الهدف والوسيلة في حياة الانتصار

الهدف والوسيلة في حياة الانتصار[1]
· كنا نتكلم في الأسبوع الماضي عن حياة النصرة، وذكرنا أسبابًا كثيرة للانتصار… والليلة نريد أن نذكر سببًا آخر مهمًا هو… وضوح الهدف وصلاحية الوسيلة.
إن السيد المسيح كان ناجحًا في حياته ويعود هذا النجاح لأسباب كثيرة لاهوتية وبشرية، ولكن من ضمن الأسباب أن هدفه كان واضحًا أمامه، والوسيلة كانت أيضًا واضحة.
كان هدف السيد المسيح ملكوت الله وخلاص العالم ولم يحِد إطلاقًا عن هذا الهدف… كان هدفه واضحًا أمام عينه وهو إن “ابْنَ الإنسان قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ” (لو19: 10).
وأيضًا ذكر هذا الهدف في موضع آخر فقال: “ابْنَ الإنسان أَيْضاً لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ” (مر10: 45). لقد جاء السيد المسيح لكي يفدي الناس ويخلص ما هلك ويبني ملكوت الله على الأرض، الهدف هنا واضح أمامه ولذلك لم تفارق صورة الصليب مخيلته إطلاقًا… في بعض الأوقات قال: “لأَجْلِ هَذَا أَتَيْتُ” (يو12: 27). جئت خصيصًا لأجل الفداء.
· لقد حدد السيد المسيح هدفه الواضح وهو ملكوت الله والخلاص كما حدد الوسيلة وهي الفداء لذلك يعتبر بعض اللاهوتيين أن حياة السيد المسيح كلها كانت سيرًا في طريق الجلجثة من أول مولده إلى أن صلب، من أجل هذا كان السيد المسيح ثابتًا لم يقبل أي انحراف عن الهدف… عندما عرض عليه المُلك رفض المُلك لماذا؟
لأن المُلك لا يتفق مع الهدف ولا مع الوسيلة. المُلك لا يتفق مع فداء الناس ولا مع الصلب، إن المسيح الذي حدد هدفه يرفض المُلك الذي عُرض عليه أكثر من مرة… رفض بعد معجزة الخمس خبزات والسمكتين وكذلك عندما دخل أورشليم وقال: “مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ” (يو18: 36).. لقد جئت لأخدم الناس وأفديهم… وهنا نجد القدم الراسخة في الطريق.
· إن الذين بلا هدف يتوهون في الطريق ويضلون سيرهم… إن هناك أسبابًا كثيرة جدًا تجعلنا نصمم على وجود هدف للإنسان يتمسك به حتى الموت ويتخذ الوسائل الصالحة التي توصله إلى هدفه.
كثيرون ليست لهم أهداف واضحة ويسيرون في الحياة ولا يعلمون إلى أين يسيرون… هم بلا غاية محددة وبغير وسيلة محددة.
إن من فوائد الهدف الثابت إنه يحدد الوسيلة التي توصل إلى تحقيقه… من فوائد الهدف أنه يخلص الإنسان من التردد والتذبذب والحيرة والانحراف… إن الطريق واضح ولا يحيد فيه الإنسان يمنة أو يسرة لأن الهدف معلوم.
· كان هدف السيد المسيح الخلاص وكانت وسيلته الفداء ولذلك كانت كل أعماله تؤدي إلى هذه الغاية. ينبغي على الإنسان أن يضع هدفه أمامه في كل حين.
خذوا كمثال شخصًا كــالمعمدان… لقد كان المعمدان يعرف هدفه تمامًا، كان يعلم أن حياته لها هدف واحد هو إعداد الطريق للسيد المسيح وقال: “أَنَا صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: قَوِّمُوا طَرِيقَ الرَّبِّ” (يو1: 23).
ولم يكن المعمدان يعرف هدفه فقط بل كان يعرف أيضًا الوسيلة… وكانت الوسيلة مزدوجة… بالنسبة للناس كانت الوسيلة إعداد الطريق للتوبة، وبالنسبة له كانت إعداد الطريق لنكران الذات فهو يقول للناس: “تُوبُوا لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَاتِ” (مت3: 2)، ولنفسه كان يقول: “هُوَ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي الَّذِي صَارَ قُدَّامِي الَّذِي لَسْتُ بِمُسْتَحِقٍّ أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ” (يو1: 27).
لقد كان الهدف واضحًا والوسيلة.
· كثيرون لا يعرفون أين يسيرون لأنهم لا يعرفون هدفهم.. هناك إنسان يتجاذبه اليمين واليسار. يقتنع بوجهة نظر معينة ليأتي آخر فيوجهه إلى وجهة نظر أُخرى!
ويتساءل في حيرة.. ماذا أفعل؟ ما هو المطلوب مني؟ إنه لا يعرف نفسه ولا يعرف طريقه.
خذوا مثالًا القديسين أرسانيوس معلم أولاد الملوك، لقد كان أرسانيوس يضع أمامه عبارة جميلة: “تذكر يا أرسانيوس ما خرجت لأجله”.
إن آبائنا القديسين الذين عاشوا في البرية كانت أهدافهم واضحة صريحة لا نقاش فيها ولذلك كانت أقدامهم ثابتة في الطريق… كان الهدف الوحيد الذي يضعونه أمامهم هو خلاص النفس لا يبحثون عن شيء غير خلاص أنفسهم، وأي شيء يعترض الطريق ضد خلاص النفس يبعدونه عنهم. إنهم كانوا يحددون الوسيلة أيضًا… والوسيلة بالنسبة إليهم كانت حياة الغربة وحياة النقاوة وحياة الصلاة الدائمة وفي هذه الثلاثة أمور، تركزت حياتهم كلها.
في حياة الغربة كان كل واحد منهم يقول لنفسه… غريب أنا… ما شأني بكل هذا؟ لقد عاشوا في حياة الغربة لم يقصدوا في حياتهم شهرة ولا مركزًا ولا وظيفة… وفي نفس حياة الغربة عاشوا في حياة النقاوة الكاملة كيف يمكن أن يصارع الإنسان مع نفسه ومع الشيطان ومع العالم لكي يحفظ نقاوته في الداخل ولو وقف على حافة الاستشهاد… لقد أرادوا أن يحفظوا أفكارهم ملكًا لله وحده لا يفكرون في شيء غير الله لذلك دخلوا في قتال الفكر ونبغوا في ضبط الفكر والحواس لكي يحتفظوا بنقاوة الفكر…
إن نقاوة الفكر لدينا تختلف عنها لديهم… نقاوة الفكر عندنا ألا نفكر في الخطية ولكنها عند الآباء ألا يفكرون في شيء غير ربنا… لقد وصل هؤلاء الآباء إلى قمم عالية في الروحانية لأنهم حفظوا أهدافهم سليمة ووسائلهم سليمة لتوصل للأهداف.
· آباؤنا الشهداء هدفهم واضح وهو الاعتراف بالسيد المسيح مهما أدى الأمر بهم ووسيلتهم هي الموت، لقد وضع كل شهيد أمامه الهدف والوسيلة… الهدف هو الاعتراف بالمسيح والوسيلة هي الموت، ولهذا لم تأت الإغراءات والتهديدات والسجن والعذابات بأية نتيجة لأن الهدف واضح.
· إن الذين لهم هدف ثابت لا يقبلون المساومة فيه أو النقاش والجدل… لا المناقشات من الناس ومن الشيطان، ولا المناقشات من الفكر من الداخل، ولا المناقشات من الأحاديث والقراءات من الخارج…
إن كثيرين منا من المترددين يقبلون النقاش في مبادئهم وأهدافهم… أو على الأقل في الوسائل… أما بولس الرسول فيقول: “إِذً يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ كُونُوا رَاسِخِينَ غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ” (1كو15: 58).
عليكم ألا تقبلوا المساومة في أهدافكم ووسائلكم.
· لقد نجح آباؤنا الرسل في أهدافهم ووسائلهم لأنها كانت واضحة. كان هدفهم الشهادة وكانت وسيلتهم الكرازة… هذا الهدف الواضح لم يقبل المساومة إطلاقًا… لقد قبضوا على بطرس فقال: “نَحْنُ لاَ يُمْكِنُنَا أَنْ لاَ نَتَكَلَّمَ… يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ” (أع4: 20؛ 5: 29). لذلك جُلِد الآباء الرسل وسُجِنوا وطُرِدوا وعُذِبوا واتُهِموا اتهامات خاطئة ولم يتزعزعوا عن أهدافهم ووسائلهم… كانت هناك صلابة في الرأي والقلب والمشاعر والإرادة الحديدية التي لا تقبل المساومة.
· لقد كان لكل واحد من الأنبياء رسالة محددة ووضع أمامه هدفًا هو طاعة الله وإبلاغ الرسالة ومهما قُوبل من عَنَت وظلم فهو لا يتزحزح عن رسالته… خذوا مثالًا إرميا النبي… إنه شخص صغير موجودًا في جيل شرير… لقد قال الله له: “أرسلتك لكي تهدم وتبني” إنها رسالة صعبة… رسالة توبيخ لعالم شرير… الملوك والكهنة والشعب شريرون والأنبياء كذبة ولا بد من توبيخ الكل… وثبت إرميا على مبدأه حتى وقف العالم ضده وخاصمه الكل لدرجة إنه في مرة صرخ وقال: “وَيْلٌ لِي يَا أُمِّي لأَنَّكِ وَلَدْتِنِي إِنْسَانَ خِصَامٍ وَإِنْسَانَ نِزَاعٍ لِكُلِّ الأَرْضِ… وَكُلُّ وَاحِدٍ يَلْعَنُنِي” (إر15: 10)، ووقف إرميا ثابت لا يتزعزع لأن الهدف واضح. لقد كان إرميا وديعًا حساسًا لكن الله أمره أن يهدم فقبل الأمر وقال سمعًا يا رب سأفعل… وقال أيضًا… لقد أرسلتني يا رب في طريق غير الذي كنت أحبه ولكني وضعت أمامي أن أُطيعك.
· بنفس هذا الوضع كان آباؤنا الرعاة القديسون… لقد كان هدف أثناسيوس الرسولي واضحًا وهو الدفاع عن لاهوت المسيح، كما كانت وسيلته أيضًا واضحة… التعليم الكامل واحتمال الاضطهادات… قالوا له: “العالم ضدك”، فقال: “وأنا ضد العالم”…
· والآن… أريد أن أسألكم… ما هدفكم من الحياة… وما هو طريقكم للوصول إلى هذا الهدف؟
إن لكل واحد فيكم أهدافًا كثيرة ولكن على الأقل يوجد هدف واحد لجميعكم أن لكل إنسان على الأرض هدفًا واحدًا لا يصح الخروج عنه وهو خلاص النفس… “مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟” (مت16: 26+ مر8: 36).
إن لك نفسًا واحدة إن ربحتها فإنك تكون قد ربحت كل شيء وإن خسرتها فإنك تكون قد خسرت كل شيء… إن كل طريق يبعدك عن خلاص نفسك ابتعد عنه بكل قوة وصلابة… لا تقبل النقاش إطلاقًا في خلاص نفسك… وفي طريق خلاص نفسك إن وقف أخ أو أب أو صديق فاجعل خلاص نفسك هو الأهم… إن الله الذي يقول لك “أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ” (مت15: 4، 19: 19؛ مر7: 10) لا يطالبك إطلاقًا بهذا الإكرام إذا تعارض مع خلاص نفسك… إنه يقول: “مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي” (مت10: 37).
وإذا تعارضت ذاتك مع خلاص نفسك فيجب أن تدوس على ذاتك ولذلك يقول الكتاب: “مَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا” (مت10: 39)، وبالنسبة لخلاص نفسك يقول الكتاب أيضًا: “إِنْ أَعْثَرَتْكَ عَيْنُكَ فَاقْلَعْهَا… وَإِنْ أَعْثَرَتْكَ يَدُكَ فَاقْطَعْهَا” (مر9: 47، 43)، وكذلك فإنه يجب إذا تعارضت صحتك مع خلاص نفسك أن تضحي بصحتك…
إن هدفنا هو أن تلتصق نفوسنا بالله وليس لنا هدف غير هذا… ومن أجل هذا الهدف فنحن مستعدون أن نبذل كل شيء من أجل خلاص أنفسنا.
· خذوا فترة الصوم… نحن نصوم أحيانًا دون أن يكون لنا هدف أو وسيلة ولذلك نفقد بركة الصوم…
إن الهدف من الصوم هو تأديب الجسد وتهذيبه وإخضاعه وبولس الرسول يقول: “أَقْمَعُ جَسَدِي وَأَسْتَعْبِدُهُ” (1كو9: 27)، ولذلك فإن الشخص الذي عنده هذا الهدف الواضح من الصوم فإنه يبدأ في اخضاع هذا الجسد ولا يتساهل في مبادئه بالأكل عندما يحس بالجوع…
· إن أولاد الله كانوا دائمًا أقوياء لا يتساهلون أو يساومون في مبادئهم.
إن الإنسان الذي يساوم في مبادئه من السهل أن ينحرف وقد قلت لكم مرارًا إن العقل كثيرًا ما يكون خادمًا أمينًا لرغبات النفس… إذا انحرفت النفس فإنه من الممكن أن تجعل العقل ينحرف معها.
ومسكين جدًا هذا الإنسان الذي يتعب في الحياة فيبدأ في مراجعة مبادئه السليمة أو ينصاع لمن يقنعه أن مبادئه غير سليمة فيهتز ويضيع فلا يجد أمسه أو حاضره أو مستقبله…
إن الشيطان نابغ في أسلوب التشكيك وينبغي عندما تسيرون في أهداف روحية ومبادئ سليمة أن تقتنعوا بها فلا تقبلون المناقشة فيها. إن الشيطان إذا عجز عن النقاش في الهدف فإنه يناقش في الوسيلة.
· إن حرب التشكيك من حروب الشيطان يريد بها أن يهز المبادئ ولهذا أريدكم ان تكونوا أشداء في مبادئكم وأقوياء في التمسك بها.
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “الهدف والوسيلة في حياة الانتصار”، وطني 31 مارس 1974م.





