رابح النفوس حكيم

رابح النفوس حكيم[1]
– لا تكن نقادًا – عدم التعالي على الغير
– متى تغمض عينيك – الفلسفة أم الروحانية؟
– انقذه بدلًا من أن تخجله – تربح مخدوميك وزملاءك
– أسلوب المديح والتشجيع – فضيلة حسن الإصغاء
– المديح بصدق وإخلاص – التنازل لضعفات الآخرين
– أشعِر الناس بمحبتك – قبول النقاش والمعارضة
– مثال السيد المسيح – طريق النقاش وطريق الأمر
– شجعوا صغار النفوس – اربح الله فتربح الناس
تكلمنا عن هذا الموضوع في العدد الماضي. فكتبنا لك مقدمة عن ربح النفوس، وعن كيف يمكن ربح النفوس بالحب وبالحكمة، مع خمس ملاحظات عن كيفية ربح النفوس لله. ونورد اليوم قواعد أخرى في حكمة ربح النفوس. ومنها:
لا تكن نقادًا
هناك أشخاص لا يرون في غيرهم إلا ما يعيبهم. ولا ينظرون إلى الآخرين إلا بمنظار أسود. فهم باستمرار ينتقدون، ويخسرون الناس بنقدهم لهم…
أما الإنسان الروحي، فإنه لا ينتقد كثيرًا، ولا يدين كثيرًا. وإذا كان هناك داعِ روحي للنقد، فإنه ينتقد في حكمة وفي محبة وفي لطف، لذلك يكسب الناس.
والسيد المسيح، الذي سيأتي في مجده، ليدين الأحياء والأموات، يقول: “لَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ” (يو3: 17).
فإن أردت أن تربح الناس، أسلك كما فعل السيد المسيح. وبدلًا من أن تعكف على إدانتهم، اعمل على خلاصهم…
بدلًا من أن تحكم عليهم، أشفق عليهم. وبدلًا من أن توبخهم على أخطائهم، ساعدهم على التخلص من تلك الأخطاء..
في قصة المرأة الخاطئة التي ضُبطت في ذات الفعل، لم يستطع أن يكسبها الذين عاملوها بقسوة وحكموا عليها، طالبين رجمها. أما السيد المسيح فقد استطاع أن يكسب نفسها بأن دافع عنها ضد المشتكين عليها، ثم قال لها: “ولاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضًا” (يو8: 11).
الناس يحتاجون إلى عين مغمضة، لا تنفتح لتنظر إلى أخطائهم، محملقة فيما يفعلون! يحتاجون إلى عين إن رأت خطأ، كأنها لم تبصر شيئًا..
يحتاجون إلى قلوب مشفقة عطوفة، تدرك تمامًا ضعف الطبيعة البشرية وسهولة سقوطها، وتشفق على الناس إن سقطوا، وتصلي من أجلهم لكي يقوموا… وبهذا تربحهم…
لا يمكنك أن تربح الناس، إن كنت باستمرار تتأمل أخطائهم، وتفحص عيوبهم، وتتحدث عنها أمام الآخرين وتستصغرهم بسببها. وقد تعايرهم بها…! وهكذا تخدش مشاعرهم ولا تكسبهم.
إننا في عالم جوعان إلى العطف، وإلى الحنان والمعاملة اللطيفة. وقد ذكر القديس بولس الرسول أن اللطف هو من “ثَمَرُ الرُّوحِ” (غل5: 22) عامل الناس إذن بلطف.
ولا تكن عينك مفتحة لأخطائهم، إنما مفتوحة لترى فضائلهم.
إن تركيزك على أخطاء الناس، ربما يدفعهم إلى اليأس أو إلى صغر النفس، كما أنه لا يشعرهم باحترامك لهم، أو على الأقل بتقديرك لحالتهم ورغبتك في إنقاذهم…
يمكنك كخادم أن تنقذهم من أخطائهم، دون أن تخجلهم بها.
ويستثنى من هذا، أولئك الذين هم في حالة الاستباحة واللامبالاة، ويحتاجون إلى من يوقظهم من سباتهم الروحي، ليعرفوا خطورة ما هم فيه وينيروا طريقهم…
وحتى هؤلاء، يحتاجون إلى من يوبخهم. دون أن يشعرهم باحتقار، كما أنه ينتهر بأسلوب من يحب ومن ينقذ..
صدقوني، كما أن الناس جياع إلى العطف والحنان، هم أيضًا جياع إلى المديح والتشجيع..
المديح الذي يشعرهم أن فيهم شيئًا خَيِرًا، فترتفع معنوياتهم، ويشعرون أنهم قادرون على حياة البر…
أسلوب المديح والتشجيع
تأكد تمامًا أن الشخص الذي تمدحه في صدق وفي إخلاص، من السهل أن تكسبه. وكذلك الذي تشجعه كثيرًا تكسبه. والذي تكشف فضائله وميزاته وقدراته، وتتحدث عنها، يمكنك بهذا أن تكسبه..
بهذا كله، تشعره بمحبتك وتقديرك، فيميل إليك، ويكون مستعدًا أن يسمع نصائحك، وأن يقبل عملك الروحي من أجله…
تصور أنك في اجتماع، يحضره لأول مرة عضو جديد. فتقدمه أنت للحاضرين، وتشرح مواهبه وإمكانياته وتاريخه وانتاجه، وتظهر فرحك بوجوده. لا شك أنك بذلك تكسبه، إذ يجد فيك صديقًا يحترمه ويقدره.
ولكن ليس مديح الناس معناه تملقهم. كلا. وإنما كل إنسان- مهما كان – له ميزة أو ميزات. اكتشفها وامتدحها، بصدق وإخلاص.
لقد وجد السيد المسيح شيئًا صالحًا يستحق المديح في زكا العشار، وفي المرأة السامرية، وفي الخاطئة التي بللت قدميه بدموعها ومسحتهما بشعر رأسها… بل حتى في الشاب الغني، إذ قيل عن الرب بأنه: “نَظَرَ إِلَيْهِ يَسُوعُ وَأَحَبَّهُ” (مر10: 21). كما أنه قال للسامرية: “حَسَنًا قُلْتِ… هَذَا قُلْتِ بِالصِّدْقِ” (يو4: 17، 18). وقال عن الخاطئة الباكية، أنها: “أَحَبَّتْ كَثِيرًا” (لو7: 47). وشرح كيف أنها كانت أفضل من سمعان الفريسي.
إن الرب في كل هذا، اكتشف الجوهرة المدفونة في الطين، ونظفها، ومدحها، وأظهرها للناس، فربحها، ورابح النفوس حكيم.
كان شاول الطرسوسي مضطهدًا للكنيسة، وكان “إِذَا وَجَدَ أُنَاسًا مِنَ الطَّرِيقِ رِجَالًا أَوْ نِسَاءً يَسُوقُهُمْ مُوثَقِينَ إِلَى أُورُشَلِيمَ (أع9: 3). ومع ذلك كان في داخله شيءٌ حسنٌ، رآه المسيح، فاختاره رسولًا يبني به الملكوت… إن اكتشاف النور الداخلي الذي تخفيه ظلمة خارجية، أمر جميل ومشجع…
يوجد كثيرون يتعبون، ولا يجدون من يقدرهم، ويجاهدون ولا يجدون من يشجعهم. ارفع نفسية هؤلاء، فتربحهم.
مثل طفل يجتهد في دروسه ويحصل على درجات عالية، ولا يحس به أحد في المنزل. فيضطر أن ينبههم بنفسه إلى امتيازه. ما أسعد هذا الطفل بمن يكتشف تفوقه ويشجعه، دون أن يتكلم هو عن نفسه…
لا تظنوا أن التشجيع هو للصغار فقط، فالكبار أيضًا يحتاجون إليه.
كما يحتاج خادمك إلى تشجيع، ليستمر في إخلاصه لك وفي تعبه وتفانيه، كذلك يحتاج رئيسك إلى تشجيع، ليستمر في معاملته الطيبة لك ولغيرك.
إن صاحب البيت تسعده كلمة تحية وتقدير يسمعها من بواب منزله… فيقول أن هذا البواب هو أفضل بواب عرفه. لا من أجل تفانيه في عمله، بل لأجل الكلمة الطيبة والمديح والشكر…
الناس يحتاجون دائمًا إلى كلمة طيبة تسعدهم، فيحبون قائلها.
والإنسان الذي يملك لسانًا عذبًا حسن المنطق، ووجهًا بشوشًا، وحسن معاملة للناس، يمكنه أن يربح الدنيا كلها ومن عليها، إلا من يستسلمون تمامًا لقيادة الشياطين…
من أجل حاجة الناس إلى كلمة طيبة، أعطاهم الله الإنجيل ومعناه “بشارة مفرحة“. وبدأ الرب عظته على الجبل بالتطويبات، وكلمة (طوبى) معناها السعادة والبركة معًا..
وكان الرب يشجع باستمرار حتى أنه مدح الزرع الذي أنتج ثلاثين فقط، وقال أنه زرع جيد كالذي أتى بستين ومائة..
إن الإنسان الحكيم، هو شخص لطيف، يشجع الناس ولا يدينهم، لذلك فهو يربحهم.
السيد المسيح ما كان يدين بل يشجع، مع أن جميع خطايا الناس… الخفيات والظاهرات… كانت مكشوفة أمامه ومعروفة، حتى مشاعر القلب، وحتى الأفكار والنيات والظنون…
فإن كان وهو الذي يعرف كل الخطايا وكل الخفايا، ويعرفها عن يقين، لا يوبخ أحدًا، فكيف بنا نحن الذين لا نعرف الحقيقة تمامًا! وربما ما لدينا من انتقادات فيه الكثير من الظن أو الشك أو الظلم… وقد نحكم على الناس ظلمًا، فيكرهوننا، ولا نربحهم!
وحتى إن وجد في الناس خطأ يقيني، فبالكلمة الطيبة نعالجه ونربحهم… ما أجمل قول الكتاب: “شَجِّعُوا صِغَارَ النُّفُوسِ” (1تس5: 14).
الصغير شجعوه، والكبير قدروه ووقروه. والممتاز امدحوه، والضعيف لا تحتقروه…
والإنسان الحكيم الطيب، رابح النفوس، يوزع كلمات التشجيع والبركة على كل أحد… والمعاملة الرقيقة يعامل بها الكل. وكما يقول الكتاب: “بَارِكُوا وَلاَ تَلْعَنُوا” (رو12: 14).
خذوا هذا التدريب ونفذوه: حاولوا أن تكسبوا الناس… أعطوا كل إنسان حقه في الكرامة، أكرموا الكل. اكسبوهم في محبتهم لكم، لكي تقودوهم إلى محبة الله… انظروا الخير الذي في الناس وشجعوه. واكسبوهم بالتشجيع، وأيضًا بالاتضاع.
اكسبوهم بالاتضاع:
الناس لا يحبون الشخص الذي يتعالى عليهم، ويحدثهم من فوق، كأنه من مستوى أسمى من مستواهم. بل يحبون الإنسان المتضع، الذي لا يشعرهم بأنه أعلى منهم.
لذلك في كسب الناس، إياك من هذا التعالي الذي يُنَفِر الناس، ويبعدهم عنك.
في عظاتك ابتعد عن أسلوب عرض المعلومات والتباهي بالمعرفة، إنما ركز على ما يلزمهم في حياتهم الروحية، ولا تستخدم ألفاظًا أو تعبيرات لا يفهمونها، بقصد أن تظهر أنك تفهم ما لا يفهمون..!
إنما كن متضعًا في أسلوبك، بسيطًا في تعبيرك، تشرح أعمق المعاني في أسهل الألفاظ. وإياك أن تحول الدين إلى فلسفة. وتذكر قول القديس بولس الرسول: “وَأَنَا لَمَّا أَتَيْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَتَيْتُ لَيْسَ بِسُمُوِّ الْكَلاَمِ أَوِ الْحِكْمَةِ…“ (1كو2: 1). “وَكَلاَمِي وَكِرَازَتِي لَمْ يَكُونَا بِكَلاَمِ الْحِكْمَةِ الإِنْسَانِيَّةِ الْمُقْنِعِ بَلْ بِبُرْهَانِ الرُّوحِ والْقُوَّةِ” (1كو2: 4).
إنك في خدمتك، لست تبني نفسك بما تقوله من كلام، إنما أنت تبني الآخرين.
لذلك كن متواضعًا في خدمتك، ولا تجعل هذه الخدمة مجالًا للذات، فليس في ذلك ربح للناس. والذين هدفهم (الذات) قد يجعلون مركز اهتمامهم في عظاتهم هو اللغة أو المعلومات، وليس التأثير الروحي… أو قد يكون هدفهم هو إعجاب الناس بكلامهم، وليس قيادة الناس إلى التوبة…!
كذلك فإن رابح النفوس الحكيم، ليس واجبه فقط هو أن يربح المخدومين، وإنما أيضًا أن يربح زملاءه في الخدمة.
الخادم المتواضع، لا يغطي على غيره، بل يعطيه فرصة ليعمل هو أيضًا. وهو لا يكتسح غيره من الخدام، بل يتذكر قول الرسول: “مُقَدِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْكَرَامَةِ” (رو12: 10).
وإذا كان في لقاء، لا يأخذ الجلسة كلها لحسابه الخاص، بل يعطي مجالًا لغيره لكي يتكلم. ولا يقاطعه، ولا يُحَقِر رأيه، ولا يحاول أن يثبت أنه أعمق فكرًا أو أكثر معرفة، بل يمتدح ما يقوله زملاؤه من الخدام – ولو كانوا تلاميذه -…!
وتكون له فضيلة حسن الإصغاء.
فيحبه الناس لإصغائه. وعندما يتكلم، لا مانع أن يقول: “أعجبني رأي فلان في كذا” “ومن النقط الجميلة ما قاله فلان” “وأنا أوافق فلانًا على رأيه” “وقد استفدت كثيرًا مما قاله فلان”…
وهكذا يُعجَب الناس بطريقة كلامه، كما يُعجبون بإصغائه…
والخادم الحكيم المتواضع، لا يتجاهل أحدًا، ولا يستصغر أحدًا، بل يحترم الكل. فيحبه الناس في تواضعه.
السيد المسيح تواضع فدخل بيت زكا العشار، وأعطى مقامًا لمتى العشار بأن جعله رسولًا. ودخل بيوت الخطاة، وسمح للمرأة الخاطئة أن تلمس قدميه وتمسحهما بشعرها. بل أعطى أهمية للأطفال أيضًا.
لذلك أحبه الكل، وربح الكل. وقادهم بمحبته وتواضعه إلى الملكوت.
وداود النبي بعد انتصاره على جليات، وبعد تعيينه رئيسًا على رجال الحرب، أمكنه أن يكسب جميع الناس بسبب عدم تعاليه عليهم. وكانوا “يُحِبُّونَ دَاوُدَ لأَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ وَيَدْخُلُ أَمَامَهُمْ” (1صم18: 16).
والخادم المتواضع الحكيم يربح الناس أيضًا بتنازله إلى ضعفاتهم..
ومن أمثله تنازل السيد المسيح لضعفات الناس، أنه زار نيقوديموس ليلًا وسرًا، إذ كان نيقوديموس خائفًا من اليهود. فلم يجبره الرب على إعلان صلته به ما دام لم يكن قد وصل إلى احتمال ذلك. وبهذا ربحه إليه، وإعلان انتماءه فيما بعد…
تنازل الله أيضًا لضعف المجوس.
وكانوا يرصدون النجوم. فأظهر لهم قوة سمائية في هيئة نجم عجيب في تحركاته وفي اتجاهه، وفي سيره ووقوفه. وبهذا جذبهم إلى الإيمان. فلما آمنوا، لم يرشدهم عن طريق نجم، وإنما “أُوحِيَ إِلَيْهِمْ فِي حُلْمٍ” (مت2: 12).
كذلك تنازل الله للبشرية كلها بتجسده وربحهم بذلك…
إن الذي يتنازل لضعف الناس يربحهم… أما الذي يتعامل معهم من برجه العالي، فلا يمكن أن يصل إلى قلوبهم أو إلى أفكارهم.
لا تكن كالفيلسوف الذي لا يتكلم إلا بأسلوب معقد، ولا يتنازل ليُبَسِط معلوماته للناس، فلا يجتمع حوله سوى نفرٌ قليل، من مريديه وحوارييه ومن يمكنهم فهمه.
ولا تكن كذلك الأديب الذي عاتبه أحدهم بقوله: “لما لا تقول مما يُفهم” فأجابه في عظمة: “ولم لا تفهم ما يقال”!
احتمل قصر فهم الناس. وإن جادلوك في تعليمك فلا تثر عليهم ولا تنتهرهم.
الخادم الحكيم المتواضع، لا يحسب كلامه أن كلامه مُنَزَه عن الجدل والنقاش والحوار. ولا يحاول أن يفرض رأيه على الناس. ولا يعتبر أن مناقشته في كلامه إهانةً له، وإنما بكل محبة وبكل اتضاع يجيب. ولا يضيق صدره مطلقًا بأيه معارضة لرأيه، كما لو كانت كلماته عقائد!
إن فرض الرأي لا يقنع أحدًا. وبالتالي لا يربح أحدًا. والذي يفرض رأيه في أمور الخدمة، ينفر الكل منه..
والخادم الذي يعيش في خدمته وفي تعامله مع زملائه أو مخدوميه، بأسلوب، الأمر والنهي، وبأسلوب السلطة والإدارة، لا يمكن أن يربح العاملين معه. فإما أن ينفر منه الكل ويصل إلى الانفرادية في العمل، أو يتحول محيط الخدمة إلى مجال للصراعات التي تفقد الخدمة روحانياتها.
طريق الإقناع والتفاهم، قد يكون أطول بكثير من طريق السلطة أو القوة، ولكنه أكثر ثباتًا، وأعمق تأثيرًا.
وهو الأسلوب الروحي الذي يتسم بالوداعة والاتضاع، وهو أيضًا أسلوب حكيم، لأنه يؤدي إلى نتائج عملية سليمة…
حتى إن كنت على حق بالتمام، وغيرك على باطل بالتمام، اصبر واحتمل، حتى تقنع هذا الغير. ولا تظن أنك بالعنف يمكن أن تتجاهله أو تقضي على رأيه في الخدمة!
الخادم الحكيم يربح الناس بالاحتمال، وبطول الأناه وسعة الصدر…
يحتمل في سبيل ربح الناس، كل كلمة جارحة، وكل صد. يحتمل رفض الناس له، ويحتمل جدلهم ومناقشتهم… بل يحتمل تهكمهم أيضًا عليه، من أجل الرب، ومن أجل خلاص النفس لأنه إن لم يحتمل، قد يخسر مواقف وقد تفشل خدمته…!
الخادم المتواضع يربح أقل الناس فهمًا، وأكثرهم عنادًا، وذلك بكياسته ولباقته، وعدم تعاليه، وعدم توبيخه للناس، وحرصه على مشاعر الكل…
أما الخادم غير الحكيم، أو غير المتواضع، أو الخادم الضيق الصدر، فإن لثقته بذكائه أو بعلمه أو بمركزه، قد لا تعجبه أفكار وتصرفات الناس، فيكثر من توبيخهم حتى يخسرهم.
وينتهر هذا وينتقد ذاك، ويكلم ثالثًا بكلمة شديدة، أو ينصح بأسلوب جارح، أو بهزء وسخرية. ويعلق تعليقات قاسية على طريقة تفكير غيره ومدى فهمه. وهكذ يخسر الكل، لمقارنته في داخل قلبه بين ذكاؤه وضعف تفكيرهم…!
كثيرون لهم عقول كبيرة، وفي نفس الوقت لهم قلوب صغيرة ونفسيات أصغر…!
ولذلك يفشلون في الخدمة، لا بسبب العقل أو المعرفة، إنما بسبب القلب المحب لذاته، وبسبب النفس التي تضيق بسرعة، أو بسبب الأعصاب المتوترة. وفي كل ذلك لا تسعفهم عقولهم بحلول، لأن حالتهم النفسية لم تعط فرصة للعقل الكبير أن يتصرف. فقامت الأعصاب بقيادة الموقف.
لذلك نقدم نصيحة هامة، وهي:
اربح الله فتربح الناس:
كن إنسانًا روحيًا، قبل أن تدخل الخدمة لتُعلم الناس الروحيات. اعرف الطريق الموصلة إلى الله، لكي يمكنك أن تقود غيرك إليه. اربح الله أولًا، حينئذ تربح نفسك ثابتة في الله. وإن ربحت نفسك، ستربح الناس، بالقدوة قبل التعليم. كما أنك ستعرف الأسلوب الحكيم، الذي يمكنك به أن تكسب محبة الناس لك، ومحبتهم لله…
وإن كنت تربح الله ولم تربح نفسك، فانتظر ولا تغامر بالخدمة، لئلا يعيروك قائلين: أيها الطبيب اشف نفسك أولًا!
حينما تخرج “أَوَّلًا الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ حِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّدًا”، وتعرف كيف “تُخْرِجَ الْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ” (مت7: 5).
[1]مقال: قداسة البابا شنوده الثالث ” مقالات في الخدمة – رابح النفوس حكيم (2)”، وطني 16 فبراير 1986م.




