد المسيح عندمًا يشبه بلبنان، إنما يتحدث السفر عن جماله الفائق وكيف أنه “أبرع جمالا من بني البشر.
هنا ترى الكنيسة أن الله ليس ثقلا عليها، وليست وصاياه متعبة، وإنما ترى الدين جمالا، طلعته كلبنان..
إن الوجوديين يرون أن وجود الله يلغي وجودهم، فيحبون أن يتخلصوا منه. يقولون “ليته لا يوجد، لكي نوجد نحن”..
أما نحن فعلي عكس ذلك، نرى في الله فرحنا وبهجتنا، أسمه حلو في أفواهنا، وصورته جميلة لأعيننا، “طلعته كلبنان”. نفرح بالرب كل حين. وهو نفسه يقول لنا “سَأَرَاكُمْ أَيْضًا فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ، وَلاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ” (يو16: 22).
الذي يعيش مع الرب، ينبغي أن يعيش في فرح دائم. لا يغضب نفسه، لكي يعيش مع الرب. ولا يصارع ذاته ويقاومها لكي يسير في طريق الرب.
فالغضب دليل على أن النفس لم تحب الرب بعد. أما الذي يحب الله، فإنه يحب طرقه، ويغني قائلًا: طلعته كلبنان”.
فتي كالأرز:
أرز لبنان العالي الشامخ، الراسخ المتين، القوى في خشبه، في نقاوته وصلابته، خشب الأرز الذي استخدمه سليمان في بناء الهيكل (1مل 5: 6-8) (1مل 6: 10). هناك أناس قلوبهم كالخروع تهتز بسهولة وتنثني.
أما المؤمن الحقيقي، فهو إنسان صامد، لا تهزه الرياح، ولا تقصفه الزوابع، هو “فتي كالأرز”.
السيد المسيح كان قويًا، ويحب أن يكون أولاده مثله. يحب أن يكون المؤمن به فتي كالأرز، كفرس في مركبات فرعون، كجبار حول تخت سليمان، كجيش بألوية..
هناك من يفهم الوداعة فهما خاطئًا، ويظنها لونا من الضعف، وينسى كل هذه الآيات ومدلولانها..
كان المسيح قويًا.. ليتكم تأخذون قوته موضوعًا لتأملاتكم في الكتاب المقدس. في إحدى المرات حدث أن شخصًا من المساكين في فهمهم، قارن بين وداعة السيد المسيح، وقوة يوحنا المعمدان، فظن أن المعمدان كانت شخصيته أقوى…!! حاشا أن يكون الأمر هكذا. فقد كان المسيح قويًا جدًا. استطاع أن يقف ضد جيله الفاسق الشرير، ضد الكتبة والفريسيين والصدوقيين والكهنة وشيوخ الشعب. ويظهر رياء وفساد كل هؤلاء.
يوحنا المعمدان كان كالنار التي تأكل الشوك والتبن في طريقها وتحرقه. أما السيد المسيح فكان كالماء الهادئ الرقراق الناعم اللين الذي يستطيع أن يشق الصخور ويحفر مجراه في الجبال، ويكسح أمامه كل ما يعترضه..
كان قويًا في هدوئه، وفي جماله، وفي شدته، كالأرز.. كان عاليًا شامخا أمام الكل. كانوا يقاومونه وما يقدرون عليه. كان هدوءه أشد من عنفهم، وكانت وداعته أقوى من ثوراتهم ومؤامراتهم.
عندما وقف أمام بيلاطس، خافه بيلاطس، على الرغم من صمته وهدوئه، وكان يشتهي أن يطلقه. عندما جاءوا للقبض عليه، بالجند والسيوف والعصي والمشاعل، وقف صامدًا أمامهم، كالأرز. وقال لهم من تريدون؟ أجابوا: يسوع الناصري. فقال في هدوء: أنا هو. فوقعوا من مهابته على وجوههم. كان فتي كالأرز..
هناك قوم يظنون أنه يمكنهم أن يهزوا الآخرين بالعنف. أما السيد المسيح فكان يهز العنف برقته، وبهدوئه بوداعته بلطفه.
إنه الحجر الذي رفضه البناؤون، ومع ذلك صار رأساً للزاوية.
من سقط على هذا الحجر يترضض. ومن سقط هو عليه يسحقه (متى 21: 44).
في رصانة وقوة وشموخ، كالأرز، قال لبيلاطس الوالي الذي يحاكمه: “ليس لك على سلطان” وقال كذلك “لي نفس… أَنَا أضعها مِنْ ذَاتِي..
لي سلطان أن أضعها، وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا (يو10: 18).
ولما سأله قيافا رئيس الكهنة “استحلفك بالله الحي أن تقول لنا هل أنت المسيح؟”، أجابه بنفس الرصانة والعلو، كالأرز، “مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَآتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ” (مت 26: 64). فمزق رئيس الكهنة حنيئذ ثيابه.
هذا هو المسيح القوى، الذي في وسط ضجيج القبض عليه، وفي حماس بطرس الذي رفع سيفه وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه.. نراه في رصانه علوية، وفي هدوء عجيب، يمد يده، ويرد أذن العبد إلى موضعها، ويقول لبطرس “رد سيفك إلى غمده..”. حقًا أنه فتى كالأرز.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الخامسة – العدد السادس – 9 نوفمبر1974م



