صانعو الخير

صانعو الخير[1]
تحدثنا في الأعداد الماضية عن الصوم وما يليق به من توبة وانسحاق وتذلل أمام الله. ولكن الصوم لا يقتصر فقط على البعد عن الخطيئة، إنما يتصف بعنصر إيجابي هو عمل الخير. فليكن تأملنا اليوم في قول الكتاب: “مَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذَلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ” (يع4: 17).
صانعو الخير
“مَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذَلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ” (يع4: 17). إذن الخطية ليست مجرد اقتراف الشر، إنما عدم صنع الخير يعتبر خطية، ما دام بإمكان الإنسان أن يعمله.
إذن من المفروض في أولاد الله أن يعملوا الخير باستمرار. وما دام الله صانع الخيرات، فهم كصورة لله صانعو الخير.
إن الخير ليس مجرد عمل للمناسبات، وإنما هو صفة دائمة في الإنسان الروحي. وقد قيل عن السيد المسيح، كمثال لنا، إنه “جَالَ يَصْنَعُ خَيْرًا”…
وصُنع الخير عام للجميع، لا تشترط له دعوة أو مسئولية.
كمن يجد أمامه غريقًا أو حريقًا، لا يستشير، ولا ينتظر دعوة رسمية لكي يتدخل وينقذ، ولا يقل هل هذه مسؤليتي؟!
إن حياة الإنسان ستقيم بمقدار ما فعله من خير.
هناك أشخاص لا يفعلون الخير، لأنهم مشغولون بأمور أخرى.
دوامة الدنيا والاهتمامات الكثيرة تلفهم، ولا تبقي لهم وقتًا ولا جهدًا ولا تفكيرًا للخروج من مشغولياتهم لكي يهتموا بالآخرين ويصنعوا معهم خيرًا. يقول كل منهم، “وما شأني بهذا؟”.
أما رجل الله، فإنه يبحث بنفسه عن مجالات الخير، ليعمل.
قلبه يلتهب في داخله من جهة حاجات كل أحد، ويفكر جديًا ماذا ينبغي أن يعمل. ولا يضع في ذهنه هل هو مسئول أم لا. لا يقول كـ قايين: “أَحَارِسٌ أَنَا لأَخِي؟!” (تك4: 9).
إنه يفعل الخير في كل وقت. ومع الكل.
إنه إنسان يشع خيرًا، أو يفيض خيرًا. إنه خير متحرك.
كل من يقابله، يقابله الخير منه، فصُنع الخير طبيعته.
إن الذين اعتذروا عن فعل الخير، لم يقبل الرب اعتذارهم.
إرميا النبي اعتذر بصغر سنه وقال: “لاَ أَعْرِفُ أَنْ أَتَكَلَّمَ لأَنِّي وَلَدٌ” (إر1: 6). فلم يقبل الرب اعتذاره وأرسله.
وموسى النبي اعتذر بقلة مواهبه وبأنه: “ثَقِيلُ الْفَمِ وَاللِّسَانِ”، و “لَسْتُ أَنَا صَاحِبَ كَلاَمٍ مُنْذُ أَمْسِ وَلاَ أَوَّلِ مِنْ أَمْسِ” (خر4: 10). ولم يقبل الرب ذلك، وجعله كليمه، يضع الكلام في فمه، ويوصل هذا الكلام للناس، ويعمل خيرًا…
إن الذي يريد فعل الخير سيجد فرصته، والذي لا يريد سيجد أمامه عشرات الأعذار وعشرات العوائق، تمنعه…
قال أحد الروحيين أن طريق جهنم مفروش بالأعذار…
أما أنت، فإن أردت أن تعمل خيرًا، ثق أن نعمة الله ستكون في معونتك، وعمل روحه القدوس سيشترك معك، وسيمهد الرب لك الطريق، ويؤيدك فيه بقوته، بكل الإمكانيات… لا تقل “ليست لي خبرة” فالخبرة ستأتيك بالممارسة. وأول مرة في أي عمل، هي بدون شك بلا خبرة. ولا تقل ليس لدي وقت، فأنت تعطي وقتًا لكثير من التافهات…
وسنضرب أمثلة من عمل الخير، نذكر في مقدمتها نحميا:
كان في أرض السبي، أسير حرب، يخدم في بلاط الملك ارتحشــستا وسمع أن أسوار أورشليم مهدمة، وأبوابها محروقة بالنار. فماذا يفعل؟ يمكن أن يعتذر بأنه في أرض السبي، وعلى بعد مئات الأميال من أورشليم، وليست لديه إمكانيات، ولا أحد يطالبه بشيء، أو ينتظر منه شيئًا…!
لكن نحميا كان محبًا للخير، ومُصرًا على عمل الخير. فلم يكتف بأنه صلى وصام وبكي أمام الله، إنما كلم الملك وأخذ منه خطابات، وأخذ لوازم البناء، وذهب إلى أورشليم، وجمع الشعب، وبنى سور أورشليم، على الرغم من عوائق عديدة صادفته. إنه يمثل صانع الخير الذي ينتصر على كل العوائق.
مثال آخر، هو داود النبي، بالنسبة إلى جليات الجبار.
جاء داود إلى الميدان ليفتقد أخوته، ويقدم لهم طعامًا، فسمع جليات الجبار يهدد ويعير، فاحتدت روح داود فيه. لم يكن مسئولًا، ولم يكن جنديًا، وكان صغير السن، لا يطالبه أحد بعمل، ولا يتوقعون من طفل شيئًا، ولكنه كصانع للخير، تطوع لمقاتلة الجبار، وانتصر بالرب، ونصر الشعب كله…
والله الذي عمل في نحميا الأسير، عمل في داود الصغير وكل منهما صنع خيرًا، وهو غير مسئول، وصعوبات عديدة أمامه.
مثال آخر، هو داود أيضًا، ولكن في بناء الهيكل.
قال له الله إنك لا تبني الهيكل، إنما يبنيه ابنك. وأمام منع الله له، كان يمكنه أن يبتعد عن هذا الموضوع، وله عذره. ولكنه كان محبًا للخير. لذلك قال إن ابني صغير، والعمل أكبر منه، لذلك أعد له كل شيء. أعد الذهب والفضة والنحاس والخشب والحجارة، حتى يجد ابنه سهولة في إتمام هذه المسئولية أمام الله…
الذي لا يريد فعل الخير، يمكن أن يستتر وراء الأعذار أو العوائق أو عدم المسئولية. أما صانع الخير فينتصر على كل هذا، لأن محبة الخير التي فيه أقوى من الكل.
مثال آخر عن جندي أنقذ قديسة في عصور الاستشهاد:
ألقوها في دار للدعارة. فلما سمع هذا الجندي القديس، لم يتأسف في قلبه ويسكت، إنما دخل إليها هناك فخافت منه، فقال لها: “لقد جئت لأنقذك، ألبسي ملابسي هذه وأخرجي متنكرة كأنك جندي”. وفعلت هذا ونجت. أما هو فقبضوا عليه واقتادوه للاستشهاد. فلحقت به القديسة وقالت: لا تسرق إكليلي، واستشهدت معه. ولكنها نجت به من بيت الدعارة…
هذا القديس كان ذهابه إلى بيت الدعارة ضد سمعته، وكان في إنقاذ القديسة خطورة عليه، ولكنه لأجل الخير لم يبال.
إن عمل الخير يدفع محبيه إلى تصرفات تبدو عجيبة:
القديس الأنبا صرابامون أسقف المنوفية في الجيل الماضي، من محبته لعمل الصدقة في الخفاء، كان يمر على بيوت شعبه، يضع حوائجه أمام الباب، ويقرع الباب ثم ينصرف.
وأحد الرهبان القديسين من محبته للخير، كان يملأ جرار الرهبان بالماء ليلًا من البئر، حتى لا يكلفهم مشقة الذهاب إلى البئر وإحضار الماء، محبة منه لهم.
هناك أشخاص يتخصصون في عمل معين من أعمال الخير.
شخص يتخصص في زيارة المرضى، وبخاصة الذين في حالات خطرة ومستعصية، يحبهم ويخدمهم، ويقربهم إلى الله قبل انتقالهم. وشخص آخر يتخصص في خدمة الملاجئ، أو في خدمة أسرات المسجونين. لا يسمع خبر سجن إنسان ويتأسف في قلبه ويصمت، إنما يقول: وماذا عن أسرته واحتياجاتها وظروفها، ويتصل بهذه الأسرة ويعمل معها خيرًا.
القديس يوليوس الأقفهصي كان متخصصًا في العناية برفات الشهداء.
كان يصاحب الشهداء في فترات محاكماتهم وتعذيبهم ويشجعهم. ثم إذا أكملوا جهادهم، يأخذ الرفات ويدفنهم بكل إكرام، ويكتب سيرة ذلك الشهيد ويرسلها إلى الكنيسة لتحفظ ذكره. وعلى الرغم مما يعرضه هذا العمل للمخاطر، إلا أنه ظل يمارسه في محبة للخير، حتى نال هو أيضًا إكليل الشهادة…
القديس يوسف الرامي فعل مثل هذا أيضًا بالنسبة لطلبه جسد المسيح وتكفينه ودفنه في قبر له، معرضًا نفسه للخطر… هناك جمعيات تخصصت أيضًا في أنواع من عمل الخير، مثل جمعية الصليب الأحمر، وجمعية الهلال الأحمر، وجمعية الإسعاف. ونشأت هذه الجمعيات في أولها أهلية، غير رسمية…
هذا أيضًا من عمل الخير على المستوى العلماني، ويمكن أن يدخل فيه أيضًا كثير من أعمال العلماء والمخترعين لخير البشر.
أولئك الذين كرسوا وقتهم وجهدهم وتفكيرهم وبحوثهم، لكي يقدموا دواء يخفف آلام الناس أو يشفيهم، أو ليقدموا اختراعًا يريح الناس في مجال حياتهم اليومية.
فإن كان أهل العالم هكذا، فكم بالأولى أولاد الله…
هناك أشخاص تخصصوا أيضًا في مصالحة العائلات، وآخرون تخصصوا في العناية باللقطاء، أو بالعجزة أو المسنين… أو المتشردين.
القديس أولوجيوس الحجار، كانت هوايته في عمل الخير، العناية بالغرباء وإضافتهم على الرغم من إيراده الضعيف الهزيل. فليت البعض يفكر في خير من أجل المغتربين والمغتربات، ولم تقدم لهم الكنائس والجمعيات جزءًا من مجهودها ورسالتها.
هناك ابن يدفع عن أبيه ما يقصر فيه دفعه من العشور. وهناك من يرفعون القرابين عن أرواح المنتقلين.
إن كنت لا تستطيع أن تعمل خيرًا لإنقاذ إنسان، فليكن خيرًا أن تصلي لأجله، أو أن تصوم، أو تقيم قداسًا…
لو سهر التلاميذ الثلاثة مع المسيح ساعة واحدة في بستان جثسيماني، لكان هذا عمل خير لا ينساه لهم الرب. المريمات ويوحنا الحبيب، كل ما فعلوه أنهم وقفوا إلى جوار صليب المسيح. لم يدافعوا عنه، ولم يموتوا بدلًا منه، ولكن وقوفهم إلى جواره تذكره لهم الأجيال.
اعمل ما تستطيع أن تعمله. المهم أن تعمل وكفى.
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “صانعو الخير”، الكرازة 20 يونية 1980م.





