(قرار) بترك الخدمة!

(قرار) بترك الخدمة![1]
سؤال
أشعر أن ذاتي لم تمت تمامًا، لذلك قورت أن أترك الخدمة إلى أن أصل إلى هذه الدرجة، ثم بعد ذلك أخدم، لأني غير مستحقة. فما رأيكم؟
الجواب
قرارك بترك الخدمة، هل هو قرار شخصي أم توجيه من أب اعترافك؟ ما أخطر أن تسلكي في حياتك الروحية أو في خدمتك بناء على انفعالات وقرارات شخصية بدون إرشاد.
ثم ما ذنب الأولاد الصغار الذين تخدمينهم، إذا كنت تتركين الخدمة كلما شعرت بأن ذاتك لم تمت تمامًا؟ هل ترتبك الخدمة بسبب مشاعرك، وبسبب أحكامك الشخصية عن ذاتك.
أن الموت الكامل للذات هو درجة روحية ربما لا يستطيع الغالبية من الناس الدخول إلى أعماقها، وإنما حياة الإنسان هي جهاد متواصل للوصول إلى هذه الدرجة، أو للثبات فيها. فهل معني ذلك أنه لا توجد خدمة إلا لفئه قليلة جدًا من الناس، والكل لا يخدمون؟!
إن درجة الموت الكامل للذات، أو الإنكار الكامل للذات، التي قال عنها بولس الرسول: “لأحيًا لا أنا بل المسيح الذي يحيا في: هذه الدرجة إن وصلت إليها، ربما لا تشعرين إنك وصلت إليها. لأن الإنسان كلما وصل إلى درجة روحية، تكشفت له أعماق روحية فيها تشعره أنه لم يصل بعد.
ولعل هذا بعض ما قصده بولس الرسول، بقوله: “لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ أَوْ صِرْتُ كَامِلاً، وَلكِنِّي أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ الَّذِي لأَجْلِهِ أَدْرَكَنِي أَيْضًا الْمَسِيحُ يَسُوعُ. أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ..” (في 3: 12، 13).
مَن مْن الناس يستطيع أن يقول: “إني أشعر أن ذاتي قد ماتت تمامًا”.. نفسي هذا الشعور، ربما تكون فيه الذات واضحة. وحتى لو كان شعورًا صادقًا تمامًا، فما أسهل أن شعر به الإنسان، أن يثير على نفسه حروبًا من عدو الخير، الذي يحسد كل عمل صالح ويقاومه، ليحرم الإنسان من بركاته.
إذن معني هذا، أنك سوف لا تخدمين إطلاقًا، ما دمت تنطلبين شرطًا من الصعب الوصول إليه. وحتى إن وصلت إليه، ما أسرع وما أسهل أن يحاربك العدو فيه، ويفقدك هذا الشعور.!
ثم هناك ملاحظة هامة تقولها لك في الخدمة:
أن وجدت في نفسك خطأ روحيًا يمنع من الخدمة، فالأجدر بك ترك هذا الخطأ، وليس ترك الخدمة.
علمًا بأن هناك فرقًا بين الخطية الواضحة التي تمنع من الخدمة، وبين عدم الوصول إلى درجات الكمال، الأمر الذي يجاهد الإنسان من أجله طوال حياته، مع بقائه في الخدمة.
لأن الخدمة ليست للكاملين فقط.. وحتى هذا الكمال عبارة عن درجات، يختلف الخدام في الوصول إليها.
والخدمة ذاتها هي من ضمن الوسائط الروحية، التي توصل إلى حياة الكمال. ودعامتها الغيرة المقدسة ومحبة الملكوت، مع حياة القدوة واختبار السلوك في محبة الرب.
لا تتطرفي في روحياتك. واحذري من ضربات اليمين.
فإن الشيطان إذا لم يستطع أن يبعدك عن محبة الناس وجذيهم إلى ملكوت الله، وإن وجد قلبك مملوءًا بالغيرة المقدسة، والسعي الدائم لخلاص الآخرين، فإن حينئذ يضربك ضربة يمينة، يضربك بالشعور بعدم الاستحقاق، وبافتراض درجات عالية يجب الوصول إليها أولًا، وذلك ليبعدك عن الخدمة، ويصل إلى هدفه.
إن الذات ينبغي أن تصلب، ولا تعطل عمل الله. أو ينبغي أن تكون متحدة باستمرار بمشيئة الله. وعلى الخادم أن يضع أمامه قول الكتاب: “ليس لنا يا رب ليس لنا، ولكن لاسمك القدوس أعط مجدًا”، ويحاول باستمرار أن يختفي لكي يظهر الله. وإن ظهرت ذاته، لا يعطيها فرصة.. والكمال في هذه الفضيلة، قد يحتاج إلى جهاد طويل، ومعونة من النعمة، ومدى زمني.
ولكن ليس معني هذا، أن ينتظر الإنسان حتى يصل إلى الكمال، وبعد ذلك يخدم، وإلا فإنه إلى الأبد سوف لا يخدم، لأن الخدمة هي أيضًا عنصر من عناصر هذا الكمال المطلوب.
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “سؤال وجواب – (قرار) بترك الخدمة!”، الكرازة 9 نوفمبر1979م.




