معرفة الطقس

معرفة الطقس[1]
ينبغي على الكاهن أن يكون ملمًا بطقوس الكنيسة.
وإن لم يكن يعرف، فلا مانع من أن يسأل، أو أن يرجع إلى الكتب الموثوق بها ويدرس.
ولا يليق بسبب عدم المعرفة، أن يقع في خطأ، يمسكة عليه أحد العلمانيين، أو يفقد الثقة به لهذا السبب. أو أن يكون هذا الخطأ يمس تقاليد الكنيسة وقوانينها.
ولا يجوز للكاهن أن يعتمد على مجرد معرفتة الخاصة ويخطئ. كأن يأتي بشيء جديد غير مألوف، أو يبتدع طقسًا من عندياته، أو أن يضيف كلمات من عنده إلى صلوات الكنيسة الطقسية، أو يترجم صلوات الكنيسة ترجمة خاصة به حسب مفهومه الخاص، أو أن يصلي بقداس لا تستعمله الكنيسة.
والأسوأ من هذا أن يعلم الناس حسب مفهومهم الخاص.
إن الطقس قد وضعة أباء قديسون قدامَى، ونحن جميعًا أمناء عليه، وليس من حق الكاهن أن يغيره أو يضيف عليه.
حق الإضافة هو للمجمع المقدس وحده.
هو المؤتمن أمام الله والكنيسة على طقوس الكنيسة وتقاليدها وعقائدها… وإذا كان كل كاهن يمكنه أن يغير في الطقوس حسب مفهومه الخاص، ستفقد الكنيسة وحدة التعليم فيها، وتحدث بلبلة واختلافات بسبب ذلك.
والكاهن الذي يفهم الطقس، يستطيع أن يصلي بروحانية أعمق.
لأن كل حركة من حركاته، وكل عمل من أعماله، وراءه معنى روحي يفهمه من روح الطقس وهدفه…
الأب الكاهن وروحانية الطقوس.
روحانية الطقس تترك تأثيرًا في النفس. ولذلك حتى إن لم يلق الكاهن عظة أثناء القداس، فإن مجرد روحانيته في أداء الطقس، تترك تأثيرها في نفوس الحاضرين في الكنيسة…
صلاته من عمق قلبه، تؤثر في القلوب أكثر من العظة.
يعجبني ما قيل عن إيليا النبي أنه: “صَلَّى صَلاَةً أَنْ لاَ تُمْطِرَ، فَلَمْ تُمْطِرْ” (يع5: 17). فإن كان لصلاته هذا التأثير القوي في السماء، فكم يكون تأثيرها على الأرض. إنه صلى صلاة، ولم يصل كلامًا… صلاة بكل ما تحمل كلمة “صلاة” من معنى… صلاة تحمل معنى الصلة بالله. فيها العمق، وفيها الفهم والقصد…
إن مجرد تحركات الكاهن في الكنيسة، لها تأثيرها أيضًا.
طريقة مشيه، ركوعه، سجوده، رفع يديه إلى فوق، لهجة صوته في الصلاة… الكاهن الذي يدخل إلى الكنيسة في خشوع، في خوف من الله، ويركع أمام الهيكل في رهبة ويقول: “أَمَّا أَنَا فَبِكَثْرَةِ رَحْمَتِكَ أَدْخُلُ بَيْتَكَ، وَأَسْجُدُ قُدَّام هَيْكَلِ قُدْسِكَ بمَخَافَتكَ” (مز5: 7). ثم يفتح الستر مصليًا، ويركع أمام المذبح في خشوع، ويقف وينحني مُقَبِلًا المذبح، ثم يبدأ الصلاة…
حركة الكاهن أيضًا، وهو يرفع البخور مارًا وسط الشعب.
وهو يقول من كل قلبه: بركة بخور باكر… بركة بخور البولس، تكون مع جميعكم… فيشعر الناس ببركة البخور وفاعليته، ويتهافتون عليه… ذلك أن الأب الكاهن يرفع البخور، تمامًا كما يرفع الصلاة… وفي العهد القديم كان هناك مذبح يُسمَى “مذبح البخور” مُغشَى بالذهب (خر37: 16، 25). يعتبر البخور عليه ذبيحة مقدمة إلى الله عن الشعب…
إذن يرفع الكاهن البخور، وهو واثق من قوة البخور وفاعليته.
كما رفع هرون البخور، فامتنع الوبأ، الذي ضرب الله الشعب به فامتنع الوبأ، وتوقف غضب الله على الناس (عدد16: 44- 50).
هذا البخور الذي قيل عنه في سفر الرؤيا إن ملاكًا: “وَقَفَ عِنْدَ الْمَذْبَحِ، وَمَعَهُ مِبْخَرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَأُعْطِيَ بَخُورًا كَثِيرًا لِكَيْ يُقَدِّمَهُ مَعَ صَلَوَاتِ الْقِدِّيسِينَ جَمِيعِهِمْ عَلَى مَذْبَحِ الذَّهَبِ الَّذِي أَمَامَ الْعَرْشِ. فَصَعِدَ دُخَانُ الْبَخُورِ مَعَ صَلَوَاتِ الْقِدِّيسِينَ مِنْ يَدِ الْمَلاَكِ أَمَامَ اللهِ” (رؤ8: 3، 4). نعم هذا البخور الذي أمر الله أن يكون “بَخُورا ًعَطِرًا” (خر30: 35) (خر37: 29)، تصعد رائحتة الذكية أمام الله…
ما مدى خشوع الكاهن وهو يرفع البخور؟ وما مدى ثقته بفاعلية هذا البخور وهو يقدمه؟
بهذا القياس يكون تأثيره الروحي وهو يرفع البخور، ويكون أيضًا تأثيره الروحي أثناء رفع البخور… نفس الوضع أيضًا وهو يبخر أمام الأيقونات، طالبًا شفاعة القديسين الذين يبخر أمامهم بأي عمق يفعل ذلك؟ وبأي روح؟
المشكلة أن بعض الآباء الكهنة يظنون أن هذا التبخير مجرد واجب يؤديه، مجرد طقس أو نظام كنسي، دون أن يدخل إلى عمق روحانيته. سواء في الأواشي، أو أمام الأيقونات، أو أمام الإنجيل!!
كذلك طريقة صلاة الكاهن: هل هي بسرعة أم ببطء، دمجًا أم بلحن؟ بفهم وعمق، أم بغير فهم ولا عمق؟!
كثيرًا ما يكون الكاهن في عجلة، يريد أن ينتهي من القداس بسرعة، فيصلي لكي ينتهي في الموعد الذي يريده، دون أن يعني ما يقوله أثناء الصلاة، وسرعته تُحِث الشمامسة والمرتلين على نفس السرعة…
وهناك ألفاظ يقولها، وربما لا يقصدها أو لا ينفذها!
مثال ذلك في أوشية الإنجيل، يقول: “أذكر يا رب الذين أمرونا وأوصونا، أن نذكرهم في صلواتنا وتضرعاتنا التي نرفعها إليك…”.
فهل في ذلك الوقت يذكر في ذهنه أو يتذكر أولئك الذين قد أوصوه أن يذكرهم؟ يقول أيضًا في نفس الأوشية “المرضى اشفهم. والذين سبقوا فرقدوا، يا رب نيح نفوسهم”… فهل أثناء هذه الصلاة، يذكر في ذهنه أمام الله بعض أسماء المرضى أو الراقدين؟
لا بد أن يدرك الكاهن مسئوليته عن الناس أثناء القداس.
إنه لا يصلي فقط عن نفسه، كما يصلي أي إنسان في صلاته الخاصة، إنما هو يصلي بالأكثر عن شعبه وعن الكنيسة، إن الآباء كما يقول القديس بولس الرسول: “وُكَلاَءِ سَرَائِرِ اللهِ”، والمطلوب من الوكيل أن يكون أمينًا (1كو4: 1).
إذن ما عمل الكاهن كوكيل، أثناء صلواته الطقسية؟
هو وكيل لله أمام الناس، ووكيل عن الناس أمام الله…
استأمنه الناس أن يرفع صلواتهم وطلباتهم ويقدمها أمام الله… كل الناس، من كل نوع، وفي كل حالة من الاحتياج… يرفع الصلوات عنهم بصفة عامة وبصفة خاصة. كما يقول البعض للأب الكاهن: “اذكرني يا أبانا في القداس. اذكر موضوعي الفلاني، ومشكلتي الفلانية”. وهو هنا، كوكيل عن الناس، مفروض أن يذكر الكل في احتياجاتهم، وهنا نسال:
ما مدى أمانة الكاهن في تقديم احتياجات الناس إلى الله؟
كم ينسى الكاهن أشخاصًا يعتمدون كثيرًا على صلواته! ويظنون أنه مهتم تمامًا بمشاكلهم مثل اهتمامهم هم بها! بل قد تصل بهم الثقة أنهم يحسبونه يجاهد مع الله جهادًا من أجلهم! فهل يخيب ظنهم؟
إن صلاة القداس هي أقدس صلوات الكنيسة، وحسنٌ أن يجمع الأب طلبات الناس، ويعرضها أمام الله في صلواته أثناء القداس، بكل عمق، وبكل اهتمام. ويتابعها مع الله أيضًا في كثير من صلواته الخاصة…
نقطة أخرى في صلوات الطقس، وهي تواضع الكاهن.
لعل ذلك يظهر منذ البداية في “صلاة الاستعداد” التي يقول فيها: “أنت يا رب تعلم أني غير مستحق ولا مستعد ولا مستوجب لهذه الخدمة المقدسة التي لك، وليس لي وجه أن أقف وأفتح فاي… بل بكثرة رأفتك اغفر لي أنا الخاطئ. وامنحني أن أجد نعمة ورأفة في هذه الساعة…”.
فهل هذا هو شعور الكاهن من بداية القداس؟ وهل يصحبه هذا الشعور طوال صلاة القداس؟
إنه أيضًا بعد تقديم الحمل يقول: “أعط يا رب أن تكون هذه الذبيحة مقبولة عن خطاياي وجهالات شعبك”، فهل يشعر فعلًا أنه يقدمها أيضًا عن خطاياه؟ وهل يذكر ذلك وهو يغسل يديه قبل القداس ويقول: “انضح عليَّ بزوفاك فأطهر، واغسلني فأبيض أكثر من الثلج”… مع باقي الصلوات.
وهل هو أيضًا يذكر ذلك وهو يضرب المطانية، قبل البدء في قداس القديسين ويقول: “أخطيت حاللوني وسامحوني”…؟
وهل يذكر خطاياه أيضًا، وهو يكرر أكثر من مرة أن تكون خدمته: “بغير وقوع في دينونة”…
وهل هو يعترف من كل قلبه، وهو يقول قرب نهاية القداس:
“أذكر يا رب ضعفي أنا الخاطئ، واغفر لي خطاياي الكثيرة، وبسبب خطاياي ونجاسات قلبي، لا تمنع شعبك نعمة روحك القدوس”…؟
لا شك أن خطوات الكاهن الخديم باتضاع وانسحاق قلب، تترك تأثيرها العميق في نفوس الناس، وتكون أمثولة لهم وقدوة…
كذلك عمقه الروحي أثناء رشم الصليب، ومباركة الناس.
سواء ذلك أثناء رشم الشعب كله بعلامة الصليب، أو في رشم شخص معين، أو منح البركة للكل، أو في رشم القربان المقدس…
أمران مهمان يضعهما الكاهن في قلبه ونصب عينيه، وهما:
إيمانه الكامل بقوة علامة الصليب وفاعليتها، وثانيًا: اتضاعه الشخصي أثناء الرشم بعلامة الصليب، شاعرًا أن البركة ليست منه هو، بل من الصليب. وأنه ليس مانح البركة بل موصلها…
ويزداد هذا الشعور عمقًا، وهو يرسم الحمل المقدس بعلامة الصليب، ويقول “وبارَكَهُ”… فليس هو الذي يبارك الحمل برشم الصليب بيده عليه، إنما ذَكَرَ عبارة أخرى يقول فيها: “يا الذي بارك في ذلك الزمان، الآن أيضًا بارك…”. وينبغي أن يكون رشمه لعلامة الصليب، بتؤدة ووقار وخشوع وجدية… لأن البعض لا يرشمون الصليب بهذه الجدية.
إن الشعب يدرك تمامًا الحالة التي يتلقَى فيها الرشم بروحانية، يحس فيها القوة التي ينالها من رشم الأب الكاهن له.
كذلك ينبغي أن يهتم الأب الكاهن بالصلوات السرية التي يتلوها أثناء القداس الإلهي.
أثناء صلوات سرية لا يسمعها أحد، ولكن الله يسمعها. ويجب أن يقولها الكاهن بفهم وعمق، ويقدس كل كلمة منها. منها الصلوات التي يقولها طالبًا تأثير القراءات على الشعب، كقراءة البولس أو الإبركسيس، أو الصلوات الخاصة بقراءة الإنجيل المقدس. ومنها صلوات سرية يقولها قبل الاعتراف الأخير. كذلك صلوات يصليها وهو يدور حول المذبح… كلها ينبغي أن تكون من عمق قلبه.
ما أهم مشاعر الأب الكاهن، وهو يصلي الأواشي:
سواء الأواشي التي يقولها خارج الهيكل، أو من على المذبح؟
تصوروا حينما تُصَلى (أوشية السلامة) من أجل الكنيسة يصليها جميع الآباء الكهنة، في جميع الكنائس، في كل أنحاء الكرازة، من أجل سلامة الكنيسة من أقصاء المسكونة إلى أقاصيها…
ماذا يكون مفعول هذه الصلاة، إن صلاها الآباء بعمق من كل قلوبهم، وبتضرع صادق أمام الله، وتجاوب الشعب كله معهم، قائلين أيضًا من عمق قلوبهم: “يا رب ارحم”… ألا يستجيب الله لكل هولاء؟.. أم أن البعض – للأسف الشديد – يظن أن الصلوات الطقسية مجرد روتين ونظام، وتلاوة محفوظة، وألحان…؟!
لا شك أن الصلوات الطقسية، حينما يصليها الكهنة والشعب بروحانية وعمق، “تَقْتَدِرُ كَثِيرًا فِي فِعْلِهَا” (يع 16:5)
ويكون لها تأثيرها في السماء، وعلى الأرض.
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “الرعاية (21) – معرفة الطقس”، وطني 29 أكتوبر 2006م.



