خطوات في الطريق إلى الله – المتكأ الأخير

خطوات في الطريق إلى الله
أكلمكم عن نقطة أخرى في حياة الاتضاع وهي المتكأ الأخير، ولا أقصد بالأخير من جهة المكان، وإنما من جهة المكانة.
المتكأ الأخير[1]
في التواضع يشعر الإنسان أنه آخر الكل، وأنه أقل من الكل، ولا يستحق شيئًا، لذلك يأخذ المتكأ الأخير، ويكون ذلك عن تواضع حقيقي، مبني على معرفة حقيقية للنفس، وليس مجرد مظهرية…
أما إذا ارتفع الإنسان في عيني نفسه، فإنه لا يقبل لها المتكأ الأخير. ويثور على هذا الوضع، إن وجد فيه.
ما أجمل قول الشيخ الروحاني في بستان الرهبان: “أينما حللت، كن صغير إخوتك، وخديمهم”.
ويصلي القديس أوغسطينوس قائلًا: “أطلب إليك يا رب، من أجل سادتي، عبيدك”، مسميًا رعيته سادته لأنه خادمهم.
ونجد في الكتاب أمثلة كثيرة لمن اتخذوا المتكأ الأخير…
السيدة العذراء وهي والدة الإله، لما سمعت أن أليصابات حبلى، سافرت إليها عبر الجبال، ومكثت معها ثلاثة أشهر تخدمها حتى ولدت… صارت خادمة وهي الملكة القائمة عن يمين الملك... “فلأكن والدة الله، ولكن يجب أن أخدم هذه العجوز”.
بل لعل أروع مثل في الوجود هو السيد المسيح نفسه: “لأن ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِم” (مت20: 28).
بولس الرسول القديس العظيم، وضع نفسه آخر الكل، وقال عن ظهور المسيح بعد القيامة: “وَآخِرَ الْكُلِّ كَأَنَّهُ لِلسِّقْطِ ظَهَرَ لِي أَنَا… أَنَا الَّذِي لَسْتُ أَهْلًا لأَنْ أُدْعَى رَسُولًا لأَنِّي اضْطَهَدْتُ كَنِيسَةَ اللهِ” (1كو8:15، 9).
إبراهيم أبو الآباء، قدم لوطًا ابن أخيه على نفسه: وطلب إليه أن ينتقي ما يشاء من الأرض ويترك له ما يرفضه.
فاختار لوط الأرض الخضراء الخصبة المعشبة، وترك الجرداء لعمّه إبراهيم الذي قبل أن يفضله على نفسه… وإبراهيم هذا الذي فضل لوطًا على نفسه، باركه الرَّب أكثر…
داود – بعد أن مسحه الرَّب ملكًا – فَضل شاول على نفسه.
مع أن شاول كان قد رفضه الرَّب، وكان قد بغته شيطان، وكان داود يصلي لأجله. ومع ذلك كان داود يفضّله على نفسه، ويعتبره مسيح الرَّب، واشتغل خادمًا له وحامل سلاح، وأخذ موقف المتكأ الأخير حياله…
إن المتضع لا يعطي لنفسه أسبقية على غيره، وإنما دائمًا يفضل غيره على نفسه، ويقول: هذا أفضل مني. وهذا أحق مني؛ ويضع نفسه في آخر القائمة.
كثير من القديسين هربوا من المتكآت الأولى، ومن المناصب والألقاب والوظائف، وعاشوا آخر الكل. بلا مركز ولا لقب. وانطبق عليهم قول أحد الآباء: “من سعى وراء الكرامة، هربت منه. ومن هرب منها بمعرفة سعت وراءه، وأرشدت جميع الناس إليه”.
القديس الأنبا رويس، عاش في جيله في المتكأ الأخير، ما كان أسقفًا، ولا كاهنًا ولا راهبًا، ولا صاحب أية وظيفة، وإنما كان جَمَّالًا يقتاد جمله كرجل فقير، وهو أرفع مقامًا في روحياته من الكل.
في السماء سنرى كثيرًا من القديسين الذين عاشوا في المتكأ الأخير مجهولين من الناس، ولكن معروفين من الله.
هؤلاء لم يضعهم العالم في المتكآت الأولى، وما طلبوها لأنفسهم، ولكن الله الذي يعرف مقدارهم، سيغير وضعهم ويرفعهم. “هكَذَا يَكُونُ الآخِرُونَ أَوَّلِينَ وَالأَوَّلُونَ آخِرِينَ” (مت20: 16)، وكما قال الكتاب: “مَنْ يَرْفَعُ نَفْسَهُ يَتَّضِعُ وَمَنْ يَضَعُ نَفْسَهُ يَرْتَفِعُ” (لو14: 11).
مشكلتنا أننا نريد أن نأخذ كرامتنا على الأرض. نريد أن نرتفع ههنا ونظهر، ونسبق الصفوف ونتقدم. لذلك تتعبنا شهوة المتكآت الأولى، التي أتعبت كثيرين منذ القديم.
كان شهوة (المتكأ الأول) هي التي أسقطت الشيطان (إش14).
قال في قلبه أصعد فوق مرتفعات السحاب: “أَصْعَدُ إِلَى السَّمَاوَاتِ. أَرْفَعُ كُرْسِيِّي فَوْقَ كَوَاكِبِ اللهِ” (إش14: 13).
هذا الفوق هو الذي أضاع رئيس الملائكة البهي وأسقطه…
وشهوة المتكأ الأول كما أسقطت الشيطان، حاربت أيضًا التلاميذ، فتنازعوا فيما بينهم، مَن هو الأول فيهم!
وردّ عليهم الرب قائلًا: لا يكن فيكم هذا الفكر “أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ، وَالْعُظَمَاءَ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ. فَلاَ يَكُونُ هكَذَا فِيكُمْ. بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيمًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِمًا. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ أَوَّلًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ عَبْدًا” (مت20: 25-27). (أي يأخذ المتكأ الأخير).
بشهوة المتكأ الأول، قالت أم ابني زبدي للرَّب: “قُلْ أَنْ يَجْلِسَ ابْنَايَ هذَانِ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِكَ وَالآخَرُ عَنِ الْيَسَارِ” (مت20: 21). فرفض الرب النزاع حول المتكآت الأولى ووجهها إلى الكأس التي ينبغي لهما أن يشرباها، والصبغة التي ينبغي أن يصطبغا بها…
ما أكثر الذين يحبون المتكآت الأولى فيطلبون المواهب والقوات!!
يريدون أن يكونوا أصحاب مواهب، وأن يتكلموا بألسنة، وأن يفتخروا قائلين: “حَتَّى الشَّيَاطِينُ تَخْضَعُ لَنَا بِاسْمِكَ” (لو10: 17).
أما الإنسان المتواضع، فيقول: “أنا يا رب لا أستحق شيئًا. مجرد الوقوف أمامك، أمر يا رب لا أستحقه. مجرد أن تستمع لصوتي في الصلاة أمر لا أستحقه. مَن أنا حتى أكلمك، أنت الذي تقف أمامك الملائكة، والشاروبيم والسارافيم، والجمع غير المحصى الذي للقوات السمائية”.
هل هذا الذي يضع نفسه في آخر متكأ، يطلب مواهب؟!
انظروا، من ذا ذُبح له العجل المسمن، ولبس حُلة جديدة وخاتمًا في يده، أليس الابن الذي قال لأبيه: “وَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا” (لو15: 19) بعكس الابن الكبير الذي افتخر بأعماله.
بعكس هذا نجد في الكتاب صراعات حول المتكآت الأولى.
نجد صراعًا بين ليئة وراحيل حول المتكأ الأول في قلب الرجل، والمتكأ الأول في إنجاب البنين.
ونجد صراعًا بين عيسو ويعقوب، مَن منهما يرى الحياة قبل الآخر، وصراعًا آخر حول البكورية والأولوية والبركة…
بل نجد في تاريخ الكنيسة أيضًا صراعًا حول المتكأ الأول…
والمرأة رأيناها في بعض الكنائس الغربية تتصارع حول المتكأ الأول، وتطالب بالكهنوت، لأول مرة في التاريخ، الأمر الذي لم تطلبه السيدة العذراء والدة الإله!
هناك ثلاث فضائل إن اقتنيناها، نبعد عن محبة المتكآت الأولى، ونفضل المتكأ الأخير عن اقتناع: وأعني بها التواضع، ومعرفة الذات، ومحبة الآخرين.
إن كنت متواضع القلب، وعرفت نفسك على حقيقتها، وأيقنت كم أنت خاطئ، وكم أنت بعيد عن الكمال المطلوب منك، وبعيد عن الصورة الإلهية، حينئذ ستنسحق نفسك، وتشعر بعدم استحقاق للمتكآت الأولى، هذا إذا كنت عادلًا مع نفسك.
كذلك إن كانت لك محبة نحو الآخرين، فإنك بالمحبة ستفضل غيرك على نفسك، وبالمحبة تقدم غيرك على نفسك.
هذا بعكس الذاتية، التي بها تُفضل ذاتك، وتحب أن تتقدم على غيرك، وتأخذ المتكأ الأول… كم من مرة أحب الناس المتكآت الأولى، فكانت النتيجة أن وضعهم الرب في آخر المتكآت. ولهذا أمثلة:
الذين ضبطوا المرأة الخاطئة في ذات الفعل، وضعوها في المتكأ الأخير كخاطئة، وجعلوا أنفسهم في المتكآت الأولى من البر وعدم الخطية، فأخجلهم الرب وأظهر لهم أنهم خطاة أيضًا. أما المرأة فرفعها بقوله: “وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضًا” (يو8: 11).
وكذلك فعل مع المرأة الخاطئة التي بللت قدميه بدموعها، ورفعها على الفريسي الذي كان يظن نفسه شيئًا، ويدينها…
وبنفس الأسلوب رفع العشار الذي أخذ المتكأ الأخير، ووقف من بعيد، لا يجرؤ أن يرفع نظره إلى فوق، وفضله على الفريسي الذي يظن نفسه أفضل من الناس!!
كثيرون يقعون في محبة المتكأ الأول بأنواع وطرق شتى: منها المنافسة والتزاحم في كل أمور الحياة. الناس يتقافزون على بعضهم البعض في طريق الحياة. الكل يريد أن يسبق…
يتزاحمون حتى في وقت التناول الذي يليق به التواضع والانسحاق.
ومحبة المتكأ الأول تظهر حتى في الأحاديث، حيث يقاطع إنسان غيره، ويريد أن يسبقه في الكلام، أو أن يتكلم بدلًا منه. وقليلون هم الذين يتخذون المتكأ الأخير، ويفضلون الاستماع على التكلم، والاستفادة على الرغبة في الإفادة…
هناك إنسان يحب أن يضع نفسه في المتكأ الأول، أو يحب لنفسه على الدوام صورة المُعلّم، وصورة الناصح والمرشد. وغيره يحارَب بهذا الأمر في رغبة الصدارة والقيادة.
وهكذا يدخل الناس في منافسات، حول عضوية الجمعيات والهيئات ورئاستها. كل منهم يريد أن يقود ويدير ويدبر. وكل منهم يحطم رأي غيره، ليظهر هو في الصورة. والكل ينسى عبارة جميلة قال فيها أحد القديسين: “خيرُ الناس مَن لا يبالي بالدنيا، في يَدِ مَن كانت”.
إذًا فالنسك يساعدنا كثيرًا على الزهد في المتكآت الأولى.
إن كنا نشعر أننا غرباء على الأرض، ونشتهي الوطن السمائي، حينئذ سوف لا نبالي بالمتكآت الأولى على الأرض، ولا تُمَثل في نظرنا شيئًا ذا قيمة نشتهيه كقول القديس أوغسطينوس: “جلست على قمة العالم حينما أحسست في نفسي أني لا أشتهي شيئًا ولا أخاف شيئًا”.
لا تبحثوا عن المتكآت الأولى هنا، ابحثوا بالحري أن يكون لكم متكأ في حضن الآب، بالحب والاتضاع.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة التاسعة – العدد السادس والعشرون 30-6-1978م




