دروس من حياة العذراء

في بركات عيد الميلاد المجيد، نود أن نتحدث عن قديسة الميلاد السيدة العذراء الممتلئة نعمة ولماذا اختارها الرب بالذات لهذا المجد العظيم
دروس من حياة العذراء1
لقد وعد الله الإنسان بالخلاص، وقال له أن نسل المرأة سوف يسحق رأس الحية. ومرت آلاف من السنين إلى أن تم هذا الخلاص. ولعل من أهم أسباب هذا الانتظار أن الرب كان ينتظر الفتاة القديسة الطاهرة التي يمكنه أن يحل في أحشائها.
كان ملء الزمان ينتظر هذا الفتاة القديسة. آلاف من النساء وجدن على الأرض. كل واحدة منهن كانت تشتهي أن يولد منها المسيح، حتى أن العقم حسب في ذلك الزمان عارًا… ولكن الرب لم يحل في أحشاء أية واحدة من كل تلك الآلاف من النساء.
كان لابد من وجود فتاة من نوع معين، تكون أهلًا لأن يأخذ الرب منها جسدًا: لم تكن أية فتاة تصلح لهذا الأمر. كان لابد من واحدة تتميز بصفات خاصة تؤهلها لهذا العمل العظيم… وكانت العذراء مريم هي هذه الواحدة التي انتظرتها الأجيال الطويلة.
فما هي الصفات التي أهلتها لهذا المجد وهذه الطوبى؟
+ اتضاع العذراء
كانت أول صفة تشترط فيها هي التواضع. إن المسيح إلهنا المتواضع، كان لابد أن يختار فتاة متواضعة لكي يولد منها.
ذلك لأن الفتاة المتواضعة هي الوحيدة التي تستطيع أن تحتمل هذا المجد العظيم الذي به تدعى “والدة الإله”…
حقًا، من هي التي تستطيع أن تحتمل هذا اللقب العظيم الذي لم يطلق على امرأة أخرى في الوجود؟ من تحتمل الحبل الإلهي المقدس، وتعلم أن الروح القدس يحل عليها، وقوة العلي تظللها، وتعلم أن القدوس المولود منها يدعى ابن الله؟ من تحتمل هذا؟ ومن يمكنها أن تحتمل أيضًا ظهورات الملائكة، وكثرة الرؤى والمعجزات والأعاجيب التي تصحب وجود الله الكلمة فيها ومعها؟ … هل أية فتاة أو امرأة يمكنها أن تحتمل كل هذا المجد، وكل ما يقابلها من تطويب ومديح؟!
إن لم تكن فتاة متضعة ومنسحقة النفس من الداخل، فإن كل تلك الكرامة لابد أن تهزها هزًا وتتعبها. لذلك كان لابد من فتاة لها من عمق الاتضاع ما يعادل علو تلك الكرامة. وهنا يظهر سمو العذراء.
في العلم نساء كثيرات لا يحتملن شيئًا من المجد العالمي مهما كان تافهًا، فكم بالحري المجد الإلهي أو المجد الروحي… امرأة إن ظهرت نتيجة المدرسة، وكان ابنها أول فرقته، لا يمكن أن تحتمل الفرحة، وتظل تدور على البيوت، وتقول في كل زيارة ولكل واحد “ابني أول فرقته”… امرأة أخرى إن صار ابنها طبيبًا، أو حتى دخل كلية الطب، مجرد دخول، تصر على أن يسميها الناس “أم الدكتور”. وامرأة أخرى إن سافر ابنها إلى الخارج في بعثة، تحاول أن تخلق مناسبة أو غير مناسبة لكي تعلن على الناس أن ابنها سافر في بعثة…!
ماذا يحدث إذن لو أن ابن واحدة من هؤلاء كان هو الله، حاشا.. لا شك أنها تجن، ولا تحتمل… لهذا كان لابد أن يختار الله فتاة متواضعة تحتمل كل تلك الكرامة…
هذا الأمر واضح في تسبحه العذراء إذ تقول “تعظم نفسي الرب، وتبتهج روحي بالله مخلصي… “لأنه نظر إلى اتضاع أمته” (لو1: 48).
نظر إلى اتضاع أمته، إلى مذلتها وعوزها ويتمها وفقرها، ولم يختر فتاة أخرى جليلة القدر، عظيمة في نظر الناس. بل على العكس “أنزل الأعزاء عن الكراسي ورفع المتضعين”.
نلاحظ هنا إنها قالت “أمته” أي عبدته وخادمته. ونفس التعبير قالته للملاك “هوذا أنا أمة الرب” (لو1: 38). قالت “أمته” وهي “أمه”…
إن البشارة العجيبة لم ترفع قلب العذراء، بل ظلت كما هي في انسحاقها. لم ترتفع إذ اختيرت دون كل نساء العالم في جميع الأجيال، لهذا المجد وهذه الطوبى. وإنما بقيت كما هي في اتضاعها، كأن شيئًا لم يحدث. لما سمعت أن أليصابات حبلى في شيخوختها، أسرعت لتضع نفسها في خدمتها.
+ مقابلة العذراء لأليصابات
سمعت العذراء القديسة من الملاك أن أليصابات حبلى في شيخوختها، وأنها في الشهر السادس، فأدركت أنها ولا شك محتاجة إلى خدمة. ولم تستنكف من الذهاب إليها والوقوف إلى جوارها لخدمتها.
لم تقل في نفسها ” كيف أذهب لخدمة هذه العجوز، وأنا الممتلئة نعمة، أنا المختارة من بين نساء العالم كله، أنا المباركة في النساء، أنا التي أحمل في أحشائي الله الكلمة…!”. بل أسرعت، وصعدت الجبال وهي حامل، وذهبت إليها في اتضاع. وشعرت أليصابات باتضاع العذراء في هذه الزيارة الكريمة. فقالت لها “من أين لي هذا، أن تأتي أم ربي إليًّ” (لو1: 43).
هذه الزيارة تعطينا فكرة سامية عن مقابلات القديسين وعن طابع الزيارات المقدسة: زيارة عجيبة يعمل فيها الروح القدس، كلها كلام روحي، وتسبيح لله. لم يتكلم فيها أحد كلامًا خارجًا أو كلامًا زائدًا، بل كله للبنيان. وزيادة فيها كل واحد يتضع للآخر: العذراء تتضع وتأتي لخدمة أليصابات، وأليصابات تقول في اتضاع للعذراء “من أين لي هذا أن تأتي أم ربي إليَّ”…
وكانت زيارة تعطي فكرة عن مكانة العذراء العجيبة عند الله…
إذ أنه بمجرد كلمة السلام التي ألقتها مريم العذراء إلى أليصابات، امتلأت أليصابات من الروح القدس، وتنبأت، وارتكض الجنين بابتهاج في بطنها. انظروا ماذا يقول الكتاب “فلما سمعت أليصابات سلام مريم، ارتكض الجنين في بطنها، وامتلأت أليصابات من الروح القدس” (لو1: 41). واعترفت أليصابات بهذا فقالت للعذراء “هوذا حين صار صوت سلامك في أذني، ارتكض الجنين بابتهاج في بطني”.
صدقوني أنني وقفت منذهلًا أمام هذا العبارات العجيبة…!
ما هذه الموهبة العظيمة التي للعذراء!؟ مجرد أن يدخل سلامها في أذن أليصابات. تمتلئ أليصابات من الروح القدس…! هذا عجيب حقًا… تصوروا أن إنسانًا يدخل إلى بيت، ويقول للموجودين “صباح الخير يا جماعة”، فيمتلئ هؤلاء من الروح القدس، ويتنبأون!!… هكذا حدث من العذراء. وأرانا الرب أنه من أول وهلة للحبل المقدس، أعطى هذه الكرامة العظيمة للمستودع الذي حل فيه… ويزيد هذه الأعجوبة عمقًا أنها تمت بمجرد السلام: أعني أن العذراء لم تضع يدها على رأس أليصابات، ولم تقدم عنها صلاة، ولا تشفعت فيها، ولا باركتها بكلمة بركة. ولكن بمجرد أنها سلمت عليها حلت كل تلك البركات…
هل أنت كذلك يا أخي: إذا زرت بيتًا، يمتلئ أهل هذا البيت من الروح القدس وتحل عليهم المواهب… ويتبارك البيت بوجودك؟ هل يكون وجودك بركة لهذا البيت، مثلما كان وجود العذراء في بيت أليصابات ومثلما كان إيليا في بيت الأرملة، وأليشع في علية الشونمية. ليتك تكون كذلك. أعود بك مرة أخرى لنتابع تأملاتنا في زيارة مريم لأليصابات:
نلاحظ في هذه الزيارة، أن روح الإعلان والكشف بدأ يعمل في القديسة أليصابات… رفع الله عنها الحجاب فبدأت ترى المخفيات والمحجبات…! ما دلائل ذلك؟ سنرى الآن:
قالت أليصابات لمريم “من أين لي هذا، أن تأتي أم ربي إليَّ”.
كيف عرفت أن هذه هي “أم ربها”؟ كيف عرفت أن الرب قد حل فيها؟ أليس حقًا أن القديسة أليصابات قد أدركت ما لم يستطع إدراكه أريوس ونسطور بعد مئات السنين على الرغم من مكانتهما العلمية والكهنوتية؟! بل من أين لأليصابات أن تعرف بحبل العذراء حتى تقول “ومباركة هي ثمرة بطنك”؟! ومن أين لها أن تعلم بأن العذراء “قد آمنت بما قيل لها من قبل الرب”؟!
كيف أتيح لها أن تعرف ما قاله الملاك للعذراء، والعذراء لم تكن قد أخبرتها بعد بشيء…؟! حقًا إن “سر الرب لخائفيه” كما يقول الكتاب (مز25: 14). إنها لم تعرف فقط “ما قيل لها من قبل الرب” وإيمانها به، وإنما هي أيضًا حيت العذراء بنفس العبارة التي قالها لها الملاك “مباركة أنت في النساء” (لو1: 28، 42) … هذا عجيب…
وأمام عظمة العذراء، أو بالحري أمام عظمة ابنها، تصاغرت أليصابات وتضاءلت، ونيست ما قيل عن عظمة ابنها… لقد قيل عن ابنها أنه “يكون عظيمًا أمام الرب” وأنه “يرد كثيرين إلى الرب إلههم” وأنه “يتقدم أمامه بروح إيليا وقوته” وأنه “يهيئ للرب شعبًا مستعدًا” “وكثيرون سيفرحون بولادته”. ولكن كل هذا تضاءل أمام ما قيل للعذراء من قبل الرب… نسيت أليصابات كل عظمة ابنها وهي واقفة أمام أم ربها. وكما أن يوحنا اختفى لكي يظهر المسيح، كذلك اختفت عظمته وهو جنين، أمام عظمة الجنين الإلهي. وعلى رأي الشاعر “في طلعة الشمس من ذا يبصر الشهب”؟!
مكثت العذراء ثلاثة أشهر عند أليصابات، بقيت معها طوال شهور الحمل الأخيرة حتى وضعت… هذا يظهر لنا صفة جميلة أخرى وهي روح الخدمة عند العذراء. كانت فتاة خدومة، تحب خدمة الآخرين وتتعب لأجلهم. كانت كابنها الذي “لم يأت ليخدم، بل ليخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين” (مز10: 45).
ومحبتها لخدمة الناس تابعتها باستمرار وكانت سبب المعجزة الأولى للمسيح في عرس قانا الجليل. فلما رأت أن الخمر قد فرغت، وأصبح الأمر محرجًا لأصحاب العرس إذ ليس لديهم ما يقدمونه للمدعوين، تحنن قلب العذراء عليهم وتشفعت فيهم لدي ابنها الحبيب حتى يحل لهم الإشكال، ثم قابلت الخدم وقالت لهم “مهما قال لكم فأفعلوه” (يو2: 3- 5). ومن أجلها أجرى المسيح المعجزة وفرح الناس في عرسهم.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد الثالث) 17-1-1975م



