اليقظة الروحية (3)

اليقظة الروحية (3)
تحدثنا في العدد الماضي عن اليقظة الروحية، وأهميتها ومعطلاتها. ونود في هذه المحاضرة أن نتحدث عن دوافع اليقظة الروحية ومسبباتها.
فما هي هذه الدوافع والمسببات؟
الدافع الأول: محبة الله:
أحيانًا يخجل الإنسان من محبة الله وعنايته به على الرغم من خطاياه، فتهز هذه المحبة أعماق نفسه، فيستيقظ ضميره. يخجل من الله الذي ما يزال يعطف عليه وهو في عمق سقوطه، فيقول له “أنا يا رب مكسوف منك. أنت عاملتني بطريقة أخجلتني. أنا من الآن أسير محبتك”.
من ضمن الناس الذين أيقظتهم محبة الله، زكا العشار…
كان غارقًا في الظلم والقسوة. وذهب ليرى المسيح، لا حبًا، وإنما بقصد الفرجة. كل ما كان يريده أن يرى المسيح، وتسلق شجرة ليرى. وفوجئ بأن هذا الرجل العظيم المشهور صاحب المعجزات، يقف عنده، ويناديه باسمه، ويستضيف نفسه عنده. فيعلن أمام الناس أنه سيزور زكا الخاطئ، العشار، ويتعشى في بيته. أسَرَته هذه المحبة، وهذه اللفتة الكريمة، فاعترف بخطاياه التي لم يعيّره بها المسيح، ورد الظلم الذي في بيته، وتاب، وحدث خلاص لأهل ذلك البيت…
هناك أناس مثل زكا تجذبهم محبة الله. وهناك أناس- على عكسهم- يجذبهم رفضه!
الدافع الثاني: رفض الله:
بعض الناس يستغلون المحبة طريقًا للاستهتار واللامبالاة، بينما توقظهم العقوبة. توقظهم الضربة الشديدة، والتجربة، والرفض.
من هذا النوع مريم القبطية: كانت تعيش في منتهى الفساد. ثم ذهبت إلى القدس للزيارة ولتمارس فسادها في الزحام. ولما وصلت إلى الأيقونة لم تستطع أن تتقدم لأخذ البركة. تسمرت قدماها في الأرض، ولم تقو على التقدم. شعرت أن الله قد رفضها، فانكسر قلبها، وعزمت على التوبة. وهنا تحركت قدماها. فشعرت بأن طريق خطيئتها سيهلكها. وتابت وترهبت، وصارت سائحة قديسة!!…
وهناك أشخاص يوقظهم رفض الكنيسة، مثل القديسة مرثا…
كانت امرأة خاطئة، مغنية وصديقة للأمراء. ولما ذهبت إلى الكنيسة منعها الإيبدياكون من الدخول. فاشتكت. فسمعها الأسقف، فقال لها “لا تستحقين الدخول لأنك امرأة خاطئة” فتأثرت جدًا من هذا الرفض. وقالت “ما عدت أخطئ” فأمرها بإحضار كل أملاكها وأحرقها خارج الكنيسة كأشياء نجسة. فقالت لنفسها “إن كانوا قد فعلوا بك هكذا على الأرض، فكم يكون عقابك في السماء؟!” وتابت، وصارت قديسة.
هناك أيضًا من تنفعهم الضربات لتوقظهم.
الدافع الثالث: الضربات والضيقات:
ولعل في مقدمة هذه الضربات الفشل. كما يقول الكتاب عن الخاطئ إنه لا يكون إلا مهزومًا مكسوراً كل الأيام(تث28). كل عمل تمتد إليه يده يفشل. تفارقه بركة الله، وتتركه للفشل والضياع، فيصحو إلى نفسه يشعر بالتخلي، فتنكسر نفسه ويتوب. مثال الذين أيقظهم الفشل يشوع عندما انهزم جيشه أمام قرية عاي الصغيرة. فشعر بغضب الله على خطيئة في وسطهم. فعمل على تطهير وتنقية المحلة. إن كنت فاشلا أيها الأخ فاستيقظ. إن وجدت كل الأبواب مسدودة أمامك، فارجع إلى الله الذي يفتح ولا أحد يغلق…
هناك أشخاص إذا تابعهم الفشل يلجأون إلى السحر والشعوذة، بدلا من اللجوء إلى الله بالتوبة. أما أولاد الله فيستفيدون من فشلهم رجوعًا إلى الرب…
آخرون تقودهم إلى التوبة الضيقات والأحزان. مثل أخوة يوسف الصديق الذين لما وقعوا في الضيقة، واشتدت اليد عليهم، تذكروا خطيئتهم إلى أخيهم الذي لم يرحموه. كم من شخص- كهؤلاء- إذا أصابته ضيقة، يستيقظ ضميره، ويقول “هذا ذنب فلان الذي ظلمته، أو ذنب فلان الذي صرفته والدمع في عينيه..!!”.
من أمثلة الذين أرجعتهم الضيقات، الابن الضال. لم يرجع إلا عندما جاع. وكذلك شمشون لم يتب إلا بعد فقأ عينيه وإذلاله… ومن أنواع الضيقات التي قد تُرجع الإنسان إلى الله، الأمراض، والحوادث، ووفاة الأحباء. ومن أمثلة الذين استيقظوا نتيجة المرض آخاب الملك فسامحه الله وقتذاك، وإن كان قد رجع فأخطأ.
ومن أنواع الضيقات التي قد توقظ الإنسان، شماتة الأعداء. ومثال ذلك القديس يعقوب المجاهد، الذي صحا لنفسه عندما شمت به الشيطان بعد سقوطه…
إن كانت الضيقات تقود إلى اليقظة، فهل تنتظر أيها الأخ ريثما تضغط عليك الضيقات لتستيقظ أم الأفضل أن تستيقظ من الآن دون أن يلجئ الله لاستخدام هذه الطريقة معك!!.
4- الدافع الرابع: عمل القديسين وشفاعتهم:
قد لا يفكر الإنسان الضال في أبديته، وربما لو تُرك إلى ذاته، لاستمر في حياته الضائعة، لا يصحو ضميره ولا يزعجه. ويظل هكذا إلى أن يتدخل القديسون في حياته. إما أن تتشفع فيه أرواح القديسين الذين رقدوا، أو أن يسعى لإنقاذه القديسون الأحياء.
مثال ذلك القديسة بائيسة:
هذه كانت فتاة غنية جدًا، وطاهرة جدًا، وكريمة جدًا. وظلت تنفق ثروتها على المساكين وعلى إضافة الغرباء. وبالتدريج دخل الشيطان في قلبها، وأسقطها مع الذين يرتادون منزلها من الضيوف ثم تطورت إلى حياة الفساد. وفقدت ثروتها، وانتهى بها الأمر إلى بيت للدعارة.
ولما سمع بأمرها الشيوخ القديسون ببرية شيهيت، صلّوا كثيرًا من أجلها، وأرسلوا إليها القديس يوأنس القصير لإنقاذها. هذا دخل إليها في زي علماني، وجلس صامتًا. ثم قال لها “يا ابنتي، لماذا أضلك الشيطان حتى بعت المسيح بهذا الثمن الرخيص”.
ونظر إليها وانفجر باكيًا. ولم تحتمل بكاءه، وعرفت أنه جاء لينقذها. فقالت له “يا أبي، هل يمكن أن تكون لي توبة”. فقال لها “نعم، ولكن ليس في هذا المكان”.
واستيقظت بائيسة، وتحرك قلبها بالتوبة، فتركت المكان وخرجت مع القديس إلى البرية. ولما أدركهما الليل تركها تنام في ناحية، وانفرد في مكان آخر بعيد عنها ونام. فرأى في رؤيا نورًا عظيما يمتد بين السماء والأرض، والملائكة صاعدين بروح بائيسة. فعرف أنها ماتت. فذهب إلى حيث كانت فوجدها ميتة. فذهب وأخبر القديسين بأمرها وكُتبت قصتها في السنكسار.
هذه المسكينة أيقظتها صلوات القديسين ودموعهم. وتشبهها إلى حد ما قصة القديسة تاييس.
وهذه أيضا لم يوقظها ضميرها، وإنما أيقظها القديس بيساريون، الذي ذهب إليها في مكانها الخاطئ متنكرًا في زي جندي. لم يكلمها، ولم يناقشها. وإنما وقف يصلي مزاميره. وفي آخر كل مزمور، يسجد بوجهه إلى الأرض ويقول “يا رب أنقذ هذه المسكينة”. واستيقظت تاييس. هزتها هيبة القديس وصلواته ومطانياته.
وكانت النتيجة أنه أخرجها من ذلك المكان، وأدخلها بيتا للعذارى. وذهب إلى القديس الأنبا أنطونيوس يروي له الخبر. فصام هذان القديسان ومعهما القديس الأنبا بولا البسيط ثلاثة أيام ليكشف لهم الرب خبرها. وبعد الصوم أتى الأنبا بولا البسيط إلى معلمه القديس أنطونيوس، وقال له “لقد قبل الرب توبة تاييس”. وشرح الأمر فقال “رأيت في رؤيا قديسين كثيرين جلوسًا على كراسيهم، وبينهم كرسي عال لا يجلس عليه أحد: فسألني الملاك الذي يشرح لي الرؤيا: من تظنه صاحب هذا الكرسي؟ فقلت له: لابد أنه أبي الأنبا أنطونيوس. فقال لي كلا، إنه كرسي تاييس التائبة.
إنها محبة القديسين للخطاة، وصلواتهم من أجلهم، التي توقظهم من غفلتهم، إن لم يفيقوا من تلقاء أنفسهم…
5- أناس آخرون توقظهم الذكريات المقدسة:
عندها يتذكر الإنسان محبته الأولى، وعمق حياته الروحية في ماضيه، قد يتحرك قلبه فيستيقظ. ربما تقع في يده مذكرة تأملات قديمة، وإذ يعاود قراءتها تهتز نفسه من الداخل، فيصحو. قد تصادفه صورة له مع أشخاص روحيين، فتذكره بتلك الأيام السعيدة…
مريم الخاطئة أيقظها عمها القديس إبراهيم. مجرد أنها نظرت إلى وجه الشيخ، واشتمت فيه رائحة القديسين وعرقهم، حينئذ تذكرت الأيام الحلوة القديمة فرجعت إلى نفسها، وتابت…
6- الدافع السادس: وسائط النعمة:
من ضمن الأشياء التي توقظ الإنسان أيضًا: القراءات الروحية، والاجتماعات الروحية، والألحان المؤثرة… بهذه الطريقة استيقظ أوغسطينوس عندما قرأ حياة القديس الأنبا أنطونيوس، وشعر بلذة وعمق الحياة النسكية التي عاشها ذلك العجيب… فتاب وتغير إلى العكس.
كل هذه أسباب من الخارج توقظ الخاطئين. وهناك أشخاص لا يفيقون إلا بسبب من الخارج، مثل لوط الذي لم ينتبه إلى نفسه، ويخرج من سادوم، وإنما خرج بسبب ملاكين دفعاه دفعا إلى الخارج ليترك المدينة الهالكة..
أما أنت، فلا تنتظر حتى يرسل لك الله ملاكين يخرجانك من سادوم، وإنما استيقظ أنت من ذاتك. قم من الأموات، فيضيء لك المسيح.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الخامسة – العدد الثالث -19 أكتوبر1974م



