الكاهن.. كمعلم وواعظ

الكاهن.. كمعلم وواعظ[1]
قال الرب الإله: “هَلَكَ شَعْبِي مِنْ عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ” (هو4: 6).
وحقًا أن كثيرًا من الناس يضيعون عقائديًا أو لاهوتيًا أو روحيًا، نتيجة للجهل وعدم المعرفة الكافية، حيث تكتسحهم الشكوك من البدع والهرطقات لعدم قدرتهم على الرد أو مناقشة ما يتعرضون له من عقائد غريبة، فينتهي بهم الأمر إلى الإنضواء تحت لواء طوائف أخرى، وتفقدهم الكنيسة ويفقدهم الله.
والكاهن هو المسئول عن التعليم.
لأنه من فم الكاهن تطلب الشريعة (ملا2: 7) وتقول الدسقولية إن الأسقف راع، والكاهن معلم، والشماس خادم. فينبغي أن يكون صالحًا للتعليم، وأن يحمي أولاده بالرد على كل سؤال روحي، وكل مشكلة اجتماعية، وكل شكوك عقائدية، كما قال القديس بطرس الرسول: “مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ” (1بط3: 15).
ليس فقط حينما يقف الكاهن على المنجلية واعظًا.
بل “في كل حين”… فما معنى ذلك؟ معناه أن الكاهن قد يكون جالسًا وسط الناس في أي وقت، فيقدم واحد منهم سؤالًا أو استفسارًا عن أمر من الأمور، عقيدة أو طقس، أو مسألة روحية، أو مشورة من جهة رأي قوانين الكنيسة في موضوع معين، أو بخصوص تفسير آية غمض عليه فهمها، وهو يعتبر الأب الكاهن مرجعية في كل هذه الأمور. فهل يصمت الكاهن ولا يجيب أو يقول إنه لا يعرف، أو يجيب أية إجابة صادقة أو خاطئة تعثر السامع على الأقل لا تقنعه؟!
ونفس الأمر قد يتعرض له الأب الكاهن أثناء زيارة أو افتقاد في اجتماع ما.
فماذا يقول؟
لذا يجب أن يداوم الكاهن الدراسة والبحث في كل نواحي العلوم الدينية.
لأنه لم يعد مسئولًا عن تثقيف نفسه فقط، وإنما هو مسئول عن كل شعب كنيسته.
من الناحية الإيجابية لكي يشبعهم من كل معرفة. ومن الناحية السلبية لكي يبعد عنهم كل الشكوك.
كذلك فالكاهن الصالح للتعليم، يصلح كأب اعتراف.
لأنه كثيرًا ما يتعرض أثناء تلقي الاعترافات لأسئلة من أبنائه المعترفين عليه: ليس في الروحيات فقط إنما أيضًا من جهة قراءاتهم وما يتعرضون له من أسئلة ومن شكوك. فإما أن يجيبهم مباشرة، أو يحيلهم إلى مرجع فيه الإجابة عن تساؤلاتهم. ومعرفة الكتب والمراجع وما تحويه، هو من الأمور اللازمة للكاهن في الإرشاد.
لا تظنوا أن الدراسة اللاهوتية لازمة فقط كمؤهل للكهنوت، إنما هي أيضًا لازمة بالأكثر بعد السيامة الكهنوتية.
فالمطلوب من الكاهن هو أوسع بكثير من حدود المقررات العلمية في كليات اللاهوت، والدراسة في علوم الدين لا تقف عند حد. وما يتعرض له الكاهن من أسئلة، ربما لا يكون قد تلقاه في دراساته اللاهوتية. أو ربما يكون من سمعه ونسيه…
لذلك ينبغي أن يستمر الكاهن في حياة التلمذة، ولا يتوقف مطلقًا، بل يزداد معرفة يومًا بعد يوم. وبخاصة لأن كثيرًا من الخدام في الكنيسة يداومون القراءة، والكتب قد كثرت جدًا. ومن الجائز أن بعض ما فيها يثير العديد من التساؤلات التي تحتاج إلى رد.
كذلك فإن كثرة القراءة تجعل عظاته دسمة ومشبعة.
لأن العظة هي محصلة لكل معلومات الكاهن. لا تقتصر فقط على بعض معلومات روحية، وإنما يزودها بكل ما يتعلق بها من أقوال الآباء، أو قصص القديسين، أو ما يثيره فصل العظة من أمور عقائدية أو لاهوتية أو طقسية، مع ما يثبتها من آيات الكتاب المقدس. وهكذا تكون العظة جامعة لمعارف متعددة، يخرج فيها من كنزه جددًا وعتقاء (مت13: 52).
ومن أهمية التعليم، ما ينصح به الآباء الرسل:
إذ يقول القديس بولس لتلميذه تيموثاوس الأسقف: “لاَحِظْ نَفْسَكَ وَالتَّعْلِيمَ وَدَاوِمْ عَلَى ذَلِكَ، لأَنَّكَ اذَا فَعَلْتَ هَذَا تُخَلِّصُ نَفْسَكَ وَالَّذِينَ يَسْمَعُونَكَ أَيْضاً” (1تي4: 16). وقوله أيضًا للقديس تيطس أسقف كريت: “وَأَمَّا أَنْتَ فَتَكَلَّمْ بِمَا يَلِيقُ بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ” (تي2: 1).
واعرف أنه لما ضعف التعليم في الكنيسة، قويت الطوائف على اختراقها.
بينما العكس صحيح: كلما كانت الكنيسة قوية في التعليم، كلما استطاعت أن تصد ذلك المد الغريب. وهكذا رأيت كيف استطاعت الكنيسة أن تقاوم البدع والهرطقات عن طريق نشاطها في التعليم، سواء من على المنبر في الكنيسة، أو في الاجتماعات العامة، أو اجتماعات الشباب، أو في مدارس الأحد، أو عن طريق الكتاب.
وينبغي أن يكون الكاهن مشرفًا على كل ذلك لا بأسلوب التسلط، إنما برعاية أبوية محببة للنفس.
ولا يستطيع أن يتمكن من هذا الواجب، إلا إذا كان موثوقًا به من جهة المعرفة الدينية، وكان خادمًا للكلمة، وقادرًا على إشباع أولاده في كل علم ومعرفة، مجيبًا على كل سؤال بإقناع. وأيضًا يعرف أن يتكلم كل مجموعة من شعبه باللغة التي تناسبهم. ويكون نبعًا عذبًا يفيض على الكل.
وينبغي أن تكون آيات الكتاب حاضرة في ذهنه.
وحاضرة أيضًا على لسانه، يذكرها في موضعها، فتنطبق تمامًا على الموضوع. والمعروف أن “كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ” (عب4: 12). وبها يقنع غيره بسهولة. ولا ترجع الكلمة فارغة (أش55: 11). بل تعمل وتنجح، وتأتي بثمرها في القلوب. وهكذا كان يعلم السيد المسيح، فإذا به يتكلم بسلطان وليس كالكتبة (مت7: 29). كلمته لها سلطان على القلوب.
مثل هذا الكاهن، تعليمه يدعو الناس إلى الثقة به.
ويدعوهم إلى احترام رأيه وفكره، ويرون أن تعليمه ليس من فراغ، بل هو مستند على تعليم الكتاب، وعلى تعليم الآباء الكبار المعترف بهم في الكنيسة كمعلمين…
وتعليم الكاهن على نوعين: أحدهم مباشر، والثاني غير مباشر.
أما المباشر فهو عن طريق الوعظ والكلمة التي تخرج من فمه. وكلما كانت عظاته مشبعة، كلما أقبل الناس على الكنيسة لسماعه، لشعورهم بالفائدة التي يستفيدونها من كلماته. ويرون أنهم فى كل مرة يأخذون منه شيئًا جديدًا ما كان يعرفونه من قبل. وأنه بعظاته يبنيهم روحيًا وفكريًا. فمعلوماتهم تزيد باستمرار. وحياتهم الروحية تقوى على يديه.
وعلى الكاهن أن يكون أمينًا في تحضير عظته.
والشعب حساس يستطيع أن يدرك إن كانت العظة محضرة، ومنظمة، ومملوءة من المعلومات، أم هي مجرد كلام لا جديد فيه، ولا رابطة تربط معلوماته.
إن الكاهن الذي يهتم بتحضير عظته، إنما يحترم عقول سامعيه، ويحترم ما يبذلونه من وقت وجهد في الحضور إلى الكنيسة لكي يستفيدوا ويشبعوا من كلمة الله، فلا يصح أن يصرفهم فارغين. كما أنه بتحضير العظة يكون أمينًا للمسئولية التي ائتمنه الرب عليها في تعليم أولاده والاهتمام بهم.
الكاهن المهتم بشعبه، يُحضر عظاته وفقًا لاحتياجهم.
يعرف حالة الشعب، وما يلزمه من معرفة، ويستوفي كل ذلك ببرنامج منظم. كما يعرف الضعفات الروحية العامة، ويقدم علاجًا لها في عظاته، بأسلوب عملي يستطيع الناس أن يمارسوه. ولا مانع أن يدرس في سبيل ذلك كل ما كتبه غيره من المختصين في هذا المجال. كذلك يعرف احتياجات شعبه من جهة العقيدة والطقس، وتاريخ الكنيسة وسير القدسين.
وحذار أن يظن البعض أن التحضير ضد كرامته الشخصية.
بحيث أنه أصبح فوق مستوى التحضير، لأن جميع المعلومات حاضرة في ذهنه لا تحتاج إلى تحضير!! حتى لو كانت كل المعلومات حاضرة، هي محتاجة إلى ترتيب وإلى استعادة استذكار لئلا تنسى. وتحتاج إلى تنسيقها بأسلوب مقبول… وعمليًا لا نستطيع أن نقول إن كل المعلومات حاضرة في ذهن الكاهن في كل وقت… وأنها كاملة لا ينقصها المزيد…!
على الأقل بالتحضير يقاوم نسيانه لبعض الأفكار الهامة.
والمسألة ليست مسألة كرامة، وإنما هي الفائدة التي تقدم للشعب.
إن الوعظ ليس هو كرامة، وإنما هو واجب يراد به تقديم أفضل ما يمكن للسامعين، من أجل أن نفهم الروحي، ومن أجل تثبيتهم في الإيمان، لا يصح أن يفكر الكاهن فيما يقال عنه من جهة تقدير الناس لمعلوماته. إنما عليه أن ينسى نفسه تمامًا، ويركز على الفائدة التي يحصل عليها الشعب منه العظة، ويكون أمينًا في ذلك كخادم للكلمة، وليس لكرامته.
وعلى الكاهن أن يراعي في عظته وقت السامعين.
فلا يطيل بالطريقة التي تجعلهم يملون، أو تعطلهم عن مسئوليتهم في العمل أو في الأسرة. ولا يقصر بطريقة لا توفي الموضوع حقه.
وعليه أن يركز نظره على السامعين، ليدرك مدى استجابتهم. وهل هم متقبلون ما يقول ومتشوقون إلى المزيد، أم أن القلق بدأ يظهر على ملامحهم، وأصبح البعض منهم ينظرون إلى ساعاتهم، ومشاعرهم تهتف: متى تنتهي العظة؟!
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “الرعاية (6) – الكاهن.. كمعلم وواعظ”، وطني 16 يوليو 2006م.



