ماذا تركت من أجل الله

الإنسان في الصوم يترك من أجل الله لذة الجسد، لذة الطعام، لذة الأكل والشرب، شهوة البطن. ويحمل هذا الامر معنى روحيًا وهو أن الإنسان لابد أن يترك شيئًا من أجل الله.. وهنا نسأل:
ماذا تركت من أجل الله1
أول وصية أعطاها الله للإنسان كانت هي الصوم.
أمره أن يترك شجرة معينة تحمل ثمرة معينة من بين جميع أشجار الجنة وثمارها.
المهم ان الله أمر آدم وحواء أن يتركا شيئًا من أجله، حتى لو كان مجرد ثمرة.
السيد المسيح من أجلنا ترك سماءه وبهاء مجده، وأخلى ذاته، وأخذ شكل العبد. وفي صلبه ترك من أجلنا الراحة ودخل في الألم، وفي موتة ترك الحياة الجسدية. وفي صومه ترك الناس كلهم واعتكف في الجبل، وترك الطعام وصام.
علينا إذن أن نهتم بفضيلة الترك هذه، أو فضيلة الزهد ونترك شيئا من أجل الله.
يحارب الإنسان بالجمع والتكويم، ويحارب بالرغبات والشهوات، ويحارب بالقنية وحب الامتلاك. يحارب بالذات: كيف يكبر، وكيف يشبع، وكيف يأخذ، وكيف يمتلئ. وفي كل ذلك أعطى الله الإنسان وصاياه ليعلمه الترك، حتى لا يكون محبًا لذاته، أو محبًا لمقتنياته، أو محبًا لما يملك، أو محبًا للكرامة والعظمة والمجد الشخصي أو لأي شيء في يده.
من أجل هذا يحتاج الإنسان أن يتدرب كيف يترك شيئا لأجل الله تمهيدًا لأن يترك الكل، ويصبح الله بالنسبة إليه هو الكل في الكل.
من الوصايا التي أعطانا الله إياها لكي نتدرب على الترك، وصية العشور. قال لنا سأعطيكم شيئًا على شرط أن تتركوا منه عُشره، فلا تتمسكوا بالكل. إن الله الذي في يده كل الخيرات والعطايا، والذي يستطيع أن يخلق ما يشاء من الخيرات والغنى والهبات، ليس هو محتاجًا إلى عُشورنا.
لكنه أعطانا وصية العشور، لكي نتعود أن نترك شيئا:
نتعود أن نعطي، وليس فقط أن نأخذ، نعطى مالًا، ونعطى حبًا. نبذل، ولا نهتم بالجمع والتكويم.
ونفس الوصية يمكن أن تنطبق أيضًا على البكور، وعلى النذور، والنوافل، وعلى كل القرابين التي يقدمها الإنسان لله، وكل الصدقات والعطايا التي يقدمها لإخوته في البشرية. إنها جميعًا تحمل معنى فضيلة الترك وتزداد هذه الفضيلة عمقًا، كلما ترك الإنسان من أعوزاه.
إن أعطيت من كمالياتك، من غناك وسعتك، من الكثير الذي عندك، لا تحس أنك قد تركت شيئًا ذا قيمة. ولكنك عندما تعطي وأنت محتاج وأنت معوز “عندئذ تكون من أجل المحبة قد تركت شيئًا له قيمة عندك. مثلما تركت أرملة صيدا، في فترة المجاعة، كل ما عندها من دقيق وزيت لإيليا النبي. ومثل الأرملة التي تركت الفلسين وهما كل ما تملك.
ويظهر عمق هذه الوصية أيضًا عندما تترك شيئًا لأجل راحة غيرك، وتتركه في حب وبشاشة وفي رضى..
لأجل هذا يقول الكتاب “المعطي بسرور يحبه الرب”
إذن فضيلة الترك هذه تبدو في علوها وعمقها حينما تكون بفرح، ليست عن اضطرار أو إرغام، وليست بضيق قلب أو تذمر، وإلا تكون مجرد ترك خارجي، وليست صادرة عن القلب من الداخل…
لأنه يجب أن يشترك القلب مع اليد في فضيلة الترك.
تاريخ القديسين يعطينا صورًا جميلة لقديسين تركوا أثمن ما عندهم، أو كل ما عندهم لأجل الله. مثل القديس سرابيون الكبير الذي ترك ثوبة، ثم ترك إنجيله، حبًا في الفقراء، ورجع إلى قلايته عريانًا!!
وهذا العمق في الترك يتفق مع وصية الرب القائلة “إن أردت أن تكون كاملًا، اذهب بع كل ما لك، واعطه للفقراء، وتعالى اتبعني.
إذا دخل أخ إلى قلايتك، وأعجب بشيء فيها، لا تدعه يمضي إلا وذلك الشيء معه.
معنى ذلك أننا لا نتمسك بشيء إلا بالحب فقط، وفي سبيله نترك كل شيء. ومعناها أن قلوبنا لا تتعلق بشيء مما في العالم، ولا ندع شيئا من مقتنياتنا يمنعنا من تنفيذ الوصية أو يمنعنا من حب أخوتنا وخدمتهم.
إن كان عندك شيء، أتركه من أجل الرب. وإن لم يكن عندك، فكن مستعدًا بقلبك أن تترك. وما لم تستطيع أن تنفذه عمليًا، نفذه قلبيًا.
ولذلك فنحن عندما نصلي في أوشيه القرابين لا نطلب فقط أن يعوض الرب الذين أعطوا، أصحاب الكثير وأصحاب القليل، بل نقول له أيضًا “والذين يريدون أن يقدموا لك وليس لهم”. هؤلاء أيضًا نطلب لهم الأجر السماوي.
بولس الرسول، في فضيلة الترك، قال كلمة جميلة هي:
خسرت كل الأشياء، وأنا أحسبها نفاية، لكي أربح المسيح”.
ترك كل شيء، ولم يشعر أنه ترك شيئًا. لم يحس أنه ترك شيئًا ذا أهمية أو ذا قيمة، بل حسب الكل كنفاية (زبالة)، لكي يربح المسيح.
وما فعله بولس الرسول، فعله باقي الرسل. وعبر عنهم في ذلك بطرس الرسول حينما قال للرب عبارته الخالدة “قد تركنا كل شيء وتبعناك”.
فضيلة الترك هذه تتضمنها وصية أخرى هي حفظ السبت.
الله أعطانا أسبوع حياة، على شرط أن نترك منه يومًا يكون للرب. كان السبت قديمًا، وصار الأحد في العهد الجديد. هذا اليوم لا نعمل فيه أي عمل لأجل حياتنا اليومية العادية، أو حياتنا المادية، بل هو يوم للرب.
هناك أشخاص لم يتركوا فقط لأجل الرب يومًا واحدًا في الأسبوع، إنما تركوا العمر كله. فصارت حياتهم كلها سبتًا للرب.
هؤلاء هم الذين كرسوا حياتهم كلها لله أصبحت كل دقيقة من دقائق عمرهم ملكًا للرب. بعضهم صاروا كهنة، وبعضهم صاروا رهبانًا أو راهبات، وبعضهم صاروا خدامًا للكلمة، وبعضهم عملوا في خدمة الكنيسة وفي خدمة الملكوت بأية صورة من الصور قائلين “إن عشنا فللرب نعيش”… إن الله كما طلب من الناس أن يتركوا شيئًا من أموالهم، وشيئًا من أوقاتهم، طلب منهم أيضًا أن يتركوا من أجله البنين.
يظهر هذا الترك واضحًا في الوصية الخاصة بالبكور…
قال الرب “قدس لي كل بكر، كل فاتح رحم”. فقبل الكهنوت الهاروني كان كل الأبكار ملكاً للرب… كانوا نصيب الرب. بل إن وصية البكور شملت أيضًا البهائم والأغنام، وشملت الثمار ومحاصيل الأرض، وأصبح كل إنسان يدرك أنه لا يملك كل ما في يده، وإنما يترك منه شيئًا للرب، يترك البكور… يترك أأإأااأأول كل حزمة يحصدها من حقله…
وظهرت وصية البكور في عمقها عندما كانت تتعلق بالابن الوحيد.
أنظر إلى قول الرب لأبينا أبراهيم “خذ ابنك، وحيدك، الذي تحبه نفسك، اسحق. وقدمه لي محرقة على الجبل الذي أريك إياه”.
من يستطيع أن يفعل هذا؟! ليس فقط أن يترك ابنه لله، وإنما يتركه وسط النيران على المذبح، ويقدمه بنفسه. ولكن هنا يظهر عمق الترك.
وبنفس الوضع، بدرجة أخف، قدمت حنه ابنها صموئيل بكرها ووحيدها وثمرة دموعها، فصار خادمًا للرب.
ونفس الوضع حدث مع السيدة العذراء، عندما صعد على الصليب ابنها وبكرها ووحيدها…
فهل أنت أيضًا مستعد أن تقدم أحد أبنائك للرب، لا ليقدم محرقة على المذبح، ولا لكي يصعد على الصليب، وإنما لكي يكون خادمًا للرب، مكرسًا لخدمته أو لعبادته …! ليتك تستطيع…
محبة الترك تظهر جميلة في قصة أرونه اليبوسي:
جاءه داود النبي يطلب منه أن يشتري منه بيدره لكي يصير هيكلًا للرب. ففرح أرونه، ولم يكتف بأن يترك هذا البيدر للرب، بل أراد أن يعطيه للرب هبة، ليس فقط البيدر، وإنما أيضًا “البقر للمحرقة، والنواجر وأدوات البقر للوقود”. (2 صم 24).. له أعطي الكل، وبفرح.
المهم أن تعبر عن محبتك لله بأن تترك شيئًا لأجله.
وأن تعبر عن عدم محبتك للعالم، وعن زهدك فيه، بأن تترك منه شيئًا. وبقدر ما تترك هكذا يكون زهدك، وهكذا يكون حبك… هذا العالم الذي تتركه الآن بإرادتك، قبل أن يأتي الوقت الذي تتركه فيه بغير إرادتك.
الذي تتركه الآن بإرادتك، يحسب لك برًا. ولكن العالم كله عندما تتركه بغير إرادتك، لا يحسب لك شيئًا…
خير لك إذن أن تترك الآن، وبما تتركه تكنز لك كنوزًا في السماء. بدلًا من أن تتمسك بهذه الكنوز ههنا، ثم تتركها على الرغم منك دون مكافأة أو تعويض هناك…
بهذه النظرية تصرف القديس العظيم الأنبا أنطونيوس، فكان حكيمًا في عمله، وفي نظرته البعيدة، إلى الأبدية.
بنفس الحكمة تصرف موسى النبي، حينما ترك قصر فرعون.
“حاسبًا عار المسيح غنى أفضل من كل كنوز فرعون”
ترك الغني، والالقاب، والسلطة، والامارة، والقيادة… كل ذلك من أجل الرب… لذلك صار “إلهاً” لفرعون…
وبنفس الأسلوب ترك مار جرجس منصبه العسكري، وكل الاغراءات التي عرضت عليه… وهكذا فعل كل الشهداء.
جميع الشهداء برهنوا على محبتهم لله، بأنهم تركوا كل شيء لأجله، حتى حياتهم نفسها…
وأنت، ما الذي يطلبه منك الرب في صومك؟ هل مجرد بضعة أنواع من الطعام؟! ما أتفه هذا الطعام إذا قورن بما تركه القديسون لأجل الرب.
أنظر ما الذي قاله الرب لأبينا إبراهيم في دعوته “أترك أرضك وعشيرتك وبيت أبيك، واذهب إلى الأرض التي أريك إياها”.
ونفس الكلام يقوله المرتل في المزمور للنفس البشرية.
“اسمعي يا ابنتي وأنظري، واميلي سمعك، وانسي شعبك وبيت ابيك. فإن الرب قد اشتهى حسنك وله تسجدين”.
رفقة القديسة من أجل اسحق تركت أهلها وبلادها، وذهبت وراءه إلى أرض بعيدة. أرسانيوس معلم أولاد الملوك، ترك منصبه العظيم وترهب. مكسيموس ودوماديوس الأميران تركا الملك وكل المناصب، وذهبا إلى البرية للعبادة:
الرهبان تركوا العالم كله محبة لله، والشهداء تركوا الحياة محبة لله. وكل الابرار تركوا ملاذ العالم وشهواته.
وأيضا المبشرون تركوا بلادهم وأهلهم، وذهبوا إلى مجاهل أفريقيا، وإلى بلاد البربر، وإلى بلاد تأكل لحوم البشر، كل ذلك لأجل ملكوت الله ورسالة الإنجيل… وأنت، ماذا ستتركه لأجل الرب؟
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد الحادي عشر) 14-3-1975م



