كن أمينًا في القليل

إن الله يطلب منا في حياتنا الروحية أن نكون أمناء: ليست الدرجة التي نحن فيها هي الشيء المهم، إنما المهم هو مقدار أمانتنا في هذه الدرجة أيًا كانت. الله لا يطالبك بأن تكون صاحب خمس وزنات أو وزنتين، إنما يطالبك بأن تكون أمينًا في هذه الوزنة التي معك، في مسئوليتك مهما كانت قليلة…
كن أمينًا في القليل1
هكذا قال السيد المسيح “كنت أمينًا في القليل، فسأقيمك على الكثير، أدخل إلى فرح سيدك”.
إن الله يريد منا الأمانة في كل علاقاتنا معه. الأمانة التي تتطلب الدقة والحرص في كل ما يعطينا من مسئوليات، فنعملها من كل القلب وبكل الجهد، بكل أمانة…
ومن جهة هذه الأمانة قال الرب: “يا ترى من هو الوكيل الأمين الحكيم، الذي يقيمه سيده على عبيده، ليعطيهم طعامهم في حينه”. وقال: “نعمًا أيها العبد الصالح والأمين”. ويقول الكتاب: “ملعون من يعمل عمل الرب برخاوة”.
ولعل سائل يسأل: ما هي حدود هذه الأمانة؟ يجيب الرب “كن أمينًا إلى الموت، فسأعطيك إكليل الحياة” (رؤ2: 10).
إلى الموت. أي لو أدى الأمر أن تستشهد في سبيل هذه الأمانة، فالأفضل أن تموت وتكون أمينًا…
كن أمينًا في القليل الذي معك، فيقيمك الله على الكثير.
لما كان يوسف أمينًا على بيت فوطيفار، أقامه الله على قصر فرعون وكل مصر. ولما كان داود أمينًا على الغنيمات القليلات في البرية، أقامه الله على الشعب كله…
لو أن الصبي داود فر هاربًا عندما هجم الأسد والدب على شاة من غنمه، ما كان يلومه أحد. فهو صبي صغير من جهة، وأمام وحشين مفترسين من جهة أخرى. فله عذره… ولكنه لم يعتمد على الأعذار، وصارع الوحشين، وخلّص الفريسة من أنيابهما. واستطاع أن يقتل الأسد والدب جميعًا… (1صم17: 36). وهكذا كان أمينًا على القليل، على هذه الشاة الواحدة، فأقامه الرب على الكثير، ودخل إلى فرح سيده..
كثيرون لا يكونون أمناء في عملهم، ويتطلعون إلى الرتب العليا، قائلين “لو كنت (كذا) لعملت وعملت…! كن أنت أمينًا فيما أنت فيه، وسيعطيك الرب نفس المكافأة التي لتلك الرتب.
إن الله لا يسأل عن رتبتك، بل عن أمانتك…
إن إسطفانوس رئيس الشمامسة الأول، ستكون له حتمًا في السماء مكانة وأكاليل أسمى بكثير من مكانة كثيرين من رؤساء الأساقفة، ممن كانوا أقل منه في أمانتهم. تمامًا كرواية تحضرها، لا يكون التقدير فيها لمن مثل دور ملك أو قائد، إنما التقدير كله لمن أتقن دوره، بأمانة..
إن كنت أمينًا في القليل، الذي هو نفسك، يقيمك الله على الكثير الذي هو نفوس الآخرين.
أما إن لم تكن أمينًا على نفسك، التي تحبها أكثر من الكل، وتعرف أعماقها أكثر من الكل، ويهمك أبديتها… إن لم تكن أمينًا على نقاوتها وعلى مصيرها، فكيف يمكن أن يأتمنك الرب على نفوس أخرى؟!
إن كنت أمينًا على بيتك، يمكن أن يقيمك الرب على بيته.
لذلك يشترط في الكاهن أن يكون قد دبّر بيته حسنًا، له أولاد في الخضوع قد أحسن تربيتهم. وكان أمينًا في هذا العدد القليل من الأبناء، حتى يقيمه الرب على أبنائه الكثيرين.
يمكن أن تؤخذ الأمانة في القليل بمعنى آخر:
إن كنت أمينًا في القليل، الذي هو هذه الحياة الأرضية، يقيمك الله على الكثير، الذي هو الأبدية…
لأنه لا شك أن حياتنا على الأرض هي شيء قليل جدًا وتافه وغير موجود، إذا قيست بالأبدية التي لا تنتهي. وعلينا أن نكون أمناء في هذا القليل. وبقدر أمانتنا فيه يضاعف الله أجرنا في حياة الأبد…
إن كنت أمينًا لهذا الجسد المادي الفاني، يقيمك الله على الجسد النوراني الروحاني في الملكوت.
قد يقول البعض: أريد أن أصل إلى محبة الله، فكيف السبيل؟ نجيبه: كن أمينًا في القليل الذي هو محبة القريب. لأنه كما يقول يوحنا الرسول: إن كنت لا تحب أخاك الذي تراه، فكيف تحب الله الذي لا تراه؟!
القديس الأنبا أبرام أسقف الفيوم كان أمينًا جدًا في فضيلة العطاء، فأعطى للمساكين كل ما تحت يده من مال، بل أعطى حتى ثيابه واثاثاته. وأظهر رحمة عجيبة جدًا.
فلما رأى الله أمانة الأنبا أبرام في عمل الرحمة بالمال، أقامه على الكثير الذي هو عمل الرحمة بمعجزات الشفاء.
فمنحه الله مواهب متعددة من الروح القدس، استطاع بها أن يكمل عمل الرحمة نحو الناس… هل يجرؤ إنسان إذًا أن يسأل الله قائلًا: “أعطني موهبة الشفاء”؟! عندئذ سيسأله الله: أتريد هذه الموهبة لأجل المجد الباطل أم لأجل الرحمة؟ فإن كان لأجل الرحمة، فهل كنت رحيمًا في ما تحت يدك من إمكانيات؟ هل كنت أمينًا في القليل حتى تقام على الكثير؟
إنسان يطلب من النعمة أن تمنحه فضائل الروح، فيقال له: كن أولًا أمينًا في القليل الذي هو فضائل الجسد…
إن زهد الجسد يوصل إلى زهد الروح، وتواضع الجسد يمكن أن يوصل إلى تواضع الروح. وخشوع الجسد يوصل إلى خشوع الروح… وهكذا.
في العبادة أيضًا، كن أمينًا في القليل، فيقيمك على الكثير.
كن أمينًا في صلاتك، مهما كانت ناقصة، فيعطيك الله الصلاة الكاملة. اثبت في الصلاة، ولو كانت بغير تأمل، وبغير حرارة، وبعقل مشتت. فإن الله من أجل ثباتك وأمانتك، سيمنحك الصلاة الطاهرة الروحانية.
إنسان يريد التخلص من الأحلام الخاطئة، نقول له: كن أمينًا من جهة طهارة عقلك الواعي، فيقيمك على طهارة العقل الباطن وطهارة الأحلام.
كن أمينًا، فلو تركت الخطايا الإرادية، حينئذ يقيمك الله منتصرًا على الخطايا غير الإرادية… بكل أمانة قاوم الخطايا السهلة، حينئذ يعطيك الرب النصرة على الخطايا الصعبة.
إن الشيطان يحاربك أحيانا بالصغائر ليرى مدى أمانتك للرب. فإن وجدك غير أمين فيها، يحاربك بالخطايا البشعة الكبيرة.
إن أرملة صرفه صيدا كانت أمينة على حفنة الدقيق وكوز الزيت أيام إيليا النبي، لذلك أقامها الله على خير لا ينضب طوال فترة المجاعة. كذلك أنت.
كن أمينًا على الإرادة الضعيفة التي لك، استخدمها بكل ما في ضعفها من رمق باق، حينئذ يقيمك الله على الإرادة القوية.
إن الله لا يطلب منك أزيد مما تحتمله إرادتك. لا يطلب منك شيئًا كثيرًا. لا يطلب إلا الأمانة في هذا القليل الذي تحت يدك. وحينئذ يقيمك هو على الكثير الذي عنده.
إن كنت مثلًا عاجزًا في حرب الأفكار، نصيحتي لك:
كن أمينًا بالنسبة إلى الحواس، فيقيمك الرب على الأفكار…
ولا شك أن حرب الحواس أسهل. من السهل أن تقاوم النظر والسمع أكثر مما تقاوم الفكر. فاثبت في هذا القليل، لكي يقيمك على الكثير…
جاهد بكل قوتك. سيأتي وقت يمنحك الله فيه إكليل البر، أي حياة عدم الفساد، الحياة التي لا خطية فيها، ولا ضعف ولا ميل، ولا سقوط.
كن أمينًا إذًا في حرية إرادتك، ليقيمك الله على إكليل البر.
هناك أشياء كثيرة في متناول إرادتك، وليست صعبة. اعملها من أجل الرب. وعندئذ يعطيك الرب ما لا تقدر عليه إرادتك. تكمّل النعمة عمل جهادك، أو تصحب جهادك الضعيف، الأمين على الرغم من ضعفه، وتمنحه القوة…
لا تطلب الدرجات العليا، بل كن أمينًا في درجتك الحالية…
إن القفزات في الحياة الروحية لا تفيد، إنما الأمانة في كل درجة تقود إلى الدرجة التي تليها. إنه سلم روحاني، كلما ثبتت قدماك على درجة منه، يمكن أن تصعد إلى الأعلى منها…
كن أمينًا على هيكلك الخاص الذي يسكنه الروح القدس، حينئذ يمكن أن يقيمك الرب على هيكله، كن أمينًا في واجباتك العالمية، فيقيمك الرب على الأمور الروحية.
المهم، أن تدخل الأمانة إلى حياتك. فتعمل بكل قلبك، بكل دقة، بكل حماس، بكل حرص، بكل أمانة.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد السابع عشر) 25-4-1975م




