عظمة الله ومخافته

منذ أيام كنا نحتفل بعيد الصعود… ما أجمل قول الكتاب “ولما قال هذا ارتفع عنهم وهم ينظرون. وأخذته سحابة عن أعينهم…” (أع 1).
وأخذ التلاميذ يشخصون إلى السماء. فظهر لهما ملاكان بثياب بيض. وقالا لهم “إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء، سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقًا إلى السماء” (أع 1).
فلنتأمل قليلا في موضوع الصعود هذا وفي:
عظمة الله ومخافته1
إن السيد المسيح – في تجسده – جاء إلى العالم دون أن يشعر به أحد، ونزل في مزود بقر.
ولكن بعد أن أكمل رسالته وصلب وقام… صعد في مجد إلى السماء، وأخذته سحابة، وارتفع إلى فوق، بمجد عظيم…
صعد بجسد ممجد، ليس فيه ثقل المادة… وأعطانا مثالًا، كيف سنقوم على شبه جسد مجده، ونصعد معه في ذلك اليوم إلى السحاب، ونرتفع إلى فوق…
عندما ارتفع السيد المسيح إلى السماء، وأخذته سحابة عن أعين التلاميذ، ظلوا شاخصين إلى السماء حيث صعد. ظل هذا المنظر ثابتًا. في ذاكرتهم، وظل نظرهم متعلقًا بالسماء حيث صعد الرب…
وبصعود المسيح، انتهى إخلاؤه لذاته
إخلاء الذات الذي استلزمه تجسده، إذ أخذ شكل العبد، هذا قد انتهى بصعوده إلى الآب في مجد، حيث جلس عن يمين الآب… يمين الآب ترمز إلى قوة الآب وبره، إذ يقول المزمور “يمين الرب صنعت قوة، يمين الرب رفعتني” (مز117). والجلوس يرمز إلى الاستقرار.
إذًا عبارة “جلس عن يمين الآب” تعني أنه استقر في قوة الآب وبره. أي مضى الوقت الذي كان يبدو فيه كضعيف مهان من الناس، ومضى الوقت الذي “أحصي فيه وسط أثمة”.
ونحن كما نمجد السيد المسيح المتواضع في تجسده، كذلك نمجد السيد المسيح العظيم الذي ارتفع إلى السماء في مجد… شاعرين أنه الإله الممجد، خالق الطبيعة، خالق الكل، الذي يصعد إلى فوق، وتنزل السحابة لتأخذه، ويرتفع على السحاب…
وكثيرًا ما كان السحاب يرمز إلى مجد الله وإلى حلوله…
عندما تم بناء الهيكل، وأدخل الكهنة تابوت العهد إلى مكانه، يقول الكتاب “إن السحاب ملأ بيت الرب. ولم يستطع الكهنة أن يقفوا للخدمة، بسبب السحاب. لأن مجد الرب ملأ بيت الرب” (1مل11،10:8).
وقيل إن الرب “يسكن في الضباب” (1مل8: 12).
كثيرًا ما سمعنا عن هذا الأمر عند حلول الرب في خيمة الاجتماع. فما هو السر في هذا؟ إن السحاب والضباب ماء تبخر وارتفع وملأ الجو من تحت (الضباب) أو من فوق (السحاب). والماء يرمز إلى الروح القدس كما شرحنا مرارًا، وكما ذكر الكتاب (يو7: 39) كان الرب يظهر في السحاب (خر16: 10)، وكان يقود الشعب نهارًا “في عمود سحاب ليهديهم” (خر13: 21)، وفي مجيئه الثاني سيأتي على سحاب السماء (مت24: 30، رؤ1: 7).
سيأتي الرب “على سحاب السماء، بقوة ومجد كثير”. “يأتي في مجده، وجميع الملائكة القديسين معه” “فيرسل ملائكته ببوق عظيم الصوت، فيجمعون مختاريه من الأربع الرياح” “وحينئذ يجلس على كرسي مجده، ويجتمع أمامه جميع الشعوب، فيميز بعضهم من بعض” (مت24: 30، 31، مت25: 31، 32) … سيأتي الرب “في ربوات قديسيه” “وستنظره كل عين”.
وكما أعطانا فكرة عن تواضعه، يعطينا أيضًا فكرة عن مجده.
على جبل التجلي، أعطانا فكرة عن مجده. وعندما ظهر ليوحنا، أعطانا فكرة أكثر “وجهه يضيء كالشمس في قوتها، وعيناه كلهيب نار” لدرجة أن يوحنا لم يحتمل “ووقع عند قدميه كميت” (رؤ1).
إننا كلما نأخذ فكرة عن مجد الله وعظمته، على هذا القدر نهابه ونحترم وصاياه، وتملك مخافة الله في قلوبنا، ولا نستهين، ولا نستهتر.
عندما نقترب إلى السيد المسيح الوديع المتواضع الهادئ، نأخذ فكرة عن محبته ورحمته. ولكن ينبغي أيضًا ألا ننسى أنه الله القوي، المهوب، كلي العظمة، كلي المجد، الجالس على الشاروبيم، الماشي على أجنحة الرياح… الله الذي صعد إلى السماء، وظل يعلو ويعلو، حتى صارت السماء أيضًا تحت قدميه وليس الأرض فقط، إذ يدخل إلى “سماء السموات”…
علينا أن نتأمل في الله العالي، الذي “ليست السموات طاهرة قدامه، وإلى ملائكته ينسب حماقة”…، الله غير المدرك، غير المحدود، “النور الذي لا يدنى منه” “الذي تجثو له كل ركبة، وما في السماء، وما على الأرض، وما تحت الأرض” الذي “ترتعد الأرض قدامه، وتذوب الجبال مثل الشمع”…
علينا أن نتأمل في الله الذي تخشع أمامه الملائكة، بجناحين يغطون وجوههم، وباثنين يغطون أرجلهم، الله الذي هو نار آكلة، العظيم وحده، الكامل وحده، الأزلي الأبدي، الموجود قبل الزمان، وقبل المكان…
الله الذي لا تدركه عقولنا، وتتوه في لجة عظمته غير المحدودة.
مخافة الله وفوائدها:
عندما نفكر في عظمة الله، نقترب من فضيلة الانسحاق…
نتضع أمام مجده، ونشعر أننا تراب ورماد ولا شيء: فتدخل قلوبنا مخافة الله، وتملكنا الخشية. وندخل في حياة التدقيق، ونحترس في تصرفاتنا، ولا نستهين، ولا نستبيح…
وعندما نتأمل عظمة الله العالي في سماه، نشتاق إلى سمائه…
نشتاق إلى المجد العظيم الذي يعطيه لأولاده، وإلى تلك الأمور التي “لا ينطق بها” التي رآها بولس الرسول، ونشتاق أن نعرف شيئًا أكثر عن مجده، هذا الذي لم ندرك شيئاً عن أعماقه بعد…
إننا نريد أن نتدرب على مخافة الله، كما تدربنا على محبته. ومخافة الله هذه، تعلمنا إياها الكنيسة باستمرار…
† في صلاة الشكر نقول “امنحنا أن نكمل هذا اليوم المقدس وكل أيام حياتنا بكل سلام مع مخافتك”.
† وفي دخولنا الكنيسة نتذكر قول المزمور “وأما أنا فبكثرة رحمتك أدخل إلى بيتك، وأسجد قدام هيكل قدسك بمخافتك”.
† وعند سماع الإنجيل المقدس، يصرخ الشماس “قفوا بخوف من الله، وأنصتوا لسماع الإنجيل المقدس”.
† وأثناء القداس يقول “أسجدوا الله بخوف ورعدة”.
من أجل هيبة الله هذه، تعلمنا الكنيسة السجود، والمطانيات، وأعمال التوبة، وخلع أحذيتنا قبل الدخول إلى الهيكل…
ومن أجل هذه الهيبة قال يعقوب أبو الآباء عن بيت إيل “ما أرهب هذا المكان! ما هذا إلا بيت الله، وهذا باب السماء” (تك28).
ومن أجل هذه الهيبة تعلمنا الكنيسة أيضًا تمجيد الله…
فالقطعة الأولى من كل صلاة في الاجبية نختمها بعبارة (ذوكصابتري) أي “المجد للآب”. وصلوات نصف الليل نقول فيها عبارة (ذكصاصي…) “المجد لك يا محب البشر”. والصلاة الربية نختمها بعبارة “لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد آمين”. وتمجيدنا لله لون من ألوان خشيته ومخافته.
+ عظمة ننالها بالاتضاع:
العظمة هي لله وحده. وهو يضفي من عظمته على أولاده المتواضعين أما المتكبرون فقيل عنهم “الله يقاوم المستكبرين”.
العظمة لله وحده. لذلك تقول في المزمور “ليس لنا يا رب، ليس لنا. لكن لاسمك القدوس أعط مجدًا”. ولهذا فإن المتعظم إنما يريد أن يشارك الله في صفاته، كما قال الشيطان في سقطته “أصير مثل العلي” (إش14: 14) …
ما أرهب ما ذكره الوحي في سفر إشيعاء “إن لرب الجنود يومًا على كل متعظم وعال، وعلى كل مرتفع فيوضع. على كل أرز لبنان العالي المرتفع، وعلى كل بلوط باشان. وعلى كل الجبال العالية، وعلى كل التلال المرتفعة…”
فيخفض تشامخ الإنسان، وتوضع رفعة الناس، ويسمو الرب وحده، في ذلك اليوم” (إش2: 12- 17).
أمام عظمة الله لابد أن نتضع. “ومن يتضع يرتفع”…
عندما ننظر السيد المسيح صاعدًا إلى السماء نقول له: ليس مكانك هذه الأرض يا رب. إنها “موطئ قدميك” بل هي لا تستحق أن تطأها بقدميك.. ونحن يا رب من تراب هذه الأرض..:
من نحن حتى نتكلم معك؟! من نحن حتى نأخذ صورتك ومثالك؟! من نحن حتى نُدعىَ أولادًا لك؟! من نحن حتى نخدم أسرارك المقدسة؟! إننا بقدر ما ننسحق قدامك، بقدر ما نفتخر أيضًا أن لنا مثل هذا الإله العظيم، الذي يمزج عظمته باتضاعه…
إننا كلما نتأمل عظمة الله نتعزى. نتعزى بقوته التي لا تستطيع قوة بشرية أن تقف أمامها، التي “كل آلة صورت ضدها لا تنجح”.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد السادس والعشرون) 27-6-1975م




