تأملات في السماء والسمائين
| الكتاب | تأملات في السماء والسمائيين |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الأولى، 2022م |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا شنوده الثالث جعلته يترك لنا
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم نبذة:
تأملات في السماء والسمائيين
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم

2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
تأملات في السماء والسمائيين
تأملات في السماء والسمائيين*
كلمة (سماء) مشتقة من السمو أي العلو.
وهي على درجات:
+ السماء الأولى هي سماء الطيور.. وهي التي تسبح فيها الطيور والطائرات.
+ والسماء الثانية خاصة بالفلك، وهي التي توجد بها الشمس وما حولها.
+ والسماء الثالثة هي الفردوس وهي التي اختطف إليها القديس بولس الرسول (2كو4،2:12)، وهو في الجسد أم خارج الجسد، لا يعلم، وسمع كلمات لا ينطق بها..
+ فوق كل أولئك توجد سماء السماوات، وهي الخاصة بعرش الله، وحوله رؤساء الملائكة السبعة، والكاروبيم والسارافيم، والأربعة أحياء غير المتجسدين. ولم يصعد إليها أحد من البشر. وعنها قال السيد المسيح له المجد: "لَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ" (يو3: 13).
ويحسن بنا، ونحن في هذه الأيام المقدسة، أن تكون لنا تأملات في السماء، وعلاقتنا بها، ومصيرنا فيها.
في الصلاة
حينما نصلي نرفع أبصارنا إلى فوق، إلى السماء. فلماذا؟ ونقول: "أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ". مع أن الله موجود في كل مكان، في السماء وفي الأرض وما بينهما..
ولكننا نفعل ذلك، لأن الله - تبارك اسمه - كما أن له حنو الأبوة، له أيضًا المجد والعظمة والعلو. فلا تغيب هيبته عن أعيننا، على الرغم من اقترابنا إليه بالمحبة كأبناء.
وعبارة الآب السماوي، أو أبوكم الذي في السماوات، مكررة كثيرًا في الإنجيل المقدس، نأخذ منها نفس التأمل والمعنى..
وهكذا نجد نفس الإشارة في تسبحة الجند السماوي في وقت تجسد الرب، حينما قالوا: "الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ.." (لو2: 14). وكأنهم يؤكدوا على أن هذا الذي "أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ" (في2: 7)، وولد في مزود بقر.. إنما له المجد في الأعالي..
في العطاء
يرتبط العطاء بالسماء أيضًا. فيقول الرب في ذلك:
"لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ.. بَلِ اكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاءِ" (مت20،19:6). وهنا لا يكون العطاء مقدمًا فقط على الأرض، إنما هو مخزون بالأكثر في السماء. بل هو مقدم للسيد المسيح نفسه في السماء. هذا الذي قال: "جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي، عُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُونِي" وقال أيضًا: "بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ" (مت25: 34-40).
ويقول عن العطاء في الخفاء: "اِحْتَرِزُوا مِنْ أَنْ تَصْنَعُوا صَدَقَتَكُمْ قُدَّامَ النَّاسِ لِكَيْ يَنْظُرُوكُمْ، وَإِلاَّ فَلَيْسَ لَكُمْ أَجْرٌ عِنْدَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت6: 1، 2). إنما يكون العطاء في الخفاء، وأبوكم الذي في السماء، الذي يرى في الخفاء، هو يجازيكم علانية..
وكيف يكون جزاء العطاء؟
يقول الرب في سفر ملاخي النبي: "أَفْتَحُ لَكُمْ كُوَى السَّمَاوَاتِ، وَأَفِيضُ عَلَيْكُمْ بَرَكَةً حَتَّى لاَ تُوسَعَ" (ملا3: 10).
إذًا العطاء يقدم إلى السماء، ويراه الآب السماوى ويكافئ عليه، بأن يفتح كوى السماء، ويفيض ببركات السماء.
كما لا ننسى عطاء الله الذي أنزله من السماء: المن والسلوى.
في الضيق
ليس لنا في الضيقات سوى السماء، نلجأ إليها، ومهما كانت أبواب كثيرة تُرى مغلقة أمامنا.
فإننا نذكر في الكتاب قول القديس يوحنا الرائي: "نَظَرْتُ وَإِذَا بَابٌ مَفْتُوحٌ فِي السَّمَاءِ" (رؤ4: 1).
هذا الباب هو الذي قال عنه السيد الرب الذي يفتح ولا أحد يغلق (رؤ3: 7). "هَنَذَا قَدْ جَعَلْتُ أَمَامَكَ بَابًا مَفْتُوحًا وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُغْلِقَهُ" (رؤ8:3).
الخطية
الخطية هي أيضًا موجهة إلى السماء. وهكذا في توبة الابن الضال، نراه قد قال لأبيه: "أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ" (لو15: 18 و21).
وهنا نرى أن الخطية خاطئة جدًا. لأنها بالدرجة الأولى موجهة إلى الآب السماوي: كعصيان له، وعدم محبة، ورفض لعمل روحه القدوس.
ولذلك نرى أن داود النبي لم يقل أخطأت إلى أوريا الحثي، أو إلى زوجته بثشبع. إنما قال للرب في المزمور: "إِلَيْكَ وَحْدَكَ أَخْطَأْتُ، وَالشَّرَّ قُدَّامَ عَيْنَيْكَ صَنَعْتُ" (مز51: 4).
وأيضًا لما عرضت الخطية على يوسف الصديق وتسامى عنها، قال: "كَيْفَ أَصْنَعُ هذَا الشَّرَّ الْعَظِيمَ وَأُخْطِئُ إِلَى اللهِ؟!" (تك9:39).
ما دامت الخطية موجهة إلى الله وسمائه، إذًا تأتي مغفرتها من هناك. وهكذا يقول الرب: "يَغْفِرَ لَكُمْ أَبُوكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ زَّلاَتِكُمْ" (مر11: 25). ويقول أيضًا: "يَكُونُ فَرَحٌ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ" (لو15: 10).
إن السماء التي ترقب توبة الخاطئ، وتساعده عليها، تفرح طبعًا بتوبته.
الطاعة وعمل البر
إن الله يريد منا طاعة، مثل الطاعة التي في السماء...
ولهذا علّمنا في الصلاة الربية أن نقول: "لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ" (مت6: 10). ذلك لأن مشيئة الله في السماء منفّذة بكل دقة، وبكل سرعة، وبدون مناقشة، وقد قيل عن ملائكة الله في السماء: "الْفَاعِلِينَ أَمْرَهُ عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ كَلاَمِهِ" (مز103: 20).
وعن عمل البر، قال السيد الرب: "فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت5: 16). إذًا هدف أعمال البر هو تمجيد أبينا الذي في السموات.
بل عمل البرّ كله هو صنع مشيئة الآب السماوي.
وفي ذلك قال الرب: "مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي" (مت50:12) أي قد صار واحدًا من الأسرة السمائية.
ماذا عن جزاء عمل البر؟ يقول الرب: "اِفْرَحُوا وَتَهَلَّلُوا، لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاوَاتِ" (مت5: 12). ويقول في مناسبة أخرى: "بَلِ افْرَحُوا بِالْحَرِيِّ أَنَّ أَسْمَاءَكُمْ كُتِبَتْ فِي السَّمَاوَاتِ" (لو10: 20).
مفاتيح ملكوت السماوات
إنه أمر مبهج للغاية أن الرب قد منح مفاتيح ملكوت السماوات لتلاميذه القديسين ولمن ائتمنهم على رعاية شعبه. ففعل ذلك مع تلميذه بطرس (مت19:16) ومع الاثني عشر حينما قال لهم: "كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً فِي السَّمَاءِ" (مت18:18). وكرر ذلك لهم بعد القيامة، إذ "نَفَخَ وَقَالَ لَهُمُ: اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ" (يو20: 22، 23).
على أنه وبخ قادة اليهود الذين حمّلوا الناس أحمالًا ثقيلة من الوصايا، وقال لهم: "وَيْلٌ لَكُمْ.. لأَنَّكُمْ تُغْلِقُونَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ قُدَّامَ النَّاسِ، فَلاَ تَدْخُلُونَ أَنْتُمْ وَلاَ تَدَعُونَ الدَّاخِلِينَ يَدْخُلُونَ" (مت23: 13).
المجيء الثاني
حينما صعد السيد المسيح إلى السماء وتلاميذه ينظرون، وقف بهما ملاكان بثياب بيض، وقالا لهم: "مَا بَالُكُمْ وَاقِفِينَ تَنْظُرُونَ إِلَى السَّمَاءِ؟ إِنَّ يَسُوعَ هذَا الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى السَّمَاءِ سَيَأْتِي هكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقًا إِلَى السَّمَاءِ" (أع1: 11).
لذلك نحن ننظر إلى السماء الذي سيأتي منها المسيح، ويأخذنا إليه. هوذا الكتاب يقول: "هُوَذَا يَأْتِي مَعَ السَّحَابِ، وَسَتَنْظُرُهُ كُلُّ عَيْنٍ" (رؤ1: 7) وأيضًا "سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ" (1تس4: 17).
حقًا، ما أجمل مجيئه، "وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ مَعَهُ" (مت25: 31).
حيث مصيرنا الأبدي
نحن نهتم بالسماء، لأنها ستكون مصيرنا الأبدي. ولهذا كثيرًا ما تحدث الرب عن ملكوت السماوات.
وبأمثلة كثيرة قال فيها: "يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ" (مت13، 25).
وقال القديس بولس الرسول: "إِنْ نُقِضَ بَيْتُ خَيْمَتِنَا الأَرْضِيُّ، فَلَنَا فِي السَّمَاوَاتِ بِنَاءٌ مِنَ اللهِ، بَيْتٌ غَيْرُ مَصْنُوعٍ بِيَدٍ، أَبَدِيٌّ" (2كو5: 1). هنا وليخز شهود يهوه والسبتيون الذين ينادون بملكوت أرضي، وبأن المفديين سوف يبنون في الأرض الجديدة بيوتًا ويسكنون فيها.
أما نحن فيعلمنا الكتاب أننا سنسكن في أورشليم السمائية "هُوَذَا مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ" (رؤ21: 3).
وهذه السماء الجديدة "لاَ يَكُونُ لَيْلٌ هُنَاكَ، وَلاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى سِرَاجٍ أَوْ نُورِ شَمْسٍ، لأَنَّ الرَّبَّ الإِلهَ يُنِيرُ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ سَيَمْلِكُونَ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ" (رؤ22: 5). "وَهُمْ سَيَنْظُرُونَ وَجْهَهُ، وَاسْمُهُ عَلَى جِبَاهِهِمْ" (رؤ22: 4).
* مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 31 مارس 2006م
نحن.... والسماء
نحن... والسماء*
كثيرون يحبون أن يتدربوا على التأمل، ويسألون عن أمثلة لموضوعات التأمل. ولعل التأمل في السماء من أهم الموضوعات.
تأملنا في السماء يرفع مستوى تفكيرنا، ويجعلنا نعيش في جو روحي.
لأننا طالما ننشغل بالأرض، ونفكر دائمًا في أمورنا، فإننا نعيش في جو مادي، غرباء عن الله وعن الروحيات والسماويات. أما القديسون فكانوا ينشغلون بالله. وبالسماء، وما فيها من ملائكة، شاعرين أنهم غرباء عن الأرض، وموطنهم الأصلي هو السماء. ولنا مثال لذلك في تأمل صلب الفكر عن الأرضيات الذي مارسه القديس مكاريوس الإسكندراني.
الكلام عن السماء بدأ بأول آية في الكتاب المقدس.
حيث قال الوحي الإلهي: "فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ" (تك1:1). والمقصود بالبدء هنا، بدء قصة الخليقة. ونلاحظ أنه ذكر السموات قبل الأرض، لسموها وعلوها وقداستها. وتحدث عنها بصيغة الجمع، لأنه يوجد أكثر من سماء:
أ- سماء الطيور: وهي المجال الجوي الذي تسبح فيه الطائرات والطيور.
ب- سماء الفَلَك: التي توجد فيها الشمس والكواكب والنجوم.
جـ- السماء الثالثة: وهي الفردوس التي صعد إليها بولس الرسول (2كو12: 4،2).
هناك أيضًا سماء السموات (مز148: 4)، وهي عرش الله (مز103: 19).
هذه السماء هي أعلى من جميع السماوات. ولم يصعد إليها أحد من البشر، كما قال السيد المسيح له المجد: "وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ" (يو13:3). هي عرش الله، كما قال في العظة على الجبل: "السَّمَاءِ.. كُرْسِيُّ اللهِ (أي عرشه)... والأَرْضِ.. مَوْطِئُ قَدَمَيْهِ" (مت5: 35،34). وكما قال الرب في سفر إشعياء: "السَّمَاوَاتُ كُرْسِيِّي، وَالأَرْضُ مَوْطِئُ قَدَمَيَّ" (إش1:66). وقيل عنه في المزمور: "فِي السَّمَاوَاتِ ثَبَّتَ كُرْسِيَّهُ" (مز103).
فإن كان الله في كل مكان، ما معنى أن السماء عرشه؟
معنى ذلك: أن السماء موضع مجده.
في السماء الله مطاع من كل القوات السمائية، من ملائكته "الْفَاعِلِينَ أَمْرَهُ عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ كَلاَمِهِ" (مز103: 20)، وبكل طاعة، وبمنتهى السرعة، مشيئته منفذة. لذلك نقول في الصلاة الربية: "لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ" (مت6: 10).
على الأرض نجد أناسًا ينكرون وجود الله، وآخرين يقاومونه ويخالفون وصاياه، ويُدنسون الأرض بخطاياهم. أما السماء فهي مكان مقدس، يليق بمجد الله. ويتم كل شيء فيها حسب مشيئته الصالحة.
الله في السماء أيضًا مركز التسبيح، من الأجناد الروحانية.
مثلما فُتح باب السماء، ورأى القديس يوحنا الجبيب عرش الله في السماء، وحوله الأربعة والعشرون كاهنًا، ولهم قيثارات وجامات من ذهب، والأربعة الحيوانات غير المتجسدين ذوي الستة الأجنحة. وسمع صوت التسبيح: "أَنْتَ مُسْتَحِقٌّ أَيُّهَا الرَّبُّ أَنْ تَأْخُذَ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ وَالْقُدْرَةَ، لأَنَّكَ أَنْتَ خَلَقْتَ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَهِيَ بِإِرَادَتِكَ كَائِنَةٌ وَخُلِقَتْ" (رؤ4: 11).
أترانا نفكر في عرش الله ومجده، أم ترانا ننشغل بالأرض والتراب والرماد والمادة؟
إن الله يريدنا أن نكون أشخاصًا روحيين، أفكارنا روحانية. نرتفع عن مستوى الأرض، لأن: "مَحَبَّةَ الْعَالَمِ عَدَاوَةٌ ِللهِ" (يع4:4).. "والعالم يبيد وشهوته معه"، "لأَنَّ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ: شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ" (1يو2: 15، 16).
وأحباء الله كانوا يعتبرون أنفسهم "غُرَبَاءُ وَنُزَلاَءُ عَلَى الأَرْضِ... الآنَ يَبْتَغُونَ وَطَنًا أَفْضَلَ، أَيْ سَمَاوِيًّا" (عب11: 13، 16). وهكذا يقول داود النبي: "غَرِيبٌ أَنَا فِي الأَرْضِ" (مز119: 19).
ويقول للرب: "أَنَا غَرِيبٌ عِنْدَكَ. نَزِيلٌ مِثْلُ جَمِيعِ آبَائِي" (مز39: 12).
ولعله سمع في ذلك قول الرب لشعبه في سفر اللاويين: ".. لأَنَّ لِيَ الأَرْضَ، وَأَنْتُمْ غُرَبَاءُ وَنُزَلاَءُ عِنْدِي" (لا25: 23)...
ونتيجة الشعور بالغربة، كان الشوق إلى السماء يزداد.
فيقول المرتل: "ويْلٌ لي فإنَّ غُرْبَتي قَدْ طالَت عَلَّي..." (مز120: 5). ويقول الرسول: "لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا" (في23:1).
ولأن الانطلاق من أرض الغربة إلى السماء يحتاج إلى استعداد وتدقيق في الحياة الروحية، لذلك يقول الرسول: "فَسِيرُوا زَمَانَ غُرْبَتِكُمْ بِخَوْفٍ" (1بط1: 17).
نعود إلى عبارتنا الأولى في سفر التكوين: "فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ" (تك1:1).
كلمة السموات تعني ما ذكرناه قبلًا: سماء الطيور، وسماء الفلك، والسماء الثالثة، وسماء السموات.
وماذا تعني أيضًا؟
لعلها تعني كذلك سكان السماء، الأرواح المقدسة، الملائكة، كما قيل: "خلق ملائكته أرواحًا، وخدامه نارًا تلتهب" (مز104: 4). فيكون الله قد خلق ملائكته أولًا. هم مخلوقات سماوية، تابعة للسماء. لذلك يسميهم الرب: "ملائكة السماء" أو: "الْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ" (مر13: 32).
وقد قال الرب للصدوقيين: "... فِي الْقِيَامَةِ لاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يَتَزَوَّجُونَ، بَلْ يَكُونُونَ كَمَلاَئِكَةِ اللهِ فِي السَّمَاءِ" (مت22: 30).
وبالرمز، أنت يا أخي مركب من أرض وسماء.
الأرض هي هذا الجسد، والسماء هي روحك. هي النفخة القدسية التي نفخها الله في التراب حين خلقك (تك2: 7). فصرت نفسًا حيّة.
لذلك فالروح التي لك تشتاق إلى السماء، لأنها عنصر سماوي...
ولأن السماء هي ما يسمو، لذلك فالروح فيك تسمو على الجسد. ولعل السمو، والأمور السامية، هي والسماء مشتقات من أصل واحد...
فإذا تأملت السماء، تذكر السمو اللازم لك، لتكون من أهل السماء...
من العلاقات القديمة بالسماء، سلم أبينا يعقوب..
رأى سلمًا "مَنْصُوبَةٌ عَلَى الأَرْضِ وَرَأْسُهَا يَمَسُّ السَّمَاءَ، وَهُوَذَا مَلاَئِكَةُ اللهِ صَاعِدَةٌ وَنَازِلَةٌ عَلَيْهَا. وَهُوَذَا الرَّبُّ وَاقِفٌ عَلَيْهَا.." (تك28: 12، 13).
فلما استيقظ قال: "مَا أَرْهَبَ هذَا الْمَكَانَ! مَا هذَا إِلاَّ بَيْتُ اللهِ، وَهذَا بَابُ السَّمَاءِ" (تك28: 17). ودشن المكان بالزيت، ودعاه بَيْتَ إِيلَ أي: "بيت الله" (تك28: 18، 19).
وهنا ربطًا عجيبًا يجمع السماء، وبيت الله، والملائكة، والله ذاته...
ولذلك نشبه الكنيسة بالسماء.
إنها بيت الله، الذي يجتمع فيه مع أولاده الروحيين، الملائكة والناس.
وهي المكان المقدس الذي يحلّ فيه الله، ويعمل فيه روحه القدوس في أسرار الكنيسة وفي قلوب الناس.
وهكذا نبني الكنيسة بقبة، تمثل السماء. ونضع فيها الأنوار الكثيرة التي تشبه نجوم السماء، والتي ترمز أحيانًا إلى ملائكة السماء.
ونبني للكنيسة منارة عالية، كأنها سهم يشير إلى السماء. وكلما ننظر إلى هذه المنارة، ترتفع أنظارنا إلى فوق إلى السماء.
وفي الكنيسة نضع أيقونات الملائكة والقديسين، تذكرنا بهذه الأرواح البارة التي تسكن في السماء...
والعذراء القديسة مريم، نلقبها بالسماء الثانية.
لأنها أيضًا صارت مسكنًا لله، حلَّ فيها الله، وتجسد منها الابن. فصارت سماء. وتشبهت أيضًا بالسماء في قدسيتها...
وحينما نذكر العذراء كسماء، نصوّرها في أيقوناتها الطقسية، وحولها النجوم والملائكة، وأحيانًا بثوب مطرز بالنجوم. ونذكر كذلك أيضًا صعودها إلى السماء. نذكرها كملكة قائمة عن يمين الملك، في السماء...
إن الله يريد أن تتعلق أفكارنا وقلوبنا بالسماء، بمناسبات عديدة جدًا.
وهكذا دعانا أن نصلي ونقول: "أبانا الذي في السموات"، لكي نتذكر أيضًا السموات في صلواتنا. بينما الله موجود في كل مكان، ولكننا نذكره بالأكثر في سمائه التي سينقلنا إليها، لنكون معه في كل حين.
وحينما نصلي نرفع أعيننا إلى فوق إلى السموات.
لتصعد صلواتنا إلى السماء. وقد علمنا السيد المسيح ذلك بنفسه، حينما بارك الخمس خبزات والسمكتين، إذ: "رَفَعَ نَظَرَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَى" (مت14: 19) (لو9: 16)...
وحينما فتح أذني الأصم: "وَرَفَعَ نَظَرَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ، وَأَنَّ وَقَالَ لَهُ:«إِفَّثَا». أَيِ انْفَتِحْ" (مر7: 34). كذلك حينما أقام لعازر من الموت: "وَرَفَعَ يَسُوعُ عَيْنَيْهِ إِلَى فَوْقُ، وَقَالَ: أَيُّهَا الآبُ، أَشْكُرُكَ لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِي" (يو11: 41).
وباستمرار يذكرنا بالآب السماوي...
فيقول: "فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت5: 16). "فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (مت5: 48). "اِحْتَرِزُوا مِنْ أَنْ تَصْنَعُوا صَدَقَتَكُمْ قُدَّامَ النَّاسِ لِكَيْ يَنْظُرُوكُمْ، وَإِلاَّ فَلَيْسَ لَكُمْ أَجْرٌ عِنْدَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت6: 1).
"لاَ تَهْتَمُّوا قَائِلِينَ: مَاذَا نَأْكُلُ؟ أَوْ مَاذَا نَشْرَبُ؟.. لأَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هذِهِ كُلِّهَا" (مت6: 31، 32). "فَكَمْ بِالْحَرِيِّ أَبُوكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، يَهَبُ خَيْرَاتٍ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ!" (مت7: 11)... وما أكثر الأمثلة.
إن الله موجود في كل مكان، وليس في السموات فقط.
ولكنه يريد أن يجذبنا إلى أب في السماء، وإلى أسرة لنا في السماء.
نعم لنا أسرة هناك من الملائكة، ومن أرواح القديسين الذين تركوا عالمنا إلى السماء إلى الفردوس. وأصبح لنا هناك أقرباء وأصدقاء ومعلمون وقديسون نحبهم، كلهم: "أَهْلِ بَيْتِ اللهِ" (أف2: 19). وأصبح: "سَحَابَةٌ مِنَ الشُّهُودِ مِقْدَارُ هذِهِ مُحِيطَةٌ بِنَا" (عب12: 1).
وحدثنا الرب كثيرًا عن ملكوت السموات.
بل أن العظة على الجبل بدأت بملكوت السموات، وحفلت بآيات كثيرة عنها، فقال: "طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" (مت5: 3).
"طُوبَى لِلْمَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" (مت5: 10). "لأن أجرهم عظيم في ملكوت السموات" (مت5: 12) "وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ وَعَلَّمَ، فَهذَا يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ..."، "إِنْ لَمْ يَزِدْ بِرُّكُمْ عَلَى الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ لَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّماوَاتِ" (مت5: 19، 20). "لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت7: 21).
وقدم لنا أصحاحًا كاملًا شمل أمثالًا عديدة، يبدأ كل منها بعبارة: "يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ..." (مت13).
وقال في موضع آخر: "حِينَئِذٍ يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ عَشْرَ عَذَارَى، أَخَذْنَ مَصَابِيحَهُنَّ وَخَرَجْنَ لِلِقَاءِ الْعَرِيسِ" (مت25: 1).
ويمكن تتبع عبارة ملكوت السموات في الكتاب... والآن نسأل:
لماذا كل هذا الحديث عن ملكوت السموات؟
لكي يُشعرنا أن هناك مملكة سمائية ينبغي أن نسعى للانضمام إليها، إذ لَيْسَ لَنَا هُنَا مَدِينَةٌ بَاقِيَةٌ، لكِنَّنَا نَطْلُبُ الْعَتِيدَةَ (عب13: 14). أي نطلب المدينة السماوية "الْمَدِينَةَ الَّتِي لَهَا الأَسَاسَاتُ، الَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا اللهُ" (عب11: 10). نطلب المدينة المنيرة، أورشليم السمائية التي قال عنها القديس يوحنا الرائي: "وَأَنَا يُوحَنَّا رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةَ نَازِلَةً مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُهَيَّأَةً كَعَرُوسٍ مُزَيَّنَةٍ لِرَجُلِهَا" (رؤ21: 2)... وشرح جمال هذه المدينة شرحًا مبهرًا.
وهكذا يقول معلمنا بولس الرسول: "إِنْ نُقِضَ بَيْتُ خَيْمَتِنَا الأَرْضِيُّ، فَلَنَا فِي السَّمَاوَاتِ بِنَاءٌ مِنَ اللهِ، بَيْتٌ غَيْرُ مَصْنُوعٍ بِيَدٍ، أَبَدِيٌّ" (2كو5: 1).
ولذلك فتعلقنا بالسماء، يجعلنا نتعلق بالأمور السماوية.
وهكذا يقول القديس بولس أيضًا: "وَنَحْنُ غَيْرُ نَاظِرِينَ إِلَى الأَشْيَاءِ الَّتِي تُرَى، بَلْ إِلَى الَّتِي لاَ تُرَى. لأَنَّ الَّتِي تُرَى وَقْتِيَّةٌ، وَأَمَّا الَّتِي لاَ تُرَى فَأَبَدِيَّةٌ" (2كو4: 18).
من أجل التعلق بالسماء عاش القديسون حياة النُسك والزهد والصوم، غير ملتفتين إلى طعام الجسد... كما قال السيد الرب: "اِعْمَلُوا لاَ لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ، بَلْ لِلطَّعَامِ الْبَاقِي لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ.." (يو6: 27).
وقال: "أَبِي يُعْطِيكُمُ الْخُبْزَ الْحَقِيقِيَّ مِنَ السَّمَاءِ... النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ الْوَاهِبُ حَيَاةً لِلْعَالَمِ" (يو6: 32، 33).
وقال: "أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ. مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلاَ يَجُوعُ" (يو6: 35).
هذا هو التفكير الروحي السماوي، حينما يسمو الإنسان، يفكر في الأغذية اللازمة لروحه، التي تعده للحياة في السماء.
ما أجمل أن ننظر إلى فوق، فنرى السماء مفتوحة.
كما حدث للقديس إسطفانوس أثناء استشهاده. إذ يقول عنه سفر أعمال الرسل: "وَأَمَّا هُوَ فَشَخَصَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ مُمْتَلِئٌ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، فَرَأَى مَجْدَ اللهِ، وَيَسُوعَ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ. فَقَالَ: هَا أَنَا أَنْظُرُ السَّمَاوَاتِ مَفْتُوحَةً، وَابْنَ الإِنْسَانِ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ" (أع7: 55، 56).
وكذلك كما حدث للقديس يوحنا الرائي، الذي قال: "نَظَرْتُ وَإِذَا بَابٌ مَفْتُوحٌ فِي السَّمَاءِ... وَلِلْوَقْتِ صِرْتُ فِي الرُّوحِ، وَإِذَا عَرْشٌ مَوْضُوعٌ فِي السَّمَاءِ، وَعَلَى الْعَرْشِ جَالِسٌ" (رؤ4: 1، 2).
ولا شك أن أبانا يعقوب رأى شيئًا بسيطًا عن السماء المفتوحة فقال: "... مَا أَرْهَبَ هذَا الْمَكَانَ! مَا هذَا إِلاَّ بَيْتُ اللهِ، وَهذَا بَابُ السَّمَاءِ" (تك28: 17) وكلمة الله من هناك.
إننا لا نعرف كثيرًا عن السماء، على الرغم من أننا نشتهيها...
والقديس بولس الرسول الذي صعد إلى السماء الثالثة، لم يقل لنا عنها شيئًا. وبرر ذلك بقوله لنا: ".. وَسَمِعَ كَلِمَاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا، وَلاَ يَسُوغُ لإِنْسَانٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَا" (2كو12: 4)... أشياء مختوم عليها بالصمت، لأنها ليست لعالمنا. أو لأن اللغة أعجز من أن تُعبر عنها...
وحقًا كيف يستطيع إنسان أن يشرح: "مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ" (1كو2: 9)؟!
وإن كان القديس بولس لم يستطع وصف الفردوس، فكيف يمكن وصف النعيم الأبدي في ملكوت السموات؟!
حقًا إنها أشياء لا ينطق بها، فوق مستوى اللغة... ما هي حقًا الأمجاد السمائية التي يتمتع بها الناس بعد القيامة، والتي قال عنها الرسول: "لكِنَّ مَجْدَ السَّمَاوِيَّاتِ شَيْءٌ، وَمَجْدَ الأَرْضِيَّاتِ آخَرُ... هكَذَا أَيْضًا قِيَامَةُ الأَمْوَاتِ... يُزْرَعُ فِي هَوَانٍ وَيُقَامُ فِي مَجْدٍ" (1كو15: 40- 43). وقال أيضًا: "لأَنَّ نَجْمًا يَمْتَازُ عَنْ نَجْمٍ فِي الْمَجْدِ" (1كو15: 41).
ما هو هذا المجد الذي تحدث عنه الرب في رسائله إلى الكنائس السبع التي في آسيا، من جهة وعوده للغالبين (رؤ2، 3).
ولعل من أروع تلك الوعود، قوله: "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَجْلِسَ مَعِي فِي عَرْشِي، كَمَا غَلَبْتُ أَنَا أَيْضًا وَجَلَسْتُ مَعَ أَبِي فِي عَرْشِهِ" (رؤ3: 21).
هنا وأصمت أنا أيضًا، ولا أجد كلامًا إطلاقًا لشرح هذه الآية...
ولكني سأعرض لأمرين اثنين من مُتع الحياة السمائية.
من أجل عطايا الله لنا في السماء: إكليل بر.
وعنه قال القديس بولس الرسول: "قَدْ جَاهَدْتُ الْجِهَادَ الْحَسَنَ، أَكْمَلْتُ السَّعْيَ، حَفِظْتُ الإِيمَانَ، وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ، الَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، الرَّبُّ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ، وَلَيْسَ لِي فَقَطْ، بَلْ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ ظُهُورَهُ أَيْضًا" (2تي4: 6- 8).
فما معنى إكليل البر؟
نتكلل بالبر، حينما ينزع الله من قلوبنا ومن أفكارنا ومن ذاكرتنا كل ما يتعلق بالخطية. مجرد معرفتها تزول من أذهاننا، وكذلك كل ذكرياتها. ولا يبقى في معرفتنا سوى البر فقط.
ولسنا نعود إلى بساطة وبراءة الإنسان الأول، بل إلى ما هو أسمى من ذلك بكثير...
فقد كان أبوانا آدم وحواء حينما خلقهما الله، في حالة بر عجيبة، في بساطة وبراءة. لكن كانت لهما على الرغم من ذلك حرية إرادة يمكن بها أن يسقطا. وقد كان.
ولكن إكليل البر في السماء سيشمل الإرادة أيضًا، كما يشمل المعرفة، فلا يُصبح بإمكاننا أن نخطئ فيما بعد، كالملائكة الذين تكللوا... ويتحقق فينا قول الكتاب: "المولود من الله لا يخطئ" "لا يستطيع أن يخطئ" "لأن زرعه ثابتٌ فيه" "والشرير لا يمسه" (1يو3: 9) (1يو5: 18).
ما أجمل هذا وما أروعه، حين تنتهي الخطية إلى الأبد.
فلا تكون في السماء خطية فيما بعد. لأن أورشليم السمائية: "وَلَنْ يَدْخُلَهَا شَيْءٌ دَنِسٌ" (رؤ21: 27). إبليس وملائكته والناس الأشرار يطرحون في الظلمة الخارجية. وتبقى السماء مدينة للبر، لا خطية فيها، يتقيأ الإنسان ثمرة معرفة الخير والشر التي أكلها من قبل (تك3). ولا يصبح عنده سوى معرفة الخير فقط...
على أن أجمل ما في السماء أيضًا عشرة الله.
يحقق الله وعده: "حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا" (يو14: 3). وتصبح أورشليم السمائية هي: مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ.. الله وسط شعبه (رؤ21: 3). وتصبح السماء هي الله وملائكته والناس الأبرار. ونتمتع بهذه العشرة الثلاثية.
"وَالْمَدِينَةُ لاَ تَحْتَاجُ إِلَى الشَّمْسِ وَلاَ إِلَى الْقَمَرِ لِيُضِيئَا فِيهَا، لأَنَّ مَجْدَ اللهِ قَدْ أَنَارَهَا، وَالْخَرُوفُ سِرَاجُهَا" (رؤ21: 23). "وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعْدُ.." (رؤ21: 4).
ومن المتع الجميلة في السماء: حفلة التعارف الكبرى.
حيث نتعرف فيها على جميع الأنبياء والرسل والشهداء والرعاة والآباء القديسين: نتعرف على القديسين الذي كتب التاريخ سيرهم، والقديسين الذين اختفوا عن التاريخ من فرط نسكهم وتواضعهم، ولكنهم كانوا معروفين عند الله...
وسنتعرف على كل صفوف الملائكة: رؤساء الملائكة، والسارافيم والشاروبيم، والأرباب، والكراسي، وكل الجمع غير المحصى الذي للقوات السمائية:
حقًا إن هذه الحفلة آلاف السنين لا تكفيها.
هل نتعرف على القديسين فقط كأشخاص، أم أيضًا على كل أعمال برهم؟
نتعرف على كل تأملاتهم وأفكارهم المقدسة، وكل ما فعلوه من خير في الخفاء، فيجازيهم الله عنه في السماء علانية (مت6)... وهل سنعرف القديسين بكل درجاتهم؟ أم أن بعضهم سيكونون في مجالات أعلى منا، قريبين من الله عنا؟ ليتنا نعيش في هذه التأملات وأمثالها...
أدعوكم كتدريب: أن تكون أفكاركم سماوية، ولو إلى يوم واحد...
وكل أفكار أرضية تزحف إلى أذهانكم، اطرحوها جانبًا.
عيشوا مفكرين في السماويات: في الله وملائكته وسمائه وفردوسه وأورشليم السمائية والحياة في الأبدية.
نحن لسنا الآن في الذهاب. فعلى الأقل فلنرسل أفكارنا إليها.
وتدريب آخر: أن نكنز لنا كنوزًا في السماء.
حسب وصية الرب لنا: "لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ... بَلِ اكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاءِ" (مت6: 19، 20).
وسؤال أخير أسأله لك يا أخي الحبيب: ما هي كنوزك التي وصلت إلى السماء، وكم هي؟ حتى عندما تذهب إلى السماء تجدها... أخشى أن تكون لم تُرسل شيئًا بعد، ويدك قابضة، على الريح...
لا تزال أمامكم فرصة الآن فاستغلوها...
* مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 21يونيو 1991م


