إليكم يا أولادي الجزء الأول

| الكتاب | إليكم يا أولادي الجزء الأول |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الأولى مارس 2018م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 2734 / 2018م |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا شنوده الثالث جعلته يترك لنا تُراثًا
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم كتاب:
إليكم يا أولادي - الجزء الأول
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
هذا الكتاب
هذا الكتاب
يواصل مركز معلم الأجيال لحفظ ونشر تراث البابا شنوده الثالث في إصدار الكتب التي
وهذا الكتاب "إليكم يا أولادي" بجزئيه، هي محاضرات ألقاها قداسته في الستينات عندما كان أسقفًا للمعاهد الدينية والتربية الكنسية وذلك في كنيسة رئيس الملائكة ميخائيل بدمنهور عام 1966م، وفي كنيسة القديس مارمينا بالمندرة بالإسكندرية عام 1968م. كما أضيفت بعض محاضرات أخرى... ألقاها قداسته في الكاتدرائية المرقسية الجديدة عام 1973م.
في هذا الجزء الأول من الكتاب، نجد قداسة البابا شنوده الثالث يحدثنا عن الله ومدى محبته لنا وعنايته بنا، وهذا يجعلنا نحبه ونردد اسمه القدوس طول النهار، ويُعلمنا كيف نعبده عبادة سليمة، وكيف نشعر بمخافة الله في قلوبنا، ونسأل أنفسنا هل نحب الله بالحقيقة؟ الله الذي بذل نفسه ومات عنا من أجل خلاصنا.
كما يؤكد قداسته أننا نلمس لطف الله العجيب في معاملته للخطاة، وكيف يطيل آناته عليهم ليعطيهم فرصة للتوبة، ولذلك من الخطأ والخطيئة الهروب من الله تحت أية ظروف، وبأية صورة من الصور. لأننا مدعوون إلى إرث ملكوت السماوات، وما هو جهادنا القانوني من أجل ملكوت الله؟
نطلب من الرب أن يبارك هذا العمل، ويكون هذا الكتاب نافعًا لنا في حياتنا الروحية، وفي ارتباطنا بالمسيح إلهنا وفادينا ومخلصنا، بشفاعة والدة الإله القديسة مريم العذراء، ومثلث الرحمات قداسة البابا شنوده الثالث، وصلوات أبينا الطوباوي قداسة البابا المعظم الأنبا تواضروس الثاني خليفة القديس مارمرقس الرسول..
ولإلهنا المجد والسبح دائمًا
القمص بطرس بطرس جيد
مركز معلم الأجيال
لحفظ ونشر تراث قداسة البابا شنوده الثالث
عناية الله
عناية الله
صفات الله الجميلة
إلهنا المحب الذي نعبده تتركز فيه جميع الصفات الجميلة... وكل الذين عرفوه أحبوه وعاشوا معه، ووجدوا فيه كل جمال وكل الصفات الكاملة، لذلك اعترف داود النبي قائلًا: "لاَ مِثْلَ لَكَ بَيْنَ الآلِهَةِ يَا رَبُّ" (مز 86: 8). فكان يرى الله بغير شبيه بين الآلهة الوثنيين الذين هم أصنام لا ينطقون، بل أحجار لا تتحرك. لذلك كان داود دائمًا يقول للناس: "ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ" (مز 34: 8). فالله ليس له شبيه، وهو أبرع جمالًا من بني البشر، وجماله من النوع الذي لا يستطيع الإنسان أن يعبّر عنه، ولكن الله كشف لنا بعضًا من جماله في علاقتنا به، وكشف لنا بعضًا من جماله في تجسده، وأراد أن يرينا ما نلمسه بحواسنا..
فالله كشف لموسى النبي عن بعض جماله، فأضاء وجهه بلمعان شديد عجيب، لدرجة أن الشعب لم يستطع أن ينظر إلى وجه موسى..
وفي التجلي كشف لنا أيضًا عن بعض مجده لدرجة أن بطرس ويوحنا سقطا على الأرض مغشيًا عليهم من شدة الضوء..
وليس المقصود في جمال المنظر، ولكنه أيضًا في طباع الله وتصرفاته وصفاته الجميلة، فهو الطريق والحق والحياة، وهو نور العالم وحكمته، وهو إله محب لطيف شفوق حنون ورحيم على البشر.
أيوب الصديق لم يكن يعرف الله، ولكنه عندما اختبره قال: "بِسَمْعِ الأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي" (أي 42: 5).
وداود النبي عاشر الله فصرخ قائلاً: "محبوب هو اسمك يا رب فهو طول النهار تلاوتي" (مز 119: 97). وقال أيضًا: "أَرْفَعُ يَدَيَّ كَمَا مِنْ شَحْمٍ وَدَسَمٍ تَشْبَعُ نَفْسِي" (مز 63: 4، 5).
صفات الله لا تحصى، ولكن يمكننا أن نذكر بعض هذه الصفات ونتأمل فيها على سبيل المثال لا الحصر.
الراعي الصالح
من صفات الله الجميلة أنه يهتم بكل أحد، ويرعى كل أحد. فيشبع كل حي من رضاه، ويمطر على الصالحين والطالحين... يعطي فراخ الغربان طعامها. الله يهتم بكل أحد حتى الخطاة، يهتم أيضًا بالحيوانات والطيور والأسماك وبكل خليقته فهو ضابط للكل، ويعتني بالكل، لذلك قال: "شُعُورُ رُؤُوسِكُمْ جَمِيعُهَا مُحْصَاةٌ" (مت 10: 30، لو 12: 7). فهو يعرف كل صغيرة وكبيرة في هذا الكون الشاسع، الذي نتصور أن لا حدود له ولكن بالنسبة لله محدود، فهو الذي خلقه ورتّبه ويحكمه ويعتني بكل شيء فيه.
من فرط اعتنائه بالإنسان خلق كل شيء من أجله..
فقبل أن يخلق آدم خلق له الجنة، وغرس فيها كل الأثمار، وفي وسط الجنة وضع له شجرة الحياة. وسفر التكوين يحدثنا بالتفصيل عن أيام الخليقة وعن آدم الذي خلقه في حالة فائقة، خلقه على صورته ومثاله وسلّطه على كل شيء "فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ" (تك1: 27، 28). وكان الله ينزل إلى الجنة ويتمشى مع آدم.
جعل الإنسان صديقًا له... جعل مسرته ولذته في بني البشر.
عنايته بالخطاة
وبالرغم من خطية الإنسان، فالله لم يهمله... فآدم أخطأ هو وامرأته حواء، ومع ذلك نرى رحمة الله مع آدم وحواء "وَصَنَعَ الرَّبُّ الإِلهُ لآدَمَ وَامْرَأَتِهِ أَقْمِصَةً مِنْ جِلْدٍ وَأَلْبَسَهُمَا" (تك3: 21).
وقايين الذي قتل أخاه هابيل قال له الله: "كُلُّ مَنْ قَتَلَ قَايِينَ فَسَبْعَةَ أَضْعَافٍ يُنْتَقَمُ مِنْهُ. وَجَعَلَ الرَّبُّ لِقَايِينَ عَلاَمَةً لِكَيْ لاَ يَقْتُلَهُ كُلُّ مَنْ وَجَدَهُ" (تك4: 15).
ويعوزنا الوقت لو تكلمنا عن كل فرد بمفرده فالله ظل يعتني بنا... عنايته تشمل حياة الإنسان روحيًا وماديًا... يعتني بالإنسان في قوته وفي ضعفه. إن العالم يسير في طريق الإباحية، في طريق الانحراف، ومع ذلك يعتني الله بالعالم ويصبر على خطاياهم... ما زال يعتني بخاصته التي لم تقبله حتى الآن..
عنايته بكل أحد
هذا الإله العطوف نرى أنه اعتنى بكل أحد، فهاجر عندما طردتها سارة في الصحراء، لم يتركها الرب، بل أرسل ملاكه ليدبر ماء لابنها إسماعيل ليشرب.
وإيليا الذي خاف من إيزابل الملكة الشريرة وهرب إلى الصحراء. أرسل ملاكه بكعكة وكوز ماء ليأكل ويشرب.
اعتنى بيعقوب وهو هارب من أمام أخيه عيسو. واعتنى بيونان النبي على الرغم من مخالفته وهروبه وعدم محبته خلاص أهل نينوى.
الله يعتني بنا ونحن في عمق خطايانا...
وكثير من الناس تذوب نفوسهم حساسية من جهة الله لأنه لم يمسكهم وهم في ذات الفعل، وإنما أطال أناته كما لو كان لم ير ولم يسمع... وعندما يرجع إليه الإنسان بعد الخطية يجد قلبًا مُحبًا... وكأن شيئًا لم يحدث.
واعتنى بالابن الضال، فعمل وليمة ودعى أصدقاؤه وقال للكل افْرَحُوا مَعِي "فَقَالَ الأَبُ لِعَبِيدِهِ: أَخْرِجُوا الْحُلَّةَ الأُولَى وَأَلْبِسُوهُ، وَاجْعَلُوا خَاتَمًا فِي يَدِهِ، وَحِذَاءً فِي رِجْلَيْهِ، وَقَدِّمُوا الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ وَاذْبَحُوهُ فَنَأْكُلَ وَنَفْرَحَ لأَنَّ ابْنِي هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ، وَكَانَ ضَالًا فَوُجِدَ" (لو15: 22، 24).
فالله يعتني بنا في كل وقت... مهما عملنا ومهما أسأنا إليه...
فهو لا يصنع معنا حسب خطايانا، بل حسب رحمته، فبمجرد أن نرجع إليه يرجع هو إلينا ويفرح بنا. كما يترأف الأب على بنيه يترأف الله على خائفيه.
عناية الله بقديسيه
نرى الله يعتني بقديسيه في مواقف كثيرة، ولا يترك الشرير يهلكهم لأنهم أحبوه وساروا معه على الدوام.
فدانيال النبي كان الله معه وأعطاه نعمة أمام الملوك لأنه "جَعَلَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لاَ يَتَنَجَّسُ بِأَطَايِبِ الْمَلِكِ وَلاَ بِخَمْرِ مَشْرُوبِهِ" (دا 1: 8). فكان الله معه وأعطاه حكمة لكي يفسر أحلام الملوك التي عجز عن تفسيرها حكماء المملكة كلها، حتى اعترف نبوخذنصر بإله دانيال قائلًا: "حَقًّا إِنَّ إِلهَكُمْ إِلهُ الآلِهَةِ وَرَبُّ الْمُلُوكِ وَكَاشِفُ الأَسْرَارِ، إِذِ اسْتَطَعْتَ عَلَى كَشْفِ هذَا السِّرِّ. حِينَئِذٍ عَظَّمَ الْمَلِكُ دَانِيآلَ وَأَعْطَاهُ عَطَايَا كَثِيرَةً، وَسَلَّطَهُ عَلَى كُلِّ وِلاَيَةِ بَابِلَ" (دا 2: 47 ،48). وعندما حُكم عليه أن يُلقىّ في جب الأسود ظلمًا وغيرة وحسدًا من وزراء المملكة لم يتركه الله، بل أنقذه من افتراس الأسود له وقال قوله المشهور: "إِلهِي أَرْسَلَ مَلاَكَهُ وَسَدَّ أَفْوَاهَ الأُسُودِ فَلَمْ تَضُرَّنِي، لأَنِّي وُجِدْتُ بَرِيئًا قُدَّامَهُ"(دا 6: 22).
وليس ذلك فقط بل جعل الله نبوخذنصر الملك يسجد لدانيال إكرامًا له وتعظيمًا لشأنه. فنقرأ في سفر دانيال هذه العبارة العجيبة "حِينَئِذٍ خَرَّ نَبُوخَذْنَصَّرُ عَلَى وَجْهِهِ وَسَجَدَ لِدَانِيآلَ، وَأَمَرَ بِأَنْ يُقَدِّمُوا لَهُ تَقْدِمَةً وَرَوَائِحَ سُرُورٍ" (دا 2: 46). بل أمر جميع الشعب أن يعبدوا إله دانيال.
الله عجيب في عنايته بالناس...
فقد عال موسى وهارون وكل الشعب في البرية أربعين سنة ويقول الكتاب: "وَكَانَ الرَّبُّ يَسِيرُ أَمَامَهُمْ نَهَارًا فِي عَمُودِ سَحَابٍ لِيَهْدِيَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، وَلَيْلًا فِي عَمُودِ نَارٍ لِيُضِيءَ لَهُمْ. لِكَيْ يَمْشُوا نَهَارًا وَلَيْلًا. لَمْ يَبْرَحْ عَمُودُ السَّحَابِ نَهَارًا وَعَمُودُ النَّارِ لَيْلًا مِنْ أَمَامِ الشَّعْبِ" (خر13: 21، 22). وليس فقط ذلك بل أعطاهم طعامًا يمطر عليهم من السماء: "هَا أَنَا أُمْطِرُ لَكُمْ خُبْزًا مِنَ السَّمَاءِ. فَيَخْرُجُ الشَّعْبُ وَيَلْتَقِطُونَ حَاجَةَ الْيَوْمِ بِيَوْمِهَا" (خر 16: 4).
واعتنى الرب بيوسف الصديق في غربته في أرض مصر، بل جعله وزيرًا لكل أرض مصر... ووهبه تفسير الأحلام أمام فرعون ملك مصر، حتى شهد فرعون أن يوسف فيه روح الله "فَحَسُنَ الْكَلاَمُ فِي عَيْنَيْ فِرْعَوْنَ وَفِي عُيُونِ جَمِيعِ عَبِيدِهِ فَقَالَ فِرْعَوْنُ لِعَبِيدِهِ: هَلْ نَجِدُ مِثْلَ هذَا رَجُلًا فِيهِ رُوحُ اللهِ؟. ثُمَّ قَالَ فِرْعَوْنُ لِيُوسُفَ: بَعْدَ مَا أَعْلَمَكَ اللهُ كُلَّ هذَا، لَيْسَ بَصِيرٌ وَحَكِيمٌ مِثْلَكَ. أَنْتَ تَكُونُ عَلَى بَيْتِي، وَعَلَى فَمِكَ يُقَبِّلُ جَمِيعُ شَعْبِي إِلاَّ إِنَّ الْكُرْسِيَّ أَكُونُ فِيهِ أَعْظَمَ مِنْكَ. ثُمَّ قَالَ فِرْعَوْنُ لِيُوسُفَ: انْظُرْ، قَدْ جَعَلْتُكَ عَلَى كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ. وَخَلَعَ فِرْعَوْنُ خَاتِمَهُ مِنْ يَدِهِ وَجَعَلَهُ فِي يَدِ يُوسُفَ، وَأَلْبَسَهُ ثِيَابَ بُوصٍ، وَوَضَعَ طَوْقَ ذَهَبٍ فِي عُنُقِهِ، وَأَرْكَبَهُ فِي مَرْكَبَتِهِ الْثَّانِيَةِ، وَنَادَوْا أَمَامَهُ ارْكَعُوا. وَجَعَلَهُ عَلَى كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ" (تك41: 37- 43).
واعتنى الرب أيضًا بأيوب البار في تجربته العظيمة ولم يسمح الرب بأن يهلكه الشيطان: "هَا هُوَ فِي يَدِكَ، وَلكِنِ احْفَظْ نَفْسَهُ" (أي2: 6).
وعندما تكلم أصحاب أيوب عليه بكلام شديد دافع عنه الرب، وأمرهم أن يعتذروا لأيوب، بل ويصلي أيوب من أجلهم "وَالآنَ فَخُذُوا لأَنْفُسِكُمْ سَبْعَةَ ثِيرَانٍ وَسَبْعَةَ كِبَاشٍ وَاذْهَبُوا إِلَى عَبْدِي أَيُّوبَ، وَأَصْعِدُوا مُحْرَقَةً لأَجْلِ أَنْفُسِكُمْ، وَعَبْدِي أَيُّوبُ يُصَلِّي مِنْ أَجْلِكُمْ، لأَنِّي أَرْفَعُ وَجْهَهُ لِئَلاَّ أَصْنَعَ مَعَكُمْ حَسَبَ حَمَاقَتِكُمْ، لأَنَّكُمْ لَمْ تَقُولُوا فِيَّ الصَّوَابَ كَعَبْدِي أَيُّوبَ... وَرَدَّ الرَّبُّ سَبْيَ أَيُّوبَ لَمَّا صَلَّى لأَجْلِ أَصْحَابِهِ، وَزَادَ الرَّبُّ عَلَى كُلِّ مَا كَانَ لأَيُّوبَ ضِعْفًا" (أي42: 8، 10).
اعتنى الرب بجميع القديسين في كل الأجيال في جهادهم الروحي، وقد شعر داود النبي بهذه الرعاية فقال: "الرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ. فِي مَرَاعٍ خُضْرٍ يُرْبِضُنِي. إِلَى مِيَاهِ الرَّاحَةِ يُورِدُنِي. يَرُدُّ نَفْسِي. يَهْدِينِي إِلَى سُبُلِ الْبِرِّ مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ. أَيْضًا إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرًّا، لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي. عَصَاكَ وَعُكَّازُكَ هُمَا يُعَزِّيَانِنِي" (مز23: 1-4).
وأيضًا اعترف سليمان الحكيم بهذه المعونة قائلًا: "لأَنَّ الرَّبَّ يُعْطِي حِكْمَةً. مِنْ فَمِهِ الْمَعْرِفَةُ وَالْفَهْمُ يَذْخَرُ مَعُونَةً لِلْمُسْتَقِيمِينَ" (أم2: 6، 7).
لذلك نقول في القداس الإلهي للقديس غريغوريوس "لم تدعني مُعوَزًا شيئًا من أعمال كرامتك..".
الله يرسل ملائكته للعناية بنا
من ضمن رعاية الله وعنايته للبشر إرساله ملائكته لخدمتنا وحراستنا، كقول بولس الرسول: "أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ" (عب1: 14). والأمثلة كثيرة جدًا في الكتاب المقدس عن خدمة الملائكة للبشر.
ففي سفر الملوك أرسل الرب ملائكته ليضرب جيش الأعداء "وَكَانَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَنَّ مَلاَكَ الرَّبِّ خَرَجَ وَضَرَبَ مِنْ جَيْشِ أَشُّورَ مِئَةَ أَلْفٍ وَخَمْسَةً وَثَمَانِينَ أَلْفًا. وَلَمَّا بَكَّرُوا صَبَاحًا إِذَا هُمْ جَمِيعًا جُثَثٌ مَيْتَةٌ فَانْصَرَفَ سَنْحَارِيبُ مَلِكُ أَشُّورَ وَذَهَبَ رَاجِعًا وَأَقَامَ فِي نِينَوَى"(2مل19: 35، 36).
وإليشع النبي حرسه جيش من الملائكة عندما أحاط به جيش الأعداء، ويقول الكتاب: "فَبَكَّرَ خَادِمُ رَجُلِ اللهِ وَقَامَ وَخَرَجَ، وَإِذَا جَيْشٌ مُحِيطٌ بِالْمَدِينَةِ وَخَيْلٌ وَمَرْكَبَاتٌ. فَقَالَ غُلاَمُهُ لَهُ: آهِ يَا سَيِّدِي! كَيْفَ نَعْمَلُ؟ فَقَالَ: لاَ تَخَفْ، لأَنَّ الَّذِينَ مَعَنَا أَكْثَرُ مِنَ الَّذِينَ مَعَهُمْ... فَفَتَحَ الرَّبُّ عَيْنَيِ الْغُلاَمِ فَأَبْصَرَ، وَإِذَا الْجَبَلُ مَمْلُوءٌ خَيْلًا وَمَرْكَبَاتِ نَارٍ حَوْلَ إلِيشَعَ" (2مل6: 15-17).
لذلك يقول داود النبي: "مَلاَكُ الرَّبِّ حَالٌّ حَوْلَ خَائِفِيهِ، وَيُنَجِّيهِمْ" (مز34: 7)، ويقول أيضًا: "لأَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ فِي كُلِّ طُرُقِكَ" (مز91: 11).
وفي العهد الجديد نجد الرب أيضًا يرسل ملائكته لخدمة أنبيائه ورسله وقديسيه...
فقد خلصوا الرسل من السجن (أع 5: 19) ورافقوا العائلة المقدسة عند مجيئها إلى مصر (مت 2: 13). وشجعوا بولس الرسول للوقوف أمام القيصر وهذا واضح من تصريح الرسول: "لأَنَّهُ وَقَفَ بِي هذِهِ اللَّيْلَةَ مَلاَكُ الإِلهِ الَّذِي أَنَا لَهُ وَالَّذِي أَعْبُدُهُ، قَائِلًا: لاَ تَخَفْ يَا بُولُسُ. يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَقِفَ أَمَامَ قَيْصَرَ. وَهُوَذَا قَدْ وَهَبَكَ اللهُ جَمِيعَ الْمُسَافِرِينَ مَعَكَ" (أع27: 23، 24).
فمن أجل محبة الله لنا أرسل لنا هذه القوة العظيمة لتساعدنا وتخدمنا وتعيننا في حياتنا.
الله سخر الطبيعة من أجلنا
عناية الله بالإنسان لا تحد... فقد خلق الله لنا أشياء جميلة كثيرة، فهناك النباتات ذات الأثمار الحلوة، والزهور ذات الروائح الجميلة ونباتات للظل وللخشب ولغيرها، وجعلها في مناظر جميلة من أجل منفعة الإنسان وفائدته.
ويقول الكتاب: "وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ" (تك1: 2). ولكن الله خلق النباتات والأشجار من أجل الإنسان "وَأَنْبَتَ الرَّبُّ الإِلهُ مِنَ الأَرْضِ كُلَّ شَجَرَةٍ شَهِيَّةٍ لِلنَّظَرِ وَجَيِّدَةٍ لِلأَكْلِ... وَأَخَذَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا" (تك2: 9، 10).
وليس فقط أن الرب جعل آدم في جنة، بل سلّطه على جميع الحيوانات والطيور، "وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ" (تك1: 28). فكانت كل الحيوانات تخضع لآدم، بل هو الذي أعطاها أسماء...
ونوح البار أدخل معه في الفلك الأسود والنمور والفهود والضباع والفيلة وجميع الحيوانات المتوحشة وغير المتوحشة وكان يشرف بنفسه على أكلهم، ولا يستطيعوا أن يفعلوا به شرًا..
ويحكي لنا بستان الرهبان عن القديس أبا نوفر السائح الذي كان يمشي والحيوانات المفترسة كانت تمشي وراءه.
وكذلك أيضًا القديس أنبا مقاريوس الإسكندري الذي شفى ابنة ضبعة من العمى، فأرادت أن تكافئه فأتت إليه بفروة خروف لكي يتدفأ بها، فانتهرها وقال لها: لا أريد هذه الفروة لأنها أتت نتيجة افتراس حيوان، وبعد إلحاح الضبعة كثيرًا بهزّ رأسها... قبلها بعد أن حذرها من افتراس الخرفان...
الله يعتني بالإنسان فيجعل الحيوانات المفترسة تطيعه!
نوح أرسل الحمامة فأحضرت له غصن زيتون، فعرف أن مياه الطوفان انحسرت في الأرض. والغراب الذي يتشاءم منه الناس؛ كان يأتي بطعام لإيليا النبي وبولا السائح في العهد الجديد!!
حتى الأسود المفترسة ساعدت الأنبا أنطونيوس لكي يحفر حفرة يدفن فيها جسد الأنبا بولا السائح بعد موته وانتقاله!
ونقرأ في الكتاب المقدس عن حمارة بلعام التي تكلمت ونطقت... والحوت الذي ينقل يونان النبي من مكان هربه ويلقيه على الشاطئ بعد أن مكث في بطنه ثلاث أيام..
ومستعد الله أن يكسر قوانين الطبيعة من أجل عنايته بالإنسان..
فالسيد المسيح له المجد مشى فوق سطح الماء من أجل تلاميذه، بل جعل تلميذه بطرس يمشي هو أيضًا فوق الماء دون أن يغرق.
أمر الرب الرياح أن تهدأ وانتهر البحر وقال له: "اسكت وابكم"، لكي يعتني بالتلاميذ في السفينة لكي لا يغرقوا. أوقف الشمس في مكانها أيام يشوع بن نون لكي ينتصر الجيش..
لذلك نصلي في القداس الغريغوري ونقول: "من أجل تعطفاتك الجزيلة كوّنتني إذ لم أكن" (تك1: 26- 28). "أقمت السماء لي سقفًا، وثبت لي الأرض لأمشي عليها... من أجلي ألجمت البحر"(أي 38: 8، إر5: 22)... من أجلي أظهرت طبيعة الحيوان... أخضعت كل شيء تحت قدميّ (مز8: 3). والمعجزات التي صنعها الرب للإنسان والتي تعتبر خارقة للطبيعة لا تحصى ولا تعد..
ففي العهد القديم اعتنى الرب بشمشون عندما جاع في الصحراء، فأوجد له عش نحل عسل داخل شبل أسد (ميت)... وصار القول المشهور "مِنَ الآكِلِ خَرَجَ أُكْلٌ، وَمِنَ الْجَافِي خَرَجَتْ حَلاَوَةٌ" (قض14: 14). وفجّر الرب الماء من الصخر أيام موسى النبي ليشرب الشعب، وضرب فرعون وشعبه بالضربات العشر المعروفة، وكل واحدة منها تعتبر معجزة في حد ذاتها.
وبارك الرب في أواني الزيت في أيام إليشع النبي، وفي الزيت والدقيق أيام إيليا أيضًا. وفي العهد الجديد بارك في الخمس خبزات والسمكتين وأشبع منهم الألوف... وشفى مرضى لا حصر لهم بأمراض مستعصية بل وأقام موتى كثيرين... فالله صنع المعجزات والعجائب من أجل الإنسان في كل عصر وفي كل زمان وما زال يعتني بالإنسان حتى وقتنا هذا وإلى الأبد.
الله أب حنون
بلغت عناية الله بالإنسان أنه شبه نفسه بالأم فيقول: "إن نسيت الأم رضيعها أنا لا أنساكم" ، ويقول أيضًا: "هَلْ تَنْسَى الْمَرْأَةُ رَضِيعَهَا فَلاَ تَرْحَمَ ابْنَ بَطْنِهَا؟ حَتَّى هؤُلاَءِ يَنْسَيْنَ، وَأَنَا لاَ أَنْسَاكِ. هُوَذَا عَلَى كَفَّيَّ نَقَشْتُكِ" (إش49: 15، 16). وشبه نفسه أيضًا بالدجاجة التي تجمع فراخها تحت جناحيها (مت23: 37). وشبه نفسه أيضًا فقال: "أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ. الَّذِي يَثْبُتُ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ هذَا يَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ" (يو15: 5). ومن أعظم التشبيهات هو تشبيه الراعي فهذا التشبيه ذكر في الكتاب المقدس مرات كثيرة في العهدين القديم والجديد... ففي سفر هوشع يقول: "اَلآنَ يَرْعَاهُمُ الرَّبُّ كَخَرُوفٍ فِي مَكَانٍ وَاسِعٍ" (هو4: 16).
ويترنم في سفر نشيد الأناشيد ويقول: "حَبِيبِي نَزَلَ إِلَى جَنَّتِهِ، إِلَى خَمَائِلِ الطِّيبِ، لِيَرْعَى فِي الْجَنَّاتِ، وَيَجْمَعَ السَّوْسَنَ. أَنَا لِحَبِيبِي وَحَبِيبِي لِي. الرَّاعِي بَيْنَ السَّوْسَنِ... حَلْقُهُ حَلاَوَةٌ وَكُلُّهُ مُشْتَهَيَاتٌ" (نش6: 2، 3 و5: 16).
ويقول في إنجيل القديس يوحنا: "أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ... أَمَّا أَنَا فَإِنِّي الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَأَعْرِفُ خَاصَّتِي وَخَاصَّتِي تَعْرِفُنِي، كَمَا أَنَّ الآبَ يَعْرِفُنِي وَأَنَا أَعْرِفُ الآبَ. وَأَنَا أَضَعُ نَفْسِي عَنِ الْخِرَافِ. وَلِي خِرَافٌ أُخَرُ لَيْسَتْ مِنْ هذِهِ الْحَظِيرَةِ، يَنْبَغِي أَنْ آتِيَ بِتِلْكَ أَيْضًا فَتَسْمَعُ صَوْتِي، وَتَكُونُ رَعِيَّةٌ وَاحِدَةٌ وَرَاعٍ وَاحِدٌ"(يو10: 11-16). لذلك يسميه بولس الرسول: "رَاعِيَ الْخِرَافِ الْعَظِيمَ رَبَّنَا يَسُوعَ.." (عب13: 20).
تدريب
حاول أن تفكر في نواحي عناية الله من أول خلقة العالم إلى وقتنا هذا... فلولا عناية الله بنا لما بقينا إلى هذه الساعة... فالاضطهادات حاربت المسيحية بكل قسوة... اِضطهاد اليهود والرومان والهرطقات... كل هذه أتعبت المسيحية على مدى الأجيال.
القديس أثناسيوس الرسولي أعطاه الله نعمة ليحارب ضد الهرطقة الأريوسية وينتصر... أنقذ العالم كله من الأريوسية بمعونة الله، وقد قال القديس إيرونيؤس: "مر وقت كاد العالم كله يتحول إلى الأريوسية لولا أثناسيوس الرسولي".
فالله يعتني بنا، ونحن لا نحس ولا نشكر ولا نتأمل، ونظن أن الأمر شيء عادي. فلولا معونة الله، ما كنا نستطيع أن نتقدم خطوة واحدة.
نحن كثيرًا ما ننسى معونة الله... ننسى عمل النعمة فينا...
ننسى أن الله أعاننا لأننا ضعفاء ولا نستطيع أن نعمل شيئًا، فالرب نفسه قال: "لأَنَّكُمْ بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا" (يو15: 5).
فكل عمل طيب تعمله، يدل على أن هناك معونة إلهية أمسكت بيدك...
والله يحب أن يعيننا لأننا أولاده. حاول أن تدخل كلمة "أعاننا" في كل عمل من أعمالك، لكي تُرجع الفضل لله في كل شيء... لو عملت أي عمل من أعمال العبادة... فمثلًا قدِرت أن تصلي أو تتأمل أو تقرأ الكتاب أو تصوم... قل: أشكر الله لأنه أعاننا.
لكن الإنسان الذي ينسى أو ينكر معونة الله، هذا يقع في الكبرياء والمجد الباطل، ويظن أنه بقوته وذراعه استطاع أن يعمل شيئًا... فمثلًا تلميذ ينجح فنقول له: "مبروك" يقول لك: "أصل أنا ذاكرت مذاكرة جبّارة". وينسى معونة الله وعنايته به طول مدة المذاكرة والامتحان.
إذا تذكرت عناية الله لك باستمرار، سيديمها عليك، كقول القديس مار إسحاق: "لا توجد موهبة بلا زيادة، إلا التي بلا شكر".
عناية الله التي كانت مع الأنبياء والقديسين في القديم تصحبنا جيلًا بعد جيل...
عناية الله تشمل الكل... يكفي أنك تكون مع الله، وتسير في طريقه، وتتأمل في عنايته ومحبته وتشكره على الدوام، فيكون معك ويحفظك ويعينك في كل طرقك..
ليتنا نتأمل في عناية الله، ونتكل على معونته وبركته، ليحفظنا ويباركنا بكل بركة روحية.
مخافة الله
مخافة الله
بدء طريق الحكمة
مخافة الله قال عنها الحكيم أنها: "بدء طريق الحكمة"، فقد قال: "بَدْءُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ الرَّبِّ" (أم 9: 10)، بينما الرسول يوحنا يقول في رسالته الأولى: "الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ" (1يو4: 18). لذلك في إحدى المرات قال القديس الأنبا أنطونيوس: "يا أولادي أنا لا أخاف الله". فقالوا له في عجب: "هذا الكلام صعب يا أبانا"، فرد وقال: "ذلك لأني أحبه، والمحبة الكاملة تطرد الخوف إلى خارج".
ولكن يجب ألا ننسى أن المحبة تشمل الوصايا كلها، ومن يسلك في وصايا الله ويحبه من كل قلبه لا يسلك في الخطية، وبالتالي لا يخاف من عدل الله... لأن عدل الله يخيف الخطاة فقط.
مخافة الله، أمر ينبغي أن نفكر فيه باستمرار...
لكي لا نخطئ أمام الله، فالرسول يقول: "سِيرُوا زَمَانَ غُرْبَتِكُمْ بِخَوْفٍ" (1بط1: 17) ويقول أيضًا: "تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ" (في 2: 12)، ويقول للنساء: "مُلاَحِظِينَ سِيرَتَكُنَّ الطَّاهِرَةَ بِخَوْفٍ" (1بط 3: 2).
طقس الكنيسة يساعدنا على مخافة الله
ومخافة الله موجودة كثيرًا في طقس الكنيسة من أول صلاة عشية لآخر القداس.
فعندما يدخل الكاهن إلى الكنيسة يسجد أمام الهيكل ويقول: "أَمَّا أَنَا فَبِكَثْرَةِ رَحْمَتِكَ أَدْخُلُ بَيْتَكَ. أَسْجُدُ فِي هَيْكَلِ قُدْسِكَ بِخَوْفِكَ" (مز5: 7). وهذه العبارة قالها داود بنفسه، ونحن نعلم أن داود هذا قال عنه الله: "فحصت قلب داود فوجدته حسب قلبي"، فداود النبي شعر أن دخوله إلى بيت الله يحتاج إلى رحمة كثيرة لكي يكون مستحقًا للدخول إليه.
والكاهن أيضًا أثناء تقديم البخور أمام الهيكل يسجد ثلاث مرات - أي يحني رأسه - ويقول نفس هذه الآية: "وأنا بكثرة رحمتك أدخل إلى بيتك..".
وفي بخور عشية يقول: "أيها المسيح إلهنا المخوف الحقيقي..". والشماس يصرخ عند قراءة الإنجيل ويقول: "قفوا بخوف أمام الله، وانصتوا لسماع الإنجيل المقدس".
وعند حلول الروح القدس في القداس الإلهي يقول: "اسجدوا لله بخوف ورعدة".
والكاهن في صلاة الحجاب - بعد الإنجيل - يطلب من الله الرحمة ويقول: "إذ نضع أيدينا على هذه الذبيحة المخوفة.." ومعناها؛ لا تجعل تناولنا يكون دينونة علينا. وفي مجيء المسيح الثاني نقول عنه: "المجيء المخوف المملوء مجدًا".
استغلال خاطئ لمحبة الله
والظاهر أن محبة الله جعلتنا نتدلل عليه، وننسى مخافته من كثرة محبتنا له... ونقول في نفوسنا: "ما دام ربنا رحوم، ما دام ربنا حنين... وما دام ربنا شفوق، نستهتر كما نريد، ونقول: ربنا بيغفر... ربنا غفر للمرأة الزانية... ربنا غفر للمرأة السامرية... ربنا غفر لمريم المجدلية التي كان بها سبعة شياطين... ربنا قبل زكا العشار... ربنا قبل متّى العشار".
نستهتر غير عالمين: "أن طول أناة الله إنما تقتادنا إلى التوبة" (رو2: 4) كما يقول الرسول.
الله يطول أناته لكي نتوب عن خطايانا، لا لكي نستهتر أو نتراخى، أو نصنع أهواءنا الشخصية...
ومعنى ذلك أننا نستغل محبة الله ورحمته استغلال خاطئ ورديء. هذا الأمر يتكلم عنه كثيرًا معلمنا بولس الرسول في رسالته إلى أهل رومية قائلًا: "أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ، غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ؟ وَلكِنَّكَ مِنْ أَجْلِ قَسَاوَتِكَ وَقَلْبِكَ غَيْرِ التَّائِبِ، تَذْخَرُ لِنَفْسِكَ غَضَبًا فِي يَوْمِ الْغَضَبِ وَاسْتِعْلاَنِ دَيْنُونَةِ اللهِ الْعَادِلَةِ، الَّذِي سَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ أَعْمَالِهِ ... فَسَخَطٌ وَغَضَبٌ، شِدَّةٌ وَضِيقٌ، عَلَى كُلِّ نَفْسِ إِنْسَانٍ يَفْعَلُ الشَّرَّ..." (رو2: 4- 9).
الله رحيم وعادل أيضًا
حقًا إن الله رحيم وحنين، ولكن الله أيضًا عادل وطاهر وقدوس ورحمته ليست مجالًا للشر... فلا نستغل رحمته استغلالًا خاطئًا.
صفات الله لا تنفصل عن بعضها البعض، فعندما نتكلم عن رحمة الله وعدله، لا نتكلم عن صفتين منفصلتين عن بعض...
فرحمة الله رحمة عادلة، وعدل الله رحيم...
رحمة الله مملوءة عدلًا، وعدل الله مملوء رحمة.
فصفات الله لا تنفصل عن بعضها، فربنا رحيم وعادل معناه أنه يقتص على الخطية مهما كانت، ولا يترك خطية بدون عقوبة.
يقول الكتاب المقدس: "أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الظَّالِمِينَ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ؟ لاَ تَضِلُّوا: لاَ زُنَاةٌ وَلاَ عَبَدَةُ أَوْثَانٍ وَلاَ فَاسِقُونَ وَلاَ مَأْبُونُونَ وَلاَ مُضَاجِعُو ذُكُورٍ، وَلاَ سَارِقُونَ وَلاَ طَمَّاعُونَ وَلاَ سِكِّيرُونَ وَلاَ شَتَّامُونَ وَلاَ خَاطِفُونَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ" (1كو6: 9، 10).
هناك من يعتقد أن الله سيجازي على الخطايا الكبيرة فقط مثل القتل أو السرقة أو الزنا، فيهمل الخطايا الصغيرة، ولكن يقول الكتاب: "لا شتامون... يرثون ملكوت الله..". لأن ملكوت الله لا يدخله إلا القديسين فقط، لذلك قال الرسول: "لا تضلوا" لا أحد من هؤلاء سيدخل ملكوت الله.
ليس معنى أن الله رحيم، أنه يدخل الأشرار إلى ملكوته..
أبدًا، الله أيضًا عادل، ولا بد نتوب عن الخطية لكي ندخل معه إلى الملكوت "إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ"(لو13 :3 ،5).
في قصة القيامة نقرأ في إنجيل متى الرسول: "لأَنَّ مَلاَكَ الرَّبِّ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَجَاءَ وَدَحْرَجَ الْحَجَرَ عَنِ الْبَابِ، وَجَلَسَ عَلَيْهِ. وَكَانَ مَنْظَرُهُ كَالْبَرْقِ، وَلِبَاسُهُ أَبْيَضَ كَالثَّلْجِ. فَمِنْ خَوْفِهِ ارْتَعَدَ الْحُرَّاسُ وَصَارُوا كَأَمْوَاتٍ. فَأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لِلْمَرْأَتَيْنِ لاَ تَخَافَا أَنْتُمَا، فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكُمَا تَطْلُبَانِ يَسُوعَ الْمَصْلُوبَ. لَيْسَ هُوَ ههُنَا، لأَنَّهُ قَامَ كَمَا قَالَ!" (مت 28 :2-6).
كان هذا الملاك مخيفًا بالنسبة للحراس، فصاروا كأموات...
أما بالنسبة للنسوة فكان منظره مبهجًا، فلم يخفن منه، بل بالعكس خرجت المريمتان بفرح عظيم ليبشرن الرسل.
كان هذا الملاك له وجهان، وجه مفزع، وآخر مفرح...
وهذا نفس الوضع بالنسبة لله... له صورة مفزعة وأخرى مفرحة...
نحن في أوقات كثيرة يلذ لنا أن نتمتع بصورة الله المفرحة، ونهرب من صورته المفزعة، ولكن الحقيقة تجبرنا أن نعترف بالصورتين معًا.
نحن نفرح في الخمسين المقدسة، لأنها أيام فرح بقيامة الرب من الأموات. لا نصوم، ولا نرتل ألحان حزينة، حتى الميت يصلون عليه بلحن فرايحي، لكن لا بد أن نعرف ما الهدف من هذه الأيام المفرحة؟
يجب أن نتذكر أن المسيح كان مع تلاميذه يحدثهم عن الأمور المختصة بالملكوت، فتذكارًا لهذه الأيام المفرحة نحن نعيش في فرح، ولكنه فرح روحي وليس جسدي ...
ما رأيكم في أشخاص لا يتمتعون بوجود الله معهم...
يأخذون المظهر ويتركون الجوهر. إنسان جالس بعيدًا عن المسيح، ما الذي سيناله من أفراح الخمسين؟
إن كنا نريد أن نفرح في أيام الخمسين، علينا أن نعمل ما كان يعمله التلاميذ... أي نكون بالقرب من المسيح... الفرح يكون على أساس العشرة مع الله... لكي أتمتع ببركات الصليب والفداء... وإلا نكون مُعّرضين للوجه الفزع الذي لله.
إن كان الله أبرع جمالًا من بني البشر، ولكن الكتاب المقدس يقول: "مُخِيفٌ هُوَ الْوُقُوعُ فِي يَدَيِ اللهِ الْحَيِّ" (عب 10: 31)... لذلك لا بد أن نضع أمامنا الوجهين معًا.
وأيضًا يوجد ملائكة للرحمة وملائكة للنقمة..
ملائكة توصل إلينا الطلبات، وملائكة تنفذ فينا العقوبات. أول ملاك ذُكر في الكتاب المقدس كان ملاك للعقوبة، فقد أرسل الله الشاروبيم بسيف من نار لحماية شجرة الحياة "وَأَقَامَ شَرْقِيَّ جَنَّةِ عَدْنٍ الْكَرُوبِيمَ، وَلَهِيبَ سَيْفٍ مُتَقَلِّبٍ لِحِرَاسَةِ طَرِيقِ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ" (تك3: 24).
ملاك آخر أهلك الأبكار في الضربة العاشرة، وكان له الوجهين، فبالنسبة للذين لهم الأبواب الملطخة بالدم أعطاهم سلامًا، وأما بالنسبة للذين ليس لهم العلامة، كان يقتل أبكارهم... "مِنْ بِكْرِ فِرْعَوْنَ الْجَالِسِ عَلَى كُرْسِيِّهِ إِلَى بِكْرِ الْجَارِيَةِ الَّتِي خَلْفَ الرَّحَى" (خر 11: 5).
وملاك ثالث في أيام داود النبي وقف بسيف على أورشليم وأهلك آلافًا من الناس... وبجانب ذلك هناك ملائكة للرحمة، كما حدث في أيام دانيال "إلهي أرسل ملاكه وسد أفواه الأسود" (دا 6: 22). وكذلك الملائكة التي بشرت العذراء والرعاة والمجوس بميلاد المخلص... والله بنفس الوضع، إله رحيم وإله عادل.
نفس الإله الذي أمطر المطر على الأرض في أيام إيليا، أمطر نارًا وكبريتًا على سدوم في أيام إبراهيم ولوط، وهو الذي أغرق الأرض أيام نوح.
لذلك كما تحدث الكتاب المقدس عن البركات، تحدث أيضًا عن اللعنات، فيجب أن نرشد الناس إلى عقوبة خطاياهم، لئلا ينسى الإنسان نفسه.
لطف الله وصرامته
يقول بولس الرسول: "فَهُوَذَا لُطْفُ اللهِ وَصَرَامَتُهُ: أَمَّا الصَّرَامَةُ فَعَلَى الَّذِينَ سَقَطُوا، وَأَمَّا اللُّطْفُ فَلَكَ، إِنْ ثَبَتَّ فِي اللُّطْفِ، وَإِلاَّ فَأَنْتَ أَيْضًا سَتُقْطَعُ" (رو11: 22).
وأيضًا تقرأ في الكتاب أن "كُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ"( مت 7: 19). والذي يقطعها هو نفس الإله الحنون الطويل الأناة الكثير الرحمة.
يجب أن نتذكر دائمًا هذه الكلمات، ونضع أمامنا باستمرار الله الرحوم والله العادل... الله الذي يفتح ملكوته للناس، والله الذي يفرض عقابه على الناس.
تذكروا أن أول وصية كانت مصحوبة بعقوبة "وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ" (تك 2: 17).
يا ليتنا في هذه الأيام المقدسة نفكر أن نكون مع المسيح ونتوب عن خطايانا... نأخذ أفراح الخمسين لكي نكون مع المسيح.
لا تظن أن أيام الخمسين هي أن نعطي للجسد لذاته بلا رقيب، ولكن يجب أن تعرف أن الفرح الحقيقي هو أن نثبت في الله وأن نكون معه على الدوام بالتوبة، "فطول أناة الله تقتاد الإنسان للتوبة" (رو 2: 4).
أهمية التوبة
حاذر يا أخي من أن تأتي التوبة بعد فوات الفرصة، سأعطيكم مثلًا عن إنسان اعترف بخطاياه بعد فوات الفرصة، وبعد اعترافه قُتل أشر قتله، وهو عخان بن كرمي. فيذكر سفر يشوع عنه، أنه سرق بعض الغنائم أثناء الحرب. وبعد هذه السرقة هُزم الجيش أمام قرية صغيرة اسمها عاي. فالرب تكلم مع يشوع وقال له: "فِي وَسَطِكَ حَرَامٌ يَا إِسْرَائِيلُ" (يش 7: 13)...
يوجد شر تسبب في هزيمة الجيش. ومع ذلك لم يعترف عخان بخطيئته حتى بعد سماع توبيخ الرب. ثم ابتدأ يشوع يفكر كيف يمكن أن يأتي بهذا الشخص السارق الذي تسبب في هزيمة الشعب، فلجأ إلى القرعة.
وبدأت القرعة، ومع ذلك لم يعترف عخان بسرقته، وأخيرًا أظهرت القرعة اسمه، وعند ذلك قال له يشوع: "يَا ابْنِي، أَعْطِ الآنَ مَجْدًا لِلرَّبِّ إِلهِ إِسْرَائِيلَ، وَاعْتَرِفْ لَهُ وَأَخْبِرْنِي الآنَ مَاذَا عَمِلْتَ. لاَ تُخْفِ عَنِّي" (يش 7: 19).
إن هذا الرجل لم يكشف نفسه أمام الله. وإنما كشفه الله أمام الناس... وبعد ذلك قُتل أمام كل الشعب.
يا أخي لا تتأخر عن الاعتراف بالخطيئة...
لأنه سيأتي الوقت الذي تعلن فيه خطيئتك أمام أصدقائك وأعدائك،
وحينئذ لن يفيدك الاعتراف.
حاذر من أن تكون مثل عيسو... الذي طلب التوبة بدموع ولم تُعط له... وتأكد من أنه إن لم تتب اليوم فلن تستطيع التوبة أن تنفعك. لأنه في كل مرة تسقط تسلسل نفسك بسلسلة الخطيئة، وهذا يجعل قيامك أصعب من الأول. بل اجعل في قلبك هذه العبارة "مُخِيفٌ هُوَ الْوُقُوعُ فِي يَدَيِ اللهِ الْحَيِّ" (عب31:10).
قداسة الله
الله قدوس، ونحن في صلواتنا نتكلم كثيرًا عن قداسة الله ونقول: "قدوس قدوس قدوس رب الصباؤوت السماء والأرض مملوءتان من مجدك وكرامتك". وما دام الله قدوس فهو لا يمكن أن يرضى بالخطية ولا بالشر.
كانت الكنيسة مملوءة بالقديسين ولا يدخلها إلا القديسين، وكانت من عصر الرسل حتى القرن الخامس مقسمة إلى خوارس أي صفوف...
ولم يكن كل إنسان يستحق دخول الكنيسة. والخطاة كانت الكنيسة تحكم عليهم بسنوات حرمان من الدخول إليها، والعبادة فيها، وكان الشخص الذي يقع في خطيئة الزنى يُحرم سبع سنوات من الدخول إلى الكنيسة. ونظرًا لأن الكنيسة كانت شديدة في أحكامها كان الناس يسلكون في قداسة تامة والذي يخطئ لا يدخل الكنيسة.
وكانت توجد وظيفة تسمى وظيفة "الأبذياكون" أي مساعد الشماس، وهذا كان يحرس أبواب الكنيسة من الحيوانات ويمنع دخولها إلى الكنيسة، وكذلك يحرسها من الخطاة فلا يدخلها أشخاص محكوم عليهم لخطيتهم.
قصة الغانية[1]
كان يوجد امرأة غانية ولشهرتها الكبيرة لا يصادقها إلا الأثرياء وكبار الموظفين. هذه المرأة ذهبت في إحدى المرات إلى الكنيسة بزينتها فأوقفها الأبذياكون ومنعها من الدخول قائلًا لها: "لا يحق لك أن تدخلي الكنيسة لإنك امرأة خاطئة". وقال ذلك لأنه خادم بالكنيسة ومكلف بهذا الأمر. ولا يسمح لأي شخص خاطئ بالدخول إلى الكنيسة كما يقول الكتاب: "اعْزِلُوا الْخَبِيثَ مِنْ بَيْنِكُمْ" (1كو 5: 13).
ظلت المرأة تتناقش معه بصوت مرتفع إلى أن وصل صوتها إلى الأسقف. فخرج الأسقف مستفسرًا، فقالت له: "يا سيدي أريد أن أدخل الكنيسة"، فقال لها الأسقف: "لا تستحقين الدخول إلى الكنيسة لأنك امرأة خاطئة"، وبعد المناقشة وعندما وجدت أنها مُدانة لأنها خاطئة قالت له: "يا سيدي ما عدت أخطئ مرة أخرى". فقال لها الأسقف: "إن كنتِ صادقة في توبتك فاذهبي أحضري جميع أملاكك إلى هنا".
فذهبت وأحضرت جميع غناها إلى فناء الكنيسة؛ التحف والملابس والزينات وكل ما تملكه، أحضرته إلى فناء الكنيسة. فأمر الأسقف بحرق كل هذا، لأنه حسب قوانين الكنيسة لا يدخل في مالية الكنيسة أجرة زانية.
فلما نظرت المرأة كل هذا قالت لنفسها: "إن كانوا قد فعلوا بك هكذا في الأرض، فماذا يُفعل بك في السماء؟" وتخشعت وسُمح لها بالدخول إلى الكنيسة... مجرد سماح فقط!!
القديس يوحنا ذهبي الفم والإمبراطورة
قصة أخرى حدثت في عهد القديس العظيم يوحنا ذهبي الفم بطريرك القسطنطينية، أتت إلى القديس امرأة وقالت له: "أن الإمبراطورة قد ظلمتها". فطلب القديس إلى الإمبراطورة أن تنصف المرأة، ولكنها لم تنصفها.
وفي يوم جاءت الإمبراطورة إلى الكنيسة في موكبها مع العبيد والحاشية وأرادت الدخول، فخرج القديس يوحنا إلى الباب وأوقف الإمبراطورة ومنعها قائلًا: "لا تدخلي الكنيسة لأنك امرأة ظالمة".
إن الإمبراطورة سببت فيما بعد للقديس يوحنا مشاكل كثيرة. ولكن الكنيسة لا يدخلها إلا القديسين، وليتحمل بعد ذلك ما يحدث.
ولذلك كان القديس يوحنا يقول:
"إن هيروديا ما زالت ترجو الملك مرة أخرى لكي يعطيها رأس يوحنا على طبق".
لقد احتمل كثيرًا في سبيل أن تكون الكنيسة مجموعة من القديسين.
قداسة بيت الله[2]
كان في الكنيسة قداس اسمه قداس الموعوظين، وهذا تُقرأ فيه الرسائل والإنجيل، وقبل أن يرفع الإبروسفارين يقف الشماس ويقول: "لا يقف هرطوقي ههنا، لا يقف موعوظ، لا يقف غير مؤمن".
فيخرج هؤلاء ولا يبقى في الكنيسة إلا المؤمنون القديسون الذين يتناولون من الأسرار الإلهية ثم يغلق الباب فلا يدخل بعد ذلك أحد ولا يخرج أحد، لأنه غير جائز أن يدخل إلى الكنيسة متأخر بعد رفع الإبروسفارين، كذلك أيضًا لا يجوز أن يخرج من الكنيسة أحد في اللحظات المقدسة.
لقد كانت الكنيسة شديدة في أحكامها، ولأجل ذلك كانت مملوءة من المؤمنين القديسين... نحن الآن نتهاون ونسمح بدخول الأشرار والظالمين، وتحدث أخطاء داخل الكنيسة، إذ قد يتشاجر بعض الأشخاص أو يتشاتموا وهذا طبعًا لا يليق بقداسة بيت الله.
يعقوب أب الآباء عندما أسس بيت إيل، عندما ظهر له الله في ذلك المكان قال: "مَا أَرْهَبَ هذَا الْمَكَانَ! مَا هذَا إِلاَّ بَيْتُ اللهِ، وَهذَا بَابُ السَّمَاءِ" (تك28: 17). وفي بعض الكنائس توجد هذه الآية مكتوبة على الجدران. لأن الكنيسة لا يدخلها إلا القديسون أما الخطاة فغضب الله معلن عليهم.
طول أناة الله
إن الله يطيل أناته لكي يقتاد الخطاة للتوبة. "فَأَمِيتُوا أَعْضَاءَكُمُ الَّتِي عَلَى الأَرْضِ: الزِّنَا، النَّجَاسَةَ، الْهَوَى، الشَّهْوَةَ الرَّدِيَّةَ، الطَّمَعَ الَّذِي هُوَ عِبَادَةُ الأَوْثَانِ، الأُمُورَ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا يَأْتِي غَضَبُ اللهِ عَلَى أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ" (كو 3: 5، 6).
فإن كنت مسيحيًا ولا تطيع الإنجيل فأنت تتعرض لنقمة الله في يوم مجيئه، ولذلك يجب أن تكون مخافة الله في قلوبنا.
خوف الله عبارة عن فضيلة كبيرة...
إن اللص اليمين عندما تكلم مع اللص الشمال قال له: "أَوَلاَ أَنْتَ تَخَافُ اللهَ، إِذْ أَنْتَ تَحْتَ هذَا الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ" (لو 23: 40).
يجب على الإنسان أن يملأ قلبه بمخافة الله، لأن الله ينتقم من كل خطيئة، ولا يترك خطيئة مهما كانت تبدو لك بسيطة بدون عقوبة.
إذا فعلت كل البر وأخطأت في خطيئة واحدة. بهذه الخطيئة الواحدة قد تفقد الملكوت ولذلك قال القديس باسيليوس الكبير: "ماذا أستفيد إن فعلت كل البر ثم قلت لأخي يا أحمق وأكون مستحقًا لنار جهنم".
قد نتكلم على الآخرين كثيرًا وندينهم ونقول - ربنا رحيم وحنين - حقًا إن الله رحيم ولكنه أيضًا قدوس يكره الشر والخطية، وينتقم لكل شر فعلًا كان أم حسًا أم فكرًا أم كلامًا.
كلمة واحدة أقولها قد أعاقب عليها لأن الله يقول: "لأَنَّكَ بِكَلاَمِكَ تَتَبَرَّرُ وَبِكَلاَمِكَ تُدَانُ" (مت 12: 37). ويقول أيضًا: "لا شتامون يرثون ملكوت الله" (1 كو 6: 10). شتيمة واحدة مهما كانت بسيطة تحرمك من دخول ملكوت السموات.
يجب علينا أن نكون حريصين في كل تصرف ونسلك بتدقيق كحكماء وليس كجهلاء. احترس يا أخي في كل شيء، في كل لفظ، في كل حس، في كل عاطفة داخلية... إنه يوصينا أن نكون كاملين... قديسين... إن كنا ننفذ وصيتين أو ثلاثة ونترك مخافة الله، فلا نكون قد سلكنا في مخافة الله كما ينبغي.
محبة الله ومخافته
إننا نعتمد على محبة الله اِعتمادًا خاطئًا، إن محبة الله ليست مجالًا للاِستهتار ولا مجالًا للتراخي؛ بولس الرسول في الرسالة إلى رومية ليقارن بيننا وبين اليهود وعقابهم فيقول: إن اليهود أغصان قطعها الله من الشجرة الأصلية، قطعهم لأنهم ناس خطاة، ونحن طعمنا في الزيتونة عندما قبلنا الإيمان، ثم يقول: "فَلاَ تَفْتَخِرْ عَلَى الأَغْصَانِ. وَإِنِ افْتَخَرْتَ، فَأَنْتَ لَسْتَ تَحْمِلُ الأَصْلَ، بَلِ الأَصْلُ إِيَّاكَ يَحْمِلُ! فَسَتَقُولُ: قُطِعَتِ الأَغْصَانُ لأُطَعَّمَ أَنَا!. حَسَنًا! مِنْ أَجْلِ عَدَمِ الإِيمَانِ قُطِعَتْ، وَأَنْتَ بِالإِيمَانِ ثَبَتَّ. لاَ تَسْتَكْبِرْ بَلْ خَفْ! " (رو11: 18-20).
إذن لا تعتمد على محبة الله اعتمادًا خاطئًا وتسلك في الخطية. إن الله رحيم وحنين ولكن حنان الله وطول أناته إنما لاقتيادك إلى التوبة. وإن كنت لا تتوب فسترى دينونة الله الرهيبة.
كراهية الله للخطية
فمنذ البدء كان آدم في حالة فائقة عن الطبيعة الحالية، كان يعيش في الفردوس، وكان الله يقابله ويتكلم معه ويمشي معه في الفردوس؛ أعطاه سلطانًا على كل جسد... وعلى طيور السماء... وحيوانات البرية وسمك البحر وكان صالحًا في الفردوس
ثم أخطأ آدم... وعندما أخطأ آدم نقول: أن الله عنده حنو ورحمة وشفقة وهذا صحيح... ولكن حنو الله حنو عادل حنو مقدس مملوء بالقداسة ينفر من الخطية. طرد الله آدم من الفردوس وقال له: "بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا ..." (تك 3: 19) إن الله كلم آدم كلامًا صحيحًا. وأراه مركزه قبل أن يخطئ، قال الله أنه خلق الإنسان على صورته، فالإنسان صورة الله ولكن عندما أخطأ قال له: "لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ" (تك 3: 19).
أنا تراب، وأنا يا رب صورتك ومثالك، يقول: "لا ... لست صورتي ولست مثالي. أنت تراب...
كنت صورتي عندما كنت تعيش في القداسة ... أما عندما أخطأت فأصبحت تراب، وإلى التراب تعود. والحية التي كانت خاضعة لك هذه ممكن أن تسحق عقبك".
وقال الله للحية:"عَلَى بَطْنِكِ تَسْعَيْنَ وَتُرَابًا تَأْكُلِينَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكِ" (تك3: 14)
وعندما فسر القديس أغسطينوس هذه الآية قال: "إن الحية تأكل تراب لأنها تسعى على الأرض وكل أكل تأكله من الأرض يكون مخلوطًا بالتراب... ولكن التراب هو الإنسان الخاطئ. فالإنسان الخاطئ ربنا قال له: "أنت تراب وقال للحية، أنت تأكلين التراب".
فأنت يا عزيزي عندما تكون على صورة الله ومثاله في القداسة يكون لك سلطان على هذه الحية، وتخضع لك الحيات والعقارب وكل قوة العدو.
وأما إذا عشت في الخطية فتصبح ترابًا وتصبح طعامًا للحية...
فأنت تبقى طعامًا للحية والحية هي الشيطان.
إن الله لم يشفق على آدم الذي أخطأ. إن شفقة الله أعدت لآدم خلاصًا، ولكن لا بد أن الخطية نأخذ عقوبتها ولا أريد أن أحدثكم عن طوفان نوح ولا عن حريق سدوم ولا عن الضربات العشر التي تعرض لها فرعون في عناده...
لا أريد أن أحدثكم عن هذا فأنتم تعرفونه ولكن أريد أن أحدثكم في مخافة الله عن أمر أعظم من هذا كله.
لا محاباة ولا مجاملات
موسى النبي كان نبيًا في العهد القديم ويعتبر قديسًا عظيمًا جدًا قضى أربعين يومًا على الجبل وكان يكلم الله كما الرجل صاحبه (خر 33: 11). وسلمه الله الوصايا العشر على لوحي الحجر. قال الكتاب المقدس عن موسى: "وَأَمَّا الرَّجُلُ مُوسَى فَكَانَ حَلِيمًا جِدًّا أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ" (عد 12: 3). ولقد احتمل موسى النبي شعبًا صلب الرقبة متمرد متذمر في البرية.
هذا النبي عندما تكلمت عليه مريم أخته وهارون بخصوص المرأة الكوشية، عاتبهم الله على فعلهم وقال لهم: "إن كنت بأظهر لكم بالرؤى ولكن موسى أكلمه فمًا لفم، وهو عبدي وقد وجد نعمة في عيني وأكلمه كصديق"(عد12: 6-8). وضرب الرب مريم بالبرص وصارت بيضاء كالثلج، وانتقم الله لموسى النبي، موسى النبي صاحب العصا التي شق بها البحر الأحمر، الذي ضرب الصخرة فأخرجت الماء وشرب الجميع.
وحدث أنه في إحدى المرات أن الله أمره أن يكلم الصخرة ولكنه ضربها بالعصا إذ كان متضايقًا من الشعب وقال: "أَمِنْ هذِهِ الصَّخْرَةِ نُخْرِجُ لَكُمْ مَاءً؟" (عد 20: 10)
وربما نقول أين الخطية التي أخطأها مع شعب متمرد تعب منه موسى، وتعب منه ربنا نفسه وقال: "أنا أهلك هذا الشعب وأبيده". وماذا حدث؟
الله يقول لموسى النبي: "اسمع يا موسى إنك لا تدخل أرض الموعد؛ الأرض التي وعد الله بها بني إسرائيل" (تث 1: 37)... الأرض التي تفيض لبنًا وعسلًا.
وموسى النبي ترجى الله عدة مرات من أجل هذا الأمر: يا رب أخطأت، يا رب سامحني! إنها غلطة من الغلطات. وأخيرًا قال الرب: أن يصعد على الجبل، لكي يرى أرض الموعد من بعيد ولكنه لا يدخلها. وهذا ما حدث مع موسى كليم الله!
يا رب هذا موسى حبيبك وصديقك، كليمك الذي ائتمنته على المعجزات وعلى قيادة شعبك بني إسرائيل... من أجل هذه الغلطة لا يدخل أرض كنعان.
نعم إن الله عادل حتى مع صديق حميم له هو موسى النبي لأن الله ليس عنده محاباة ولا مجاملات.
داود هذا قال عنه الكتاب: "إن الرب كان معه"، لذلك كان يُخرج الشياطين من شاول الملك. وقال الرب لنفسه عن داود: "فحصت قلب داود بن يسى فوجدته حسب قلبي".
كانت حياة داود صلاة، فكان دائمًا يقول: "ذَكَرْتُكَ عَلَى فِرَاشِي، وفي أوقات الأسحار كنت أرتل لك" وأيضًا قال: "أسبحك عشية وباكر ووقت الظهر"، وقال أيضًا: "سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي النَّهَارِ سَبَّحْتُكَ عَلَى أَحْكَامِ عَدْلِكَ" (مز119: 164).
ولكنه عندما سقط في الخطية أخذ عقابه من الله، لأنه سقط في خطيتي الزنا والقتل، فأخذ عقوبات أرضية بعد أن غفرت العقوبة السمائية..
وكلنا نعرف خطية أمنون ابنه مع أخته ثامار، وخطية أبشالوم ابنه مع سراريه، فلم يفارق الزنى والقتل بيت داود، لدرجة أن داود خرج من أورشليم حافي القدمين مضطربًا وخائفًا من ابنه... وقضى فترات ذُل وتعب على الأرض نتيجة لخطيته.
وعندما أعد كل شيء لبناء الهيكل... ذهبًا وفضة ونحاس وخشب أرز بلا حصر، وأحجار منحوته بلا عدد... قال له الله: "سوف لا تبني الهيكل، لأن يدك ملوثة بالدماء"
يا رب أنت قلت: "إِنْ كَانَتْ خَطَايَاكُمْ كَالْقِرْمِزِ تَبْيَضُّ أفضل من الثَّلْجِ"، وقلت أيضًا على فم ناثان النبي: "الرَّبُّ أَيْضًا قَدْ نَقَلَ عَنْكَ – عن داود - خَطِيَّتَكَ، لاَ تَمُوتُ" (2صم 12: 13) فيقول الرب: "أنا صحيح ترأفت عليك وأعطيتك من نعمتي، وغفرت لك العقوبة الأبدية، ولكنك لا بد أن تأخذ العقوبة الأرضية".
حتى مع داود يا رب؟! إذ كان الأمر كذلك فماذا يحدث معنا، إذ ليس لنا دالة عند الله مثل داود... فإذا كان الله لم يشفق على داود فماذا يكون مصيرنا؟
فاسأل نفسك يا أخي، هل أنت وصلت مثل داود؟ ... على الأقل كان في حياة داود توازن، فبجانب الخطية تجد تسابيح وصلوات، فقد كان داود مشهورًا بأنه صاحب المزمار والقيثار والعشرة أوتار. أخاف أنك إن صليت بعض المزامير بحرارة ودموع أن تشعر بالغرور وأنه قد صارت لك دالة كبيرة عند الله. ضع أمامك عدل الله، لأن الله لا يترك خطية بدون عقوبة.
كرامة بيت الله
فالمسألة يا إخوتي تحتاج منا أن ننظر ونتأمل في عدل الله وصرامته، ففي بيت الله يجب أن ننظر الله بكل خشوع واحترام "مَكْتُوبٌ: بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى" (مت 21: 13).
فلا يجب أن يرفع أحد صوته أو يتحرك بكثرة في الكنيسة، لأن الكتاب المقدس يقول: "بِبَيْتِكَ تَلِيقُ الْقَدَاسَةُ يَا رَبُّ" (مز 93: 5).
لذلك يسوع المسيح له المجد عندما دخل إلى الهيكل، ورأى أشياء لا تليق ببيته، صنع سوطًا وطرد "جَمِيعَ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِي الْهَيْكَل"
يا ليتنا نأخذ فكرة صحيحة عن الله، ونعرف أنه حنين ورحوم وفي نفس الوقت هو عادل ومخوف.
[1] راجع كتاب: مخافة الله لقداسة البابا شنوده الثالث صـ45 فبراير 1994
[2] راجع كتاب: مخافة الله لقداسة البابا شنوده الثالث صـ47.
محبة الله
محبة الله
ما هي المحبة؟[1]
عندما سئل رب المجد "يَا مُعَلِّمُ، أَيَّةُ وَصِيَّةٍ هِيَ الْعُظْمَى فِي النَّامُوسِ؟" أجاب: "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ... وتُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ" (مت22: 35- 40).
إذن فالمحبة هي أعظم الوصايا، وجميع الوصايا متعلقة بها، ولذلك قال الرسول: "وَأَمَّا غَايَةُ الْوَصِيَّةِ فَهِيَ الْمَحَبَّةُ" (1تي1: 5).
وبولس الرسول جعل المحبة فوق الإيمان والرجاء فقال: "أَمَّا الآنَ فَيَثْبُتُ الإِيمَانُ وَالرَّجَاءُ وَالْمَحَبَّةُ، هذِهِ الثَّلاَثَةُ وَلكِنَّ أَعْظَمَهُنَّ الْمَحَبَّةُ". وشرح ذلك فقال: "وَإِنْ كَانَتْ لِي نُبُوَّةٌ، وَأَعْلَمُ جَمِيعَ الأَسْرَارِ وَكُلَّ عِلْمٍ، وَإِنْ كَانَ لِي كُلُّ الإِيمَانِ حَتَّى أَنْقُلَ الْجِبَالَ، وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلَسْتُ شَيْئًا" (1كو13: 13، 2).
يكفي في عظمة المحبة، أنها صارت اسمًا لله. وفي ذلك يقول القديس يوحنا الرسول: "اَللهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ، يَثْبُتْ فِي اللهِ وَاللهُ فِيهِ" (1يو4: 8).
والمحبة هي العلامة التي يتميز بها المسيحي، فقد قال رب المجد: "بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضًا لِبَعْضٍ" (يو13: 35).
وقال الرسول: "وكُلُّ مَنْ يُحِبُّ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ اللهِ وَيَعْرِفُ اللهَ. وَمَنْ لاَ يُحِبُّ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ، لأَنَّ اللهَ مَحَبَّةٌ" (1 يو4: 61).
وقد وضعت المحبة في قمة ثمار الروح القدس كقول الرسول بولس: "وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ" (غل 5: 22).
والمحبة كانت آخر وصية أعطاها الرب لتلاميذه قبل أن يمضي إلى الجلجثة، إذ قال لهم: "وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضًا بَعْضُكُمْ بَعْضًا" (يو 13: 34).
المحبة هي الرابطة التي بين الله والإنسان، وفي عظمة محبة الله لنا قال الكتاب المقدس عن الرب إنه: "إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى" (يو13: 1)... أحبنا حتى بذل ذاته عنا، ونحن نحبه لأنه أحبنا أولًا.
وفي محبته لنا شبهنا بعروس له، وجعلنا جسده وهو الرأس... أو نحن الأغصان وهو الكرمة، ولذلك قال: "اُثْبُتُوا فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ" (يو15: 4).
وهكذا جعلنا هيكلًا لروحه القدوس وبيتًا ومسكنًا له...
ووصية المحبة هذه طالبنا بها الله منذ العهد القديم... في أول شريعة أعطاها لنا في ناموس موسى. إذ قال: "فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ" (تث 6: 5). إن الحياة الروحية المبنية على المحبة لا تتزعزع أبدًا، لأن "اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَسْقُطُ أَبَدًا" (1كو 13: 1)... وأيضًا "مِيَاهٌ كَثِيرَةٌ لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْفِئَ الْمَحَبَّةَ" (نش 8: 7).
إن المحبة ينبغي أن تدخل في كل عمل، وفي كل فضيلة...
في الصلاة وفي العبادة، في العطاء وفي الخدمة... في كل شيء لذلك قال الرسول: "لِتَصِرْ كُلُّ أُمُورِكُمْ فِي مَحَبَّةٍ" (أم 23: 26).
عندما نصل إلى المحبة، تتكون بيننا وبين الله دالة ... الله لا يطلب منا سوى هذه الوصية الواحدة... المحبة. فإن وصلنا إليها... فهذا يكفي لأننا سنجد جميع الفضائل داخلها... لذلك قال القديس أغسطينوس: "أحبب، وافعل بعد ذلك ما تشاء".
أما إذا لم نحب الله، فباطلة هي كل أعمالنا وفضائلنا... إن الله لا يريد إلا هذا الطلب: "يَا ابْنِي أَعْطِنِي قَلْبَكَ، وَلْتُلاَحِظْ عَيْنَاكَ طُرُقِي" (أم 23: 26).
المسيح المرفوض
يحدثنا يوحنا البشير عن المسيح المرفوض ويقول: "إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ" (يو1: 11). إنها ناحية من نواحي العزاء لنا عندما يرفضنا أصدقاؤنا وأقاربنا، ونصبح بمفردنا في هذه الحياة وليس من يعين أو يساعد، فإن المسيح - نور العالم - رفُض أيضًا من اليهود... ومَن هذا الذي رفُض؟ إنه المسيح رب الأرباب المسيح الطيب الحنون الشفوق المملوء بالمحبة والعطف والحنان... الذي تربطه بنا كل علامات المحبة. إنها قصة متكررة كل يوم يجيء المسيح إلى خاصته، وخاصته لا تقبله!!
المسيح المرفوض لا يجد له مجيب عندما يقول: "هأنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي" (رؤ3: 20). ولكي لا نلوم الآخرين، مفروض أن نطبق هذا على أنفسنا، فكثيرين يقولون أن المسيح جاء إلى اليهود وهم رفضوه.
ولكن أنت يا عزيزي هل قبلته؟ نحن نرفضه كل يوم... نفتح أعيننا على المناظر الشريرة... والمسيح هو الوحيد الذي لا نفتح له عيوننا.
فيرد قائلًا: "رفضوني أنا الحبيب مثل الميت المرذول" (مز37: 21). المسيح ما زال يقرع على الباب... "صَوْتُ حَبِيبِي قَارِعًا... اِفْتَحِي لِي يَا حَبِيبَتِي... لأَنَّ رَأْسِي امْتَلأَ مِنَ الطَّلِّ، وَقُصَصِي مِنْ نُدَى اللَّيْلِ" (نش5: 2).
المسيح يتوسل بكلمات كلها رقة للنفس البشرية... ولكننا نرد قائلين له: "قد خلعت ثوبي فكيف ألبسه" (نش 5: 3).
المسيح المرفوض أبرع جمالًا من بني البشر، حلقه حلاوة وكله مشتهيات، هذا لم يجد من البشر قلبًا محبًا حنونًا، فعندما أتى إلى العالم، أتى بتضحية كبيرة، أخذ شكل عبد وصار في الهيئة كإنسان، شابه عبيده البشر ومع ذلك لم يهتم به أحد.
فمثلًا مَن الذي استقبل المسيح عند ولادته؟ لا أحد من أقاربه أو أهله أو مواطنيه احتفى به، حتى يذكر الكتاب المقدس أنه: "لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَوْضِعٌ فِي الْمَنْزِلِ" (لو 2: 7). حتى هيرودس الملك فكر في أن يقتله - بعد أن تأكد من شخصيته - خوفًا منه على مُلكه.
كلنا نقول نحب المسيح... والمسيح داخل قلوبنا وأفكارنا أما من جهة العمل فهذا مستحيل، وقد نبه يوحنا الرسول عن هذه النقطة وقال: "يَا أَوْلاَدِي، لاَ نُحِبَّ بِالْكَلاَمِ وَلاَ بِاللِّسَانِ، بَلْ بِالْعَمَلِ وَالْحَقِّ" (1يو 3: 8).
عندما ذهب إلى مدينته ليكرز هناك، استقبلوه باستهزاء قائلين: "أليس هذا هو ابن النجار... ولم يستطع أن يصنع معجزات كثيرة من أجل ضعف إيمانهم" (مر 6: 3-5).
المسيح أحب خاصته إلى المنتهى ...
أحبنا في شرورنا ونجاستنا، ونحن نكسر وصاياه، ويقول بولس الرسول: "فيما نحن خطاة مات المسيح لأجلنا، البار من أجل الأثمة" (رو5: 8). لذلك يقول الكتاب المقدس: "لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ" (يو15: 13).
المسيح إلهنا ليس له شبيه بين الآلهة ومع ذلك رفضناه... هو يحبنا الحب كله ولذلك يقول: "نقشتكم على كفي" (زك 2: 8) ويقول أيضًا: "شعور رؤوسكم محصاة، لا يمكن أن تسقط منها شعرة بدون إذن أبيكم" (مت 10: 30)، ومع ذلك فلم نحبه كما أحبنا.
رفضنا المسيح الذي لم يرفض أحد مطلقًا: "من يقبل إليَّ لا أخرجه خارجًا" (يو 6: 37). المسيح الطيب الوديع الذي لم يكره أحدًا... كرهناه، دافع عن جميع الناس وعندما وقع في قبضة أعدائه بإرادته لم يدافع عنه أحد حتى تلاميذه.
كان يرجوهم أن يسهروا معه ساعة واحدة ولم يستطيعوا لأن أعينهم كانت ثقيلة، وعندما قُبض عليه تفرقوا كلهم وهربوا "تتفرقون كل واحد إلى خاصته وتتركوني وحدي".
اقتيد المسيح من الأعداء بسيوف وعصي وهرب التلاميذ كلهم... أين الألوف التي استقبلته عند دخوله أورشليم قائلين له: "أوصنا، مبارك الآتي باسم الرب" (يو12: 13) يا ملك إسرائيل؟!
أين الجموع الكثيرة التي كان يشفيها كما يقول الكتاب: "وَعِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، جَمِيعُ الَّذِينَ كَانَ عِنْدَهُمْ سُقَمَاءُ بِأَمْرَاضٍ مُخْتَلِفَةٍ قَدَّمُوهُمْ إِلَيْهِ، فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَشَفَاهُمْ" (لو4: 40).
لم يدافع عنه أحد عند القبض عليه حتى صديقه نيقوديموس الذي كان يقابله ليلًا خوفًا من اليهود - لأنه كان عضوًا في المجمع - تكلم بحذر بخصوصه أمام المجمع فقال: "أَلَعَلَّ نَامُوسَنَا يَدِينُ إِنْسَانًا لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ أَوَّلًا وَيَعْرِفْ مَاذَا فَعَلَ؟" (يو7: 51)، والذي أخذ جسد يسوع بعد موته لكي يشترك مع يوسف الرامي في تحنيطه.
المسيح لم يدافع عنه أحد ...
المسيح المرفوض هو الذي دافع عن أشر الخطاة (المرأة الزانية)، وكذلك المرأة الخاطئة التي سكبت الطيب على قدميه، ولما تضايق منها التلاميذ قال لهم: "لا تزعجوا المرأة لقد عملت بي عملًا حسنًا" (مت 26: 10).
المسيح الذي دافع عن العشارين والخطاة وأكل في بيت متى العشار وجعله رسولًا، وأكل في بيوت عشارين منبوذين وكان يحتمل بسببهم السمعة الرديئة، كانوا يقولون عليه أنه أكول وشريب خمر ومعاشر للزناة والخطاة. ومن أجل أن يترأف على هؤلاء الناس، جاز المعصرة وحده...
فإذا وقفنا بمفردنا في العالم لا نحزن لأن المسيح كان بمفرده ولم يغضب ولم يستاء ولم ينقص حبه أو حنانه، ولم يخرجهم من قلبه، ولم يفقدهم ثقته. ظل كما هو المحب العطوف الطيب اللطيف الذي لم يحرج أحدًا، بل يقبل إليه الجميع حتى التوبيخ الذي وجهه لبطرس كان رقيقًا "يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، أَتُحِبُّنِي؟ ارْعَ خِرَافِي" (يو21: 15).
التلاميذ كانوا ضعفاء مساكين ولكن المسيح قال: "سيكونوا أقوياء بعد حلول الروح القدس عليهم"... هم رفضوني وأنا لا أرفضهم... هم تخلوا عني وأنا لا أتخلى عنهم... أحس بولس بذلك وقال: "فِي احْتِجَاجِي الأَوَّلِ لَمْ يَحْضُرْ أَحَدٌ مَعِي" (2 تس 4: 16).
المسيح المرفوض، عند الصلب، ذهب عنه كل الناس...
في أيامنا الحاضرة أيضًا نقول للمسيح: "أين الذين معك يا رب؟" والمثل هو هو. واحد يعتذر بحقله والثاني ببقرته والثالث بزوجته... والآن حتى التلميذ الصغير في الإعدادي يقول: ليس لدي وقت لأصلي! واحد موظف يقول: ليس لدي وقت للمسيح..
أنت المحتاج للمسيح وليس هو، أنت تأخذ منه ولا تعطيه، ومع ذلك ما زال المسيح مرفوضًا كما كان ليس له أين يسند رأسه...
المسيح يريد أن يضع رأسه على صدرك لأن الله منذ البدء يحب الإنسان، لأن (الله محبة)، لذلك جعل مسرته في بني البشر الله دائمًا يبحث عن صداقة الإنسان ويسعى إليها ولكن للأسف نحن مشغولون عن الله ونبعد عنه.
ربنا خلق الإنسان وجعل له سلطان على الجنة ليخضع له جميع حيوانات البرية وسمك البحر وطيور السماء... أعطاه أيضًا صورته ومثاله، ولكن الإنسان يترك صداقة الله لكي يصادق الحية وكلامها. ربنا يقول: لا تأكلوا من هذه الشجرة... وهي تقول: لا، كلوا لكي تصبحوا كالله... كلام حلو لطيف انخدع به آدم!!
الله يبحث عن صداقة آدم، وآدم يهرب منه! ما أسهل أن الله يفقد صداقة الإنسان، ولكنه لم يرد ذلك، بل من أجله خلق الأشجار والثمار والشمس والقمر بل من أجله عمل كل شيء وبعد ذلك الإنسان غير قادر أن يحب الله. أنت إنسان جسداني ترفض الله لأن الجسد يهمك... تريد أن تتذوق الشجرة وثمرها الجيد... الإنسان مستواه هبط وأصبح لا يحب الله، لدرجة أن الرب غضب وقال: "أَمْحُو عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ الإِنْسَانَ الَّذِي خَلَقْتُهُ" (تك6: 7).
لأنه لم يجد محبته في الإنسان... لا يجد أي ركن في قلب الإنسان لكي يسكن فيه... الإنسان الذي تضايق منه الله وأهلك العالم بالطوفان، اختار منه نوح وأولاده لأنه كان بارًا، فإذا بأولاد نوح قد عبدوا الأصنام لدرجة إن ربنا فرز إبراهيم لوحده، لأن العالم كان كله مملوء بالشر.
المسيح يتنهد ويقول: "رفضوني أنا الحبيب مثل الميت المرذول، لأن الجميع زاغوا وفسدوا وأعوزهم مجد الله". (مز 37: 21 – رو 3: 23).
وعلى الرغم من كل هذه التشبيهات لا توجد محبة لله. فعندما تبحث عن خدام لله لا تجد من يشتغل في الخدمة، لدرجة في ذات مرة ذكرت هذا الموضوع في بعض أبيات قليلة من الشعر:
دخلت البيت لا مرثا | بـسـاحـتـه ولا مـريـم |
كانت هناك منافسة بين مريم ومرثا، ولكن الآن لا يوجد لا مريم ولا مرثا ... "إِنَّ الْحَصَادَ كَثِيرٌ، وَلكِنَّ الْفَعَلَةَ قَلِيلُونَ. فَاطْلُبُوا مِنْ رَبِّ الْحَصَادِ أَنْ يُرْسِلَ فَعَلَةً إِلَى حَصَادِهِ" (لو 10: 2) ...
ليس من السهل أن نجد خدّام للرب وإن وجدنا... يرفض الأهل بل ويمعنوا أبناءهم من الذهاب إلى الاجتماعات الروحية ومدارس الأحد: هل جننت أتريد أن تكرس حياتك لله؟! هذا في نظرهم هوس ديني..
لا زال المسيح مرفوضًا... لا يجد من يقبله... "إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ" (يو 1: 11)، ومن يقبله... يعتبر في نظر المجتمع كأنه مجنون. الله محب وحنون يريد صداقتنا، ولكننا نهرب من حبه ونسير مع الشيطان... لا نعطي له جزء من وقتنا رغم أنه يجول يصنع خيرًا، يكرز ببشارة الملكوت ويشفي كل مرض في الشعب ... ويقول: "رفضوني أنا الحبيب مثل ميت مرذول".
محبة الآباء القديسين
كل هذا الحب لم يجعل الناس يحبونه... ولكنهم أحبوه فيما بعد عندما انسكب الروح القدس في قلوبهم مثل ألسنة نارية... من أجل هذا الحب آباؤنا القديسون قدموا رقابهم للسيوف وأجسادهم للتعذيب، وكانوا يترنمون في محبة المسيح ويسبحون ويرتلون في السجن وهم ذاهبون أيضًا إلى الاستشهاد. حرارة الحب تطغي عليهم جميعًا بشكل لم يتصوره أحد... وهذا الحب بهذا الشكل قضى على كل الفلسفات القائمة... قضى على الثقافات القديمة أيضًا. هذا الحب ظهر في الشهداء والقديسين، ظهر في الخدام وحماة الإيمان، وظهر في النساك والعباد الذين جالوا وعاشوا في المقابر وشقوق الجبال من أجل عظم محبتهم في الملك المسيح.
وفترة الاستشهاد في القرن الرابع الميلادي مرت كأنها حلم ... استيقظنا منه في القرن الخامس
ويمر الوقت وكلما نبحث في التاريخ لا نجد سوى اسم أو اسمين ظاهرين في محبة الله... ولكن لا نيأس لأنه ربما هناك سبعة آلاف ركبة لم تنحن للبعل بعد ومحبة دانيال القديمة الذي لم يخف من الأسود... لا تزال موجودة.
والله لا زال يعاتب وينادي الناس والسماء والأرض لتشهد: "اِسْمَعِي أَيَّتُهَا السَّمَاوَاتُ وَأَصْغِي أَيَّتُهَا الأَرْضُ، لأَنَّ الرَّبَّ يَتَكَلَّمُ رَبَّيْتُ بَنِينَ وَنَشَّأْتُهُمْ، أَمَّا هُمْ فَعَصَوْا عَلَيَّ ... شَعْبِي لاَ يَفْهَمُ، وَيْلٌ لِلأُمَّةِ الْخَاطِئَةِ، الشَّعْبِ الثَّقِيلِ الإِثْمِ، نَسْلِ فَاعِلِي الشَّرِّ، أَوْلاَدِ مُفْسِدِينَ! تَرَكُوا الرَّبَّ، اسْتَهَانُوا بِقُدُّوسِ إِسْرَائِيلَ، ارْتَدُّوا إِلَى وَرَاءٍ"(إش 1: 2-4).
الله يريد أن نحبه ونؤمن به...
ما أرهب عبارة الكتاب التي تقول: "وَلكِنْ مَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ، أَلَعَلَّهُ يَجِدُ الإِيمَانَ عَلَى الأَرْضِ؟" (لو18: 8).
المحبة الحقيقية الخالية من الظواهر، ليس مجرد قراءة المزامير أو ترديد صلوات الأجبية...
بل صلاة من القلب...
متي سنستجيب لصوته وهو يقول: "يا ابني أعطيني قلبك"؟! ومن لا يقبله يقول له: "مُخِيفٌ هُوَ الْوُقُوعُ فِي يَدَيِ اللهِ الْحَيِّ" (عب 10: 31)
الله يسعى بكل الطرق لكسب محبة الإنسان نقرأ في سفر حزقيال ماذا قال عن أورشليم الزانية: "وَقَدْ كُنْتِ عُرْيَانَةً وَعَارِيَةً فَمَرَرْتُ بِكِ وَرَأَيْتُكِ، وَإِذَا زَمَنُكِ زَمَنُ الْحُبِّ. فَبَسَطْتُ ذَيْلِي عَلَيْكِ وَسَتَرْتُ عَوْرَتَكِ، وَحَلَفْتُ لَكِ، وَدَخَلْتُ مَعَكِ فِي عَهْدٍ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، فَصِرْتِ لِي، فَحَمَّمْتُكِ بِالْمَاءِ، وَغَسَلْتُ عَنْكِ دِمَاءَكِ، وَمَسَحْتُكِ بِالزَّيْتِ. وَأَلْبَسْتُكِ مُطَرَّزَةً، وَنَعَلْتُكِ بِالتُّخَسِ، وَأَزَّرْتُكِ بِالْكَتَّانِ، وَكَسَوْتُكِ بَزًّا،، وَحَلَّيْتُكِ بِالْحُلِيِّ، فَوَضَعْتُ أَسْوِرَةً فِي يَدَيْكِ وَطَوْقًا فِي عُنُقِكِ. وَوَضَعْتُ خِزَامَةً فِي أَنْفِكِ وَأَقْرَاطًا فِي أُذُنَيْكِ وَتَاجَ جَمَال عَلَى رَأْسِكِ، فَتَحَلَّيْتِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلِبَاسُكِ الْكَتَّانُ وَالْبَزُّ وَالْمُطَرَّزُ. وَأَكَلْتِ السَّمِيذَ وَالْعَسَلَ وَالزَّيْتَ، وَجَمُلْتِ جِدًّا جِدًّا، فَصَلُحْتِ لِمَمْلَكَةٍ... وَخَرَجَ لَكِ اسْمٌ فِي الأُمَمِ لِجَمَالِكِ، لأَنَّهُ كَانَ كَامِلًا بِبَهَائِي الَّذِي جَعَلْتُهُ عَلَيْكِ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. فَاتَّكَلْتِ عَلَى جَمَالِكِ... ويل ويل لك يقول السيد الرب... أحكم عليك ... فيهدمون قبتك ويهدمون مرتفعاتك..."(حز16: 7- 41).
الله يسعى ويلح علينا لنحبه ولكن يأتي وقت لا يوجد تدليل أو إلحاح... حينما يأتي المسيح على السحاب ويرسل الملائكة ويجمعون الأثمة من الجهات الأربع ويلقونهم في النار لأن "لكل شيء تحت السماء وقت" (جا 3: 1).
فاستيقظوا يا أخوة... "اليوم إن سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم" (مز 95: 9).
فرعون ربنا سامحه كثيرًا ورفع عنه الضربات وأخيرًا لم يجد منه فائدة، أغرقه في البحر.
فليتنا نتعظ ونستيقظ لخلاص نفوسنا، ونقبل المسيح في كل وقت، ولا نرفضه كما يفعل الأشرار، فيكون نورًا لحياتنا وخلاصًا لنفوسنا.
[1] نَشر قداسة البابا شنوده الثالث هذا الجزء في كتابه "المحبة قمة الفضائل صـ8-10.
كيف تحب الله؟
كيف تحب الله؟
كل إنسان يجب أن يحب الله من كل القلب والنفس والقدرة، كما تتضمن الوصية الأولى من الوصايا العشر، فيقول موسى النبي: "الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ. فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ" (تث 6: 4، 5).
فالله لا يدعونا عبيدًا بل أحباء (يو 15: 15)، لذلك طلب إلينا عندما نصلي أن ندعوه "أبانا"، ونحن نحبه - كإله - لأنه هو أحبنا أولًا (1يو 4: 19).
ومعنى تحب الرب من كل قلبك؛ أن لا يكون في قلبك محبة أخرى غير الله.
ومن كل فكرك معناها؛ أن تفكر في الله فقط، ولا يوجد في فكرك شيء غير الله ... ومن كل قدرتك معناها؛ أن تحب الله على قدر إمكانك، وكل ما في وسعك.
كيف تدرب نفسك على محبة الله؟
هناك تدريبات كثيرة لكي تحب الله من كل قلبك سنذكر بعضًا منها كالآتي:
أولًا: يجب أن تتخلص من المحبات الأخرى المنافسة لله:
فأنت لا تستطيع أن تحب الله والعالم في وقت واحد، فأبحث في قلبك عن المحبات الأخرى التي تنافس محبة الله... فإن وجدت شيئًا حاربه بكل قوتك...
فالسيد المسيح له المجد قال عن محبة الأقارب: "مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي" (مت 10: 37). وتكلم عن محبة المال قائلًا: "لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ، لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ، أَوْ يُلاَزِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ" (مت6: 24).
ومن أخطر أنواع المحبة؛ محبة العالم، فقد قال عنها يعقوب الرسول صراحة: "أَنَّ مَحَبَّةَ الْعَالَمِ عَدَاوَةٌ ِللهِ؟" (يع 4: 4).
ويوحنا الرسول ثبت هذا الكلام بقوله: "لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ. إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ" (1يو2: 15).
ويضرب القديس بولس الرسول مثلًا حيًا في الخدام الذين أحبوا العالم فتركوا الله والخدمة قائلًا: "لأَنَّ دِيمَاسَ قَدْ تَرَكَنِي إِذْ أَحَبَّ الْعَالَمَ الْحَاضِرَ" (2تي 4: 10).
لذلك سكن آباؤنا القديسون في البراري والمقابر بعيدًا عن العالم من أجل عظم محبتهم في الملك المسيح، لأنهم شعروا بتفاهة العالم وشهوته. فإذا أردت أن تحب الله، لا تعلق نفسك بمحبة أي شيء في العالم. وكما قال أحد القديسين "لا تتأمل كثيرًا في الأشياء العالمية. إن الذي لا تبصره النفس لا تشتهيه". وكما قال الرسول: "وَالَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَ هذَا الْعَالَمَ كَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَعْمِلُونَهُ" (1كو 7: 31).
سليمان الحكيم كان يقول: "كل ما اشْتَهَتْهُ عَيْنَايَ لَمْ أُمْسِكْهُ عَنْهُمَا" (جا 2: 10) وأستطاع أن يملأ حياته بالجنات والفراديس والمغنين والمغنيات، ولكنه أخيرًا قال: "بَاطِلُ الأَبَاطِيلِ، قَالَ الْجَامِعَةُ: بَاطِلُ الأَبَاطِيلِ، الْكُلُّ بَاطِلٌ مَا الْفَائِدَةُ لِلإِنْسَانِ مِنْ كُلِّ تَعَبِهِ الَّذِي يَتْعَبُهُ تَحْتَ الشَّمْسِ؟" (جا 1: 14).
ثانيًا: أشعر بغربتك في العالم:
وهذا يزيد محبتك لله وتشعر أنك ستكون مع المسيح بعد انتقالك من هذا العالم، كما قال بولس الرسول: "لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا" (في 1: 23). وكما كان داود يردد دائمًا "غَرِيبٌ أَنَا فِي الأَرْضِ. لاَ تُخْفِ عَنِّي وَصَايَاكَ" (مز 119: 19). وشعورك بالغربة على الأرض يجعل أفكارك دائمًا في الوطن السمائي... فكل عمل تعمله تسأل نفسك: ماذا ينفعني هذا العمل في السماء؟
لا تظنوا أن الأبدية بعيدة... ينبغي أن نشعر بغربتنا داخل الجسد، وغربتنا داخل العالم كقول بولس الرسول: "ونحن مستوطنون في الجسد، فنحن متغربون عن الرب". فالذين أحبوا الله من كل قلوبهم يشتاقون أن يكونوا مع الله على الدوام، سواء كانوا في الجسد أم في غير الجسد لذلك يكونوا في علاقة حب مع الله..
أما الذين يحبون العالم ويتمسكون بشهواته، فإنهم يضعون مشروعات كبيرة لسنوات عديدة، كالغني الذي خزن خيرات عظيمة لسنوات كثيرة فجاءه الصوت الإلهي قائلًا: "يَاغَبِيُّ! هذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ" (لو 12: 20).
إبراهيم أبو الآباء كان يسكن في خيمة على الدوام لأنه شاعر أنه غريب على الأرض وأن وطنه هو في السماء.
ثالثًا: داوم على قراءة سير القديسين:
فهؤلاء أحبوا الله من كل قلوبهم وتركوا كل شيء من أجله... اقرأ كيف عاشوا، وكيف ساروا ملائكة على الأرض.
في مرة خَبط الشيطان على الأنبا بولا وقال له: يا بولا افتح لي، فقال له القديس الأنبا بولا: بولا ليس هنا. فخبط الشيطان مرتين ولم يرد عليه الأنبا بولا، فسأله الشيطان: من بالداخل، من الذي يكلمني؟ فأجابه الأنبا بولا قائلًا: "هنا المسيح في ثياب بولا... كان زمان واحد عايش اسمه بولا، ولكنه انتهى..".
وبولس الرسول قال: "مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ" (غلا 2: 20). فعندما ندرك كيف عاش الآباء... وكيف كانت علاقتهم بالله قوية، وكيف كانت معهم مفاتيح السماء والأرض، يغلقوها إذا شاءوا، ويفتحوها إذا شاءوا... نستطيع أن نتمثل بهم.
لذلك قال عنهم الشيخ الروحاني "يكونون ليسوا كمن يصلون، ولكنهم كمن يتقبلون الصلاة".
أحدهم يذهب إلى أحد القديسين ويقول له: "صلي من أجلي لكي تنجب زوجتي أولادًا"، فيرد القديس على الفور: "أذهب ستلد لك زوجتك ولدًا". ولذلك قال الشيخ الروحاني "هؤلاء، يكون الواحد منهم كمن أؤتمن على كنوز أبيه، فهو يفتح كنز أبيه ويعطي الناس". تأمل يا أخي في حياة القديسين كيف كانوا يرون مناظر واستعلانات، ويكلمون الله، والله نفسه يكلمهم... وكيف كانت المعجزات تحدث بواسطتهم بشكل عجيب.
تأمل كثيرًا لكي تأخذك الغيرة وتقلدهم... وتشتاق إلى العشرة مع المسيح والملائكة والقديسين.
عندما تقرأ سيرة القديس مقاريوس الكبير تجد أنه في إحدى المرات كان متعب جدًا من السير في الجبل، وكان لا يزال بينه وبين المغارة التي يسكنها مسافة كبيرة، فقال لله: "أنت يا رب تعرف أني تعبت، وليس فيَّ قوة لكي أصل إلى المغارة". فيقول بستان الرهبان: "أنه وجد نفسه في الإسقيط (المغارة) بمجرد أن طلب من الله ذلك!.
القديسين أحبوا الله، والله أحبهم، لذلك كانت هناك دالة متينة وصداقة قوية بينهم وبين الله، لدرجة أن الله يقول لإبراهيم: "هل أحرق سدوم من بدون مشاورة إبراهيم؟". وكما يذكر سفر التكوين هذه الحادثة بالتفصيل فيقول: "فَقَالَ الرَّبُّ: هَلْ أُخْفِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ مَا أَنَا فَاعِلُهُ" (تك18: 17).
وعندما نتكلم عن أخنوخ البار نجد أن الكتاب المقدس نفسه يقول بصريح العبارة: "وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ أَخَذَهُ" (تك 5: 24). احتقر أخنوخ شهوات العالم، وأحب الرب وسار في طريقه، فيأخذه الله إلى فوق لأن الأرض أصبحت لا تليق بأخنوخ البار.
وتكلم القديس بولس الرسول عن القديسين الذين أرضوا الرب في رسالته إلى العبرانيين وفي آخر كلامه قال: "وَمَاذَا أَقُولُ أَيْضًا؟ لأَنَّهُ يُعْوِزُنِي الْوَقْتُ إِنْ أَخْبَرْتُ عَنْ جِدْعُونَ، وَبَارَاقَ، وَشَمْشُونَ، وَيَفْتَاحَ، وَدَاوُدَ، وَصَمُوئِيلَ، وَالأَنْبِيَاءِ، الَّذِينَ بِالإِيمَانِ: قَهَرُوا مَمَالِكَ، صَنَعُوا بِرًّا، نَالُوا مَوَاعِيدَ، سَدُّوا أَفْوَاهَ أُسُودٍ، أَطْفَأُوا قُوَّةَ النَّارِ، نَجَوْا مِنْ حَدِّ السَّيْفِ، تَقَوَّوْا مِنْ ضُعَفٍ، صَارُوا أَشِدَّاءَ فِي الْحَرْبِ، هَزَمُوا جُيُوشَ غُرَبَاءَ" (عب11: 32- 34).
رابعًا: فكر في إحسانات الله عليك:
لكي تحب الله محبة قوية فكر في إحساناته عليك ... اجلس بينك وبين نفسك وأكتب هذه الإحسانات من أول يوم ولادتك إلى هذه اللحظة، واسأل والديك، قد يكون قد حدثت عدة معجزات لك أنقذك الله فيها من موت محقق وأنت صغير لا تدرك شيئًا من الحياة... أشكر الله في كل حين على هذه البركات والنعم الجزيلة التي يسبغها الله عليك... وستشعر أن الله حنين ورحوم عليك ويحبك ويحفظك ويعطف عليك في كل حين.
نحن إنما ننسى إحسان الله علينا، ولذلك إن جاءت أية تجربة ولو صغيرة بسرعة نتذمر على الله، وننسى أن إحسانات الله أكثر بكثير من تجاربه.
خامسًا: عاشر الله معاشرة حقيقية:
لو أي إنسان عاشر شخص مدة طويلة من الزمن من الصعب عليه أن يفارقه، لأنه سيكون صديق ورفيق وزميل ومحبوب لديه جدًا، هكذا الإنسان لو عاشر الله سيكون من الصعب مفارقته، وسيحبه من كل قلبه، لأن معاشرة الله ممتعة للغاية.
داود النبي كان يحب الله، لأن الله كان في فكره دائمًا، واسم الله على لسانه وفي تأملاته... فكان دائمًا يردد ويقول: "محبوب هو اسمك يا رب، فهو طول النهار تلاوتي.." (مز 119: 97). ولكن للأسف الشديد نحن مشغولون بالعالم طول الوقت، واسم ربنا ليس له وجود في حياتنا... مشغولين بأغاني العالم الصاخبة وفكرنا بعيد كل البعد عن الله.
أعط لله كل وقتك وفكرك وردد اسمه على الدوام... كلم الرب بعنصر اللجاجة في الصلاة... لتكن لك صلاتك الخاصة... اكشف له قلبك كله ولا تخفي شيئًا، حتى ولو كان مخجلًا..
اتخذ الله كصديقك الأول والأخير، واطلعه على حالتك كلها وفكرك وحروبك وتجاربك وأشكره في كل حال، حتى على التجارب التي يسمح بها، لأنها دائمًا في صالحك... لا تجعل العبادة مجرد طقس تؤديه أو فرض واجب عليك. بل اجعل الرب أمامك في كل حين...
اجعله أول واحد تلتقي به في الصباح الباكر، وآخر واحد تتكلم معه في المساء.
حاول أن تدخل الله في كل حديث، وتجعله يقود الحديث... اجعله يدخل في عملك ويقود العمل ببركة وبحكمة فائقة. اجعل الله العنصر المشترك في حياتك كلها... في ذهابك وإيابك... في مرضك وفي صحتك... وأشعر أن الرب موجود أمامك ويحبك ويسعى لخلاصك في كل حين... وردد مع داود النبي القائل: "جعلت الرب أمامي في كل حين.." (مز 16: 8).
سادسًا: فكر في صفات الله الجميلة:
من أجمل التداريب لحياتك الروحية أن تتأمل في صفات الله الجميلة... فمثلًا الله طويل البال جدًا... فلو تأملت في طول بال الله من أول الخليقة إلى يومنا هذا، لتأخذك الدهشة وتسرح الساعات الطويلة في محبة الله للبشر وعنايته منذ أكثر من خمسة آلاف سنة مضت... ولديك الكتاب المقدس الذي يسجل لنا هذه الصفة بالتدقيق. داود النبي صرخ قائلًا: "ليس لك شبيه يا رب بين الآلهة" (مز 71: 19 – 86: 8). لأنه تأمل في صفات الله وأحب الله من كل قلبه... هل نستطيع أن نقارن بين أي إنسان مهما علا مركزه أو ازدادت قداسته بالله... حاشا، فلا يوجد أدنى مقارنة.
فكر في معاملات الله لقديسيه واستعرض جميع قديسي العهد القديم والعهد الجديد، تجد أن الله عاملهم بلطف ومحبة ورحمة زائدة. فكر في الله الذي تواضع واتخذ له جسد إنسان لكي يخلصنا من الخطية ومن العبودية ...
فكر في آلام المسيح على الصليب من أجلك، فكر في المسيح الذي يبحث عنك في كل مكان، كالراعي الصالح الذي يبحث عن الخروف الضال. فكر في الذي قام من الأموات وكسر شوكة الموت لكي يعطيك قيامة من موتك... فكر في الذي صعد إلى السموات لكي يعد لك مكانًا مناسبًا هناك ويأخذك إلى السعادة الأبدية.
أبعد ذلك كله لا تستطيع أن تحب الله الذي بذل نفسه عنك؟! والذي يعتني بك ويقوتك ويحفظك من كل سوء؟! إننا عندما نحب إنسان عطف علينا أو قدم لنا خدمة، نظل لسنوات نخدمه ونشيد بفضله، ونود أن نمكث معه على الدوام... فما بالك بالله الذي له جميع الصفات التي يندر أن توجد في أي إنسان أو في أي ملاك في هذا الكون.
الله قادر أن يسكب محبته في قلوبنا بفعل الروح القدس، وأن يدربنا ويرشدنا كيف نحبه المحبة الحقيقية، التي سلكها أباؤنا القديسون، فكافأهم الرب بمحبته العجيبة لهم.
لطف الله
لطف الله
إن اللطف ثمرة من ثمار الروح القدس، إذ يذكر الكتاب المقدس أن ثمار الروح القدس هي محبة، فرح، سلام، طول أناة، صلاح، وداعة ولطف. فإن كان فيك الروح القدس فلا بد أن تظهر ثمار الروح ومنها اللطف.
فضيلة اللطف
إن فضيلة اللطف موجودة في الله نفسه. ويذكر الكتاب المقدس "فَهُوَذَا لُطْفُ اللهِ وَصَرَامَتُهُ.." (رو11: 22)، ويطلب أيضًا "َكُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ" (أف 4: 32). كما يتكلم بولس الرسول عن حياته في الخدمة فيقول: "فِي لُطْفٍ". فاللطف صفة من صفات الله نفسه؛ فالله نفسه لطيف، وصفة من القديسين. والسيد المسيح كان شخصًا لطيفًا، والذي يريد أن يسير في طريق الله لا بد أن تكون له فضيلة اللطف.
كثير من الناس يواظبون على الصلاة والصوم وحضور القداس، ولكن طبعهم شديد ومعاملتهم قاسية وينفر الناس منهم، ولكن أولاد الله يجب أن يكونوا ودعاء ولطفاء.
نريد أن نعرف ما هي فضيلة اللطف؟ وكيف كان السيد المسيح شخصًا لطيفًا؟ وكيف نتعلم منه هذه الفضيلة؟
لطف الله مع إبراهيم
عندما أراد الله قديمًا أن يحرق سدوم، قال: "هل أخفي عن عبدي إبراهيم ما أنا فاعله؟"... كيف أقوم بهذا العمل ولا يعلم إبراهيم؟ ولكن مَن هو إبراهيم؟... إنه تراب ورماد.
قبل أن ينفذ الله رغبته أخبر إبراهيم عما هو مزمع أن يصنعه بسدوم، وإذا بإبراهيم يقول له: "افرض أنه يوجد بسدوم أناس أبرار، أتهلك البار مع الأثيم... أديان الأرض كلها لا يصنع عدلًا؟ حاشا لك يا رب أن تفعل هذا". والله لم يغضب من كلام إبراهيم.
وبدأ إبراهيم يجادل مع الله؛ إن وجد في المدينة خمسين بارًا أتهلكها؟! أربعين؟! إلى أن وصل إلى عشرة... واستراح قلب إبراهيم بعدما اتفق مع الله على أنه إن وجد في سدوم عشرة أبرار لا يهلك المدينة من أجلهم. وهذه المجادلة تدل على لطف الله وطول أناته وقلبه الواسع.
لطف الله مع يعقوب
أمسك يعقوب أب الآباء بالله وقال له: "لا يمكن أن أتركك حتى تباركني، لا أتركك أبدًا" (تك 32: 26). ولم يغضب منه الله ولكنه باركه وغَيّر اسمه إلى إسرائيل. كل واحد يمكنه أن يأخذ حقه من الله وهو لا يغضب لأنه هادئ لطيف محب.
لطف الله مع موسى
أراد الله أن يهلك الشعب فقال لموسى النبي: "اسمع يا موسى، هذا الشعب صلب الرقبة، وأنا لا بد أن أبيده، "فَالآنَ اتْرُكْنِي لِيَحْمَى غَضَبِي عَلَيْهِمْ وَأُفْنِيَهُمْ، فَأُصَيِّرَكَ شَعْبًا عَظِيمًا" (تك 32: 9، 10).
فقال موسى: "ارجع يا رب عن حمو غضبك، واندم على الشر، أتريد أن يقول الناس أخرجهم بمكر من أرض مصر، لكي يهلكهم في البرية" (خر 32: 11).
لا تعمل يا رب مثل هذا، وإن أردت أن تهلك هذا الشعب، أمح اسمي من كتابك الذي كتبت.
من يقدر أن يكلم الله بهذه الطريقة وبهذا الأسلوب؟! ولكن الله اللطيف الهادئ الوديع يقبل من أولاده هذا الأسلوب، ولا يغضب منهم، ويفسح صدره ويقبل التوبيخ والتأنيب والجدل والتفاهم دون أن يغضب منهم، ولذلك يستطيع كل إنسان أن يتكلم معه وأن يجادله وأن يناقشه.
هذا هو الله الذي أحبه الناس وشعروا في سعة صدره بما لا يجدونه عند الآخرين، ولذلك قيل عنه أنه طويل الأناة، واسع الصدر، واسع القلب لا يغضب ولا يوبخ إلا في الحالات الشديدة. هذه هي فضيلة اللطف التي أحب أن تكون عند الجميع.
لطف الله مع إرميا
ماذا قال إرميا النبي لله؟ قال له: "أَبَرُّ أَنْتَ يَا رَبُّ مِنْ أَنْ أُخَاصِمَكَ. لكِنْ أُكَلِّمُكَ مِنْ جِهَةِ أَحْكَامِكَ" (إر 12: 1).
تكلمني من جهة أحكامي... من أنت الذي تحاسبني؟
أنت يا إرميا... أنت المخلوق من التراب...
أنت الذي قلت: لا أعرف أن أتكلم لأني ولد! الآن كبرت وأصبحت تكلمني من جهة أحكامي؟! ويسترسل إرميا قائلًا: "لِمَاذَا تَنْجَحُ طَرِيقُ الأَشْرَارِ؟ اِطْمَأَنَّ كُلُّ الْغَادِرِينَ غَدْرًا"! (إر 12: 1) لماذا يحدث هذا؟
لم يغضب الله من إرميا النبي، بل تفاهم معه. قد نتفاهم مع الله بسهولة، ولكننا لا نستطيع التفاهم مع بعضنا، خاصة مع الناس الأشداء، من الذين طبعهم حامي.
قد لا تستطيع أن تقول لشخص: أنا أكلمك من جهة أحكامك، ولماذا تفعل كذا وكذا؟... ولكن مع الله تأخذ حقك لأنه طيب ولطيف ولا يغضب.
يظهر لطف الله عندما كان يقبل العتاب من أولاده، هناك من الناس الكبار من لا تستطيع أن تكلمه كلمة شديدة واحدة، ولكن الله رغم عظمته وقدرته فإنه يقبل الكلام الشديد والمجادلة من أولاده.
لطف الله مع بطرس الرسول
بنفس الطريقة وبخ الرب يسوع بطرس الذي أنكره ثلاث مرات. لم يقل له: "تعال يا بطرس، يا متكبر... لقد قلت سابقًا لا أنكرك، أنا مستعد أن أضع حياتي عنك، أين حياتك التي وضعتها عني؟ لقد خُفت من جارية مسكينة".
لم يوبخه يسوع أي توبيخ من هذا النوع، ولم يشر أية إشارة مهما كانت بسيطة إلى نكرانه، ولكنه برقة وبلطف قال له: "يَاسِمْعَانُ بْنَ يُونَا، أَتُحِبُّنِي أَكْثَرَ مِنْ هؤُلاَءِ؟" (يو 21: 15). قال له: "نَعَمْ يا رب أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّكَ". قَالَ لَهُ: "ارْعَ خِرَافِي". ... قَالَ لَهُ ثَالِثَةً: "يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، أَتُحِبُّنِي؟" فَقَالَ لَهُ: "يَا رَبُّ، أَنْتَ تَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ. أَنْتَ تَعْرِفُ أَنِّي أُحِبُّكَ". قَالَ لَهُ يَسُوعُ: "ارْعَ غَنَمِي" (يو 21: 15-17).
لقد شعر بطرس أن الرب يسوع يوبخه ولكن بلطف ورقة دون أن يجرح شعوره أو يهينه. ولأجل ذلك كان السيد المسيح محبوبًا لأنه كان رقيقًا لطيفًا في معاملته للناس إذ كان يحبهم ولا يجرح شعورهم.
قبول السيد المسيح لنيقوديموس
من أحسن الأمثلة في هذا الموضوع قصة هذا القديس الذي سمح له المسيح أن يكون أحد اثنين قاما بتكفينه ودفنه. كيف بدأ نيقوديموس؟ كان عضوًا في المجمع اليهودي (مجلس السنهدريم؛ أي المجلس الكهنوتي). وأراد أن يتبع يسوع على أن يبقى عضوًا في المجمع، ولأجل ذلك أتى إلى يسوع ليلًا (يو3: 2)، أتى في الظلام... في الخفاء لكي يحتفظ بمركزه في المجمع.
قبله يسوع كما قَبل فلسي الأرملة، والثلاثين من الأرض، ونمى الضعف الذي فيه إلى أن قام بتكفين السيد المسيح. وفيما هو يكفن الجسد يقول التقليد الكنسي- في الميامر التي تُقرأ في أسبوع الآلام - أنه مسك يد المسيح وقال: "يا رب هذه اليد التي خلقت السماء والأرض، وكيف يمكن لي أنا الخاطئ المسكين أن أكفنها".
ونظر إليه السيد المسيح وبش وجهه، فأول ما نظر إليه المسيح قال نيقوديموس: "قدوس الله. قدوس القوي. قدوس الحي الذي لا يموت ...". وصارت هذه تسبحة في الكنيسة المقدسة، وضعها نيقوديموس الذي أتى إلى يسوع ليلًا ...
لطف الله مع المولود أعمى
الرجل المولود أعمى طردوه خارج المجمع. ويذكر الكتاب المقدس "فيما هو خارج المجمع... قابله يسوع"... النفس المطرودة التي لم تجد أحدًا يعتني بها...
قابله يسوع وتكلم معه بلطف كلامًا تخلص به نفسه، وهذه هي طريقة الله اللطيف الهادئ في معاملاته للناس، إنه لا يجرح أحدًا ولا يسيء إلى أحد.
لطف الله مع زكا العشار
بنفس الطريقة عامل يسوع زكا الذي كان رئيسًا للعشارين (لو 19: 2). لقد كان زكا خاطئًا، ظالمًا، سارقًا، ناهبًا لأموال الناس، وكان يريد أن يرى يسوع ولو من بعيد، ولو من فوق شجرة وهو سائر في الطريق.
ماذا كان تصرف المسيح اللطيف معه؟ ترك الناس جميعًا، ووقف تحت الشجرة التي كان عليها زكا، وليس ذلك فقط ولكنه ناداه بالاسم كأنه يعرفه شخصيًا. قال له: "يَا زَكَّا، أَسْرِعْ وَانْزِلْ، لأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَمْكُثَ الْيَوْمَ فِي بَيْتِكَ" (لو 19: 5).
أسرع، وانزل... كان الرب يسوع يهمه الأمر، أمر مستعجل... فأسرع زكا ونزل.
تأملوا في لطف السيد المسيح ورقة معاملته للناس، لقد وقف تحت الشجرة، وناداه باسمه وكلمه، ولم يهمه كلام الناس عنه "أنت تحب العشارين والخطاة". هذه المعاملة الرقيقة اللطيفة، أثرت في نفس زكا. فقال ليسوع: "هَا أَنَا يا رب أُعْطِي نِصْفَ أَمْوَالِي لِلْمَسَاكِينِ، وَإِنْ كُنْتُ قَدْ وَشَيْتُ بِأَحَدٍ أَرُدُّ أَرْبَعَةَ أَضْعَافٍ" فقال له يسوع: "الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهذَا الْبَيْتِ، إِذْ هُوَ أَيْضًا ابْنُ إِبْرَاهِيمَ" (لو19 : 9).
إننا لم نسمع توبيخًا واحدًا وجهه السيد المسيح لزكا العشار، لقد كان يسوع يترك الخطاة حتى يشعروا بخطاياهم، لم يكن كثير التوبيخ أو التعنيف بل كان يبحث عن كل إنسان خاطئ مهما كان مظلمًا في حياته ويبحث فيه عن نقطة بيضاء صالحة لكي يمتدح هذه النقاط الموجودة فيه. إنه ينسى جميع الخطايا التي فعلها الإنسان ويبحث عن نقطة مضيئة في حياته لكي يمتدحها، ولذلك مهما كان الناس أشرارًا كان المسيح يجد فيهم شيئًا صالحًا.
لطف الله مع المرأة الخاطئة
المرأة الخاطئة ضُبطت في ذات الفعل، وقعت في أيدي الناس فماذا فعلوا بها؟ جروها في الشوارع وبهدلوها وأهانوها... والناس ينظرون إليها من كل جانب. لو ضُربت بالرصاص كان أسهل من الفضيحة الكبيرة التي لحقت بها. وبعد كل ذلك لم يسكتوا، بل أحضروها للمسيح وقالوا له: ما رأيك؟ وما حكمك عليها؟ إن شريعة موسى تحكم عليها بالرجم...
هذا ما فعله الناس مع هذه المرأة الخاطئة، ويا ليت هؤلاء الناس كانوا أبرارًا، ولكنهم كانوا خطاة أشرارًا والمسيح يعلم ذلك، ولهذا قال لهم: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ!". ونظرًا لأنهم كانوا خطاة، ابتدأوا ينسحبون واحدًا تلو الآخر ونظر يسوع إلى المرأة وقال لها: "يَا امْرَأَةُ، أَيْنَ هُمْ أُولئِكَ الْمُشْتَكُونَ عَلَيْكِ؟ أَمَا دَانَكِ أَحَدٌ؟ وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضًا".
هذا هو اللطف في المعاملة... لطف الله في معاملاته مع الناس، والوقوع في يد الله خير من الوقوع في يد الإنسان لأن مراحم الله واسعة.
وقعت هذه المرأة الزانية في يد المسيح فتحنن عليها وقال لها: "ولا أنا أدينك أيضًا اذهبي بسلام". لم يقل لها كلمة توبيخ أو عتاب أو نصح... ديان الأرض كلها، الذي يدين الأحياء والأموات قال: "أنا لا أدينك"! والناس الخطاة الأشرار - الذين خجلوا عندما بدأ المسيح يكتب على الأرض خطاياهم - تظاهروا بالقداسة، كل واحد منهم أمسك بحجر وأراد أن يميتها. كان الله لطيفًا في معاملته للناس، ومن أجل هذا ربح الناس الأشرار.
لطف الله مع المرأة السامرية
إن السيد المسيح كان لطيفًا ولذلك أحبه الناس... أتى إلى السامرة وتقابل مع المرأة السامرية؛ وهي امرأة زانية، عاشرت خمسة رجال معاشرة رديئة خاطئة، وما تزال تقيم مع إنسان في خطيئة... فماذا كان حديث السيد المسيح معها؟
لو أي شخص تكلم مع هذه المرأة الخاطئة، فماذا يحدثها؟ أيتكلم معها عن الخطيئة، عن التوبة، التعفف، البحيرة المتقدة بالنار والكبريت... عن الدينونة أم عن الزناة الذين لا يدخلون ملكوت السموات؟
أما السيد المسيح اللطيف فعندما قابل هذه المرأة قال لها: "أَعْطِينِي لأَشْرَبَ" (يو 4: 7). أشعرها أنها تستطيع أن تعمل خيرًا، فَقَالَتْ لَهُ: "كَيْفَ تَطْلُبُ مِنِّي لِتَشْرَبَ، وَأَنْتَ يَهُودِيٌّ وَأَنَا امْرَأَةٌ سَامِرِيَّةٌ؟ لأَنَّ الْيَهُودَ لاَ يُعَامِلُونَ السَّامِرِيِّينَ" (يو 4: 9).
بدأ يكلمها عن الماء الحي... ثم عن السجود بالروح والحق... ثم عن درجات عالية ترفع من روح المرأة المعنوية، وبعد ذلك بدأ يتكلم معها عن الخطيئة فقال لها: "اذهبي وادعي زوجك"، وهو يعلم أن الذي معها ليس زوجها. ولكنه تعبير مؤدب من السيد المسيح. فقالت له: "ليس لي زوج". فقال لها: "حسنًا قلت" بدأ يمدحها إذ وجد فيها نقطة مضيئة، يمدحها إذ وجدها صادقة. قال لها: "لأَنَّهُ كَانَ لَكِ خَمْسَةُ أَزْوَاجٍ، وَالَّذِي لَكِ الآنَ لَيْسَ هُوَ زَوْجَكِ. هذَا قُلْتِ بِالصِّدْقِ" (يو 4: 18).
إن السيد المسيح اللطيف يبدأ بالمديح (حسنًا قلت)، كما ينتهي بالمديح (هذا قلت بالصدق). حتى هذه المرأة الزانية التي عاشرت خمسة رجال وما تزال تعاشر رجل سادس... وجد فيها شيئًا جميلًا، إنها تتكلم بالصدق وتعترف اعترافًا حسنًا.
كان لطيفًا في تعبيره وحديثه معها إذ يقول لها: "كان لك خمسة أزواج". رغم أنهم لم يكونوا أزواجًا لها. ولكن السيد المسيح استخدم لفظًا هادئًا رقيقًا لا يجرح الناس ولا يؤذيهم، فبدلًا من أن يقول: خمسة زناة - لفظ صعب – قال: خمسة أزواج. هل يستطيع أحدكم أن يجد تعبيرًا لطيفًا أكثر من ذلك؟
لم يجرح المرأة ولم يكن فيه أي إهانة. ولذلك شعرت المرأة أنه شخص لطيف فقالت له: "يا سيد أرى أنك نبي" (يو 4: 19). لو قال لها المسيح: "يا امرأة يا فاسدة، يا زانية، يا خاطئة... يا.." كانت تشاجرت معه ونفرت منه وذهبت بعيدًا دون أن تنال شيئًا. لكن المسيح اللطيف لم يوجه لها أي كلمة نابية أو جارحة. "الذي معك الآن، ليس هو لك"، هل يوجد تعبير أرق من ذلك وبهذا الأسلوب؟ وبهذه الطريقة كسب يسوع المرأة السامرية.
لطف الله مع سمعان الفريسي
لقد زاره السيد المسيح في بيته واستجاب لدعوته له، وكما قال القديس أغسطينوس "إن هذا الفريسي فتح للمسيح بيته ولم يفتح له قلبه". وجلس سمعان الفريسي يسمع كلام المسيح منتظرًا أن يخطئ في الحديث معه. "وإذا بامرأة خاطئة جاءت من ورائه باكية وأخذت تبل قدميه بدموعها وتمسحهما بشعر رأسها، كما سكبت الطيب على قدميه". "ولما رأى الفريسي ذلك قال في قلبه لو كان هذا نبيًا لعلم من هذه المرأة وما حالها إنها خاطئة" (لو 7: 39).
أي أنه أدان المرأة الخاطئة كما أدان السيد المسيح. إذ ظن أنه لو كان يسوع نبيًا، ما سمح لهذه المرأة النجسة أن تمسه". ولكن يسوع اللطيف يسمح لأنجس الناس أن يمسوه لكي يكسبهم. ولما رأى يسوع كبرياء سمعان الفريسي أراد أن يعالجه بلطف أيضًا. فقال له: "يَاسِمْعَانُ، عِنْدِي شَيْءٌ أَقُولُهُ لَكَ"... توجد قضية أريد أن أحكمك فيها... وأنت خير الحاكمين وتفهم الناموس جيدًا.
"كَانَ لِمُدَايِنٍ مَدْيُونَانِ. عَلَى الْوَاحِدِ خَمْسُمِئَةِ دِينَارٍ وَعَلَى الآخَرِ خَمْسُونَ، وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَا يُوفِيَانِ سَامَحَهُمَا جَمِيعًا. فَقُلْ: أَيُّهُمَا يَكُونُ أَكْثَرَ حُبًّا لَهُ؟ فَأَجَابَ سِمْعَانُ وَقَالَ: أَظُنُّ الَّذِي سَامَحَهُ بِالأَكْثَرِ. فَقَالَ لَهُ: بِالصَّوَابِ حَكَمْتَ" (لو 7: 40، 41). وما دمت كذلك فإني أريد أن أحكمك في موقف هذه المرأة.
ثم أخذ يشرح له الموقف في لطف وهدوء...
"دَخَلْتُ بَيْتَكَ، وَمَاءً لأَجْلِ رِجْلَيَّ لَمْ تُعْطِ. وَأَمَّا هِيَ فَقَدْ غَسَلَتْ رِجْلَيَّ بِالدُّمُوعِ وَمَسَحَتْهُمَا بِشَعْرِ رَأْسِهَا. قُبْلَةً لَمْ تُقَبِّلْنِي، وَأَمَّا هِيَ فَمُنْذُ دَخَلْتُ لَمْ تَكُفَّ عَنْ تَقْبِيلِ رِجْلَيَّ.." (لو 7: 44، 45).
هذا كله بعد أن مدحه السيد المسيح إذ قال له: "بالصواب حكمت". لاحظوا أيضًا عبارة المسيح التي قال فيها: "إذ لم يكن لهما ما يوفيان سامحهما جميعًا" هذه العبارة تدل أيضًا على اللطف. وهذه هي معاملة الله معنا إن لم يكن لنا ما نوفيه فهو يسامحنا دون أن يطالبنا بشيء. ولذلك يقول بولس الرسول: "إن طول أناة الله ولطفه إنما تقتادنا إلى التوبة".
إن الله يقتادنا إلى التوبة باللطف والهدوء وليس بالقسوة والتوبيخ وسوء المعاملة.
لطف الله الذى يبينه مثل الابن الضال
من القصص الهامة التي ذكرها يسوع وتدل على اللطف في معاملة الناس هي قصة الابن الضال. فلقد أتى الابن الصغير إلى أبيه وقال له: "أَعْطِنِي الْقِسْمَ الَّذِي يُصِيبُنِي مِنَ الْمَالِ" (لو 15: 12). فقسم الأب لولديه معيشته وأعطاه ما يخصه من المال.
وهنا الإنسان يقف متعجبًا أمام لطف هذا الأب، من منكم يسمح لابن من أولاده في حياته أن يقول له: أعطيني نصيبي من الميراث. ولو أتى إليه وقال له هذا الكلام، ألا يغضب منه ويطرده من أمامه؟! ولكن هذا الأب اللطيف أجاب الابن إلى طلبه. أخذ الابن ماله وأنفقه في عيش مسرف بعد أن سافر إلى كورة بعيدة، ثم شعر الابن بخطئه وندم ورجع إلى أبيه.
فكيف استقبله أبوه؟. هل ظل جالسًا في المنزل منتظرًا عودة ابنه؟ لكي يقول له: أين كنت؟ وهل شعرت بالطريق الرديء التي كنت سائرًا فيها؟ أين نظافتك؟... أين وداعتك؟... كلا. إن الأب اللطيف لم يقل لابنه أية كلمة توبيخ أو حتى كلمة عتاب ولا بحث معه أخطاؤه. بل على العكس عندما رآه من بعيد تحنن قلبه وركض نحوه "وَإِذْ كَانَ لَمْ يَزَلْ بَعِيدًا رَآهُ أَبُوهُ، فَتَحَنَّنَ وَرَكَضَ وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ" (لو 15: 20)، كل هذا قبل أن يتفوه الابن بأية عبارة من عبارات التوبة. صحيح أنه قال في قلبه: "أَقُومُ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي وَأَقُولُ لَهُ: يَا أَبِي، أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ" (لو 15: 18، 19) لكنه عندما وقع أبوه على عنقه وقبله لم يكن قد تلفظ بأية عبارة تدل على التوبة.
ومن حنان أبيه العجيب ولطفه خجل أن يقول الكلام الذي عزم في قلبه أن يقوله: "أخطأت إلى السماء وقدامك ولست مستحقًا بعد أن أدعى لك ابنًا، اجعلني كأحد أجرائك".
هذه العبارة الأخيرة لم يقلها لأبيه، لقد خجل لأنه في حضن أبيه. فلطف أبيه جعله لا يقول هذه العبارة، إنه أب لطيف هادئ، وليس هذا فقط، ولكنه أكرمه إكرامًا عظيمًا ورفع رأسه في البيت وأعاد إليه كرامته التي كان قد فقدها، وأمر عبيده بأن يلبسوه الحُلة الأولى ويجعلوا خاتمًا في يده وحذاء في رجليه، ويذبحوا له العجل المسمن ويعملوا وليمة كبيرة خصيصًا لحضوره.
عندما عاد الولد إلى أبيه كان عقله مشغولًا بأفكار كثيرة. كيف سيقابلني أبي؟ وماذا يقول لي؟ وكيف أرد عليه؟ وعندما يعاتبني ماذا أقول؟ كان خائفًا ومرتبكًا، لكن مع هذا الأب اللطيف لم يحدث شيء... لا عتاب ولا عقاب ولا محاكمة ولا مجادلة ولا تذكير بالماضي ولا شيء بالمرة.
قارنوا هذا الأب اللطيف بالابن الكبير. فعندما رأى الابن الأكبر الوليمة رفض أن يدخل وغضب؛ لأن أباه اللطيف قَبل الابن الأصغر واحتفل برجوعه. إن الأب سلك بلطف أيضًا مع الابن الكبير كما سلك مع الابن الصغير. ماذا فعل الأب اللطيف؟
يقول الكتاب المقدس: "فَخَرَجَ أَبُوهُ يَطْلُبُ إِلَيْهِ ..." (لو 15: 28) إنه أب مسكين مع أولاده، لا الكبير نافع ولا الصغير نافع. وهو لطيف مع الصغير في خطئه ولطيف مع الكبير في خطئه.
لقد خرج الأب يطلب إليه... يتوسل إليه: "يا ابني غضبان ليه تعال وأدخل معي لكي نفرح بعودة أخيك". ورغم توسلات الأب لم يرضخ الابن ويدخل معه ولكنه بكل كبرياء تكلم مع أبيه وقال: "هَا أَنَا أَخْدِمُكَ سِنِينَ هذَا عَدَدُهَا"... إنه كبرياء مثل كبرياء الفريسي الذي قال: "أَصُومُ مَرَّتَيْنِ فِي الأُسْبُوعِ، وَأُعَشِّرُ كُلَّ مَا أَقْتَنِيهِ" (لو 18: 12). كما قال الابن: وقط لم أتجاوز وصيتك...
يا أخي كيف لم تتجاوز وصيته؟ إن هذه العبارة لم يقلها الرسل ولا الأنبياء!! "الجميع زاغوا وفسدوا وأعوزهم مجد الله". هل أنت البار الوحيد الذي لم تفعل أية خطيئة؟ ... وأردف قائلًا: "وَجَدْيًا لَمْ تُعْطِنِي قَطُّ لأَفْرَحَ مَعَ أَصْدِقَائِي". لقد وصف أباه بالبخل وعدم التقدير. "لقد تعبت معك سنين عدة ولم تعطني جديًا لأفرح مع أصدقائي". ابن يخدم وأب لا يعطي، أي أب هذا؟ لقد وصفه بالقسوة والبخل والتقتير وعدم التقدير.
كما قال له: "وَلكِنْ لَمَّا جَاءَ ابْنُكَ هذَا الَّذِي أَكَلَ مَعِيشَتَكَ مَعَ الزَّوَانِي، ذَبَحْتَ لَهُ الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ!" لم يقل لما جاء أخي، وكأنه تبرأ من أخيه بقوله (ابنك) كما أن الكتاب لم يذكر كلمة (الزواني)، ولكن قال: "أضاع ماله بعيش مسرف" إن كلمة الزواني تهمة جديدة يلصقها بأخيه. كان يكلم أباه بكلام شديد ليس فيه احترام ولا خضوع ولا تقدير للموقف. ولا محبة للأخ العائد ولا شعور طيب نحو هذا المسكين الذي عاد مكسوفًا إلى بيت أبيه. ولو كان أحدنا وجه إليه ابنه هذا الكلام، فكيف يتصرف معه؟ كان يقول له: "يا ابني حسن ألفاظك وحديثك مع أبيك". ولكن الأب قال له: "يَا بُنَيَّ أَنْتَ مَعِي فِي كُلِّ حِينٍ، وَكُلُّ مَا لِي فَهُوَ لَكَ".
يا سلام يا رب ما أعجبك! أنت لطيف في معاملتك! فعندما يتحدث معك أحد بهذا الأسلوب تقول له: "وَكُلُّ مَا لِي فَهُوَ لَكَ" إنها معاملة لطيفة. الله لطيف جدًا في معاملته للناس ولا يجرح شعور أحد ولا يهين أحدًا. قليل في توبيخه، قليل في تأنيبه. يريد أن يصل الناس إلى معرفة أخطائهم من تلقاء أنفسهم دون أن يوبخهم ودون أن يرشدهم إلى هذه الأخطاء.
هذه هي طريقة الله...
إنه لطيف وهادئ في معاملته للناس. عرف فيه داود النبي هذه الصفة فقال: "لَمْ يَصْنَعْ مَعَنَا حَسَبَ خَطَايَانَا، وَلَمْ يُجَازِنَا حَسَبَ آثامِنَا لأَنَّهُ مِثْلُ ارْتِفَاعِ السَّمَاوَاتِ فَوْقَ الأَرْضِ قَوِيَتْ رَحْمَتُهُ عَلَى خَائِفِيهِ. كَبُعْدِ الْمَشْرِقِ مِنَ الْمَغْرِبِ أَبْعَدَ عَنَّا مَعَاصِيَنَا، كَمَا يَتَرَأَفُ الأَبُ عَلَى الْبَنِينَ يَتَرَأَفُ الرَّبُّ عَلَى خَائِفِيهِ لأَنَّهُ يَعْرِفُ جِبْلَتَنَا. يَذْكُرُ أَنَّنَا تُرَابٌ نَحْنُ"(مز 103).
ويعلم طبيعتنا الفاسدة، وأننا ضعاف ولذلك فإنه لا يشتد في التوبيخ ولا يتصرف بعنف مع الناس المخطئين. وكما قال أحدهم "وسط كل ألف غلطة ربنا ينبه لغلطة واحدة، لكي يعرف الناس أنه يوجد خير وشر كما توجد مؤاخذة على أعمالهم" ولذلك قال داود النبي: "ولا تدخل في المحاكمة مع عبدك، فإنه لا يتزكي قدامك أي حي" (مز 143: 2).
نحن نصلي ونطلب ذلك من الله، ونعلم أن الوقوع في يد الله خير من الوقوع في يد الإنسان، لأن مراحم الله واسعة. ربنا لا يحاكم إلى الأبد، ولا يحقد إلى الدهر ولم يصنع معنا حسب خطايانا، ولم يجازنا حسب آثامنا. كما يقول له في المزمور: "إن كنت للآثام راصدًا يا رب، يا رب من يثبت لأن من عندك المغفرة" (مز 130: 3، 4).
أنت يا رب لا ترصد خطايانا صحيح، لأنك ضابط الكل، لكن إن كنت للآثام راصدًا من الذي يثبت أمامك. ومعنى ذلك؛ يا رب غمض عينيك عن خطايانا، ولا تُدقق معنا كثيرًا ولا تحاسب على الصغيرة والكبيرة.
قصة التلميذ
أتذكر قصة حدثت معي قبل الرهبنة، كنت مدرسًا بمدرسة أجنبية، وحضر لي أحد التلاميذ في مستوى الثقافة العامة ليأخذ درسًا خصوصيًا، وكنت أشرح له الدرس وأعطيه اختبار على هذا الدرس، وقبل الدرس الجديد كنت أصحح له الاختبار. فعندما قمت بتصحيح الاختبار أخذ صفرًا. وفي المرة الثانية - أي بعد الدرس الثاني - أخذ صفرًا أيضًا. فقلت له –في طبيعتي الخاطئة- "أنت غير نافع"، فقال لي: كيف أكون غير نافع؟ وكيف تكلمني بهذه اللهجة؟!
قلت له: "يا ابني أخذت صفرًا المرة الماضية، وصفرًا أيضًا في هذه المرة". فقال لي: لكن هذه اللهجة غير مقبولة؟ صحيح أنا أخذت صفرًا في المرة الماضية، وصفرًا في هذه المرة أيضًا، لكن في تقدم، المرة الماضية أخذت صفرًا وعندي ثلاثين غلطة، لكن في هذه المرة أخذت صفرًا وعندي خمسة عشر، فكان يجب عليك أن تشجعني، لأن الأخطاء نقصت عن المرة الماضية.
هذه الحادثة مر عليها حوالي من مدة طويلة، ولكني أذكرها جيدًا ولا أنساها، وأتذكر هذا الولد الصغير ذو الستة عشر عامًا وهو يقول لي: "أنا تقدمت وغلطاتي قلت، وكان يجب أن تشجعني... وتعلمت درسًا نافعًا من هذا، الولد... تعلمت كيف أعامل الناس باللطف.
قصة أخرى
أتذكر أني كنت جالسًا بجوار أحد المدرسين وكان يصحح لتلاميذه كراساتهم. وبدافع حب الاستطلاع نظرت إلى إحدى الكراسات فوجدت أخطاء كثيرة تركها المدرس ولم يضع تحتها خطًا بالمداد (بالحبر) الأحمر.
وظننت أنه لم يلتفت إليها فنبهته لهذه الأخطاء. فقال لي ذلك الرجل الحكيم نصيحة نافعة استفدت منها أيضًا وعرفت أنه أبر مني، قال لي: "إن التلميذ ضعيف جدًا، ولو وضعت خطًا أحمرًا تحت كل خطأ لأصبحت الكراسة كلها خطوطًا حمراء، ويحدث أن التلميذ ييأس ويشعر أنه لا فائدة منه كما أنه لا يستطيع أن يصحح هذه الأخطاء مرة واحدة. ولكني في كل تمرين أنبهه إلى خمسة أخطاء أو ستة على الأكثر، وبهذا لا يشعر بيأس أو ملل، كما أنه يستطيع أن يصحح هذه الأخطاء القليلة ويحفظ الصواب وبذلك يصل إلى نتيجة أحسن. فعرفت أنني أمام نفس مملوءة بالحنان والمحبة، وأمام إنسان لطيف يعامل الناس بهدوء وبتحنن.
أحيانًا كثيرة نظن أن اليد الشديدة هي التي تؤدي إلى النتيجة... كلا. الله نفسه لطيف، الله الذي أحبته العذارى كما يقول النشيد. وسارت وراءه النفوس... يسوع اللطيف الذي سار الناس وراءه لأنه هادئ لطيف طيب، لا يصيح ولا يسمع أحد في الشوارع صوته، يعامل كل إنسان بلطف ورفق.
قصة الطيار
قرأت في كتاب قديم أنه كان يوجد مدير لمدرسة طيران، وكان يعطي لتلاميذ السنة الأولى سنة اختبارية فإذا نجح في امتحان آخر العام يواصل دراسته بالمدرسة أما من يرسب فكان يُفصل من المدرسة. وحدث أن تقدم للمدرسة أحد التلاميذ، وبعد فترة تدريب في السنة الاختبارية، أخذ الطائرة وصعد بها في الجو وصار يعلو ويهبط بها في الطبقات العليا حتى يخيل لمن ينظر إليه أنه لا يصلح لهذا العمل. شعر التلميذ أنه سيرسب في الاختبار وسيفصل من المعهد، ولكنه حاول جاهدًا أن ينقذ نفسه من الموت ويهبط بالطائرة إلى أسفل.
وبعد محاولة جريئة، هبط التلميذ بالطائرة سليمة إلى الأرض، ولشدة ما كانت دهشته إذ جرى نحوه مدير المدرسة، وفتح باب الطائرة وشّد على يده مهنئًا له بسلامة الوصول وقال له: "أهنئك، لأنك استطعت أن تهبط بالطائرة على الرغم من الموقف الحرج كأمهر طيار رأته عيناي".
وبعد أن استراح التلميذ قليلًا قال له المدير: "لقد اخطأت في بعض الأخطاء الفنية مثل (كذا وكذا). وكان يجب أن تتصرف بالطريقة الصحيحة وتقوم بعمل (كذا وكذا).
نعم، أخطأ التلميذ في قيادة الطائرة في عدة أخطاء، ولكن المدير وجد فيه نقطة بيضاء مضيئة، إذ استطاع أن يهبط بالطائرة بطريقة سليمة... وهي نقطة بيضاء تستحق المدح والثناء.
إن الشخص اللطيف؛ هو الذي يكتشف النقاط البيضاء في الناس ويستطيع أن يكشف محاسن الناس، ويغمض عينيه عن مساوئهم بقدر الإمكان.
أما الشخص المُتعِب، الفظ الخشن الطباع فهو الذي لا يرى في الناس إلا النقاط السوداء في حياتهم، ولا يري شيئًا صالحًا حسنًا.
كم من الناس الذين يفتشوا عن عيوب الآخرين دون أن يبحثوا عن محاسنهم. وإذا وجدوا عيبًا يملأون الدنيا ضجيجًا حول هذا العيب، لكن الأشياء الحسنة التي في الناس لا يرونها ولا يحبون أن يرونها. إن يسوع المسيح لم يكن مثل هؤلاء الناس، ولكنه كان لطيفًا رقيقًا في معاملته للناس.
لطف الله وغضبه
الغضب نقص، بل هو خطية مركبة، وبديهي أن العزة الإلهية منزهة عن النقائص، ولكننا نرى أن الله غضب على بني إسرائيل أكثر من مرة.
ينشأ الغضب في الإنسان عن انفعال أعصاب الجسد، ولكن الله روح ليس له أعصاب. وكلمة "غضب الله" التي جاءت في العهد القديم معناها؛ أن الكتاب المقدس يحدثنا حسب لغتنا الخاصة، لأنه لو حدثنا حسب شرح الله نفسه فلا ندرك أو نفهم معنى الكلام. فالكتاب يتنازل إلى أسلوبنا ويستخدم الألفاظ التي نفهمها ويقول: "غضب الله" ويعني ذلك أن الله قداسته لا تتفق مع هذا الأمر، وعدله يستوجب معاقبة هؤلاء الناس.
وسأوضح لكم أن الله لا يغضب بالمثل البسيط الآتي: إن عدد الملحدين في العالم يربو على الآلاف بل يصل إلى الملايين، ولكن ماذا عمل الله مع هؤلاء الملحدين؟
أحد رواد الفضاء صعد في سفينة فضاء ولف بها عدة دورات، وبعد ما عاد أخذ يتهكم على الله ويقول: "أنا لفيت في السماء ولم أجد الله". ألم يكن هذا الشخص وهو في داخل سفينته في الفضاء تحت سلطان الله؟! ألم يكن في استطاعة الله أن يهلكه مع سفينته؟! ولكن الله أنزله سالمًا إلى مكانه دون أن يؤذيه ولم يعمل له أي شيء.
كم عدد الأشخاص الذين يجدفون على الله؟ كم عدد الأشخاص الذين يهينون الله ويشتمونه؟ كم عدد الأشخاص الملحدين في العالم؟ الله يسمع الشتيمة والإهانة والتجديف ولا يعمل شيء، لأنه هادئ ولطيف.
الله لا يغضب من أولاده، ولد صغير يقول: "مفيش ربنا"، ماذا حدث؟ لا شيء، حفنة تراب والريح نقلها من مكانها فأحدثت غبارًا، الله لا يغضب من التراب. الله في هذه الأيام ساكت على الملحدين ولا يؤذيهم، ساكت على رجال العلم الذين يحاربون الدين، وساكت على الفلاسفة والأشرار الذين يحاربون الدين. بعد هذا نقول: "ربنا يغضب"! لو كان الله يغضب لكان سمح بطوفان أو أنزل نارًا كما حدث قديمًا.
ألا يوجد الآن أشرارًا وخطاة كما كان في أرض سدوم. نعم أكثر، ولكن الله الهادئ اللطيف ساكت ولا يغضب بسرعة.
النقاط المضيئة
السيد المسيح الذي قَبل الفلسين من الأرملة مستعد أن يقبل منك أقل مجهود تبذله من أجل اسمه، إنه لا ينظر إلى مقدار جهدك ولكنه ينظر إلى حبك والدافع الموجود في قلبك، لقد ذكر معلمنا يوحنا: "الغصن الذي يَأْتِي بِثَمَرٍ يُنَقِّيهِ لِيَأْتِيَ بِثَمَرٍ أَكْثَرَ" (يو 15: 2).
كم كان السيد المسيح لطيفًا رقيقًا، لقد ذكر في مثل الزارع "وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الأَرْضِ الْجَيِّدَةِ فَأَعْطَى ثَمَرًا، بَعْضٌ مِئَةً وَآخَرُ سِتِّينَ وَآخَرُ ثَلاَثِينَ ..." (مت13: 8).
مبارك أنت يا رب في لطفك ومحبتك، لقد اعتبرت أن الأرض التي أعطت ثلاثين جيدة أيضًا، ومعنى ذلك أن المسيح مستعد أن يقبل منك الـ30%. إن أهل العالم يعتبرون نسبة الـ30% ضعيفة جدًا ولكن المسيح يقول: "إنها أرض جيدة لأنها أعطت ثمرًا. فقط يجب عليك أن تعمل ولو القليل، ولقد ذكر القديس يوحنا ذهبي الفم عبارة جميلة وهي "أن الله يجول يطلب سببًا يجعله وسيلة لخلاصك"، حتى إن سقطت دمعة واحدة من عينيك، يسرع الله ويخطف هذه الدمعة ويجعلها سببًا لخلاصك، قبل أن يخطفها شيطان المجد الباطل.
المسيح يرضى ولو بالقليل أكثر من أي شخص آخر...
ولو تكلمنا عن الصلاة نقول: ينبغي أن تكون الصلاة عن حب وليس خوفًا من ضرر أو حبًا في مكافأة، وإذا كنت تطلب الله وتصلي في وقت الضيق فقط... معنى ذلك أنك لا تحبه.
ولكنه يقول: "وَادْعُنِي فِي يَوْمِ الضِّيقِ" (مز 5: 15) أنا أريد أن تكلمني في وقت الضيق... أنا أقبل ذلك.
وعندما يجد الله شخصًا لا يذكره ولا يصلي إليه، فإنه يسمح له بتجربة أو ضيقة لكي يكلمه، فعندما تأتي الضيقة يصلي قائلًا: "يا رب ..." فيرد قائلًا: "سمعت صوتك، أنا أريد أن أسمع هذا الاسم".
إن المسيح يريد أقل شيء، فلو كان إنسان مظلم جدًا ويوجد فيه نقطة مضيئة واحدة، فإنه يجري وراء هذه النقطة المضيئة وينميها.
ما هذا يا يسوع؟! إني أقبل القليل... وأرضى بالقليل وأباركه إلى أن يصبح كثيرًا. يسوع مستعد أن يقبل منك أي عمل قليل ويباركه ويجعله كثيرًا، كما بارك الخمس خبزات والسمكتين.
معونة الله لقديسيه
إن الطريق إلى الملكوت طويل، ولكن يجب عليك أن تسير فيه ولو خطوة واحدة. وعندما تسير خطوة واحدة تجد أن الروح القدس قد حملك على جناحيه وطار بك إلى آخر الطريق، وبعد هذا تشعر أنك لم تعمل شيئًا.
ولكن كيف تصل إلى آخر الطريق؟
يقول بولس الرسول: "وَنِعْمَتُهُ الْمُعْطَاةُ لِي لَمْ تَكُنْ بَاطِلَةً" (1كو 15: 10). إنها نعمة معطاة لك. لذلك تعمل بقوة، كما عمل الروح القدس بقوته في التلاميذ.
لقد أوصى السيد المسيح تلاميذه قائلًا: "وَقَبْلَ هذَا كُلِّهِ يُلْقُونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ، وَيُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى مَجَامِعٍ وَسُجُونٍ، وَتُسَاقُونَ أَمَامَ مُلُوكٍ وَوُلاَةٍ لأَجْلِ اسْمِي... وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنَ الْجَمِيعِ مِنْ أَجْلِ اسْمِي" (لو21: 12، 17).
وسار التلاميذ بقوة الله وحكمته وحفظهم حتى النفس الأخير وعليك أن تظهر استعدادك وتبدأ من أول الطريق وروحه القدوس يكون معك.
ذكر أحد المؤرخين عن "تادرس المعترف" فقال: "أنهم عذبوه عذابًا لا يطاق حتى تمزق جسده من كثرة الضرب والتعذيب وبعد أن تهرأ جسده من كثرة الضرب والتعذيب مشطوه بالحديد، وشعروا أنه سيموت بعد قليل، فتركوه على اعتبار أنه سيموت، فأخذه المؤمنون واعتنوا به ونفخ الله فيه من روحه فعاش.
ويذكر المؤرخ أنه قابل هذا القديس فسأله قائلًا: "يا أخي القديس تادرس، كيف استطعت أن تحتمل هذا التعذيب العظيم الذي تهرأ به جسدك". فأجاب القديس: "اعلم يا أخي أنني شعرت بالآلام في أول التعذيب واحتملت، ثم أبصرت أمامي إنسانًا منيرًا جدًا وضع يده على كتفي وقواني ولم أشعر بشيء بعد ذلك".
توجد معونة ضخمة من السماء تُعطى للقديسين والشهداء. شخص يضربوه بالسياط المصنوعة من أعصاب الثيران إلى أن يتفتح جسده ويتشقق وبعد ذلك يمشطوه بحديد... من يحتمل كل هذا؟
الاعتماد على الله
يا أخي اعتمد على الله وابدأ في السير معه وستجد أن الطريق سهل لأنه يكون معك. السيد المسيح وجد نقطة مضيئة عند المرأة السامرية أثناء حديثه معها قالت: "لَيْسَ لِي زَوْجٌ"، عندما سألها عن زوجها. فتحدث معها عن الماء الحي وعن السجود بالروح والحق. أمر عجيب حقًا!!
يسوع يصنع من أشر الخطاة قديسًا عظيمًا، وحولها من امرأة خاطئة إلى مبشرة باسمه... إن القليل الذي يوضع في يد المسيح يباركه وينميه ويجعله شيئًا كثيرًا.
ابدأ يا أخي ولو خطوة واحدة مع المسيح، واتركه يعمل معك.
إنسان لا يصلي ويقول: نفسي مسدودة عن الصلاة، ماذا أعمل؟ يذهب إلى الكنيسة فيعرف أنه يوجد سبع صلوات وأول صلاة هي صلاة باكر وتشمل: "أبانا الذي، فلنشكر صانع الخيرات، ارحمني يا الله، وجزء من رسالة بولس إلى أهل أفسس، 19 مزمور، جزء من إنجيل يوحنا، 3 قطع، قدوس الله ثم كيرياليسون 41 مرة، قدوس قدوس قدوس، السلام لك، نعظمك يا أم النور الحقيقي، بالحقيقة نؤمن، فلنسبح مع الملائكة، وتحليلين وأخيرًا ارحمنا يا الله ثم ارحمنا".
فيبدأ هذا الشخص فيصلي مزمورين ثلاثة فيجدهم "كويسين" ويشعر بلذة أثناء الصلاة، ثم يزيد العدد تدريجيًا، ثم يصلي كيرياليسون 41 مرة وهكذا حتى يجد لذة عظيمة عند الصلاة، ويجد الطريق سهلًا لأنه بدأ بالقليل وطبق الآية: "ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ!" (مز34: 8). قد تكون البداية صعبة، ولكن ابدأ ولو بأقل شيء والله يكمل.
كنت أتكلم مع بعض الناس عن السبع صلوات وقلت لهم: "السبع صلوات ليست للرهبان فقط ولكنها للعلمانيين أيضًا، أما الرهبان فعندهم صلوات أخرى يصلونها فتكون حياتهم كلها صلاة".
فقال أحدهم: "وكيف نصلي هذه الصلوات؟ يمكننا أن نصلي باكر قبل الخروج من المنزل للعمل، ولكن نصلي صلاة الساعة الثالثة والسادسة والتاسعة أثناء العمل؟".
قلت: "اسمعوا يا أخوة، لو فيكم إنسان حافظ المزامير سيجد أن الأمر سهل جدًا، نجرب ونلاحظ. كم ثانية تستغرقها الصلاة؟ فمثلاً قطع الساعة الثالثة نقول: "روحك القدوس يا رب الذي أرسلته على تلاميذك القديسين.." 12 ثانية، ألا يوجد إنسان عنده 12 ثانية لله؟ نكمل الصلاة "كما كنت مع تلاميذك أيها المخلص..." أخذت 6 ثواني، يا أخي ألا يوجد عندك 18 ثانية؟! نكمل الصلاة أيضًا، كم من الزمن استغرقت الصلاة؟ 30 ثانية، أو نصف دقيقة، وقد تأخذ دقيقة إذا صليت القطع كاملة.
وإذا قلت ليس عندي دقيقة، فأنت تخدع نفسك وتضحك على نفسك. ألا يقابلك زميل لك أثناء العمل وتجلس معه ربع أو نصف ساعة؟ ألا تخرج من العمل وتذهب إلى دورة المياه وتتكلم في الطريق مع زميل أو أكثر؟
المسألة ليست صعبة كما تتصور،
ولكن المسألة أنه لا توجد عندنا رغبة.
كم من الوقت يضيعه الإنسان في قراءة الجرائد؟ أو في الحديث مع الآخرين... في أي عمل آخر... ألا يجد بعد كل هذا وقتًا للصلاة دقائق بسيطة لله تُبارك اليوم كله.
يا إخوة الطريق طويل، ولكنه لطيف وحلو، وكل الذين ساروا فيه شعروا بحلاوته "ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ!" (مز34: 8).
وهناك تدريب بسيط هو:
"احفظوا المزامير تحفظكم المزامير...
احفظوا الإنجيل يحفظكم الإنجيل...
احفظوا كلام الله يحفظكم كلام الله".
وعندما تحفظ بعض الصلوات تستطيع أن ترددها وأنت في الطريق أو في المواصلات أو في فترة فراغ، أو جالس مع آخرين يتكلموا في مواضيع ليست على مزاجك، وأنت جالس ساكت وهم يظنون أنك صامت، ولكن القلب مشغول بالصلاة.
"فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ هُوَ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً" (مت 6: 6).
أتظن أنك تعطي الله أم تأخذ منه؟ أنت تعطي صلاة ولكنك تأخذ بركة ونعمة. ماذا يحدث لله لو لم تصلي أو تقول: "روحك القدوس يارب..". أين تذهب صلاتك بين تسابيح الملائكة ورؤساء الملائكة، الشاروبيم السيرافيم والأرباب والقوات والكراسي وكل الجمع غير المحصي الذي للقوات السمائية؟ أين تذهب صلاتك؟ وماذا يحدث للسماء لو لم تصلي صلاتك القصيرة؟!
الله غير محتاج إلى تسابيح وصلوات، هو مكتفي بذاته، مر وقت كان الله موجودًا فيه بمفرده قبل أن يخلق شيئًا من الكائنات مكتفيًا بذاته وغير محتاج إلى شيء. أما الصلاة التي تقدمها فهي تعطيك بركة ونعمة.
شخص فقير يذهب إلى شخص غني ويقول له: "أنا معذور ومديون، أرجوك أعطيني مائة جنيه". فيوافق الغني، فيقولوا له: "اذهب وخذ المائة جنيه" فيقول لهم: "ليس عندي وقت". ألا يوجد عندك وقت لتأخذ الملبغ؟
إننا نظن أنه بصلواتنا نتصدق على الله ونرفق به ونعطف عليه ونعطي له بعض الوقت ولكن الحقيقة يذكرها لنا القداس الغريغوري "لست أنت المحتاج إلى عبوديتي بل أنا المحتاج إلى ربوبيتك".
فإذا كنت أنت المحتاج ابدأ وسر في الطريق ولو خطوة واحدة وهو يسير معك حتى تصل إلى نهاية الطريق.
أنتم وملكوت الله
أنتم وملكوت الله
ملكوت الله مسألة تخصنا جميعًا، وهي مَوضِع صلوات كل فرد منا، لأننا في الصلاة الربانية نقول: "لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ" (مت 6: 10).
فنحن نطلب أن يجيء ملكوت الله، ويدخل كل قلب، وكل بيت، وكل شارع، وكل قرية، ومدينة وقارة.
إننا نصلي من أجل ملكوت الله، ولكن صلاتنا – وحدها - لا تكفي، لأن المفروض، أن يعمل كل منا عملًا من أجل ملكوت الله! لقد قال المسيح: "وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ" (أع 1: 8).
نشر ملكوت الله مسئولية كل مؤمن
ولا يجب أن نقول كل إنسان مسئول عن نفسه فقط، لأن كل إنسان عليه مسئولية تجاه الكنيسة والآخرين، ومن هنا فإنه يجب علينا - في اعترافاتنا الخاصة - أن نناقش أنفسنا: ماذا فعلنا من أجل ملكوت الله؟ وما هي المساهمة التي قدمناها من أجل نشر ملكوت الله على الأرض؟
تلك لأنه مفروض أن تعمل مع المسيح، والمسيح قد جاء ينشر الملكوت، وكان ينادي في الناس: "توبوا، فقد اقترب ملكوت الله، وكان يكرز ببشارة الملكوت"، وأصبحنا نحن أيضًا نحمل مسئولية أن نكرز ببشارة الملكوت، ونتمم عمل المسيح كما قال بولس: "إِذًا نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا" (2كو 5: 20).
يجب أن نعمل عمل المسيح، لكي نكون أولادًا له، وخدامًا له، ولكي نشترك معه في ملكوته، ولا تظنوا أننا نصل إلى ملكوت الله في السموات ... إلا إذا عملنا عملًا من أجل ملكوت الله على الأرض. فنشترك مع المسيح في عمله، لكي نشترك معه في مجده. تمامًا كالعبد الصالح الذي أخذ الوزنة، وتاجر فيها وربح، فاستحق أن يدخل إلى فرح سيده.
يجب أن يسأل كل منكم نفسه عما فعله من أجل نشر ملكوت الله على الأرض!
إن السيد المسيح - لكي ينشر الملكوت - كان يجول في كل مكان، ويطوف المدن والقرى يكرز ببشارة الملكوت وكان يُعلِّم في كل مكان. فما الذي يعمله كل منكم من أجل هذا الملكوت؟
لا يصح أن نأخذ من المسيح موقف المتفرج، والكنيسة ليست مجالًا للمتفرجين، ولكن للعاملين. كل واحد يجب أن يعمل عملًا. ويُثبِّت ملكوت الله في قلبه، وفي فكره، وينشر الملكوت.
لقد كانت الكنيسة الأولى تعمل عملًا جادًا. فكان عدد المؤمنين يتكاثر. وعدد الكنائس يتزايد وينمو. وسمعنا أن المسيح كان له 12 تلميذًا، ثم 70 رسولًا، و120 أخًا، و500 أخ. وسمعنا أن 3 آلاف آمنوا بعظة بطرس، وبعد شفاء أعمى آمن 5 آلاف.
وبعد استشهاد إسطفانوس نقرأ عن جماهير وجموع غفيرة تدخل الإيمان. وأصبحت أخبار الإيمان تدور حول مدن وأقاليم بأسرها تدخل الإيمان، بعد أن كانت المسألة مسألة أفراد. وهكذا وجدنا الكنيسة تنمو وتزداد، والإيمان ينتشر، وملكوت الله يأتي بقوة!
لماذا لا نفعل نحن أيضًا هكذا. ليتنا نفكر في هذا، ونقول: كيف يمكن أن تعود كنيسة الرسل في جيلنا هذا؟ وكيف نحيا في هذا الجيل مثلما كانت تحيا كنيسة الرسل، ونجد لله موضعًا في كل مكان؟
نريد أن نفعل هذا: نكرز، ونوصل كلمة الله، ونكون مثل ملكة سبأ، التي قال عنها المسيح: "تأتي وتدين هذا الجيل".
نريد أن نكون مثل بولس الرسول، الذي يمكن أن يدين هذا الجيل – أيضًا - فقد كان يطوف المدن والقرى، ويسافر، بمجد وبهوان، في برد، وحر، ومشقات، لكي يكرز، حتى وهو داخل السجن!
ما الذي فعلناه نحن من أجل نشر الإيمان؟
إن المسيح يحدثنا عن الأمور المختصة بالملكوت، ويجب أن نتعب نحن ونجاهد من أجل هذا الملكوت. وإن وجدنا مَن يحاربون ملكوت الله، نزداد قوة وغيرة وعملًا، هذا هو المفروض أن يكون كل واحد منكم خادمًا لله، ويعمل عملًا من أجل الله!
أريدكم جيشًا من جيوش الخلاص، ليكون كل منكم جنديًا صالحًا للمسيح، يعمل عمل الرب بكل قوة وإيمان...
فماذا فعل كل منكم من أجل رسالة الملكوت؟ لأن ملكوت الله لا يعرف النوم، ولا الكسل، ولا الراحة. إنه يعرف العمل الجاد، وكما قال داود: "لاَ أُعْطِي وَسَنًا لِعَيْنَيَّ، وَلاَ نَوْمًا لأَجْفَانِي" (مز 132: 4).
إن رجل الله ينير في كل مكان، ويشرق ويعمل في كل مكان، والمسيح يقول: "أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ" (مت 5: 13) يعني؛ أن تنشروا ملكوت الله في كل مكان. لا أريدكم أن تأخذوا موقف المتفرجين.
إتخاذ السيد المسيح كمثال
خذوا صورة المسيح ورسله، وكيف كانوا يعملون، نحن الآن نتذكر المسيح يجلس مع تلاميذه ويحدثهم عن ملكوت الله. فخذوا صورة المسيح ورسله. وليكن كل منكم مثل إشعياء النبي، الذي قال:"هأنذا، فأرسلني"!
اجعلوا لكم صورة المسيح الذي يعمل في كل وقت وكل حين من أجل الملكوت، ويجوع ويعطش ويسير مسافات طويلة، من أجل السامرية مثلًا!
خذوا صورة المسيح الذي يتعب، ويذهب إلى السامرة، المدينة الخاطئة العنيدة،
ويظل بها حتى يدخلها إلى ملكوت الله، ويقول لتلاميذه: "وَانْظُرُوا الْحُقُولَ إِنَّهَا قَدِ ابْيَضَّتْ لِلْحَصَادِ، أَنَا أَرْسَلْتُكُمْ لِتَحْصُدُوا مَا لَمْ تَتْعَبُوا فِيهِ. آخَرُونَ تَعِبُوا وَأَنْتُمْ قَدْ دَخَلْتُمْ عَلَى تَعَبِهِمْ" (يو 4: 35، 38).
إن الرسل كانوا يدخلون إلى بلاد وثنية. أما أنتم - يا إخوتي- فأمامكم المسيحيين، وعليكم - على الأقل - أن تحتفظوا بهم.
إن الرسل قد تعبوا، والمسيح قد تعب، وأنتم الآن تدخلون على تعبهم، فحافظوا على هذه الوديعة!
لتكن لكم صورة المسيح الذي كان يبحث عن "الخروف الضال"، حتى يجده، فيحمله ويرجع به إلى الحظيرة.
لتكن لكم صورة المسيح الذي ضاع من كيسه درهم واحد، فأخذ يبحث عنه وفرح عندما وجده.
لتكن لكم صورة المسيح هذه، والقلب المحب لملكوت الله!
امتلئوا لكي تفيضوا على الناس! مارسوا الفضائل، لكي تقدموا للناس قدوة، ولكي يتعلم الناس من حياتكم، وأحبوا الناس لكي تخدموهم.
أدعوكم للمحبة، والتعب من أجل الله، أحبوا الناس واتعبوا من أجلهم، إن
المسيح كان يحب الناس، حتى الضالين والمتعبين، لقد بكى على الشعب التعبان، وتحنن على الناس، عندما وجدهم منزعجين كغنم لا راعي لها، فهل تفعلون أنتم هكذا؟؟
اعملوا من أجل الله، واعملوا من أجل أخوتكم، أحبوا الناس محبة عملية، ولتمتلئ قلوبكم بالمحبة تجاه الناس.
اشعروا بواجب نحو أخوتكم، لا بد أن تعملوا، لا بد أن تتعبوا من أجل الناس، حتى تدخلوهم الملكوت.
وإن وجدتم عدوكم مثل أسد زائر، فكونوا أقوى منه، إن بولس الرسول يقول: "حَارَبْتُ وُحُوشًا فِي أَفَسُسَ" (1كو 15: 32)!
أما أنتم ... فما هو التعب الذي تعبتموه من أجل ملكوت الله؟ ذلك سؤال أوجهه إلى ضمائركم؟!
كل واحد منكم مُطالب بعمل. إن الكهنة مرهقون، وملكوت الله مطلوب العمل من أجله من كل إنسان، وليس من الكهنة فقط...
كما نرجو أن نستفيد من جهود الذين أحيلوا إلى المعاش، بحيث يعمل كل واحد عملًا من أجل الملكوت، لأنه لا معنى أن نتكلم عن الملكوت، ولا نبذل جهدًا من أجله.
نحن نريد أناسًا يعملون في الكنيسة، والخدمة تحتاج لشعور مثل شعور بولس
الذي يقول عنه الكتاب: "احْتَدَّتْ رُوحُهُ فِيهِ" (أع 17: 16)، ومثل شعور داود الذي قال: "غَيْرَةَ بَيْتِكَ أَكَلَتْنِي" (مز 69: 9).
إن الله سيسألنا عما فعلنا من أجل الملكوت في وقتنا الحالي سواء في بلادنا مصر، أو تجاه شعب المهجر...
ليتكم تعدون أنفسكم لخدمة ملكوت الله والكتاب يقول: "فَمَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ"!(يع 4: 17).
الهروب من الله
الهروب من الله
أريد أن أحدثكم بعض الشيء عن بعض التأملات الروحية في قصة يونان النبي، لأنه عندما نقرأ قصة يونان ونتأمل فيها، نتذكر الإنسان في جحوده وبعده عن الله، وهروبه منه.
وقصة يونان النبي، هي قصة علاقة الله بالإنسان، ونحن كلما نقرأ هذه القصة، نتذكر أن الله لا يزال يحب الناس، ولا يزال يعمل لخلاصهم. إن الله المحب الحنون، لا يزال يسعى إلى الناس من أجل خلاصهم، ولكن الناس رغم ذلك يهربون من الله.
ففي هذه القصة - ومن أولها- نقرأ عبارة تقول: "فَقَامَ يُونَانُ لِيَهْرُبَ إِلَى تَرْشِيشَ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ" (يو 1: 3).
شيء عجيب حقًا، أن نرى الإنسان يهرب من الله. المخلوق يهرب من الخالق! عجيب أن نرى الإنسان المحتاج يهرب من الله الذي فيه كل احتياجات البشر. الإنسان المسكين الضعيف، يهرب من الله القوي القادر!!
وعجيب أيضًا أن نرى الله غير المحتاج هو الذي يسعى وراء الإنسان الضعيف!
ربما يكون عاديًا أن يهرب الإنسان من خطر أو شر، أما أن يهرب الإنسان من الله، فذلك أمر غريب لأن الله هو الخير والحب والقداسة، فكيف يهرب الإنسان من هذه الأمور التي هي الله؟! ولكن، هكذا الإنسان، لا يقابل محبة الله بمحبة تشبهها. وطوال عمره، الإنسان ناكر للجميل، لا يقابل محبة الله الذي يحبه بل يجرب قلب هذا المحب باستمرار. إن الله يفتح قلبه وصدره، بينما الإنسان يدير وجهه بعيدًا، ولا يهتم بقلب الله المفتوح!
ومع ذلك، فما يزال الله يفتح قلبه للإنسان، وما يزال الإنسان مستمرًا في جحوده وخيانته، وبعده عن الله، وهروبه منه.
لقد كان "آدم" أول شخص هرب من وجه الله. كانت بين آدم والله صداقة ومحبة، وكان الله يأتي إليه في الجنة ويتحدث معه وفي لحظة شعر آدم أن علاقته بالله لم تعد كما كانت، فهرب من الله خوفًا وخجلًا، وقال "سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ، لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ (فهربت)" (تك 3: 10)! وكثيرون مثل آدم يهربون من الله نتيجة الخوف والخجل لأنهم وقعوا في الخطية، ولكنهم بهذا الهروب لا ينجون وإنما تزداد حالتهم سوءًا، لأن الخطية لا يجب أن تكون دافعًا لهذا الهروب بل على العكس. فالله يقول: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ" (مت 11: 28).
الهروب من الله بسبب الخجل
كثيرًا ما نهرب من الله خوفًا وخجلًا من خطايانا، ولكن الإنسان المليء بالخطايا والنجاسات، أولى به ألا يهرب من الله، بل يهرب من خطاياه. لأنه لو هرب من الله فسوف لا يجد الوسيلة التي يتطهر بها ويخلص، بل إنه سوف يمضي في طريق الانزلاق خطوة، خطوة حتى يضيع ولا يبقى الشيطان منه شيئًا.
إن الذي يهرب من الله خوفًا وخجلًا. لا يعرف طبيعة الله المملوءة بالمحبة والمغفرة، وهو يزيد بالهروب حياته تعقيدًا وسوءًا.
والذي يقع في الخطية - بدلًا من أن يهرب من الله - عليه أن يتجه إليه ويقف أمامه، ويحدثه عن سقطته وخطئه، وعن خجله.
لا تهرب من الله - إن أخطأت - بل قف أمامه وحدثه عن خجلك بصراحة، وقل له إنك خائف، وكن مثل العشار الذي كان متعبًا من خطاياه، فلم يهرب، وإنما أتى بكل خطاياه إلى الله ووقف في خوف وخجل، ولم يستطع أن يرفع عينيه إلى فوق. وقف بعيدًا يقرع صدره ويصرخ إلى الله قائلًا: "اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ" (لو 18: 13).
إن الهروب من الله، لعبة من الشيطان يريد بها تغيير حالة الإنسان بالخطية. إن لك أن تخجل بسبب الخطية وأن تخاف الله داخل قلبك ولكن لا تهرب منه.
لقد كان آباؤنا القديسون في خجلهم يصلوا لله بدموع وبانسحاق قلب، ويصلون بخجل، مثل النبي دانيال الذي عندما صلي قال: "يَا سَيِّدُ، لَنَا خِزْيُ الْوُجُوهِ، لِمُلُوكِنَا، لِرُؤَسَائِنَا وَلآبَائِنَا لأَنَّنَا أَخْطَأْنَا إِلَيْكَ" (دا 9: 8)
وهكذا قال عزرا أيضًا.
إن الخطية ليس معناها أن نهرب فالذي يهرب بسبب الخطية مثله كمثل إنسان يقع في حفرة، وبدلًا من أن يقوم، يستمر في الانزلاق والانحدار إلى غير نهاية. ذلك هو عمل الشيطان من أجل أن يوقع الإنسان في اليأس. إن الخاطئ يحتاج لمن يمسك بيده وينقذه، بينما شيطان الخجل يحاول تسليمه، لشيطان اليأس الذي يسلمه إلى شيطان الهروب!!
إن داود؛ وهو نبي وملك وقع في خطية الزنا والقتل، ومع ذلك لم يهرب من الله بل تقدم إلى الله في خطيته، وقال: "انضح عليَّ بزوفاك فأطهر، اغْسِلْنِي فَأَبْيَضَّ أَكْثَرَ مِنَ الثَّلْجِ" (مز 50: 7)
هي صرخة الأمل فقد كان داود في عمق خطيته محتفظًا بالأمل والرجاء. وفقدان الأمل والرجاء هو لعبة الشيطان من أجل أن يوقع الإنسان في اليأس.
لقد كان داود في خطيئته يعرف أنها متعبة ومع ذلك لم ييأس ولم يهرب من الله، وإنما اتجه إليه قال: "يَا رَبُّ، لاَ تُوَبِّخْنِي بِغَضَبِكَ، وَلاَ تُؤَدِّبْنِي بِغَيْظِكَ ارْحَمْنِي يَا رَبُّ لأَنِّي ضَعِيفٌ. اشْفِنِي يَا رَبُّ لأَنَّ عِظَامِي قَدْ رَجَفَتْ، وَنَفْسِي قَدِ ارْتَاعَتْ جِدًّا" (مز 6: 1- 3).
ذلك لأن شيطان اليأس يجعل الإنسان يهرب من الله ويبتعد عنه أما أولاد الله فإنهم لا يهربون إذا سقطوا في الخطية، وإنما يرجعون إليه ويطلبون الرحمة، عالمين أن باب المسيح مفتوح فهو القائل: "وَمَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا" (يو 6: 37).
الهروب من الله بسبب الخوف من صعوبة الطريق
إن الهروب من الله، خجلًا وخوفًا بسبب الوقوع في الخطية هو أول الأنواع، وهناك نوع ثان للهروب من الله ذلك هو الهروب بسبب صعوبة الطريق.
عندما كان المسيح يتكلم عن التناول من جسده ودمه يقول الكتاب المقدس: "مِنْ هذَا الْوَقْتِ رَجَعَ كَثِيرُونَ مِنْ تَلاَمِيذِهِ إِلَى الْوَرَاءِ، وَلَمْ يَعُودُوا يَمْشُونَ مَعَهُ" (يو 6: 66)... لدرجة أنه قال لتلاميذه الاثني عشر: "أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا تُرِيدُونَ أَنْ تَمْضُوا؟" (يو 6: 67). فأجابه بطرس قائلًا: "يَارَبُّ، إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كَلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ" (يو 6: 68).
إن الإنسان عندما يجد الطريق صعبًا فإنه يترك الله ويبتعد دون أن يعرف أن الطريق مهما كان صعبًا، فهناك "نعمة الله" فهذه النعمة هي التي تمكننا من اجتياز هذا الطريق الصعب، فيعرفوا كيف يحبون أعداءهم ويحسنون إلى مبغضيهم، وكيف يصلون إلى الكمال، وكيف يستطيعون الدخول من الباب الضيق، ويحملون الصليب.
كثيرون يهربون من طريق المسيح، شاعرين أن طريقه صعب لأنهم يريدون اليسر ولا يريدون العمل، وقد تكون هذه الصعوبة لعبة شيطانية!!
إذا وجدت أن الخير طريقه صعب، واسودت الدنيا أمامك، وبدأت تشعر باليأس، فاعلم أن هذه هي حرب الشيطان، لأن الشيطان دائمًا يجعل الطريق صعبًا أمام أولاد الله، لكي يقودهم إلى اليأس.
إن وصايا الله – حتى لو كانت صعبة - فهناك "النعمة" لتحفظ الإنسان، وحيثما كثرت الخطية، تكثر النعمة فإن وجدت نفسك محاطًا بالخطية، فاعلم أن نعمة الله تحيطك أيضًا، وروحه القدوس من حولك، وقوة العلي تُظَللك.
إن الله لا يتركك وحيدًا، فأنت لست وحيدًا في جهادك، لأن هناك الملائكة، وأرواح القديسين وروح الله القدوس، ونعمة الله ... وهناك قوات خفية من حولك، تساعدك دون أن تدركها! ولذلك فلا تخف من صعوبة الطريق ولا تيأس فكلما صعب الطريق، اطمئن، وقل إن طريق الله فيه صعوبات.
ولكن إن وجدت الحياة سهلة أمامك، فهنا يجب أن تخاف، لأنك عند ذلك ربما لا تكون سائرًا في طريق الله.
ومع ذلك، فإذا كان الطريق أمامك صعبًا، خذه بالتدريج - إن أطول مسيرة في الدنيا تبدأ بخطوة واحدة -. خطوة واحدة عندما تخطوها فهي جزء من الطريق.
والله لا يطالبك إلا بهذه "الخطوة الواحدة" ولا يريد الطريق كله - خطوة واحدة فقط بعد ما تخطوها سوف يطالبك الله بخطوة واحدة مرة أخرى وهكذا، لتجد أنك قطعت الطريق الصعب الطويل!!
عليك فقط أن تخطو خطوة، وعندما تجد الطريق طويلًا قل لنفسك "أريد خطوة واحدة فقط من هذا الطريق الطويل"، قرر ثم نفذ. خطوة خطوة وتأكد أنك كلما خطوت خطوة في طريق الله ستجد أنك لبست "نعمة"، وستجد أن روح الله بدأ يعمل معك وبداخلك. إن الخطوة التي تخطوها ستعطيك حرارة وقوة وأملًا.
إن تصعيب الطريق لعبة من ألاعيب الشيطان لكي تهرب من الله..
ومن مهمة "آباء الاعتراف، والمرشدين الروحيين" تسهيل الطريق على الناس، والذين يصعبون الطريق على الناس إنما يدفعونهم بذلك إلى اليأس والهروب. والقديس يوحنا الرسول يقول: "إن وَصَايَاهُ لَيْسَتْ ثَقِيلَةً" (1يو 5: 3). والباب الضيق في أوله، لكنه يؤدي إلى الحياة. وداود يقول: "ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ" (مز 34: 8)، ويقول أيضًا: "محبوب هو اسمك يارب، وهو دائمًا تلاوتي"، وهو بذلك كأنه يقول: أيها الهاربون من الله، البعيدين عنه، لا أريدكم أن تندمجوا في الحياة الروحية لأعمالها، ولكن: ذوقوا... وجربوا.
والمرأة السامرية، عندما راحت تدعو الناس لم تقل لهم تعالوا آمنوا قالت: "تعالوا، وانظروا"، ثم جاء الناس ونظروا فآمنوا بالمسيح بعدما أحبوه.
حذار من تصعيب الطريق أمام أولاد الله. إن بعض الناس يتصورون أنها مهارة عندما يعقدون الأمور ويصعبون الطريق. لا تحملوا الناس فوق طاقتهم، بل كلًا حسب قدرته واستطاعته، ولا يجب أن نصعب الحياة الروحية أمام الناس فإن الشيطان يصعب الطريق، والذي يصعب الطريق يتعاون مع الشيطان، وصعوبة الطريق تجعل الإنسان يهرب من الله تمامًا!!
يجب أن يؤخذ الدين خطوة خطوة، وبعض الناس - من حماسهم - يريدون أن يرتفعوا مرة واحدة، ولذلك يقول الآباء الرهبان: "إن وجدت شابًا يصعد إلى السماء، فأجذبه من رجليه، خشية ألا يقدر أن يكمل فييأس، ويضيع!" والشيطان يصعب الطريق، ويلقي الإنسان في يأس، ثم يعود به إلى الطريق العكسي وكما يقول داود في المزمور: "كَثِيرُونَ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَيْسَ لَهُ خَلاَصٌ بِإِلهِهِ" (مز 3: 2).
هناك مثل عادي في الرهبنة يقول: الطريق الوسطى خلصت كثيرين. ومن هنا، كان التطرف ضربة من ضربات الشيطان. فالشيطان إذا أراد أن يسقط إنسانًا، يقوده إلى التطرف، ثم يصّعب له الطريق ثم يدفعه لليأس..!
والآباء القديسون يسمون "التطرف" ضربة يمينية. وهناك أيضًا ضربة شمالية هي السير في الخطيئة. أما الضربة اليمينية، فهي جريمة روحية قوية المستوى، لا يستطيع الفرد أن يواصل فيها أو يستمر، ولذلك يقول الحكيم: "لاَ تَكُنْ بَارًّا كَثِيرًا" (جا 6: 7) يعني زيادة عن مستواك وإمكانياتك وقدراتك، بل سر في الطريق الروحي خطوة خطوة. فالطريق الروحي يحتاج إلى حكمة.
الهروب من الله بسبب الذات
هناك نوع ثالث من الهروب من الله هو: الهروب بسبب "الذات"! فهناك أناس تهمهم "ذواتهم"، وتَحول بينهم وبين الله. إنهم يفكرون في ذواتهم وكرامتهم الشخصية مثل يونان الذي قال: "آهِ يَا رَبُّ، أَلَيْسَ هذَا كَلاَمِي إِذْ كُنْتُ بَعْدُ فِي أَرْضِي؟ لِذلِكَ بَادَرْتُ إِلَى الْهَرَبِ إِلَى تَرْشِيشَ" (يو 4: 2)!
وكثيرًا ما يكون تفكير الإنسان في ذاته، وكرامته، وكبريائه سببًا للهروب من الله!
إن المسيحية، تحتاج أن ينكر الإنسان ذاته، والمسيح يقول: "إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي" (مت 16: 24)!
والملحدون - كالوجوديين مثلًا - يقولون: إن وجود الله يلغي وجودي فالأفضل ألا يوجد الله، لكي أوجد أنا!
وهم بذلك يهربون من الله بسبب ذواتهم! بينما نجد أن يوحنا المعمدان قد انتصر على مشكلة الذات هذه، وقال: "يَنْبَغِي أَنَّ ذلِكَ يَزِيدُ وَأَنِّي أَنَا أَنْقُصُ" (يو 3: 30). كما انتصر المرتل على هذه المشكلة أيضًا عندما قال: "لَيْسَ لَنَا يَا رَبُّ لَيْسَ لَنَا، لكِنْ لاسْمِكَ أَعْطِ مَجْدًا" (مز 115: 1).
إن الذي يهتم بذاته وشخصيته وكرامته وإلى أخر هذه الأمور، إنما يحجب بهذا الاهتمام وجه الله، ومن ثم فهو بذلك يهرب من الله.
وليت الإنسان يفكر في ذاته بطريقة روحية صحيحة، غير منحرفة، وإنما هم - فيما يثبتون ذواتهم – يضيعونها.
لذلك قال المسيح: "مَنْ وَجَدَ حَيَاتَهُ يُضِيعُهَا، وَمَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا" (مت 10: 39). إن الذي يريد أن يسير في طريق الله عليه أن ينسى ذاته وينكرها ولا يفكر إلا في الله.
الهروب من الله من أجل الشهوات
نوع رابع من الهروب من الله يحدث من أجل شهوات العالم تمامًا كما فعل الابن الضال، وكما فعل ديماس أحد معاوني بولس الذي قيل عنه: "لأَنَّ دِيمَاسَ قَدْ تَرَكَنِي إِذْ أَحَبَّ الْعَالَمَ الْحَاضِرَ" (2تيمو 4: 10).
إن هناك أناسًا يتركون الله ليس لعيب في الله، ولكن لأنهم يحبون العالم أكثر من الله، ويحبون لذات العالم أكثر، وهم لذلك يهربون من الله. هؤلاء يهربون من الله لأنهم يحبون شيئًا آخر أكثر منه، فأخرج هذا الحب الثاني، الله من قلوبهم، وحلت محله محبة العالم لأن "مَحَبَّةَ الْعَالَمِ عَدَاوَةٌ للهِ؟" (يع 4: 4).
وإن أحب أحد العالم فُقدت فيه محبة الآب... وعندما يحب الإنسان العالم، فإنه يحاول الهروب من الله، لأنه لا يستطيع الجمع بين حب الاثنين الله والعالم! بينما العالم لا يستحق هذا الحب كله لأن الإنسان عندما يحب العالم، فإنه يكون إنسانًا ماديًا جسدانيًا!
وإن كنا - يا إخوتي - قد هربنا من الله في الماضي، فلا يصح أن نهرب منه الآن، ولا بعد حين، ويجب أن نعود إلى الله. الله الذي يفتش عنا، ويسعى إلينا... فلنصطلح معه، لأننا لا نستطيع البعد عنه!




