كيف أعَدّهُـــم؟

كيف أعَدّهُـــم؟[1]
لقد صعد الرب إلى السماء، وترك تلاميذه لخدمة الكنيسة. ولكنه قبل أن يتركهم، وقبل أن يعهد إليهم بتلك المسئولية الخطيرة، كان قد أعدّهم للخدمة. فكيف أعدّهم؟
في الواقع أن الرب – على مر العصور، ومن أقدم مراحل التاريخ – له طرق كثيرة جدًا في إعداد الخدام للخدمة.
منذ البدء
*فهو أعدّ إبراهيم أبا الآباء والأنبياء: أعدّه بالطاعة والغربة، وبالخيمة والمذبح. فسار إبراهيم وراءه “وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَأْتِي” (عب 11: 8).
*وأعد يوسف الصديق بالتجارب الكثيرة في تعرضه لحسد أخوته، وإلقائه في البئر، وبيعه كعبد لبيت فوطيفار. وتعرضه أيضًا للتجربة التي حدثت له من امرأة سيده، وادعائها عليه ظلمًا بحيث تم إلقاؤه في السجن، وأعده الله أيضًا بموهبة تفسير الأحلام…
*وأعد الله داود إعدادًا خاصًا. فبعد أن كان مجرد فتى “أَشْقَرَ جَمِيلَ الْمَنْظَرِ” (1صم17: 42)، يرعى الغنم، ويحسن الضرب على العود، جعله جبار بأس، يمكنه أن يلاقي دبًا وأسدًا فينتصر عليهما لكي ينقذ شاة من قطيعه (1 صم17: 36).. وأعدّه بغيرة في قلبه وشجاعة وحماسًا حتى خرج لملاقاة جليات الجبار بإيمان يقول فيه له: “الْحَرْبَ لِلرَّبِّ… الْيَوْمَ يَحْبِسُكَ الرَّبُّ فِي يَدِي” (1صم17: 47، 46). واستطاع أن يهزم ذلك الجبار.
وأعدّه أيضًا بقيام شاول الملك ضده بكل ما له من بطش وحسد فطارده من برية لبرية يريد قتله، وحاول أن يثير عليه حتى ميكال زوجته ويوناثان صديقه… كل ذلك سمح به الله لكي يخشوشن داود، ويتحول من ذلك الشاعر الرقيق والموسيقي الذي يعزف على القيثار والمزمار والعشرة أوتار إلى إنسان يصلح للملك.
ولما صار داود ملكًا، سمح له الله بتجارب أخرى. فتعرض لمتاعب من يوآب رئيس جيشه، ومن قيام أبشالوم ابنه ضده، ومن خيانة أخيتوفل، ومن شتائم وإهانات شمعي بن جيره… كل هذا كان له تأثير على داود في صلواته ومزاميره وخبراته مع الله. فصار يقول: “لَوْلا أنَّ الرَّبَّ كان مَعنا عِنْدَما قامَ النّاسُ عَلَيْنا. لابْتَلَعونا ونَحْنُ أحْياء”، “نَجَتْ أنْفُسُنا مِثْلَ العُصْفورِ مِنْ فَخِّ الصَّيّادينَ… ” (مز124: 2، 3، 7).
*كذلك أعدّ الله صموئيل. فسمح أن يتربى في الهيكل وهو طفل صغير، في خدمة هيكل الله في شيلوه… وأعدّه بالرؤى والحديث معه وهو بعد طفل. ثم كان معه حتى جعله نبيًا عظيمًا، واستحق أن يمسح الملوك. فمسح شاول ملكًا، ومسح داود بعده ملكًا، وكان روح الرب يحل على من يمسحه… (1صم 10) (1صم 16).
*بل إن الله أعدّ إرميا قبل أن يولد. ولذلك قال له: “قَبْلَمَا صَوَّرْتُكَ فِي الْبَطْنِ عَرَفْتُكَ وَقَبْلَمَا خَرَجْتَ مِنَ الرَّحِمِ قَدَّسْتُكَ” (إر1: 5)، “جَعَلْتُكَ الْيَوْمَ مَدِينَةً حَصِينَةً وَعَمُودَ حَدِيدٍ وَأَسْوَارَ نُحَاسٍ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ… فَيُحَارِبُونَكَ وَلاَ يَقْدِرُونَ عَلَيْكَ لأَنِّي أَنَا مَعَكَ يَقُولُ الرَّبُّ لأُنْقِذَكَ” (إر1: 18، 19).
وفي تاريخ الكنيسة نرى أمثلة أخرى في إعداد الرب لقديسيه.
*أعدّ القديس أنطونيوس الكبير بقابلية للتعلم واستعداد لقبول كلمة الله. فما أن سمع في الكنيسة الآية التي تقول: “إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلًا فَاذْهَبْ وَبِعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ… ” (مت19: 21)، حتى مضى فعلًا وباع كل أراضيه وأعطى الثمن للفقراء. وكان أيضًا قد تأثر بمنظر أبيه وهو ميت، فناجاه قائلًا: “أين عظمتك وغناك، لقد تركت كل شيء بغير إرادتك. ولكني سأترك الكل بإرادتي”. أعد الله هذا القديس بما تعلمه من النساك الذين على حافة القرية. فكان مثل النحلة تمتص من كل زهرة رحيقًا أعدّه أيضًا بنصيحة تلك المرأة التي تعرّت لتستحم فقال لها: “أما تستحي مني وأنا رجل راهب. فهزأت به وقالت له: “لو كنت راهبًا لسكنت البرية الجوانية، لأن هذا المكان لا يصلح لسكنى الرهبان”. فاعتبر أن كلمتها من الله، وذهب إلى البرية الجوانية…
أعده الله بمحاربات كثيرة من الشياطين، بمناظر وأصوات وأحيانًا ضربوه حتى تركوه بين حي وميت. فكان يصمد أمام تهديداتهم ويقول لهم: “لو كان الله قد أعطاكم سلطانًا عليَّ، فمن أنا حتى أقاوم الله؟! وإن لم يعطكم سلطانًا فلن يستطيع أحد منكم أن يؤذيني ثم يردد مزاميره. وهكذا إذ غلب الشياطين، أصبحوا يخافون منه، وصار فيما بعد يُخرج الشياطين.
*كذلك أعد الله القديس أثناسيوس منذ صغره بعقلية ناضجة جدًا وفهم للكتب. واستطاع – وهو شاب صغير- أن يصّدر كتابين هامين في اللاهوت هما تجسد الكلمة، والرسالة إلى الوثنيين. أعده الله أيضًا بمحبة الأب البطريرك له أي البابا ألكسندروس، فأخذه معه إلى مجمع نيقية المسكوني حيث ظهرت مواهبه في الرد على الأريوسيين وفي صياغة قانون الإيمان المسيحي. وهكذا اختير بطريركًا وهو شاب في حوالي الثلاثين وصار البابا العشرين من بابوات الكرسي المرقسي… وأعده الله بعد ذلك بمحاربات كثيرة مع الأريوسيين ومن الإمبراطور نفسه. فنُفي عن كرسيه أربع مرات إلى بلاد الغرب، فكان يكرز هناك ويعلم ويشرح الإيمان السليم وينشئ كنائس… واستحق أن تلقبه الكنيسة بلقب الرسولي.
رُسُــــل المسيح
تلاميذه هؤلاء، كيف أعدّهم خلال ثلاثة سنوات أو أكثر؟
*أعدهم أولاً بالقدوة الصالحة. فعاشوا معه طوال تلك السنوات كأشخاص مكرسين ينتقلون معه من مكان إلى آخر، يرون حياته كيف تكون. وكيف يتصرف ويتعامل مع الناس، ويأخذون من حياته قدوة.
*وأعدّهم أيضًا بالتعليم. وكان هذا التعليم على نوعين: أحدهما هو التعليم العام الذي يلقيه على الناس جماعات وأفرادًا ويحضره تلاميذه والنوع الآخر تعليم خاص فيما بينهم وبينه. وقد تلقوا هذا التعليم في عمقه، حتى أن تلميذه بطرس قال له مرة: “يَا رَبُّ إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ” (يو6: 68).
*أعدّهم أيضًا بحياة النسك. فهو شخصيًا لم يكن له بيت ولا مكان ثابت للخدمة. وهم صاروا مثله، ليس لهم مكان. وهم عبروا عن ذلك بقولهم: “قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ” (مر10: 28). وهكذا أعدهم الرب بهذه الحياة المتفرغة تمامًا للخدمة، في نسك، وبعد عن الأهل، وبعد عن الذهب والفضة، إذ قال لهم: “لاَ تَقْتَنُوا ذَهَبًا وَلاَ فِضَّةً وَلاَ نُحَاسًا فِي مَنَاطِقِكُمْ” (مت10: 9).
*وأعدّهم أيضًا بنماذج عجيبة للخدمة وفي محبة الكل:
كيف أنه كان يحب الجياع والمساكين، ويقول في معجزة الخمس خبزات والسمكتين “لَسْتُ أُرِيدُ أَنْ أَصْرِفَهُمْ صَائِمِينَ لِئَلاَّ يُخَوِّرُوا فِي الطَّرِيقِ” (مت15: 32). كذلك محبته للمرضى واشفاقه عليهم، وعلاجه لأصحاب الأمراض المستعصية التي تبدو وكأن لا شفاء لها إطلاقًا، كالعميان والمولودين بالعمى، والذين عليهم شياطين وكل الذين بأنواع أمراض كثيرة، فكان يضع يديه على كل واحد منهم فيشفيهم. وهكذا “جَالَ يَصْنَعُ خَيْرا” (أع 10: 38). وفي ذلك تعليم آخر لهم.
*أعدّهم أيضًا بالتدريب العملي وأعطاهم سلطانًا على أرواح نجسة حتى يخرجوها وقال لهم: “اكْرِزُوا قَائِلِينَ: إِنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ. اِشْفُوا مَرْضَى. طَهِّرُوا بُرْصًا. أَقِيمُوا مَوْتَى. أَخْرِجُوا شَيَاطِينَ. مَجَّانًا أَخَذْتُمْ مَجَّانًا أَعْطُوا” (مت10: 7، 8). ولما رجع البعض فرحين قائلين: “حَتَّى الشَّيَاطِينُ تَخْضَعُ لَنَا بِاسْمِك” قال لهم: “لاَ تَفْرَحُوا بِهَذَا… بَلِ افْرَحُوا بِالْحَرِيِّ أَنَّ أَسْمَاءَكُمْ كُتِبَتْ فِي السَّمَاوَاتِ” (لو10: 17، 20).
*أعدّهم بتركيز شديد، وغرس فيهم الإيمان والقوة والمعرفة ومحبة الآخرين. وأراهم كيف يمكن أن يخدم في كل مكان، بل وهو يمشي في الطريق أو وسط الحقول، أو وهو على الجبل، أو على شاطئ البحيرة… والتقطوا هذه الحياة منه.
*وأعدّهم إعدادًا خاصًا بالكلام الذي قاله لهم قبل ذهابه إلى جثسيماني وإلى الجلجثة، وبوعده لهم بالروح القدس. ثم ظهوره لهم بعد القيامة، يزيل شكوكهم ويقوي إيمانهم ويثبتهم. وبقضائه معهم أربعين يومًا يحدثهم “عَنِ الأُمُورِ الْمُخْتَصَّةِ بِمَلَكُوتِ اللهِ” (أع1: 3). حيث أوصاهم بكل شيء وسلمهم تقاليد الكنيسة كلها وطقوسها وأسرارها، وائتمنهم على التعليم وأوصاهم أن يعلموا الناس جميع ما أوصاهم به وأن يعمدوهم. وإن نسوا شيئًا فإن الروح القدس سوف يذكرهم بكل ما قال لهم.
*والعجيب أنه بعد كل هذا قال لهم: “فَأَقِيمُوا فِي مَدِينَةِ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَنْ تُلْبَسُوا قُوَّةً مِنَ الأَعَالِي” (لو24: 49). وماذا كانت تلك القوة؟ قال لهم: “سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ وَتَكُونُونَ لِي شُهُوداً فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ” (أع1: 8).
وهكذا أراهم كيف يهتمون بالسامريين الذين كان اليهود لا يتعاملون معهم، وكذلك كيف يكرزون بين الأمم الذين كانوا يعتبرون أعداء لليهود لا يخالطونهم…
*ولم يكتف بهذا وإنما وعدهم أن يكون معهم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر. ومنحهم الروح القدس ومواهب كثيرة تساعدهم على الخدمة. “فَخَرَجُوا وَكَرَزُوا فِي كُلِّ مَكَانٍ وَالرَّبُّ يَعْمَلُ مَعَهُمْ وَيُثَبِّتُ الْكَلاَمَ بِالآيَاتِ التَّابِعَةِ” (مر16: 20).
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “كيف أعَدهُم؟”، الكرازة: 25 مايو 2007م.



