تكونون لي شهودًا

تكونون لي شهودًا[1]
من أهم الأمور التي يطلبها منا الرب، أن نكون شهودًا له. كما قال لتلاميذه:
“تَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ” (أع1: 8)، فما هي الشهادة للرب؟ وما شروطها وفاعليتها؟
(تكونون لي شهودًا…)
إن الله يعمل في العالم من خلال أشخاص سماهم الرسول (أواني) تحمل اسمه، وتوصله للناس.
ولذلك حسنًا سمي القديس أغناطيوس الأنطاكي (ثيئوفورس) أي حامل الله. وكل إنسان مؤمن هو حامل الله، حسبما يقضي إيمانه لا يحمل الله فقط لنفسه، إنما لغيره من الناس أيضًا.
هؤلاء سماهم الرب (شهودًا) له. يشهدون له ولملكوته. وفي كل عصر يوجد أمثال هؤلاء لذلك قال الكتاب: “أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ نَفْسَهُ بِلاَ شَاهِدٍ” (أع14: 17).
حينما عم الفساد العالم قبيل الطوفان، كان نوح البار شاهدًا لله، وشاهدًا للبر، ينتحي جانبًا عن العالم الفاسد، وينصحه.
إنه يشهد للرب، سواء قبلت شهادته أو لم تقبل.
المفروض أن يكون شاهدًا للحق. أما النتيجة فهو غير مسئول عنها. مثال ذلك يوحنا المعمدان: رأى الملك هيرودس متجهًا إلى خطية معينة، ولا يجرؤ أحد أن يشهد للحق، فقام هو قال له بكل جرأة: “لاَ يَحِلُّ… لَكَ” (مت14: 4)، حقًا إن هيرودس لم يسمع له، بل سجنه ثم قطع رأسه. ولكن الحق وجد له شاهدًا يعلنه، وليحدث ما يحدث.
أبونا إبراهيم كان شاهدًا لحياة الإيمان في وقت انتشرت فيه الوثنية. وكان شاهدًا لحياة الغربة الممثلة في الخيمة، ولحياة العبادة الممثلة في المذبح، وكان شاهدًا لحياة الطاعة وإمكان تنفيذها حتى لو أخذ ابنه ليقدمه ذبيحة.
وكما كان إبراهيم شاهدًا لحياة الإيمان والطاعة والغربة والعبادة، كان يوسف الصديق شاهدًا لحياة العفة مهما كانت الاغراءات.
موسى النبي أيضًا، كان شاهدًا للرب، يأخذ الكلمة من فم الله وينقلها إلى الناس. وإيليا النبي كان شاهدًا للرب حينما اشتدت وطأة عبادة الأصنام، حتى ظن أنه بقي وحده. ولكنه شهد لله وللحق، ووبخ آخاب الملك، وقتل أنبياء البعل وأنبياء السواري.
هؤلاء الشهود، سماهم الله (خاصته) فكان الواحد منهم يُدعى رجل الله، مثلما دُعي إيليا وإليشع وكثير من الأنبياء.
إنهم يمثلون الله على الأرض. هم وكلاؤه وسفراؤه، وخدامه وعبيده، والمعلنون لمشيئته، والموصلون لأوامره. وهم يفعلون هذا مهما كانت الموانع والعقبات، ومهما كانت الضيقات، ومهما كانت الإغراءات. يشهدون لله وكفى…
أنه لأمر مؤسف أن يعم الخطأ، أو يعم الفساد، ولا يوجد في الأرض إنسان يشهد لله ويشهد للحق.
لذلك قال الله لهؤلاء الشهود: “أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ… أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ” (مت 5: 14، 13). وقال إنهم: ” يَضِيئُونَ… كَالْكَوَاكِبِ إِلَى أَبَدِ الدُّهُورِ” (دا12: 3).
كان رسل المسيح من هذا النوع. قال لهم: (وتَكُونُونَ لِي شُهُودًا) فكانوا له شهودًا بحق، وانتشر الملكوت على أيديهم.
“في كُلِّ الأرْضِ خَرَجَ مَنْطقُهُم. وإلَى أقْصَى المسْكُونةِ بَلغتْ أقْوالُهُم” (مز19: 4)، غير أن الرسل لم يقوموا بالشهادة للرب إلا بعد أن أخذوا قوة من روحه القدوس، كما أوصاهم بذلك:
“أَقِيمُوا فِي مَدِينَةِ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَنْ تُلْبَسُوا قُوَّةً مِنَ الأَعَالِي” (لو24: 49)، “لَكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ” (أع1: 8).
أن شهدت للرب، ولم تكن في شهادتك قوة، فاعرف السبب:
ربما ليست لك قوة في الداخل. ربما لم تأخذ قوة من الروح القدس. ربما أعمالك تغاير أقوالك. ربما تساهلت مع الشر من قبل، ففقدت هيبتك معه، كما فعل لوط!
لوط البار سكن مع الأشرار في سدوم وتساهل فلم يبكتهم، وتساهل فزوجهم بناته، ولم تعد لكلماته قوة. لذلك لما جاء الوقت الخطير وأنذرهم، يقول الكتاب عنه: “فَكَانَ كَمَازِحٍ فِي أَعْيُنِ أَصْهَارِهِ” (تك19: 14).
فقد ذلك الرجل القديس هيبته في النصيحة، لأنه لم يشهد للحق من قبل في علاقته مع هؤلاء، متساهلًا معهم… بعكس إبراهيم، الذي لم يدخل من قبل أماكن الخطية… على أن إبراهيم لما نزل إلى مصر، وترك الجبل، لم يشهد للرب هناك.
هناك نوع أخر من الناس يشهدون للرب في بادئ الأمر، لكنهم لا يستمرون، بل يضعفون ويفقدون قوة الشهادة.
مثال ذلك بطرس الرسول، كان شاهدًا للحق، ولو بطريقة خاطئة، حينما تحمس عند القبض على سيده، ورفع السيف وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه. ولكن ما لبث أن ضعف بعد ذلك، فقد شهادته، أمام جارية، وسب ولعن وقال لا أعرف الرجل! على أنه ما لبث أن عاد إلى قوة الشهادة بعد حلول الروح القدس عليه…
حواء أيضًا شهدت للحق، حينما أعلنت الوصية الإلهية كاملة أمام الحية “لاَ تَأْكُلاَ مِنْهُ وَلاَ تَمَسَّاهُ لِئَلَّا تَمُوتَا” (تك3: 3) ولكنها ما لبثت أن ضعفت، وكسرت الوصية وأعطت رجلها فأكل.
أما الأقوياء مثل الرسل بعد أن أُلبسوا قوة من الأعالي، فكانوا يتكلمون بكلمة الرب. بكل مجاهرة وبلا مانع. ولم تعوقهم السجون ولا الاضطهادات، ولا كل ألوان التعذيب، بل حولوا السجون إلى كنائس، فملاؤها صلوات وتسبيحًا. وبولس الرسول كتب بعض رسائله في السجن، فكان شاهدًا لله في سجنه، يقول لأهل أفسس: “أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ، أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ” (أف 1:4).
وكانوا ينتهزون كل فرصة ممكنة للشهادة للرب.
بل إن بولس الرسول قال لتلميذه تيموثاوس: “اكْرِزْ بِالْكَلِمَةِ. اعْكُفْ عَلَى ذَلِكَ فِي وَقْتٍ مُنَاسِبٍ وَغَيْرِ مُنَاسِبٍ” (2تي4: 2). فيلبس فيما هو سائر في الطريق، تقابل مع خصي حبشي، ووجده يقرأ سفر إشعياء، فانتهزها فرصة وبشره، شاهدًا بعمل الرب الفدائي. ولم يترك الخصي حتى عمده…
ومرقس الرسول، ذهب ليصلح حذاءه عند الإسكافي إنيانوس. فسمع كلمة ما لبث أن استغلها وبشره، وذهب إلى بيته، وكرز وعمد البيت كله، وكان شاهدًا للرب… وبولس الرسول يقول: “صِرْتُ لِلْيَهُودِ كَيَهُودِيٍّ لأَرْبَحَ الْيَهُودَ… وَلِلَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ كَأَنِّي بِلاَ نَامُوسٍ… لأَرْبَحَ الَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ… صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَالٍ قَوْمًا” (1كو9: 20)، أنه يشهد للكل بكل أسلوب…
والذين لا يشهدون للرب، يتعرضون لقوله: “مَنْ يُنْكِرُنِي قُدَّامَ النَّاسِ أُنْكِرُهُ أَنَا أَيْضًا قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ” وملائكته (مت10: 33).
هناك أشخاص يخافون من الشهادة للرب، بل قد يخافون من مجرد الانتساب إليه. بينما اسم الرب حلو ومبارك “بالرَّبِّ تَفْتَخرُ نَفْسي” (مز34: 2)، كما قال داود الذي يبكتهم بقوله: “تَكلمّتُ بشهادتِكَ قُدّامَ المُلوكِ ولم أخْز” (مز119: 46).
هناك من يشهد للرب بالكرازة والخدمة، وهناك من يشهد له بحياته، وباعترافه. ومن يشهد له بأسلوبه “لغتك تظهرك” فهل كلامك يدل على إيمانك؟ هل أسلوبك في الحياة يظهر أنك إنسان مسيحي؟
بل أن اسمك قد يدل عليك. فهل لك اسمك واضح؟
أم اختلطت الأسماء الآن، ولا يعرف من اسمك إلى من تنتسب؟ وهل هناك صليب تدقه على يدك، وصليب تدقه على أيدي أطفالك، فيشهدون للرب؟!
وهل تشهد لله وعمله فيك، بحياتك وبفضائلك…؟
هل أسلوب حياتك يدل على أنك إنسان مؤمن؟
هل أنت إنجيل حي معاش متنقل بين الناس، تحولت كل وصايا الإنجيل فيك إلى حياة؟ هل كل من يراك يقول: حقًا هذا من أولاد الله، كقول بولس الرسول: “بِهَذَا أَوْلاَدُ اللهِ ظَاهِرُونَ وَأَوْلاَدُ إِبْلِيسَ” (1يو3: 10).
هل الناس يحبون المسيح والمسيحية بسببك؟
ثق إنك تشهد للمسيح، إذا احتفظت بصورة المسيح في حياتك، أكثر من الشهادة للرب بالكلام والخدمة… كذلك تشهد للرب إذا كنت مقنعًا في إيمانك كقول الرسول:
“مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ” (1بط 3: 15)
فأولاد الله الذين يشهدون له هم أقوياء. والقوة تسبق الشهادة، وسبب القوة هو روح الله فيهم…
لهذا قال: “تنالون قوة… وحينئذ تكونون لي شهودًا”.
كانت القوة أحيانًا قدرة اقناع، وأحيانًا قوة آيات وعجائب، وأحيانًا قوة الحب الذي لا يسقط أبدًا. وكل هذا نابع من قوة الروح القدس العامل فيهم.
والآباء الرهبان، بنسكهم وتركهم كل شيء، قدموا شهادة عن تفاهة العالم وأنه “بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ” (جا1: 14).
اسأل نفسك إذن:
هل تشهد للرب؟ وهل لشهادتك قوة؟ وهل عرفت الرب حتى تشهد له؟
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “تكونون لي شهودًا”، الكرازة 7 سبتمبر 1979م.




