الكاهن وقيادات الكنيسة

الكاهن وقيادات الكنيسة[1]
يمكننا أن نلخص هذا الموضوع في ثلاث نقاط هي: إعداد وتكوين القيادات – رعاية القيادات – التعامل مع القيادات.
إعداد القيادات
أو ما يسمونه “إعداد الصف الثاني في الكنيسة” وذلك لأن الأب الكاهن لا يستطيع أن يعمل كل شيء وحده. لأنه لا بد أن يحتاج إلى أشخاص يعاونوه في الخدمة، سواء معه أو تحت إشرافه. والكاهن القديم قد يحتاج إلى “معين نظيره” أي إلى كاهن أخر يساعده وحبذا لو كان من الخدام الذين تدربوا في خدمة الكنيسة، وعرف الشعب وعرفوه… إذن لا بد من إعداد قيادات.
ولا يصح أن ينظر الكاهن إلى هؤلاء كمنافسين!
وإنما كشركاء في تأدية العمل الرعوي. والمعروف أنه بكثرة العاملين في محيط الخدمة، تنجح الخدمة بالأكثر. والكاهن الذي يخدم وحده، لا بد سيتعب وينهك وقد يؤدي به ضيق الوقت والجهد إلى التقصير في الخدمة…
الكاهن المخلص يجعل له معاونين في كل فروع الخدمة.
وفي كل نشاط من أنشطتها يكون له أكثر من خادم يساعده. حتى إذا غاب واحد من هؤلاء، يوجد من يحل محله فلا تتعطل الخدمة والسيد المسيح أرسل الخدام “اثنين اثنين” (لو10: 1).
والإعداد للخدمة يشمل أمرين: من جهة المعرفة، والتدريب العملي، والسيد المسيح إلى جوار ما قدمه لتلاميذه من المعرفة، أدخلهم أيضًا في التدريب العملي كما ورد في (مت 10)، (لو 10). وكان يصحح لهم ما يقعون فيه من أخطاء. ففي (لو 10) لما رجعوا فرحين لأن الشياطين تخضع لهم، قال لهم: “لاَ تَفْرَحُوا بِهَذَا أَنَّ الأَرْوَاحَ تَخْضَعُ لَكُمْ بَلِ افْرَحُوا بِالْحَرِيِّ أَنَّ أَسْمَاءَكُمْ كُتِبَتْ فِي السَّمَاوَاتِ” (لو10: 20).
كذلك في التدريب العملي قدم لهم ما ينبغي أن يتحلوا به من صفات في الخدمة “لاَ تَقْتَنُوا ذَهَبًا وَلاَ فِضَّةً وَلاَ نُحَاسًا فِي مَنَاطِقِكُمْ. وَلاَ مِزْوَدًا لِلطَّرِيقِ وَلاَ ثَوْبَيْنِ وَلاَ أَحْذِيَةً وَلاَ عَصاً لأَنَّ الْفَاعِلَ مُسْتَحِقٌّ طَعَامَهُ” (مت10: 9، 10). قال لهم: “وَأَيُّ بَيْتٍ دَخَلْتُمُوهُ فَقُولُوا أَوَّلًا: سَلاَمٌ لِهَذَا الْبَيْتِ” (لو10: 5). مع نصائح أخرى كثيرة.
على أن إعداد الخدام في كل فروع الخدمة، يحتاج إلى نظام خاص.
فمثلًا هناك إعداد خاص بالشمامسة، وإعداد خاص بخدام مدارس الأحد وإعداد ثالث للذين يقومون بالافتقاد، والذين ينظمون العضوية الكنسية. وإعداد لمن يشرفون على المكتبة، أو على النادي، أو على الخدمة الطبية، أو القائمين بالخدمة الاجتماعية والعناية بالفقراء، أو اللائي يخدمن في مشغل خاص بالكنيسة، أو المشرفات على نظافتها، أو المشرفين على الأمن.
كثير من الكنائس تقدم للخدمة أشخاصًا لم يسبق إعدادهم، فتكون النتيجة أن يقع بعضهم في أخطاء تكون موضع المؤاخذة!
أما كيف يعد كل خادم في دائرة اختصاصه، فهذا يحتاج إلى بحث خاص…
وأحيانًا يكون من وسائل التدريب، أن الشخص المعد للخدمة يبدأ مع خادم قديم يمتص منه الأسلوب السليم، كما يمتص روح الخدمة.
وأحيانًا تكون لإعداد الخدام مناهج مدروسة ومكتوبة.
وفي أسقفية الخدمات، كما في أسقفية الشباب، توجد دورات تدريبية، لها محاضراتها ودراساتها، وتدريبها العملي.
وإعداد الخدام ليس معناه إعداد حزب يسند الكاهن.
لأنه في بعض الأحيان يقوم الكاهن بتدريب أشخاص، يكونون أتباعه الخصوصيين يقفون معه وقت اللزوم، يحاربون معارضيه ومقاوميه إن حدث ذلك! هذا لا يكون إعداد خدام وإنما إعداد قوات…!
أن الكنيسة كانت تشترط في إعداد الخدام صفات روحية خاصة بهم:
فمن جهة الشمامسة السبعة في العصر الرسولي، قال الآباء الرسل: “انْتَخِبُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ سَبْعَةَ رِجَالٍ مِنْكُمْ مَشْهُودًا لَهُمْ وَمَمْلُوِّينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَحِكْمَةٍ فَنُقِيمَهُمْ عَلَى هَذِهِ الْحَاجَةِ” (أع6: 3)، وكان هذا الاختيار الحسن سببًا في نجاح خدمتهم. والقديس بولس الرسول يقول لتلميذه تيموثاوس: “وَمَا سَمِعْتَهُ مِنِّي بِشُهُودٍ كَثِيرِينَ، اوْدِعْهُ أنَاسًا أمَنَاءَ، يَكُونُونَ أكْفَاءً أنْ يُعَلِّمُوا آخَرِينَ أيْضًا” (2تي2: 2). وهنا اشترط في إعداد هؤلاء أن يكونوا أمناء وأكفاء قادرين على التعليم، وأن يتسلموا نفس التعليم الرسولي الذي تسلمه تيموثاوس من القديس بولس الرسول.
فإن كان الخدام طيبين فقط وليست لهم المعرفة ولا الحكمة، لا يكون إعدادهم سليمًا…
وقد يقعون فى أخطاء تتعب الخدمة فيما بعد…
إعداد القيادات ليس أمرًا سهلًا، قد يحتاج إلى مواهب.
إما مواهب طبيعية، أو مواهب إلهية. فالمواهب الطبيعية منها أن يكون الشخص بطبيعته ذكيًا لماحًا، يحتاج فقط إلى معرفة وتوعية، ويعمل في الخدمات بالأكثر إلى حكمة وحسن تصرف. أو أن يكون الشخص بطبيعته طيب القلب شفوقًا، ليعمل في الخدمات التي يلزمها الحنو والطيبة.
فمثلًا شعب إسرائيل الذي يتصف بأنه عنيد صلب الرقبة، اختار لهم الله إنسانًا يمكنه أن يحتملهم، هو موسى النبي الذي قيل عنه: “وَأَمَّا الرَّجُلُ مُوسَى فَكَانَ حَلِيماً جِدًّا أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ الذِينَ عَلى وَجْهِ الأَرْضِ” (عد12: 3).
ولما سقط هذا الشعب في عبادة الأصنام، اختار لهم شخصًا حازمًا قويًا هو إيليا النبي ليردعهم.
إن اختيار أشخاص غير مناسبين قد يصبحون فيما بعد ثقلًا على الكاهن وعلى الخدمة. وقد يصعب التخلص منهم.
خطورة المسئولية
ليس الكهنوت مجرد وظيفة، إنما هو مسئولية.
مسئولية إنسان سيعطي حسابًا عن كل نفس يرعاها. وواجبه الذي يطالبه به الله أن يقود كل نفس إلى خلاصها. هو مسئول ليس فقط عن الناس الذين يحضرون إلى الكنيسة بل بالأكثر هو مسئول عن الذين لا يحضرون…
ومع هذه المسئولية، يوجد حساب…
“أَعْطِ حِسَابَ وَكَالَتِكَ” (لو16: 2)، هكذا يقول الله لكل من يتولى عمل الخدمة والرعاية. فإن خلص نفسًا، ينال مكافأتها. وإن هلكت نفس بسبب عدم افتقاده، أو قلة رعايته، أو قلة تعليمه، أو عدم اهتمامه… ماذا يقول الرب؟ إنه يوقفه أمام ذلك الحكم الخطير: “ذَلِكَ الشِّرِّيرُ يَمُوتُ بِذَنْبِهِ، أَمَّا دَمُهُ فَمِنْ يَدِكَ أَطْلُبُه” (حز33: 8).
أيها الأب الكاهن: كم هي الدماء التي سيطالبك الله بها؟ إنك لن تستطيع أن تقدم عذرًا في ذلك اليوم…
إمكانية التعاون
الأب الكاهن ليس مجرد فرد يعمل في الكنيسة، إنما هو يعمل مع مجموعات من الشمامسة والخدام، ومعه أيضًا مجلس للكنيسة من أراخنة علمانيين، وأيضًا توجد في الكنيسة لجان وأنشطة من العاملين في الخدمة الاجتماعية، وفي النادي والمشغل، والمكتبة… ويوجد موظفون آخرون كالعريف والقيم وربما الكاتب أيضًا… وقد يوجد مع الأب الكاهن زميل له أو أكثر في الكهنوت، قد يكون أقدم منه أو أحدث في السيامة.
فما موقف الكاهن مع كل هؤلاء؟ هل يمكنه أن يتعاون معهم، أم يصطدم؟ وكيف يكون اصطدامه؟ عنيفًا أم هادئًا؟ وما تأثير ذلك على الخدمة؟ وعلى فكرة الناس عن الكهنوت وروحانيته ومثاليته؟
الكاهن المثالي يمكنه أن يتعاون مع الجميع، بكل محبة وكل رقة… حتى إن وجد لهم رأيًا مخالفًا يمكن أن يستفيد من آراءهم، أو يقنعهم، أو يتنازل عن رأيه، ولا يتمسك في عنف يؤدي إلى الاحتكاك… ولا يلغي شخصية غيره.
المشكلة الكبرى التي تصادف كثيرًا من الآباء الكهنة، هي الانفرادية في العمل! يريد أن يكون هو كل شيء.
والذي يعمل معه يجد نفسه فى موقف حرج: إما أن يخضع مقتنعًا أو غير مقتنع… وإما أن ينسحب من مجال الخدمة، بعد معركة أو غير معركة… وإما أن تطول القصة وتتشعب… يحاول كل فريق أن يحتكم إلى الشعب ويستميله…!
مهما كان الكاهن متعدد المواهب، لا يصلح بدون تعاون…
مريح التعابى
من أهم صفات الكاهن أن يكون مريحًا للتعابى…
وهذه إحدى صفات السيد المسيح الذي قال: “تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ وَأَنَا أُرِيحُكُمْ” (مت11: 28). وقد صب الويل على الكتبة والفريسيين لأنهم “يَحْزِمُونَ أَحْمَالًا ثَقِيلَةً عَسِرَةَ الْحَمْلِ وَيَضَعُونَهَا عَلَى أَكْتَافِ النَّاسِ” (مت23: 4).
وهكذا ينبغي أن يكون الآباء الكهنة مريحين للكل. كل نفس مرهقة ومتضايقة ومتألمة تأتي إلى واحد منهم، يعمل كل جهده فيريحها، وتخرج من عنده وقد تخلصت من أثقالها.
ولهذا يجب أن يكون الكاهن رحيمًا، مترفقًا بالنفوس، متأنيًا عليها، محبًا للجميع، ساعيًا إلى راحتهم.
يحمل همومهم عنهم، ويريحهم منها.
يكون كالسامري الصالح الذي تراءف على جريح وجده في الطريق، وعمل كل ما يمكنه لأجل شفائه وراحته، مع أنه لم يكن يعرفه من قبل (لو10: 13- 35). ولا يكون كالكاهن الذي رآه وجاز مقابله.
الكاهن المثالي لا ينتظر حتى يشكو له الناس متاعبهم. ولكنه من تلقاء ذاته إن عرف تلك المتاعب من أي مصدر، يسعى إلى تلك النفوس ويريحها دون أن تطلب… يحل مشاكل الكل، بكل محبة وكل إخلاص، وبكل بذل أيضًا… ويشعر الجميع أن كل مشكلة لها حل…
ويفعل ذلك أيضًا في الاعترافات، فيريح النفوس التي تكتشف له سقطاتها وأمراضها الروحية…
لا يدفع أحدًا مطلقًا إلى اليأس. ولا يكون قاسيًا في توبيخه. ولا يوقع على أحد عقوبة لا يحتملها. ولا يجرح شعور أحد، ولا يخدش حياءه. ولا يعطي تداريب فوق مستوى المعترف، ويتأنى ويترفق. يسند الضعفاء ويشجع صغار النفوس (1تس5: 14)، يشدد الأيادي المسترخية، ويثبت الركب المرتعشة (إش35: 3).
يشارك الكل في أحزانهم، ويحمل عنهم آلامهم وأوجاعهم (إش53: 4).
يشعر الكل أنه أب، بكل ما تحمل كلمة أب من معنى. وأنه أب واسع الصدر، طويل الأناة، عميق الإحساس، يتميز بالحنو، وبالكلمة الطيبة المشجعة، يبني ولا يهدم.
مثل هذا الأب الكاهن يكون محبوبًا من الكل.
يوقرونه عن جدارة، وليس لمجرد كهنوته… ويلجأون إليه بكل ثقة، ويصارحونه بما في قلوبهم بغير خوف. وينقلون نصائحه عن إيمان، إنها كلها لخيرهم.
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث الرعاية (25) – الكاهن وقيادات الكنيسة”، وطني 3 ديسمبر 2006م.


