كل الأشياء تعمل معًا للخير

كنا نتكلم في الأسبوع الماضي عن قصة يونان النبي. وأود أن ألاحظ في هذه القصة مبدأً روحيًا هامًا هو الذي شرحه بولس الرسول حينما قال: “كل الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبون الرب” (رو8: 28). عن هذه الآية نود أن نتحدث اليوم…
كل الأشياء تعمل معًا للخير1
في قصة يونان متاعب كثيرة، انتهت كلها بالخير…
يونان بلعه الحوت ولكنه استفاد من التجربة، وانتهت بالخير. وتعلّم منها الطاعة. وأهل السفينة صدمتهم الأمواج وكادت السفينة تنقلب، وألقوا بعض أمتعتهم في البحر. ولكن هذه الضيقة انتهت بالخير: إذ صلوا، ونذروا نذورا، وذبحوا ذبائح، وآمنوا بالرب…
سفر يونان النبي يعطينا فكرة أن كل الأشياء تعمل للخير.
لولا هذه الضيقات، ما آمن أهل السفينة، وما استقام حال يونان، وما تابت نينوى…
كل عمل يعمله الله لابد أن يؤول إلى الخير، لأن الله صانع الخيرات. حتى إن لم يكن الأمر خيرًا في ذاته، لابد أن يحوله الله إلى خير…
إن قصة يوسف الصديق دليل رائع على أن جميع الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبون الرب…
إنسان يتعرض لحسد وقسوة أخوته، ويباع منهم كعبد. وعلى الرغم من إخلاصه العجيب في خدمته، تلفق حوله التهم، ويلقي في السجن… ومع ذلك كانت كل الأشياء تعمل معه للخير. وإذا بهذا السجن يؤدي به إلى أكبر منصب وزاري في مصر. بل آلت أمور أخوته أيضًا إلى الخير، فتابوا واعترفوا بخطيئتهم، وبكوا..
الكتاب المقدس يقول إن الله يخرج من الجافي حلاوة…
ولكن ذلك كله للذين يحبون الرب، للذين يؤمنون بعمل الله الصالح وبمحبته وحسن تدبيره، واهتمامه ببني البشر.
ماذا أقول؟ … حتى الخطية التي تلد موتًا وضياعًا، ممكن لله الذي يخرج من الجافي حلاوة، أن يحول نتائجها إلى خير..
آدم أخطأ، وطرد من الفردوس، واستحق الموت… ولكن الله بالفداء حول هذا الموت إلى خير.. لأننا بالقيامة العامة، سنتحول إلى حالة أفضل. سنقوم بأجساد روحانية نورانية أفضل بكثير من وضع آدم في الفردوس، ومن جسد هذا الموت…
وهكذا حتى الموت الذي يكرهه الناس، يعمل معًا للخير…
ولذلك قال عنه بولس الرسول: “ذاك أفضل جدًا” لأنه يوصل إلى عشرة المسيح، وصحبة القديسين. وبه سنصل إلى “ما لم تره عين، وما لم تسمع به أذن، وما لم يخطر على قلب بشر”… إلى وضع أفضل بكثير من وضع آدم وحواء في الفردوس.
الموت الذي يحزن له الناس ويلبسون السواد، هو الذي كان السبب المباشر في رهبنة القديس أنطونيوس وتأسيس الرهبنة…
لما رأى أباه ميتًا، خاطبه قائلا: “أين هي عظمتك وقوتك وغناك؟ لقد خرجت من العالم على الرغم منك. ولكنني سأترك العالم بإرادتي قبل أن يخرجوني كارهًا… وبهذا زهد الحياة، وباع كل ماله وأعطاه للفقراء، وترهب… وكان الموت يعمل معه للخير، إذ كان يحب الرب. هناك أحداث كثيرة، وأمراض، وضيقات، تعمل معًا للخير…
ربما مرض يقود إنسانا إلى التوبة أكثر من مائة عظة؟
ويبدو المرض متعبًا، ولكنه نافع للذين يحبون الرب.
من أجل هذا سمح الله أن يعطى بولس شوكة في الجسد. ولما تضرع طالبًا رفعها، أبقاها الله، لخيره.
كانت الشوكة التي في الجسد لخير بولس الرسول، لكي لا يرتفع من فرط الإعلانات، ولكي يشعر بضعفه…
رجل صعد إلى السماء الثالثة، ورأى أشياء لا ينطق بها، وصنع آيات وعجائب، وتعب أكثر من جميع الرسل، كان مهددًا بأن يرتفع قلبه، وكانت الشوكة وقاية له… أعطاها الله له وهو يحبه. ولم يستاء لها بولس إذ كان يدرك عمق محبة الله…
نفس الوضع تعرض له يعقوب أبو الآباء، إذ ضربه الله على حق فخذه، فصار يخمع عليه كل أيامه…
كان يعقوب قد صارع مع الله والناس وغلب، ونال من الله المواعيد، ورأى سلمًا بين السماء والأرض، ودشن أول كنيسة في العالم، ونجح في حياته وتمتع بالخيرات. ولئلا يرتفع هو الآخر، وهبه الله مرضًا، لخيره…
ومثل بولس ويعقوب، كانت تجربة أيوب أيضًا للخير..
كانت التجربة شديدة جدًا، جرده فيها الله من أولاده، ومن غناه وكرامته، ومن صحته وراحته… وكان ذلك للخير…!
ولعل البعض يعجب، كيف يتعرض لكل هذا التعب رجل مثل أيوب، شهد له الله بأنه كامل ومستقيم، يفعل الخير، ويحيد عن الشر.! ولكن التجربة كانت تعمل للخير.
فكانت التجربة لصالح أيوب نفسه، الذي شعر ببره، وصار “بارًا في عيني الرب” (أي32: 1)، فأوصلته التجربة إلى الانسحاق. فقال: “أندم في التراب والرماد” “وضعت يدي على فمي” (أي 42).
وكانت تجربة أيوب نافعة لأصحابه، إذ تابوا، وتصححت مفاهيمهم الروحية الخاطئة. وكانت تجربته نافعة للعالم إذ قدمت له مثالًا عجيبًا في الصبر. كانت لطمة لإخجال الشيطان… وكانت نتائجها الأخرى لخير أيوب، إذ رد له الله ضعفًا في كل شيء…
إن الذين يظنون أن التجارب ليست للخير، هؤلاء لا يحبون الله، بل يشكون في محبته وحكمته.
أما نحن الذين قال لنا الكتاب: “افرحوا في الرب كل حين”، نحن الذين نعيش في الفرح الدائم، لنا سلام مع الله، فإننا ندرك تمامًا أن كل الأشياء تعمل معًا للخير.
ونقول له: كل أمورك يا رب، بحكمة قد صنعتها…
هيرودس أراد أن يقتل السيد المسيح، فهرب إلى مصر.
وكانت محاولة هيرودس لقتل المسيح، خيرًا لنا في مصر…
فتقدست مصر بمجيئه، وأجريت فيها كثير من المعجزات، صار مذبح للرب في أرض مصر. وجاءت إليها العذراء تزور الأمكنة التي عاشت فيها من قبل سنوات…
التجارب التي تعرض لها داود النبي، من الملك شاول، كانت لخيره. أعطته صلابة في شخصيته، وخبرة، وصار بها رجل صلاة. وقدم لنا مزامير كلها عمق ومشاعر واختبارات روحية.
وداود لم يستفد من ضيقاته فقط. بل حتى من سقوطه أيضًا. هذا السقوط حوله الله خيرًا، فأعطى داود انسحاقًا وتوبة، صار به رجل دموع، بلل فراشه بدموعه…
إن الله يسمح أن نسقط أحيانا، حتى لا نغتر بقوتنا، ونتأله!! وأيضًا لكي نشفق على الذين يسقطون.
الذي يسقط، ويحب الرب فيتوب، يشعر بضعف الطبيعة البشرية وبقوة العدو، فلا يدين الساقطين، بل يذكر قول الرسول: “أذ كروا المقيدين كأنكم مقيدون أيضًا مثلهم. واذكروا المذلين كأنكم أيضًا في الجسد” (عب13: 3).
كثيرون أيضًا سقطوا، فلما أفاقوا، أحسوا – كرد فعل لسقطتهم – أنهم محتاجون أن يعوضوا السنين التي أكلها الجراد، فأكملوا باقي حياتهم في غيرة روحية شديدة، دفعتهم بقوة إلى قدام… مثال ذلك مريم القبطية التي تحولت من خاطئة إلى سائحة، وأوغسطينوس الذي صار ينبوعًا حلوًا للتأملات…
إن الضيقات نافعة وللخير. حتى لو لم تقدم لنا خيرًا على الأرض، فإنها تقدم لنا أكاليل في السماء…
هناك أشياء تبدو متعبة، ولكنها تعمل للخير، كالتوبيخ والتأديب.
خاطئ كورنثوس الذي أمر بولس الرسول، بأن يسلم للشيطان، كانت عقوبته للفائدة “لكي تخلص الروح في يوم الرب”.
الفقر يبدو متعبًا، ولكنه كثيرًا ما كوّن العصاميين.
ما أكثر الفوائد الروحية التي ننالها من الضيقات التي تعمل معًا للخير للذين يحبون الرب.
الضيقات مدرسة للصلاة، ومدرسة للاتضاع وتساعد على التقرب إلى الله، وبها يعرف الإنسان ذاته. وهي أم النذور، ومدرسة للزهد والنسك للذين يحبون الرب.
الذين يحبون الرب، تعمل معهم كل الأشياء للخير. أما الذين لا يحبونه فقد تقودهم الضيقات إلى التذمر، وإلى اليأس، وإلى التجديف، إذ ليست لهم ثقة بالله ومحبته وحكمته.
عيشوا إذًا في بشاشة وفرح، واعلموا أنكم في رعاية الله الذي يحبكم أكثر مما تحبون أنفسكم، والذي يسخّر كل الأمور لخيركم وفائدتكم.
لا يوجد شيء إلا ويعمل لخيركم، خذوا الطبيعة مثلًا…
الله خلق الطبيعة كلها لخدمتكم، لخيركم: الشمس والقمر والنجوم، والبحار والأنهار والأجواء، والنبات والحيوان… لأجل هذا خلق الله الإنسان بعد خلق الطبيعة كلها، لتخدمه…
من مثلكم في عظمته، تخدمه الطبيعة، بل حتى الملائكة تخدمه. “أليسوا جميعهم أرواحًا خادمة، مرسلة للخدمة، لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص” (عب1: 14).
إيليا النبي يرسل له الرب ملاكًا ليطعمه كعكًا، وهاجر وابنها يأتي ملاك ليسقيهما. بطرس يأتي ملاك ليخرجه من السجن ويوصله إلى البيت، وملاك ينقذ لوطًا من سدوم، وملاك يسد أفواه الأسود فلا تضر دانيال. “ملاك الرب حال حول خائفيه وينجيهم”.
من مثلك تخدمه الملائكة، حتى إن وقعت: “على أيديهم يحملونك، فلا تصطدم بحجر رجلك”.
والنسوة خدمهن الملائكة. فجاء ملاك ودحرج الحجر ليبصرن القبر.
أيها الإنسان العجيب، ليست فقط الطبيعة والملائكة في خدمتك، تعمل معك للخير، وإنما أيضًا الأنبياء والرعاة والكهنة ورؤساء الكهنة…
ماذا أقول؟ بل أن السيد المسيح قد قال عن نفسه. إن ابن الإنسان لم يأت ليُخدَم بل ليَخدِم…
أهل العالم هم الذين تتعبهم الأمراض النفسية، مفكرين في المتاعب أما أولاد الله فيفرحون لأن كل الأشياء تعمل معهم للخير. مبارك الرب الذي جعل كل الكائنات في خدمتهم.
إن أولاد الله جماعة من السعداء، شعارهم “بالناس المسرة”.
الإنجيل نفسه بشارة مفرحة. والملائكة تغني لنا وتقول: “أبشركم بفرح عظيم”، فرح للذين يحبون الرب.
كل ما في الحياة يفرحهم، والمستقبل ينتظرونه “فرحين في الرجاء”. حتى الماضي المتعب يعمل معًا للخير، لأجل مستقبل مضيء.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد التاسع) 27-2-1976م





