فرحًا مع الفرحين، بكاء مع الباكين. مهتمين بعضكم لبعض اهتمامًا واحدًا

فرحًا مع الفرحين، بكاء مع الباكين.
مهتمين بعضكم لبعض اهتمامًا واحدًا[1]
فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ. مُهْتَمِّينَ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ اهْتِمَامًا وَاحِدًا (رو12: 15، 16)
يقول الرسول: “فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ” فأي نوع من الفرح يقصد؟ لا يقصد أن تفرح مع الفرحين في لهوهم العالمي وعبثهم وفسادهم!
فعن هذا قال المرتل في المزمور الأول عن الرجل البار إنه: “فِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ” (مز1: 1) فالإنسان الروحي لا يشترك في الأفراح الماجنة التي تبعده عن الله. وإنما يشترك مع الفرحين فرحًا طاهرًا داخل محبة الله…
ويكون فرحه مع الناس فرحًا عمليًا وليس مجرد عاطفة بلا ثمر:
كما قيل عن السيد المسيح: “فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّبًا يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ” (عب2: 18). نعم، يعينهم، وليس مجرد أن يرثي لهم، أو أن يشفق عليهم وهذا هو المعنى العميق كعبارة “بُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ”! وهذا ما قصده السيد بمثل السامري الصالح في إشفاقه العملي (لو10).
وهذا ما فعله الرب مع يونان النبي في غمّه، ومع إيليا النبي أيضًا.
لم يكن الأمر مجرد إشفاق نظري وإنما يقول الكتاب: “أَعَدَّ الرَّبُّ الإِلَهُ يَقْطِينَةً فَارْتَفَعَتْ فَوْقَ يُونَانَ لِتَكُونَ ظِلاًّ عَلَى رَأْسِهِ لِيُخَلِّصَهُ مِنْ غَمِّهِ” (يون4: 6). ثم جذب الله يونان عمليًا للتصالح معه لما حزن يونان على اليقطينة حينما يبست (يون4: 7-11).
ولما هرب إيليا النبي من وجه إيزابل الملكة الشريرة، وطلب الموت لنفسه “وَإِذَا بِمَلاَكٍ قَدْ مَسَّهُ وَقَالَ: قُمْ وَكُلْ”. فإذا أمامه كعكة وكوب ماء. فأكل وشرب، “ثُمَّ عَادَ مَلاَكُ الرَّبِّ ثَانِيَةً فَمَسَّهُ وَقَالَ: قُمْ وَكُلْ لأَنَّ الْمَسَافَةَ كَثِيرَةٌ عَلَيْكَ” (1مل19: 5، 7). ثم ظهر له الله، وكلمه وعزاه وبلغه رسالة يقوم بها (1مل19: 13- 18).
إنها ليست مجرد مشاعر إنما معونة عملية يضرب لها القديس يعقوب الرسول مثلًا في حديثه عن الإيمان والأعمال:
فيقول: “إِنْ كَانَ أَخٌ وَأُخْتٌ عُرْيَانَيْنِ وَمُعْتَازَيْنِ لِلْقُوتِ الْيَوْمِيِّ، فَقَالَ لَهُمَا أَحَدُكُمُ: أمْضِيَا بِسَلاَمٍ، اسْتَدْفِئَا وَاشْبَعَا، وَلَكِنْ لَمْ تُعْطُوهُمَا حَاجَاتِ الْجَسَدِ، فَمَا الْمَنْفَعَةُ؟” (يع2: 15، 16) تصرفهما في هذا الإشفاق النظري، هو كالإيمان الذي بدون أعمال الذي قال عنه الرسول إنه “مَيِّتٌ فِي ذَاتِهِ” (يع2: 17).
يقول القديس بولس الرسول عن التفاعل العاطفي مع التعابى:
“اُذْكُرُوا الْمُقَيَّدِينَ كَأَنَّكُمْ مُقَيَّدُونَ مَعَهُمْ، وَ(اذكروا) الْمُذَلِّينَ كَأَنَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا فِي الْجَسَدِ” (عب13: 3).
إنه الشعور بإحساسات الآخرين، والاشتراك معهم في مشاعرهم، كأن حالتهم هي حالتنا نحن تمامًا، وكأننا نعاني ما يعانونه، ألسنا جميعًا جسدًا واحدًا؟! وهكذا يقول الرسول أيضًا: “مَنْ يَضْعُفُ وَأَنَا لاَ أَضْعُفُ؟ مَنْ يَعْثُرُ وَأَنَا لاَ أَلْتَهِبُ؟” (2كو11: 29).
وتظهر المشاعر النبيلة لهذا القديس نحو أنسيموس عبد فليمون:
فيرسل إلى سيّده فليمون قائلًا: “أَطْلُبُ إِلَيْكَ لأَجْلِ ابْنِي أُنِسِيمُسَ، الَّذِي وَلَدْتُهُ فِي قُيُودِي، الَّذِي كَانَ قَبْلًا غَيْرَ نَافِعٍ لَكَ، وَلَكِنَّهُ الآنَ نَافِعٌ لَكَ وَلِي… فَاقْبَلْهُ، الَّذِي هُوَ أَحْشَائِي… لاَ كَعَبْدٍ فِي مَا بَعْدُ، بَلْ أَفْضَلَ مِنْ عَبْدٍ: أَخًا مَحْبُوبًا… ثُمَّ إِنْ كَانَ قَدْ ظَلَمَكَ بِشَيْءٍ، أَوْ لَكَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَاحْسِبْ ذَلِكَ عَلَيَّ. أَنَا بُولُسَ كَتَبْتُ بِيَدِي. أَنَا أُوفِي” (فل 10- 19).
أنسيموس هذا هو كشخصي، مشكلته مشكلتي، وديونه ديوني…
بل ما أجمل وأعمق شعور السيد المسيح نحو التعابى والمحتاجين:
إذ يقول: “بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هَؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ فَبِي فَعَلْتُمْ” (مت25: 40). ويفصل هذا الأمر فيقول: “جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي. عُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيضًا فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوسًا فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ” (مت25: 35، 36).
لهذا فنحن نطوب كل القائمين بأمثال هذه الخدمات:
مثل ذلك جمعيات الإسعاف التي تخف لنجدة وإنقاذ كل جريح ومريض، وكذلك جمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، وكل هذه الهيئات التي تقوم بأعمال الإغاثة، ومثلهم أيضًا جميع العاملين في الخدمات الاجتماعية، كالملاجئ، ولجان البر، والمشرفين على العناية بالفقراء، والمغتربين والمسنين، وأصحاب الأمراض المستعصية، وما أشبه… على أن يكون بروح التعاطف والحب وبمشاعر نبيلة حساسة…
نطبق أيضًا عبارة “فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ” على سكان السماء الذين ينتظروننا متى نكمل جهادنا وننضم إليهم.
أعني الملائكة وأرواح القديسين، الذين في شوق وحب ينتظرون اليوم الذي ننطلق فيه من الجسد، لنشترك جميعًا في الفرح، وكما قال الرسول: “فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا إِلَى الآنَ… نَحْنُ أَنْفُسُنَا أَيْضًا نَئِنُّ… مُتَوَقِّعِينَ التَّبَنِّيَ فِدَاءَ أَجْسَادِنَا” (رو8: 22، 23).
إن الأب الكاهن مثل عجيب في تطبيق قول الرسول “فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ“.
هكذا هو في مشاركته للناس، في زياراته وافتقاداته لهم، وفي ما يؤديه من صلوات وطقوس. يصلي في جناز، مشاركًا الناس في مشاعرهم الحزينة، ويخرج منه إلى خطوبة أو زفاف، ليفرح مع أهل العرس في أفراحه. فهو يهنئ أسرة، ويعزّي أخرى. وربما يحدث هذا في نفس اليوم…!
إن قلب الكاهن يشبه الزئبق في الترمومتر، يرتفع وينخفض، حسب الحرارة والبرودة. الزئبق هو هو، ولكنه يتغير حسب الفم الذي يوضع فيه، بما يتصف به من صحة أو مرض. إنه مثل صادق لتطبيق هذه الآية: “فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ“.
إنه يندمج مع الناس في كل مشاعر حياتهم. وإن زار شخصًا واقعًا في مشكلة، يتفاهم معه قائلًا: هلم نبحث الأمر معًا: ماذا نعمل لكي نحل هذه المشكلة؟ ولا يقول له ماذا تعمل، بل ماذا نعمل؟ إنه شريك له في الشعور وفي العمل…
بعد أن يقول الرسول: “فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ”، يقول أيضًا: “مُهْتَمِّينَ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ اهْتِمَامًا وَاحِدًا” (رو12: 16).
إن الله يهتم بالكل، ويريدنا نحن أيضًا أن يكون لنا اهتمام بعضنا بالبعض. فلا يعيش الإنسان لنفسه فقط، بل يهتم بما لغيره كما يهتم بما لنفسه، وربما أكثر، إذ يؤثر غيره على نفسه… إذ ينسى ذاته في محبته للآخرين…
إن له ذاتًا تحتاج إلى اهتمام، من فرط اهتمامه بغيره.
فهو يؤمن تمامًا أن حياته ليست ملكًا له، إنما هي ملك للناس الذين يعيشون معه، هي ملك للمجتمع، يبذلها لأجل الكل. فهو يهتم بكل أحد، ويتعب لكي يتسريح غيره. مشاعره الخاصة لا تهمه. إنما مشاعر الناس هي التي تهمه. لقد ماتت فيه الأنا، الذات، الــEgo.
دموع الناس تسيل من عينيه، وتسقط من جفنيه، وتهليل الناس ينبع من قلبه، قبل أن ينبع من قلوبهم.
تعطينا مثلًا لذلك، الأم الحنونة الطيبة القلب المملوءة بالحب، التي تفكر في طفلها أكثر مما تفكر في نفسها. تسهر حتى تطمئن على أنه قد نام، وتتعب لكي يستريح هو… وتعطيه صدرها الحاني كوسادة يتكئ عليها، ولا تتبرم بأي طلب يطلبه، بل تبذل ذاتها في رضى من أجله…
تبتسم إذا ابتسم، وتفرح بفرحه. بل إن ابتسامة هذا الطفل ترتسم على شفتيّ أمه، قبل أن ترتسم كاملة على شفتيه. أي أن الأم تبتسم وتفرح، إن شاهدت مشروع ابتسامة بدأت على شفتيّ طفلها!!
هذا هو الدرس الأول في الاهتمام بالغير، نأخذه من الأم، لقد أوجد الله في قلب الأم عواطف الحب والحنان والبذل والاهتمام بطفلها أكثر مما بنفسها، لكي نتعلم هذا منها. الأب قد توجد هذه المشاعر أيضًا بمقياس آخر، وبشيء من الرزانة والهدوء. أما الأم فعندها هذه المشاعر في التهاب وحنان.
إن مشاعر الاهتمام بالغير تنزع من القلب الأنانية، والاهتمام بالذات، فيرفض تمامًا أن يبني راحته على تعب الآخرين!
بعكس ذلك الشخص الذي يلوث الجو بدخان سيجارته، ولا يعبأ في ذلك بأن الغير قد تؤذَى صحته بتدخينه هو، ويضطر على الرغم منه أن يستنشق هذا الدخان الفاسد الذي ينفثه المدخنون… ولهذا فإن بعض شركات الطيران لا تصرح للركاب بالتدخين في بعض الأوقات، أو في بعض الرحلات القصيرة، ولو استطاعت لمنعته بتاتًا… مثال ذلك أيضًا من يرفع صوته بطريقة تعكر الهدوء، وتعطل غيره عن التفكير أو القراءة… أو من يركن عربته في موضع معين يعاكس مرور عربات غيره، دون أن يبالي… ولكنها الأنانية التي لا تهتم بغيرها. ومثلها أيضًا كل عثرة تأتي من شخص فتتعب غيره، مما قال عنه السيد الرب: “وَيْلٌ لِذَلِكَ الإِنْسَانِ الَّذِي بِهِ تَأْتِي الْعَثْرَةُ” (مت7:18)، “خَيْرٌ لَهُ أَنْ يُعَلَّقَ فِي عُنُقِهِ حَجَرُ الرَّحَى وَيُغْرَقَ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ” (مت18: 6).
إن الكتاب يقول لنا في الاهتمام بالغير والبعد عن العثرة:
“لاَ يَطْلُبْ أَحَدٌ مَا هُوَ لِنَفْسِهِ بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مَا هُوَ لِلآخَرِ” (1كو10: 24).
“إِنْ كَانَ طَعَامٌ يُعْثِرُ أَخِي فَلَنْ آكُلَ لَحْمًا إِلَى الأَبَدِ لِئَلاَّ أُعْثِرَ أَخِي” (1كو8: 13).
وهنا يهتم الرسول بإبعاد العثرة عن الأخ الضعيف.
أي نهتم بضمير الضعفاء الذين قد يعثرون ببعض تصرفاتنا، حتى لو كانت ليست خطأ في ذاتها، ولكنها لا توافق هؤلاء. لذلك فإنه يقول: “كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي لَكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تُوافِقُ” (1كو6: 12). “كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي وَلَكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تَبْنِي” (1كو10: 23).
المفروض أن أهتم بغيري أكثر مما أهتم بنفسي، بدافع من المحبة للغير لأن: “الْمَحَبَّةُ… لاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا” (1كو13: 4، 5).
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “المقال الثامن عشر (سلسلة رو12) – فرحًا مع الفرحين وبكاءً مع الباكين، مهتمين بعضكم لبعض اهتمامًا واحدًا”، وطني 13 سبتمبر 1998م.




