عاكفين على إضافة الغرباء

عاكفين على إضافة الغرباء[1]
عَاكِفِينَ عَلَى إِضَافَةِ الْغُرَبَاءِ (رو12: 13).
إضافة الغرباء من الفضائل الهامة التي يوصي بها الكتاب المقدس:
ليس في المسيحية فقط كما تقول هذه الآية (رو12: 13)، وكما يقول الرسول أيضًا للعبرانيين: “لاَ تَنْسُوا إِضَافَةَ الْغُرَبَاءِ، لأَنْ بِهَا أَضَافَ أُنَاسٌ مَلاَئِكَةً وَهُمْ لاَ يَدْرُونَ” (عب13: 2).
بل هي كذلك وصية متكررة في العهد القديم: فقد أوصى الرب بالغرباء، وقال للشعب: “فَإِنَّكُمْ عَارِفُونَ نَفْسَ الْغَرِيبِ لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ غُرَبَاءَ فِي أَرْضِ مِصْرَ” (خر23: 9). وقال عن الغريب “تُحِبُّهُ كَنَفْسِكَ” (لا19: 34). كما أوصى به الرب في الوصايا الخاصة بالعطاء. فتكررت عبارة “لِلغَرِيبِ وَاليَتِيمِ وَالأَرْمَلةِ” (تث24: 19- 21) (تث14: 29) (لا19: 10).
والحقيقة يا إخوتي، نحن جميعًا غرباء وضيوف عند الله. وقد أضافنا الله في بيته، وفي أرضه، وسيضيفنا أيضًا في ملكوته في الدهر الآتي:
لقد أضاف السيد المسيح في إحدى المرات “خَمْسَةِ آلاَفِ رَجُلٍ مَا عَدَا النِّسَاءَ وَالأَوْلاَدَ” (مت14: 21) أي حوالي اثني عشر ألفًا، وأطعمهم.
وفي مرة أخرى استضاف أربعة آلاف وأطعمهم أيضًا. ولم يصرفهم جوعانين، لئلا يخوروا في الطريق (مر8: 3، 9).. حقًا، إنه كرم عجيب! فمن ذا الذي يستضيف آلافًا من الناس هكذا؟ ولكنه درس قدمه السيد المسيح لتلاميذه، ولنا نحن أيضًا… لأنه قد يوافق البعض على استضافة فرد أو بعض أفراد من الناس، ولكن ليس جماعات وآلاف كما فعل الرب…
القديس الأنبا شنوده رئيس المتوحدين أيضًا كان يستضيف آلافًا في ديره بسوهاج بعد سماعهم عظاته:
وهذا ما تفعله الكنيسة في حفلات الأغابي وفي توزيع القربان:
تستضيف الشعب أو كثيرًا منه ليأكلوا معًا في حفلات أغابي (وهي كلمة قبطية بمعنى محبة) وتُستعمل كذلك في اليونانية أيضًا…
حفلات الأغابي التي تقيمها الكنيسة كانت أيضًا من عاداتها في شهر كيهك. إذ كان المؤمنون يسهرون طول الليل في التسبيح من مساء السبت، ويتناولون في القداس الإلهي صباح الأحد. ثم تستضيفهم الكنيسة على مائدة أغابي يتناولون فيها الطعام معًا. وكان بعض الأراخنة يقسمون حفلات الأسابيع الأربعة أو الخمسة عليهم، يتكفلون فيها بحفل الأغابي، ويفرحون بهذا وتصير لهم عادة. كما كان يحدث في كثير من قرى الريف وبعض مدن الصعيد…
كذلك أيضًا القربان الذي يوزع بعد القداس، كان لونًا من الضيافة، وليس كما يبيعه القرابني الآن في بعض الكنائس وكأنه نوع من التجارة:
قديمًا كان كل الشعب يأتي إلى الكنيسة صائمًا. وما كانت الكنيسة تصرفه بعد القداس جائعًا، بل كانت تعطيه هذا القربان ليأكل. وهذا القربان كان بعض المؤمنين يتبرعون بدقيقه تقربًا إلى الله بإضافة المصلين. كما كانوا يقدمون دقيقًا آخر من نوع ممتاز، ليُخبز منه الحمل والأولوجية. وكان هناك باب في الكنيسة لتقديم هذا الدقيق وغيره، كالزيت والبخور وغيرهما. وتذكر الكنيسة من يتقربون إلى الله بتقديم كل هذا، في أوشية القرابين.
كل كنيسة في العصور المسيحية الأولى، كان لها مبنى (بيت للضيافة) إلى جوار الكنيسة تستضيف فيه الغرباء…
وفي إحدى رحلاتي إلى كنائس المهجر، نصحت الآباء في سيمنار الكهنة أن توجد بيوت ضيافة مثل هذه لإضافة القادمين الجدد إلى أن يجدوا لهم مسكنًا، بدلًا من أن يكونوا ثقلًا على بيت الكاهن…
أول معجزة أقامها السيد المسيح في قانا الجليل كانت ضيافة:
وذلك عندما بارك عرس قانا الجليل، وقدم لهم ما كانوا يحتاجونه من شراب، بتحويل الماء بمعجزة إلى خمر. وتمتاز هذه المعجزة من حيث الضيافة بأمرين: أحدهما أنه أضافهم في بيتهم. والأمر الثاني أنه فعل ذلك في الخفاء أو في إنكار ذات، بحيث أن الضيوف ظنوا أنها مقدمة من العريس، كما قال رئيس المتكأ (يو2: 9، 10).
ومن الضيافة المشهورة ما قدمه إبراهيم أبو الآباء لضيوفه الثلاثة:
ونرى فيها كرمه العظيم في إضافة الغرباء، إذ قال لزوجته ساره: “أَسْرِعِي بِثَلاَثِ كَيْلاَتٍ دَقِيقًا سَمِيذًا. اعْجِنِي وَاصْنَعِي خُبْزَ مَلَّةٍ. ثُمَّ رَكَضَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الْبَقَرِ وَأَخَذَ عِجْلًا رَخْصًا وَجَيِّدًا وَأَعْطَاهُ لِلْغُلاَمِ فَأَسْرَعَ لِيَعْمَلَهُ. ثُمَّ أَخَذَ زُبْدًا وَلَبَنًا وَالْعِجْلَ الَّذِي عَمِلَهُ وَوَضَعَهَا قُدَّامَهُمْ” (تك18: 6- 8).
وطبعًا هذا كثير جدًا، لتقديمه لثلاثة أشخاص “عجل وثلاث كيلات دقيق”… ولكن أبانا إبراهيم في فرحه بالضيوف قدم هذا القدر الكبير من الطعام، لتكون فرصة لكي يأكل منه رعاته وغلمانه أيضًا. ويكون كأنه أضافهم أيضًا مع الغرباء، الذين ما كان يعرفهم وقتذاك. ولكن لعل اثنين منهم هما ما قصده القديس بولس الرسول في (عب13: 2).
وقديمًا كانوا يغسلون أرجل الضيف، حال دخوله البيت…
وهذا ما فعله أبونا إبراهيم مع ضيوفه (تك18: 4). ولتقصير سمعان الفريسي في هذا الواجب مع السيد المسيح، لامه عليه قائلًا: “مَاءً لأَجْلِ رِجْلَيَّ لَمْ تُعْطِ” (لو7: 44). وقال القديس بولس الرسول عن الأرملة التي تخدم الكنيسة، إنه من شروطها أن تكون قد “اضَافَتِ الْغُرَبَاءَ، غَسَّلَتْ أرْجُلَ الْقِدِّيسِينَ” (1تي5: 10).
كان ذلك يحدث لأن الغريب أو الضيف كان يمشي مسافات طويلة قبل مجيئه لضعف طرق المواصلات قديمًا، فكان يقدم له ماءً دافئًا لغسل رجليه ليستريح وينشط. وهذا ما كان يحدث في الأديرة في إضافة الغرباء: يغسلون أرجلهم. أما الآن فبطُلَت هذه العادة لانعدام أسبابها، إذ يأتي الغرباء مستريحين في عرباتهم إلى باب الدير…
كانت إضافة الغرباء هي الفضيلة التي قامت بها راحاب:
مع أنها كانت امرأة زانية، إلا أنها أكرمت الرجلين اللذين أرسلهما يشوع بن نون، وخبأتهما حتى زال الخطر عنهما وصرفتهما بسلام. لذلك تم لها الأمان عند فتح أريحا، وذُكر اسمها في الكتاب المقدس، ونجت هي وكل أهلها. بل دخلت في النسب المقدس وفي سلسلة الأنساب (مت1: 5).
إن الله في ضيافته لنا، أظهر كرم ضيافته.
قال لنا: أدخلكم إلى “أَرْضٍ تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلًا” (خر3: 8، 17). بل عندما خلق آدم، وضعه في جنة فيها من كل نوع ثمر، ومن “كُلَّ شَجَرَةٍ شَهِيَّةٍ لِلنَّظَرِ وَجَيِّدَةٍ لِلأَكْلِ” (تك2: 9). وفي الأبدية يظهر كرمه في أنه سيقدم لنا “مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ” (1كو2: 9).
القديس الأنبا موسى الأسود كان مشهورًا بإضافة الغرباء.
حتى أنه كسر صومه – حينما أتاه ضيوف – وطبخ لهم طبيخًا. فلما عاتبوه على ذلك، قال: لقد نفذت وصية الكتاب التي تقول: “لاَ تَنْسُوا إِضَافَةَ الْغُرَبَاءِ”… وهكذا كان القديسون يكسرون صومهم، حينما يستقبلون ضيوفًا غرباء… ولا أقصد بكسر الصوم أن يأكلوا لحمًا أو جبنًا، بل أن يكسروا انقطاعهم في الصوم…
ومن المشهور بفضيلة إضافة الغرباء، القديس أولوجيوس الحجار:
هذا الذي روى قصته القديس العظيم الأنبا دانيال، وقال: أنه كان يعمل طول النهار في قطع الأحجار. وكان بإيراده التافه البسيط، يمر في المساء بمصباحه على سوق القرية، ويأخذ الغرباء المنتظرين هناك، ويأويهم ويغذيهم، وينيّح خاطرهم. وهكذا كان يفعل كل الأيام. وكان لقاؤه مع القديس الأنبا دانيال وتلميذه أيضًا ذات مساء في سوق القرية، حيث استضافهما، وعرفا قصته. وكانت هذه هي فضيلته الكبرى. وقد طلب من الأنبا دانيال أن يدعوا له لكي يزداد إيراده، فيزداد هو في إضافة الغرباء…!!
ومن السيدات المشهورات في إضافة الغرباء:
أرملة صرفة صيدا التي أضافت إيليا النبي في زمن المجاعة، وقدمت له كل ما عندها من حفنة دقيق وقليل زيت كانت ستعمل بهما كعكة لها ولابنها ليأكلاها ثم يموتان. وقد عوّضها الرب على كرم إضافتها لإيليا النبي ببركة كبيرة: أن “كُوَّارُ الدَّقِيقِ لَمْ يَفْرُغْ، وَكُوزُ الزَّيْتِ لَمْ يَنْقُصْ”، طوال فترة المجاعة (1مل17: 16).
كذلك المرأة الشونمية التي أعدت في بيتها علّية تستضيف فيها أليشع النبي كلما يمر. وقد منحها الرب مكافأة لكرم إضافتها، أن تلد ابنًا… ولما مات الطفل منحها بركة أخرى أن يقيمه أليشع النبي من الموت (2مل4: 8- 37).
ومن النسوة المشهورات في العهد الجديد، نساء كثيرات كن يتبعن السيد المسيح، ويخدمنه من أموالهن (لو8: 3).
ومن أبرز المشهورين بالإضافة في الجيل الحديث: المعلم إبراهيم الجوهري:
هذا الذي لم يترك بيتًا محتاجًا من بيوت الله في أيامه، إلا وأكرمه وأنفق عليه من ماله. وقصصه في ذلك أكثر من أن تُحصى، هو وأخيه المعلم جرجس الجوهري… وفي إحدى المرات، مر عليه رجل غريب 11 مرة في يوم واحد، وكان يعطيه في كل مرة دون أن يتبرم منه.
ومن أشهر قديسي العصر الحاضر في إضافة الغرباء، القديس الأنبا إبرآم أسقف الفيوم والجيزة الأسبق:
هذا الذي كان عجيبًا في كرمه، يعطي كل ما عنده لأي غريب يأتيه. ووصل به الأمر أن أثاث المطرانية الجديد الذي قدمه له أغنياء الإيبارشية، قَدَّمَهُ إلى أسرة فقيرة تحتاجه لزواج ابنتها، كما أعطى قماشًا أسود أُهديَ إليه ليصنع منه فراجية إلى أرملة تحتاجه…
ويشبهه إلى حد ما في هذا الكرم: القديس الأنبا صرابامون أبو طرحة أسقف المنوفية:
هذا الذي بدلًا من أن يأتيه الغرباء ليستضيفهم ويكرمهم، كان هو يذهب متنكرًا بالليل حاملًا العطايا للمحتاجين.
الأمثلة عديدة جدًا في هذه الفضيلة، يحكيها التاريخ.
والآن ماذا يمكننا أن نفعل في إضافة الغرباء؟
أمر نجحت فيه الكنيسة في القاهرة والإسكندرية وكل البلاد التي أقيمت فيها جامعات، وهي إقامة بيوت للطلبة المغتربين والطالبات المغتربات، لإيواء كل هؤلاء في رعاية الكنيسة ماديًا وروحيًا.
أيضًا ما تقوم به كثير من الأديرة بإنشاء بيوت خلوة لإضافة الغرباء فيها، في جو روحي، وتتكفل بكل احتياجاتهم في فترة إقامتهم.
إذا لم تكن لدينا بيوت لإضافة الغرباء في مدينةٍ ما، فعلى الأقل يمكن أن نضيفهم في أحد الفنادق وننفق عليهم في فترة إقامتهم. وهكذا فعل السامري الصالح مع رجل غريب وجده ملقى في الطريق جريحًا، فاعتنى به وضمَدّ جراحه، وأوصله إلى فندق واهتم بالإنفاق عليه فيه (لو10: 30- 37).
إنشاء بعض بيوت للغرباء، كما تفعل بعض الكنائس في المهجر:
على الأقل في إضافة الغرباء، تقديم النصيحة والإرشاد لهم. وإرسالهم إلى من يمكنه العناية بهم من الموسرين، ومن له أماكن تصلح لإقامة الغرباء.
يمكن إنشاء جمعيات أخرى يكون من أهدافها إضافة الغرباء حتى يمكن توفير مسكن لهم.
العناية بالموظفين المعينين حديثًا في إحدى البلاد التابعة لإحدى الإيبارشيات: وتكون لجنة من الكنيسة للاهتمام بالقادمين الجدد، سواء من الموظفين أو من أصحاب العمل.
إذا أمكن تكليف بعض الأثرياء بتشييد مساكن رخيصة تؤجَر لمثل هؤلاء الغرباء بأسعار يستطيعون سدادها. وقد قامت بعض كنائسنا في كندا بمشروع كهذا بعناية الكنيسة نفسها.
هناك نقطة أخرى وهي إضافة الموتى الغرباء:
وذلك بتخصيص مقبرة للغرباء في كل إيبارشية ضمن المقابر المخصصة للمسيحيين تحت إشرافها… وقد قامت البطريركية بتنفيذ هذه الفكرة في القاهرة، للغرباء الذين ينتقلون من عالمنا الفاني، وليس لهم مكان يُدفَنون فيه.
في ظروف الإرهاب الحالية، وفي حالة الغريب المشتبه فيه:
أو الذي لا تعرف له هوية أو شخصية مضمونة، ويخشى من إضافته في أحد بيوت الكنيسة لئلا يخربه… فيمكن تنفيذ وصية إضافة الغرباء، بإلحاقه بأحد الفنادق ليبيت فيه، ودفع أجر الليلة التي يقيمها… فهذا أضمن…
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “المقال الحادي والعشرون (سلسلة رو12) – عاكفين على إضافة الغرباء”، وطني 4 أكتوبر 1998م



