خطوات في الطريق إلى الله – الدفاع عن النفس

خطوات في الطريق إلى الله
نتابع حديثنا عن الاتضاع. ونركز في نقطة واحدة تتعلق بالاتضاع، وهي عدم الدفاع عن النفس. متى يكون الدفاع عن النفس ضد الاتضاع؟ وما هي الخطايا التي يقود إليها؟
الدفاع عن النفس[1]
الإنسان المتضع لا يدافع عن النفس، بل هو يدين نفسه باستمرار، وسهل عليه أن يقول إنه مخطئ…
أما المتكبر، فهو على الدوام يبرر نفسه. إنه بار في عيني نفسه، ويريد أن يكون بارًا في أعين الآخرين…
الإنسان المتواضع يقف أمام الله كمريض يحتاج إلى علاج، لذلك يعرض ضعفاته على الله، ليمنحه قوة على علاجها، ويطلب من الناس صلوات تضاف إلى صلواته، ليرحمه الله… أما المتكبر فهو من الأصحاء الذين لا يحتاجون إلى طبيب! (مت9: 12).
المتواضع يدافع عنه الله أما هو فلا يدافع عن نفسه…
هو لا يبرر نفسه، بل الله هو الذي يبرره. كما حدث بالنسبة إلى يوسف الصديق. بيع من إخوته كعبد، فلم يدافع عن نفسه… واتهمته زوجة سيده زورًا، فلم يدافع عن نفسه، وأُلقي في السجن، إلى أن دافع الرب عنه…
والقديس أبا مقار الكبير، اُتُّهم في خطية مماثلة، فلم يدافع عن نفسه، وكان يكدّ في عمل يديه، ويقول لنفسه: “كدَّ يا مقارة، فقد صارت لك امرأة وبنون”. وظل هكذا، إلى أن أظهر الرَّب براءته. تعثرت ولادة المرأة، فاعترفت بأنها ظلمته.
وكما أن آبا مقار ويوسف الصديق لم يُدافعا عن نفسيهما، كذلك القديسة مارينا التي احتملت عار الخطية ظلمًا. ولم تُكتشف براءتها إلاَّ بموتها، فظهر أنها فتاة وليس رجلًا!
أما الدفاع عن النفس وتبرير الذات فهو خطية قديمة جدًا.
بدأت هذه الخطية منذ حواء وآدم. فكل منهما حاول تبرير ذاته، ورفض أن يعترف ويقول: “أخطأت”.
أما نحن فورثنا الخطية، بل ورثها قايين، أول ابن لآدم.
واستمرت هذه الخطية في طبع البشرية، وارتبطت بخطايا أخرى كثيرة، فلا توجد خطية عاقر. كل خطية لها أولاد.
أول خطية ترتبط بالدفاع عن النفس هي الكبرياء…
فالإنسان يدافع عن نفسه، ليبدو بارًا، بدافع الكبرياء. أما المتواضع، فلا يهمه أن يأخذ عنه الناس فكرة حسنة لذلك لا يدافع عن نفسه. بل قد يتهم نفسه أمام الناس…
من الخطايا الأخرى التي ترتبط بالدفاع عن النفس، الكذب.
الكذب غطاء يغطي الخطية. وإن انكشف قد يُغطّىَ بكذبة أخرى. وما أكثر قصص الكتاب التي توضح هذا الأمر.
في قصة سوسنة العفيفة، ارتبط الدفاع عن النفس بالكذب. وأخوة يوسف عندما باعوه، غطوا الخطية بكذبة، فقالوا: إن وحشًا رديئًا افترسه، ولطخوا قميصه بالدم كدليل (تك37: 33)!
انظر إلى نفسك، في كل مرة تدافع فيها عن نفسك، كم كذبة وقعت فيها. كمن يدعي المرض، لكي يدافع عن نفسه في غيابه، ويشرك معه في الكذب طبيبًا!
من الأخطاء الأخرى المرتبطة بالدفاع… إلقاء الذنب على الآخرين.
فلكي تثبت براءتك، تلقي تبعة الخطأ على غيرك!
هكذا فعل آدم، حينما برر نفسه بإلقاء التبعة على حواء.
وهكذا فعلت حواء حينما بررت نفسها بإلقاء التبعة على الحيّة.
بل إن آدم حاول أن يلقي التبعة على الله نفسه “الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ” (تك3: 12).
وهذا يرينا مدى ارتباط هذه الخطية، بالتجديف على الله.
إنسان يقع في إشكال، ربما بسبب إهماله. طالب يرسب، ربما لعدم مذاكرته. شخص يقبض عليه، ربما بسبب أخطائه. في كل ذلك أو غيره، ما أسهل أن يتذمر على الله، ويتهمه بأنه يضطهده، أو بأنه قد تركه، أو بأنه السبب!
وقد يدافع الإنسان عن نفسه، بالتبجح…
ومن أمثلة هذا الأمر قايين، الذي قتل أخاه. ولما سأله الله: “أَيْنَ هَابِيلُ أَخُوكَ؟” أجاب في تبجحٍ ليدافع عن نفسه: “أَحَارِسٌ أَنَا لأَخِي؟!” (تك4: 9).
والبعض قد يقع في التبجح، بأن يهاجم كوسيلة للدفاع، كالمثل العامي الذي يقول: “خده قبل ما ياخدك”…
ومن أمثلة الذين وقعوا فيما يشبه التجديف، في دفاعهم عن أنفسهم. أيوب الصديق..
إنه في تبريره عن ذاته، يقول لله: “أَحَسَنٌ عِنْدَكَ أَنْ تَظْلِمَ؟!” (أي10: 3)؛ “تَسْتَذْنِبُنِي لِكَيْ تَتَبَرَّرَ أَنْتَ؟” (أي40: 8)، “أَعْلِمْنِي ذَنْبِي وَخَطِيَّتِي؟” (أي13)، “فِي عِلْمِكَ أَنِّي لَسْتُ مُذْنِبًا، وَلاَ مُنْقِذَ مِنْ يَدِكَ!” (أي10: 7). وقال لأصحابه: “فَاعْلَمُوا إِذًا أَنَّ اللهَ قَدْ عَوَّجَنِي، وَلَفَّ عَلَيَّ أُحْبُولَتَهُ” (أي19: 6). إنَّ الدفاعَ عن النفسِ قد يرتبط أيضًا بالغضبِ والثورة، وبإهانة الآخرين. وربما يؤدي أيضًا إلى الشتيمة والانتقام.
أيوب الصديق في دفاعه عن نفسه ضد أصحابه الثلاثة، قال لهم: “مُعَزُّونَ مُتْعِبُونَ كُلُّكُمْ؛ هَلْ مِنْ نِهَايَةٍ لِكَلاَمٍ فَارِغٍ؟!” (أي16: 2-3)، “لَيْتَكُمْ تَصْمُتُونَ صَمْتًا. يَكُونُ ذلِكَ لَكُمْ حِكْمَةً” (أي13: 5) “أَمَّا أَنْتُمْ فَمُلَفِّقُو كَذِبٍ. أَطِبَّاءُ بَطَّالُونَ كُلُّكُمْ” (أي13: 4).
بطرس الرسول، في دفاعه، أخرج سيفه من غمده وقطع أذن العبد، فأراه السيد المسيح أن هذه الطريقة لا تناسبنا في الدفاع عن أنفسنا. وقال له: “رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ” (مت26: 52).
والبعض في الدفاع عن نفسه، يقع في المقاومة والجدل…
يُكثر الكلام بطريقة متعبة، وفي مناقشة غبية، يتضح فيها عنصر المغالطة، لمجرد الدفاع.
وفي كل ذلك يكون المدافع عن نفسه سبب عثرة للآخرين.
وذلك عن كثرة ما يقع فيه من أخطاء تُعثر الناس.
بينما الشخص الذي لا يدافع عن نفسه، وقد يقبل الخطأ على نفسه في هدوء، يكون قدوة للآخرين، وينتفعون كثيرًا من اتضاعه ومن هدوئه ومن سلامه الداخلي. على أن من أخطر الأمور في الدفاع عن النفس محاولة فلسفة الخطأ، بقلب القيم، وتغيير موازين الأمور.
وهكذا يحاول المخطئ أن يُلبس الباطل ثوب الحقِّ، لكي ينجو من مسئولية الباطل الذي وقع فيه، مدّعيًا أنه حقّ!
ومن هنا نشأت كثير من المذاهب الفلسفية والعقلية والاجتماعية والتربوية، بسبب محاولة فلسفة الأخطاء وتبريرها عقليًا.
إنسان يقسو على أولاده، فيُلَبس القسوة ثوب الحزم، ويستخدم بدون فهم العبارة التي تقول: “أدّب ابنك بقضيبٍ من حديد”، وهكذا لا يرد على خطئه فقط، إنما يؤسس مبدأ في معاملة الأبناء. وقد يضرب امرأته، فإن عاتبته، يضع مبدأ آخر في حقِّ الرجل في ضرب امرأته. ويصير الخطأ فلسفة. الذي يكنز أمواله بلا مبرر، والبخيل الذي لا ينفق على الضروريات، كل منهما يبرر موقفه بفلسفة في الاقتصاد، ويتهم الذي ينفق بالإسراف وتبديد الأموال وقلة العقل!!
وبهذا الأسلوب في الدفاع وقع الهراطقة في البدع.
لو أن أحدهم اعترف أنه أخطأ، ما قامت هرطقته، ولاِنتهى الأمر. ولكن إصراره على تبرير ذاته والدفاع عن نفسه، جعله يبحث عن أدلة عقلية أو منطقية يثبت بها رأيه وأنه لم يخطئ. وهكذا يبدأ الهرطوقي يفلسف أخطاءه… وقد يستخدم نصوصًا وآيات من الكتاب في غير ما قُصد منها، ويضع للناس مفاهيم جديدة خاطئة سببها الدفاع عن النفس!
ما أظلم الناس في استشهادهم بالآيات وبالنصوص!!
كل مذهب من المذاهب، مهما كان خطأه واضحًا، يحاول أن يثبت خطأه بالآيات وبالنصوص. ومن يعارضونه يستخدمون أيضًا الآيات والنصوص. ويضيع الحق في التفسير الخاطئ للنصوص…
إن الدفاع عن النفس، يجر إلى أخطاء وأخطار كثيرة كما رأينا. ولعل أبشعه الدفاع عن النفس أمام الله…
بينما أمام الله ينبغي أن “يَسْتَدَّ كُلُّ فَمٍ” (رو3: 19). ولا يقول الإنسان سوى كلمة “أخطأت، سامحني، وارحمني”.
الاعتراف بالخطية.
- إن الاعتراف بالخطيئة يجلب العفو، ومحاولة تبرير الذات تجلب الدينونة، سواء أمام الله أو أمام الناس.
- إن اعتذرت لأحد، تنتهي المشكلة بينك وبينه، لأنك في الاعتذار لا تبرر ذاتك. أما إن ظللت تجادل، يتصاعد الموقف، وتزيد المشكلة، وتكون كمن يصر على الخطأ. وكثير من الإشكالات الزوجية والعائلية، سببها إصرار كل طرف على أنه لم يخطئ، وأن الخطأ في الطرف الآخر!
- إن كلمة (أخطأت) لها مفعول عميق في إذابة المشاكل.
ولكن هناك موقفًا يصلح فيه الدفاع…
إن كان شخص ثائرًا عليك ظانًا أنك أهنته أو خنته. وإن اعترفت بذلك تزداد ثورته، وربما تنقطع علاقتكما، وتسوء العواقب. بينما إن شرحت له حقيقة الأمر، وأنك لم تُهنه ولم تخُنه، تهدأ نفسه، ويسود السلام بينكما.
حينئذ لا يكون سبب الدفاع عن النفس هو تبرير الذات، وإنما هو ربح الآخرين. وإرضاؤهم وتثبيت المحبة.
ولا يكون هذا دفاعًا، وإنما هو توضيح لموقف. وهذا التوضيح هو والاعتذار، لهما نتيجة واحدة…
يا إخوتي، إن الدفاع عن النفس أمر سهل يقدر عليه الكل. أما عدم الدفاع عن النفس فهو شيمة الأقوياء.
المسيح القوي “ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ” (إش53: 7).
لم يدافع عن نفسه أمام مجلس السنهدريم، ولم يدافع عن نفسه أمام بيلاطس. وبصمته كسب الموقف. وأعطانا تعليمًا عن الخد الآخر، وعن الميل الثاني…
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة التاسعة – العدد الخامس والعشرون 23-6-1978م




