الله يهتم بالصغار

الله يهتم بالصغار[1]
لا تتضايق مهما كان مجهودك ضعيفًا، وعملك ضئيلًا، ولا تفقد رجاءك إن كان تقدمك بطيئًا في الروحيات، أو إن كنت مجهولًا ومسكينًا، وبلا قيمة أمام الناس، أو صغير السن أو صغير النفس. وثق أن:
الله يهتم بالصغار
لا تقل “لا فائدة فيَّ. أنا لم أعمل شيئًا” وتيأس بسبب ذلك. وأعلم أن الله لا ينسى أي عمل بسيط، ربما تكون أنت قد عملته ونسيته. إنه لم ينس لملكة التيمن أنها سافرت لتسمع حكمة سليمان. وبسبب هذا العمل الذي يبدو بسيطًا، قال إنها ستقوم في يوم الدين وتدين ذلك الجيل (مت12: 42).
إن الله لا ينسى مجرد كأس ماء بارد تقدمه لغيرك…
ويقول عن هذا العمل البسيط الذي لا يكلفك تعبًا ولا جهدًا ولا مالًا إنه “لاَ يُضِيعُ أَجْرَهُ” (مت10: 42). وهكذا لم ينس حفنة الدقيق وكوز الزيت اللذين قدمتهما أرملة صرفة صيدا لإيليا النبي… لم ينس أيضًا المرأة التي سكبت قارورة طيب على قدميه، وقال عنها: “حَيْثُمَا يُكْرَزْ بِهَذَا الإِنْجِيلِ فِي كُلِّ الْعَالَمِ يُخْبَرْ أَيْضًا بِمَا فَعَلَتْهُ هَذِهِ تَذْكَارًا لَهَا” (مر14: 9). مع أنه كان يبدو عملاً عاديًا…
إنه لم ينس مطلقًا عبارة اتضاع تلفظت بها المرأة الكنعانية.
وطوبها قائلًا لها: “عَظِيمٌ إِيمَانُكِ! لِيَكُنْ لَكِ كَمَا تُرِيدِينَ. فَشُفِيَتِ ابْنَتُهَا مِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ” (مت15: 28). كذلك لم ينس لشعبه مجرد خروجهم وراءه في البرية (إر2: 2)، مع أنهم كانوا في البرية متذمرين وقساة القلوب. كذلك قال لتلاميذه: “أَنْتُمُ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعِي فِي تَجَارِبِي” (لو22: 28)، مع أن ثباتهم كان ضعيفًا، هؤلاء الذين لم يستطيعوا أن يسهروا معه ساعة واحدة (مت26: 40) والبعض منهم خاف وهرب…
إن السيد الرب لم ينس لزكا صعوده على الجميزة ليراه…
ووقف في الطريق وكلمه، ودخل بيته على الرغم من انتقاد الناس. وجذبه بهذا الحنان إلى التوبة والاعتراف، وقال له: “الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهَذَا الْبَيْتِ” (لو19: 9). هل كان يخطر على بال زكا أن الرب سيقدّر صعوده إلى الجميزة كل هذا التقدير؟! أم هو الرب الذي يهتم بالعمل مهما كان صغيرًا.
لقد ضرب لنا ثلاثة أمثلة في اهتمامه بالصغار في الإصحاح الخاص بقبوله للتائبين وبحثه عنهم (لو15).
رجوع الابن الضال بانسحاق قلب، قابله الرب بفرح كبير، ومكافآت عديدة… ثم ماذا عن الخروف الضال؟ من ذا الذي ينظر إلى حظيرة فيها مائة خروف فيلمح أنها مجرد 99، ويبحث عن الواحد الناقص إلى أن يحمله على منكبيه فرحًا. بل من ذا الذي يهتم بدرهم واحد مفقود، ويظل يبحث عنه حتى يجده، ويفرح بوجوده. ألا يعطيك هذا رجاء في عمل الله من أجلك! هو يبحث عنك، إن لم تبحث أنت عنه…
بل خذ مثال اهتمامه بالعصفور، كرمز لاهتمامه بك.
إنه يقول: “أَلَيْسَ عُصْفُورَانِ يُبَاعَانِ بِفَلْسٍ؟ وَوَاحِدٌ مِنْهُمَا لاَ يَسْقُطُ عَلَى الأَرْضِ بِدُونِ أَبِيكُمْ” (مت10: 29). فالذي يهتم بالعصفور لا شك يهتم بك أيضًا. ولذلك يقول بعدها مباشرة: “وَأَمَّا أَنْتُمْ فَحَتَّى شُعُورُ رُؤُوسِكُمْ جَمِيعُهَا مُحْصَاةٌ. فَلاَ تَخَافُوا. أَنْتُمْ أَفْضَلُ مِنْ عَصَافِيرَ كَثِيرَةٍ” (مت10: 30).
ويعجب الرب بالعصافير في إيمانها بأن الله يقوتها ويقول في ذلك: “اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا” (مت6: 26). وهكذا يذكرها ويضرب بها مثلًا لنا، هي “ولِفِراخِ الغِرْبانِ الَّتي تَدْعوهُ” (مز147: 9).
إنه يهتم حتى بالدودة التي تسعى تحت حجر، ويعطيها طعامها…
كم بالأولى أنت، يعطيك طعام الروح، وطعام الجسد أيضًا. أليس الإنسان أفضل من ديدان كثيرة؟! الدودة الصغيرة استخدمها الله ليعطي درسًا ليونان النبي، حينما أعدها الله لتضرب اليقطينة (يون4: 7). حسن أن هذه الدودة ذكرت في الكتاب المقدس، وهي تؤدي رسالة تؤول إلى توبة نبي.
والنملة أيضًا وهي صغيرة، اهتم الله بها، وقدمها لنا مثالًا:
فيقول الكتاب: “اِذْهَبْ إِلَى النَّمْلَةِ أَيُّهَا الْكَسْلاَنُ. تَأَمَّلْ طُرُقَهَا وَكُنْ حَكِيماً” (أم6: 6). ويشرح الكتاب نشاطها، لنتعلم منها درسًا. كما يعطيك درسًا آخر من زنابق الحقل. وفي اهتمام الرب بالأشياء الصغيرة يضرب لنا مثلًا في الإيمان بحبة الخردل “وَهِيَ أَصْغَرُ جَمِيعِ الْبُزُورِ. وَلَكِنْ مَتَى نَمَتْ… تَصِيرُ شَجَرَةً حَتَّى إِنَّ طُيُورَ السَّمَاءِ تَأْتِي وَتَتَآوَى فِي أَغْصَانِهَا” (مت13: 32). فلا تيأس إن كان إيمانك ضئيلًا مثل حبة الخردل، فالله قادر أن ينميه.
إنه “الْمُقِيمِ الْمَسْكِينَ مِنَ التُّرَابِ الرَّافِعِ الْبَائِسَ مِنَ الْمَزْبَلَةِ. لِيُجْلِسَهُ مَعَ أَشْرَافِ شَعْبِهِ” (مز112: 7).
إذن الله قادر أن يقيمك مهما كانت حالتك، بل يرفعك أيضًا لتجلس مع رؤساء شعبه. أليس هو الذي لا يحتقر قصبة مرضوضة، ولا فتيلة مدخنة، يأمر بتشجيع صغار النفوس، وأن نسند الضعفاء ونتأنى على الجميع” (1تي5: 15). بل ما أجمل قول الكتاب: “قَّوِمُوا الأَيَادِيَ الْمُسْتَرْخِيَةَ وَالرُّكَبَ الْمُخَلَّعَةَ” (عب12: 12)، حتى إن كنت من هذا النوع، سوف لا يهملك الله، بل سيرسل لك من يقومك…
عجيب أنه في حفل ملكوته، أمر بإدخال المساكين والجدع والعرج والعمي حتى يمتلئ بيته (لو14: 21).
إذن إن كانت أعمالك الروحية ضعيفة، قل له في اتضاع: أدخلني يا رب مع المساكين والجدع والعرج والعمي إلى ملكوتك. وكما اهتممت بجمع الكسر في معجزة الخمس خبزات والسمكتين، اعتبرني أنا أيضًا من هذه الكسر، ليأخذني رسلك معهم في سلالهم وقففهم.
حقًا إن هذه المعجزة معزية من جهة الاهتمام بالصغار.
إن الرب حينما أطعم الجموع لم يستخدم طعامًا وفيرًا، إنما استطاع أن يطعم الآلاف بخمس خبزات وسمكتين، وهو عدد ضئيل. وفي معجزة إطعام الأربعة آلاف، قيل إن الطعام كان القليل من صغار السمك (مر8: 7) (مت15: 34). ففي خدمتك لا تيأس من قلة مواهبك. وقل له “استخدمني لإطعامهم كأنني من صغار السمك”.
إن الله حينما أرسل من يكلم فرعون، اختار لذلك إنسانًا ثقيل الفم واللسان (خر4: 10).
إنه موسى الذي اعتفى من الخدمة قائلًا للرب: “لَسْتُ أَنَا صَاحِبَ كَلاَمٍ… بَلْ أَنَا ثَقِيلُ الْفَمِ وَاللِّسَانِ”. لذلك أعطاه الرب هارون أخاه “ليكون له فمًا”. وبارك الله الاثنين، وقال لموسى عن هارون: “تَضَعُ الْكَلِمَاتِ فِي فَمِهِ وَأَنَا أَكُونُ مَعَ فَمِكَ وَمَعَ فَمِهِ وَأُعْلِمُكُمَا مَاذَا تَصْنَعَانِ” (خر4: 10، 15). وعجيب أن الإنسان الثقيل الفم واللسان يصبح هو كليم الله…
إذن لا تيأس أبدًا بسبب ضعف المواهب…
اعرف باستمرار أن “الْحَرْبَ لِلرَّبِّ” (1صم17: 47)، و”لَيْسَ لِلرَّبِّ مَانِعٌ عَنْ أَنْ يُخَلِّصَ بِالْكَثِيرِ أَوْ بِالْقَلِيلِ” (1صم14: 6). إن الله في أيام جدعون، لم يشأ أن يخلص بثلاثين ألفًا، إنما اختار منهم ثلاثمائة فقط، وخلص الشعب بهذا العدد القليل (قض7: 7).
والله نشر الكرازة باثني عشر رجلًا، وما كانوا أصحاب مواهب.
بل كان غالبيتهم من الصيادين، إنما المهم هو عمل الله فيهم. والثالث عشر الذي هو بولس، لم يعتمد على الثقافة والمواهب، بل قال لأهل كورنثوس: “اخْتَارَ اللهُ جُهَّالَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الْحُكَمَاءَ وَاخْتَارَ اللهُ ضُعَفَاءَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الأَقْوِيَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ أَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ وَالْمُزْدَرَى وَغَيْرَ الْمَوْجُودِ لِيُبْطِلَ الْمَوْجُودَ “(1كو1: 27، 28)، وقال: “وَأَنَا لَمَّا أَتَيْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَتَيْتُ لَيْسَ بِسُمُوِّ الْكَلاَمِ أَوِ الْحِكْمَةِ” (1كو2: 1). لماذا؟ يقول: “لاَ بِحِكْمَةِ كَلاَمٍ لِئَلاَّ يَتَعَطَّلَ صَلِيبُ الْمَسِيحِ” (1كو1: 17)، لئلا تحسب المسيحية فلسفة، أو ينسب نجاح الكرازة إلى الحكمة وليس إلى عمل النعمة.
إن الله حينما شاء هزيمة جليات، هزمه بفتى صغير.
فتى لا يعرف أن يلبس ملابس الحرب، لأنه لم يتعود عليها (1صم17: 38، 39)، بل استخدم خمس حصوات ملساء من البرية. وهذا الصغير مسحه الرب ملكًا، دون أخوته السبعة الكبار، وهكذا غنى داود أغنيته المشهورة “صغيرًا كنت في أخوتي، ومحتقرًا عند بني أمي… أخوتي كبار وسمان… ولكن الله لم يسر بهم” (مز151).
وفى اهتمام الله بالصغار، اختار إرميا الصغير وصموئيل الطفل.
اختار إرميا الذي قال: “لاَ أَعْرِفُ أَنْ أَتَكَلَّمَ لأَنِّي وَلَدٌ”، فقال له الرب: “لاَ تَقُلْ إِنِّي وَلَدٌ”، ولمس الرب فمه وقال له: “هَا قَدْ جَعَلْتُ كَلاَمِي فِي فَمِكَ. اُنْظُرْ! قَدْ وَكَّلْتُكَ هَذَا الْيَوْمَ عَلَى الشُّعُوبِ وَعَلَى الْمَمَالِكِ… هَئَنَذَا قَدْ جَعَلْتُكَ الْيَوْمَ مَدِينَةً حَصِينَةً وَعَمُودَ حَدِيدٍ… عَلَى كُلِّ الأَرْضِ… فَيُحَارِبُونَكَ وَلاَ يَقْدِرُونَ عَلَيْكَ لأَنِّي أَنَا مَعَكَ” (إر1: 6- 19).
كذلك اختار الرب صموئيل الطفل دون عالي الكاهن الكبير، بل استخدم هذا الطفل ليوصل رسالته إلى عالي، ويوصل إنذار الرب له.
وبالمثل اختار الله يوسف الصديق، دون أخوته العشرة الكبار…
وجعلهم كلهم يسجدون عند قدميه، كما جعله أيضًا أبًا لفرعون وسيدًا لكل بيته، ومتسلطًا على كل أرض مصر (تك45: 8). وبالمثل اختار الله القديس الأنبا بيشوي من دون أخوته، وكان أصغرهم وأضعفهم جسمًا…
واختار الله الشماس أثناسيوس ليكون بطل الإيمان ضد الأريوسية…
وكان في المجمع المسكوني الكبير 318 أسقفًا يمثلون كنائس العالم كله. ولكن هذا الشماس الشاب، كان هو الذي اختاره للدفاع عن الإيمان السليم، وأيضًا ليجلس على كرسي مار مرقس، وينشر الإيمان في أرجاء الأرض كلها. حقًا إن الله يهتم بالصغار ويختارهم، ولا يكونون محتقرين قدامه، إنه هو الذي قال:
“اُنْظُرُوا لاَ تَحْتَقِرُوا أَحَدَ هَؤُلاَءِ الصِّغَارِ” (مت18: 10).
اهتمام الرب بالأطفال واضح جدًا في الكتاب المقدس، فهو الذي أقام طفلًا وسط تلاميذه وقال لهم: “إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ الأَوْلاَدِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ” (مت18: 3). وقال أيضًا: “أَحْمَدُكَ أَيُّهَا الآبُ… لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هَذِهِ عَنِ الْحُكَمَاءِ وَالْفُهَمَاءِ وَأَعْلَنْتَهَا لِلأَطْفَالِ” (مت11: 25). وقال: “مَنْ أَعْثَرَ أَحَدَ هَؤُلاَءِ الصِّغَارِ الْمُؤْمِنِينَ بِي فَخَيْرٌ لَهُ أَنْ يُعَلَّقَ فِي عُنُقِهِ حَجَرُ الرَّحَى وَيُغْرَقَ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ” (مت18: 6).
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “سلسلة الرجاء (6) – الله يهتم بالصغار، وطني 11 أكتوبر1987م.




