رعاية الشباب

رعاية الشباب[1]
رعاية الشباب تلزمنا أن نتأكد من رعايته قبل مرحلة الشباب.
فالشاب الذي ينحرف انحرافًا خطيرًا. إنما يقدم دليلًا عمليًا على أن القيم الروحية لم تُغرس فيه غرسًا عميقًا أثناء طفولته، أو أنه لم يجد الرعاية الكاملة حينما كان فتى أو صبيًا. إذ يندر أن يصيبه الانحراف فجأة، ويجده مستعدًا لهذا الانحراف دون مقاومة من مبادئ راسخة. إذن العناية بالشباب تبدأ من فترة الطفولة، وتستمر وتتتابع في فترة الصبا، وتتطور إلى أن تصل إلى مرحلة الشباب.
علينا أيضًا أن نلاحظ المؤثرات التي تؤثر على الشباب.
المؤثرات الخارجية:
الشباب يخرج من بيته إلى مجتمع أوسع، فيه مؤثرات تختلف وتتنوع عن جو المنزل والأسرة: منها محيط الصداقة، والدراسة، والبيئة، والنادي، ووسائل الإعلام، وجو المجتمع كله.
1– تأثير الصداقة عليه.
ما أعمق هذا التأثير، وبخاصة لو كان أصدقاؤه لهم شخصية أعمق يشعر نحوها بلون من الجاذبية، فيدخل في نطاقها، وقد يصير صورة منها. وما أصدق العبارات الآتية لأحد الأدباء:
قل لي من هو صديقك، أقل لك من أنت.
ولأننا لا نضمن نوعية الصداقات التي يتعرض لها شبابنا في المجتمع الواسع، ليتنا نوجد له صداقات في مجتمعنا الروحي: في الكنيسة، في اجتماعات الشباب، في الأنشطة الروحية، في نادي الكنيسة، في مدارس الأحد، في الأسرات الجامعية، ونشكر الله أن هذه الأسرات تحت رعاية الكنيسة وتوجيهها…
2 – وهنا نسأل في صراحة تامة، ما تأثير جو مدارس الأحد على الشباب؟
نلاحظ أن عدد تلاميذ مدارس الأحد يكون كبيرًا في المرحلة الابتدائية. ثم يأخذ في التناقص في المرحلة الإعدادية، ويقل بالأكثر في المرحلة الثانوية. فما أسباب كل هذا؟
المناهج والمتكلمون:
لعل سبب التناقص يرجع إلى: المناهج، أو المتكلمين، أو المستوى.
إذ أننا قد لا نحترم عقلية الشباب أو سنه فيما نقدمه له من مناهج ومن معلومات وكأنه ما زال أمامنا في مرحلة الطفولة؟!
علينا ألا ننسى أننا في عصر الكمبيوتر، وفي عصر الإنترنت، وما قدمته التكنولوجيا من معلومات واسعة، رفعت المستوى الفكري ومستوى المعلومات عند الشباب إلى حد بعيد. وما كنا ندرسه في الأربعينيات عن مراحل السن وخصائص كل مرحلة، أصبح يختلف اختلافًا كبيرًا عن مستوى هذه المراحل في التسعينيات، فلا بد أن تتطور المناهج وطرق التدريس حتى تتناسب مع هذا التطور الفكري.
إن الشباب يحضر إلى الكنيسة، ليجد ما يشبع عقله وروحه.
وهذا الإشباع لا تناسبه طريقة التلقين القديمة. فهو يريد أن يقتنع بكل ما يسمع والاقتناع تناسبه طريقة الحوار. لذلك على قادة اجتماعات الشباب أن يقسموا وقت تخاطبهم مع الشباب إلى جزء خاص بالمحاضرة وجزء آخر خاص بمناقشة ما سمعوه.
ويكون النقاش حرًا. لأن التلقائيات والمسلمات قد تغير وضعها أيضًا. وحتى مجرد الإقناع بقول لأحد الآباء، أو حتى بآية من الكتاب، لم يعد كافيًا. إذ يحتاج الشباب أن يدرك الأســـس الروحية والعقلية والمنطقية التي بنيت عليها هذه الآية أو هذا القول من الآباء …
يؤسفني أن أقول إنه حتى مبادئ الفضيلة – وبخاصة في بلاد الغرب – لم تعد من الأمور المُسلم بها، إنما تحتاج أيضًا إلى إقناع… الوصايا العشر أيضًا تحتاج إلى إقناع فكري … لماذا أمر الرب بهذا؟ ما حكمته فيه؟
حدود الحرام والحلال، والخطأ والصواب، تحتاج إلى شرح.
لا يكفي أن تقول إن التدخين حرام، إنما يلزم أن تُثبت ذلك. كذلك في حديثك عن التليفزيون وعن الأغاني، وعن الأفلام السينمائية، وسائر ما تكتبه المجلات. ونفس الوضع بالنسبة إلى كل وسائل الترفيه…
وفي كل هذا، نفسح المجال للسؤال، ولا نرفضه مهما بدا غريبًا. متذكرين قول القديس بطرس الرسول: “مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ” (1بط 3: 15).
وهذا يجعلنا ننتقل إلى نقطة مهمة تتعلق بالموضوع، وهي:
النوعية اللازمة من المتكلمين أو خدام فصول الشباب:
ليس كل خادم يصلح أن يكون أحد المتكلمين في اجتماعات الشباب، أو أحد المدرسين لفصل من فصول الشباب.
فقيمة خادم الشباب تتوقف على شخصيته، وكمية ونوعية معلوماته، وقدرته على الإقناع وعلى إجابة ما يوجه إليه من أسئلة، وطريقة معاملته للشباب، وجاذبية أسلوبه، ومدى تقدير الشباب له…
فأن لم تتوفر فيه هذه الصفات ما أسهل أن يتناقص عدد الحاضرين ويكون السبب في ذلك أن الاجتماع لم يعد يشبعهم!
إذن خدام الشباب يلزمهم أن يكونوا من نوعية متميزة مختارة، كما يحتاجون إلى توعية، ودراسات، وتدريب، وفهم لنفسية الشباب.
يفهمون عقلية الشباب ومشاكلهم، وما يحتاجون إليه. بحيث يكلمهم الخادم بما يناسب ما في داخلهم وليس بفرض أمور عليهم من الخارج بعيدة كل البعد عنهم! إذ قد يكون الخادم في جو معين، ومن يسمعه من الشباب في جو آخر.
ولا يجوز أن يغلق الخادم على الشباب في دائرة اقتناعه الخاص!
فيمنعهم مثلًا من التليفزيون، بينما قد يسألونه: وماذا عن المعلومات المفيدة جدًا التي تقدمها بعض برامجه؟ وماذا عن سماع الأخبار؟ وأية خطية في هذا؟ وماذا عن برنامج الرياضة، ونحن نحب الرياضة؟ وماذا عن الدروس العلمية؟ وماذا… وماذا؟
أما الخادم غير المتطرف في أفكاره، فإنه يكون عادلًا وسليمًا فيما يصدره من أحكام ويميز بين النافع والضار. ويركز أيضًا على عنصر الوقت الذي يأخذه التليفزيون من يوم الشاب، ونسبته إلى باقي المسئوليات الأخرى، وأيضًا مدى التحكم في رؤية ما ينفع والبعد عما لا ينفع… وبهذا يحترم الشباب معلوماته وعقليته…
أما الحكم بأن كل شيء يعجب الشباب هو حرام، فأمر لم تعد عقليته تقبله! ويشعرون أن الخادم لا يريد التفاهم!
وأنهم لا يستطيعون أن يعيشوا جوًا نسكيًا يُفرَض عليهم…
وقت الفراغ:
الشباب يحتاج أيضًا إلى حل مشكلة وقت الفراغ.
لا نستطيع أن نقول للشباب: ليس أمامك سوى الروحيات: الاجتماعيات، والمكتبة، ودروس الألحان، ودراسة اللغة القبطية، والتسبحة… إلخ. فليس كل الشباب على هذا المستوى وهذه الرغبة، وليس لجميعهم القدرة على التركيز في العمل الروحي طول الوقت.
من هنا كان من اللازم: عنصر التسلية والترفيه.
- وقد يكون هذا في مجال الرياضة، إن كان يتوفر للكنيسة مكان للنادي، أو في الألعاب الداخلية Indoor games. وتوجد في كثير من الكنائس فرق رياضية متنوعة، وتدخل مع كنائس أخرى في مباريات، وتوزع عليها كؤوس وميداليات…
وقد تكون التسلية في مجال التمثيل والمسرح.
وكثير من الكنائس استطاعت أن تقدم مسرحيات ناجحة، عن بعض الشهداء، أو أبطال الإيمان، أو آباء البرية، أو الآباء المشهورين في العمل الرعوي أو العناية بالفقراء. وكانت تلك التمثيليات ناجحة جدًا، حتى أنها سجلت على أفلام سينمائية، أو أفلام فيديو وأمكن تصديرها أيضًا إلى بلاد المهجر.
غير أنني أريد هنا أن أبدي ملاحظة مهمة وهي أن أفلام الاستشهاد ينبغي أن تبعد عن مناظر التعذيب التي كانت تتعب من يشاهدها من الأطفال…
من الأنشطة التي تصلح للشباب: فرق الكشافة والجوالة.
وهي توجد في بعض الكنائس، ولها أنشطتها التي تستغرق كثيرًا من وقت الشباب وتعلمهم الجدية، ويخدمون الكنيسة في حفظ النظام في كثير من الحفلات والمناسبات المهمة. ويتدربون فيها على مهمة القيادة، وحسن التعامل مع الجمهور، مع حسن مظهرهم أيضًا، وأدائهم للواجب في هدوء وفي غير كبرياء…
علينا أن نعرف مواهب الشباب وننميها ونعطيها مجالها:
فهناك شباب لهم موهبة الموسيقى ويمكن أن تدربهم الكنيسة على أنواع من الآلات الموسيقية. فتصاحب الموسيقى بعض الألحان والتراتيل والأناشيد، ومن هنا تكونت فرق للكورال في كثير من الكنائس وكان لها نجاحها في الحفلات والمناسبات. وتدريبهم على أن الموسيقى يمكن أن تستخدم في المجال الديني، وليس بأسلوب العالم فقط، وإدراكهم أن الموسيقى الدينية أكثر عمقًا وتأثيرًا.
لبعض الشباب أيضًا مواهب أدبية.
كمن يستطيع أن يكتب القصة، أو الفوازير والمسابقات، أو ينظم الشعر، أو يؤلف الأناشيد والتراتيل. ولكل هؤلاء مجالهم في الكنيسة. ويمكن إعطاؤهم الفرصة للاستفادة من مواهبهم وتنميتها، وإتاحة الفرص لهم لإظهارها ونشرها…
وقد تكون لبعض الشباب موهبة في الرسم.
وهذا أيضًا يمكن اعطاؤه الفرصة في أن يرسم في المجال الديني، رسمًا يصاحب قصص الكتاب المقدس أو قصص القديسين، أو أن ينشغل أيضًا في رسم المناظر الطبيعية أو الرمزية.. ويمكن تدريب البعض على رسم الأيقونة، إن كانت له الموهبة.
وربما تكون عند البعض موهبة عمل النماذج.
كأن يعمل البعض نموذجًا لخيمة الاجتماع، أو للهيكل، أو لكنيسة معينة. أو يمكن أن ينشغل البعض في عمل هدايا لمدارس الأحد… سواء كان يعمل هؤلاء عملًا جماعيًا، أو يعمل البعض كفرد. المهم أن يشعروا أن لهم موهبة يمكن أن يستخدمها الرب، وتكون ذات نفع للكنيسة، وأيضًا تشغل وقت فراغهم.
يجب أن نرشد الشباب أن يستخدموا مواهبهم، في مجال روحي بغير انحراف، وأن الكنيسة تحتضنهم جميعًا، وتساعدهم وتنميهم.
وأنها لا تضغط عليهم في اتباع طريق معين. إنما كل منهم في مجاله، وإنما بأسلوب روحي.
ربما كثير من استغلال هذه المواهب يصلح للنشاط الصيفي.
والبعض منه يمكن أثناء العام الدراسي على مستوى محدود لا يعطل الدراسة التي يجب حث الشباب عليها أيضًا. وكثير من الكنائس تقدم حفلات للمتفوقين دراسيًا، وتمنحهم شهادات تقدير.
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “الخدمة الروحية والخادم الروحي (9) – رعاية الشباب (ب)”، 29 أبريل 2007م، كما نُشرت في 22 مايو 2005م.




