العتاب

الـعـــتــــاب[1]
متى؟ وكيف يكون؟ كيف كان المسيح يعاتب؟
طبعًا كان لقاء المسيح مع تلاميذه بعد القيامة هو لقاء فرح، مسح به كل دمعة من عيونهم، وقوى إيمانهم، وأزال شكوكهم، وأعدهم لرسالتهم المقبلة، ولكن على الرغم من كل ذلك كان هناك شيء من العتاب الخفيف، على خوفهم وشكوكهم وضعفهم.
فكيف كان الرب يعاتب؟ هذا ما نريد أن ندرسه معًا لكي نتعلمه ونعرف منه القواعد الروحية للعتاب. وأول نقطة في العتاب هي:
*العتاب لا يكون مع كل أحد:
كثيرون أخطأوا إلى السيد المسيح ولم يعاتبهم. فما عاتب الشعب الذي صاح قائلًا: “اصْلِبْهُ! اصْلِبْهُ!” (لو23: 21). ولا عاتب رؤساء الشعب من الشيوخ والكهنة والكتبة والفريسيين ولا سائر الأعداء والمقاومين. ولكنه عاتب أحباءه أو بعض أحبائه…
*إلى جوار العتاب كان الرب أحيانًا يوبخ وينتهر ويعاقب…
مثلما انتهر بطرس، لما قال له عن الصلب: “حَاشَاكَ يَا رَبُّ!”… (مت16: 22)، وأنزل الرب ويلاته الكثيرة على الكتبة والفريسيين المرائين (مت23) وقال للكهنة ورؤسائهم: “إِنَّ مَلَكُوتَ اللَّهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لِأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ” (مت21: 43، 45). وكان الرب يحاور أحيانًا، وكان أحيانًا يوجه مثلما قال لبطرس وقت القبض عليه: “رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ” (مت26: 52).
إن موضوع أسلوب السيد المسيح في معاملاته موضوع طويل ليس وقته الآن، ولكننا نتكلم هنا عن العتاب.
*أحيانًا كان عتاب السيد المسيح يشمل وزنة توبيخ لطيف لمن يشعر بذلك من تلقائه:
مثلما حدث مع بطرس الذي مشى مع الرب قليلًا على الماء ولكنه لما رأى الريح شديدة خاف وإذ أبتدأ يغرق صرخ يا رب نجني فأنقذه الرب ولكنه قال له: “يَا قَلِيلَ الإِيمَانِ لِمَاذَا شَكَكْتَ؟” (مت14: 31).
أحيانا بعض الآباء والأمهات يدللون أطفالهم!!
ويخشون جرح شعورهم بأية كلمة مهما كانت خفيفة لئلا يغضبوا ولكن مثل هذا التدليل قد يضرهم. لا بد في بعض الظروف من عبارة توقظ المخطئ وترده إلى صوابه ووزن هذه العبارة يتوقف على مقدار الخطأ ومقدار احتمال المخطئ.
أكبر شخص عاتبه السيد المسيح هو بطرس.
عاتبه على إنكاره والعتاب هنا هو إجراء خفيف لأن الرب سبق فقال: “مَنْ يُنْكِرُنِي قُدَّامَ النَّاسِ أُنْكِرُهُ أَنَا أَيْضًا قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ” (مت10: 33) فمجرد عتابه على إنكاره هو نوع من الحنو وعفو من العقوبة…
وبطرس كان معتزًا بذاته وواثقًا بنفسه أكثر مما يجب!! بل كان يرى أنه أقوى من باقي التلاميذ وأكثر إخلاصًا منهم
حتى إنه قال: “وَإِنْ شَكَّ فِيكَ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ أَبَداً… وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ!” (مت26: 33، 35)، (مر14: 29، 31). “إِنِّي مُسْتَعِدٌّ أَنْ أَمْضِيَ مَعَكَ حَتَّى إِلَى السِّجْنِ وَإِلَى الْمَوْتِ” (لو32: 33).
فكان أول عتاب له، أن سمح الرب للديك أن يصيح حسبما أنذره فتذكر بطرس: “فَخَرَجَ إِلَى خَارِجٍ وَبَكَى بُكَاءً مُرًّا” (مت26: 75). أما العتاب الثاني الأشد فكان بعد القيامة…
قابله وسأله: “يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا أَتُحِبُّنِي أَكْثَرَ مِنْ هَؤُلاَءِ؟ قَالَ لَهُ: نَعَمْ يَا رَبُّ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّكَ. قَالَ لَهُ: اِرْعَ خِرَافِي… ثم أعاد عليه نفس السؤال ثانية وسمع منه نفس الإجابة فقال له: “اِرْعَ غَنَمِي”، ثم: “قَالَ لَهُ ثَالِثَةً: يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا أَتُحِبُّنِي؟ فَحَزِنَ بُطْرُسُ لأَنَّهُ قَالَ لَهُ ثَالِثَةً: أَتُحِبُّنِي؟ فَقَالَ لَهُ: يَا رَبُّ أَنْتَ تَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ. أَنْتَ تَعْرِفُ أَنِّي أُحِبُّكَ” (يو21: 15- 17).
سأله ثلاث مرات: أتحبني؟ مثلما أنكره ثلاث مرات.
وسأله: أتحبني أكثر من هؤلاء؟، لأنه سبق فقال: “لو أنكرك الجميع فأنا لا أنكرك ولو شك فيك الجميع فأنا لا أشك”، وكان العتاب يحمل توجيهًا خفيًا “إنه لا يجوز له أن يظن أنه أفضل من غيره. على أن هناك نقطة واضحة في العتاب وهي:
ناداه الرب باسمه العلماني “سمعان بن يونا”…!
ولم يناده باسم التكريس والبركة، الذي أطلقه عليه لما اعترف بلاهوته قائلًا له: “أَقُولُ لَكَ أَيْضًا: أَنْتَ بُطْرُسُ” (مت16: 18). ولا قال له: “سمعان بطرس”، إنما فقط “سمعان بن يونا” الاسم البعيد عن الرسولية، فلما أجاب سمعان باتضاع “قائلًا أنت تعلم يا رب أني أحبك”، قال له الرب: “اٍرع خرافي”…
وكرر عبارة “سمعان بن يونا” ثلاث مرات مقابل إنكاره ثلاث مرات، ثم كرر عبارة: “اٍرعَ” ثلاث مرات أيضًا إشارة إلى أنه قد قبل توبته وقد صدق محبته، وأعاده إلى رتبته الرسولية، أو أنه لم ينزعها منه، لأن خطيته كانت خطية ضعف – مع ثبات المحبة – ولم تكن خطية خيانة.
تذكرني عبارة: “يا سمعان بن يونا” (بقصة حكاها لي المتنيح نيافة الأنبا ثاؤفيلس:
قال إنه في أيام البابا يوأنس التاسع عشر (البطريرك 113)، أخطأ أحد الآباء المطارنة فناداه البابا باسمه العلماني، وهنا أسرع المطران وسجد عند قدمي البابا، وتوسل إليه أن يعيده باسمه كمطران، قائلًا له في تضرع: “عندما ناديتني باسمي العلماني شعرت أن قوة الله قد فارقتني، فعفا عنه البابا وناداه باسمه كمطران…).
السيد المسيح لم يوبخ بطرس بكلام شديد. ولا عاتبه مذكرًا إياه بما فعله بالتفصيل:
ولكنه بأسلوب غير مباشر، أشعره بما فعله مما جعله يحزن وكان هذا الحزن نافعًا له ومناداته باسمه العلماني نافعة له، وكذلك تكرار الأمر ثلاث مرات. فبطرس الرسول كان سيقابل في المستقبل مواقف شجاعة يتكلم فيها بقوة وكانت سوف تقابله أعمال معجزات يقوم بها فتبهر الناس… فكان هذا العتاب من الرب الممتزج بتأنيب غير مباشر يذكره باستمرار بضعفه وبخطيئته فلا يتعبه المجد الباطل.
ليتنا نتعلم هذا العتاب غير المباشر الذي استخدمه المسيح.
الذي لم يذكر في عتابه ما وقع فيه بطرس من خوف أمام جارية بل لم يذكر مطلقًا كلمة إنكار ولم يقل لبطرس إنه سب ولعن وحلف وقال: “لاَ أَعْرِفُ الرَّجُلَ” (مت26: 74). بل بأسلوب غير مباشر جعله يتذكر خطيته.
*كذلك أحب هنا أن أذكر قاعدة أخرى في العتاب وهي:
لا تعاتب شخصًا لا يحبك ولا تعاتب من لا يقبل العتاب.
وتذكر أن السيد المسيح عاتب أحباءه لا أعداءه وتذكر قول الشاعر:
ودع العتاب فَرُبَ شرٍ كان أوله العتابَ
هناك شخص لا يكون قلبه مستعدًا للعتاب أو يكون مصرًا تمام الإصرار على أنه لم يخطئ وأن العيب عليك أنت وليس عليه كما أنه “بار في عيني نفسه” لا يعترف أنه من الممكن أن يخطئ …
مثل هذا الشخص إن عاتبته قد تكون النتيجة أسوأ بكثير ويتعقد الموقف، وتزيد الهوة ما بينك وبينه وتخرج من عتابك له، وأنت تقول: ليتني ما تكلمت، ليتني ما فتحت معه ذلك الموضوع الذي قابله بثورة وغضب.. وتذكر قول الرب:
“مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ” (مت13: 9).
من له أذنان مستعدتان لسماع كلمة العتاب فهذا يمكن أن تكلمه فيسمع منك وتكون “قد ربحت أخاك، لأن قلبك أيضًا كان مستعدًا لتصفية الجو فيما بينكما وفي ذلك أيضًا استمع لنصيحة الرب في قوله: “اذْهَبْ وَعَاتِبْهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَحْدَكُمَا” (مت18: 15). ذلك لأن البعض لا يقبلون أن يظهروا مخطئين أمام الآخرين.
قصة عتاب أخرى للرب في بستان جثسيماني:
أخذ السيد معه ثلاثة من أقرب تلاميذه إليه، وقال لهم: “نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ. امْكُثُوا هَهُنَا وَاسْهَرُوا مَعِي… ثُمَّ جَاءَ فَوَجَدَهُمْ أَيْضًا نِيَامًا إِذْ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ ثَقِيلَةً”. فكانت كلمة العتاب التي قالها الرب هي: “أَهَكَذَا مَا قَدَرْتُمْ أَنْ تَسْهَرُوا مَعِي سَاعَةً وَاحِدَةً؟ اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ” (مت26: 38، 43، 40، 41). فأظهر أن السهر كان لازمًا لهم أيضًا، لأنهم مزمعون للتعرض للتجارب في ليلة القبض عليه ومحاكمته. وقد كان… حقًا ليتهم سهروا في تلك الليلة، حتى لا يقعوا في تجربة… فالشيطان كان مزمعًا أن يغربلهم (لو22: 31).
والعجيب أن الرب في عتابه دافع عنهم.
فإذ ناموا وتركوه وحده في جهاده، ولم يسمعوا نصيحته “اِسْهَرُوا وَصَلُّوا”…، قال لهم الرب وهو يعاتبهم: “أَمَّا الرُّوحُ فَنَشِيطٌ وَأَمَّا الْجَسَدُ فَضَعِيفٌ… نَامُوا الآنَ وَاسْتَرِيحُوا” (مت26: 41، 45). عجيبة هي محبتك ورأفتك يا رب، فيما تعاتب.. بقلبي الخاطئ سألت وأنا أقرأ “أين ذلك الروح النشيط الذي كان لأولئك النائمين الثلاثة؟” ولكنك يا رب فاحص القلوب، وترى ما لا أرى… إنها الأرواح النشيطة التي للآباء الرسل القديسين، الذين فيما بعد نقلوا الإيمان إلى الخليقة كلها… وإن كان ذلك النشاط قد عاق ظهوره في ذلك الحين ضعف الجسد، فهذا لا يمنع أن أرواحهم بطبيعتهم كانت نشيطة.
حاول أن تستخدم هذا الأسلوب: فيما تعاتب، أوجد عذرًا لمن تعاتبه.
فإن عاتبت مثلًا شخصًا لم يزورك في مرضك أو في ضيقك، قل له: أنا أعاتب من فرط محبتي لك، ولكني أعرف ظروفك ومشاغلك، وبخاصة أثناء تلك الفترة، وأعرف أنك لا تقصر مطلقًا في واجب، وكم وقفت إلى جواري بكل قلبك وجهدك…
هذا اللون من العتاب يشعره بأنك تعاتب في محبة، ولست تهاجم في شدة أو في قسوة، لأن القساة في عتابهم قد يخسرون من يعاتبونهم، ويخلوا أسلوبهم من الحب، ويظهرون كما لو كانوا أعداء، أو لا يقدرون ظروف الغير، أو أن أنانيتهم تغلبهم!!
نك
كن إذن رقيقًا في عتابك، وأعذر غيرك.
*هناك مواقف لم يعاتب فيها الرب إطلاقًا.
وبلا شك كانت تستحق العتاب، ونذكر أمثلة منها:
1- مريم المجدلية التي أنكرت قيامة الرب ثلاث مرات.
فقالت لبطرس ويوحنا: “أَخَذُوا السَّيِّدَ مِنَ الْقَبْرِ وَلَسْنَا نَعْلَمُ أَيْنَ وَضَعُوهُ” (يو20: 2). وكأنها بهذا تردد شائعة اليهود عن سرقة الجسد ثم عادت لتردد نفس العبارة لما سألها الملاكان: “لِمَاذَا تَبْكِينَ؟”، فقالت: “أَخَذُوا سَيِّدِي وَلَسْتُ أَعْلَمُ أَيْنَ وَضَعُوهُ” (يو20: 13). ولما رأت المسيح وظنته البستاني قالت له: “يَا سَيِّدُ إِنْ كُنْتَ أَنْتَ قَدْ حَمَلْتَهُ فَقُلْ لِي أَيْنَ وَضَعْتَهُ” (يو20: 15). ولم يعاتبها الرب على هذا الإنكار، واكتفى بأن قال لها: “لاَ تَلْمِسِينِي” لأنها سبقت أن لمسته (مت 28: 9). وها هي تستسلم للشكوك…
2- المثال الثاني هو النسوة حاملات الحنوط.
هؤلاء أتين إلى القبر “حَامِلاَتٍ الْحَنُوطَ الَّذِي أَعْدَدْنَهُ” (لو24: 1). وطبعًا ذلك الحنوط قد أحضرنه لوضعه على الجسد وهذا يحمل ضمنًا عدم إيمانهن بقيامة الجسد من الموت ومع ذلك لم يوبخهن الرب على عدم إيمانهن بل سمح أن يظهر لهن ملاك ويبشرهن بالقيامة ويقول لهن في رقة: “لِمَاذَا تَطْلُبْنَ الْحَيَّ بَيْنَ الأَمْوَاتِ؟ لَيْسَ هُوَ هَهُنَا لَكِنَّهُ قَامَ!” (لو24: 5، 6). وذكرهن بحديث الرب عن قيامته، فتذكرن وآمنَ.
3- صيد السمك بعد القيامة (يو21).
ظهر السيد لسبعة من الرسل عند بحر طبرية وكانوا يصيدون السمك فلم يعاتبهم على عودتهم إلى عملهم العلماني إذ رجعوا يصيدون السمك بدلًا من صيد الناس! بل على العكس أرشدهم كيف يصيدون، ولما امتلأت الشبكة حتى كادت تتخرق، آمن يوحنا وقال: هو الرب، وآمن بطرس واجتذبهم المسيح إلى الإيمان بعمل المحبة لا بالعتاب.
خده تدريبًا إذن: لا تعاتب على كل شيء:
هناك أمور يمكن أن تقابلها بالهدوء وبالصمت ولا تعاتب عليها ونحن هكذا نقول للرب في أول مزامير صلاة النوم “إن كنتَ للآثامِ راصدًا يا رَبُّ، يا رَبُّ مَن يَثبُتُ. لأنّ مِن عِندِكَ المَغفرَةَ.” (مز130: 3، 4). ونقول له في آخر مزامير صلاة باكر: “ولا تدْخُلْ في المحَاكَمةِ مَعَ عَبْدكَ فإنَّهُ لَنْ يَتَزكَّى قُدَّامكَ كلُّ حَي” (مز143: 2). فإن كنا نطلب هذا من الله فلا نفعله مع أخوتنا. إن الإنسان الكثير العتاب يفقد أصدقاءه وأحباءه والزوجة التي تعاتب أو تحاسب زوجها قد تخسره ويسأم عتابها.
الذين يعاتبون باستمرار لا ينظرون إلا إلى الأخطاء.
إن كل أنسان تعاتبه على خطأ ولا شك توجد في علاقته بك نقاط بيضاء تحتاج إلى مديح فلا تركز على النقط السوداء وحدها كأنه لم يفعل سواها ولا يوجد في حياته خير! امدح إذن الخير الذي في غيرك فيخجل من اقتراف خطأ نحوك، حتى لا يخسر ثقتك به وفكرتك الحسنة عنه. أما الهجوم فتخسر به أصدقاءك، كما قال الشاعر:
لو كانت منزلتي في الحب عندكمو ما قد رأيت، فقد ضيعت أيامي
إذن اخلط العتاب بالمديح فهكذا فعلت أبيجايل.
صمم داود أن يقتل زوجها بسبب بخله وعدم تقديره وسوء معاملته فأسرعت أبيجايل إلى داود محملة بالهدايا وبكلمات المديح وسجدت عند قدميه ولم تخاطبه إلا بعبارة سيدي، وأمتك وقالت له: “اصْفَحْ عَنْ ذَنْبِ أَمَتِكَ لأَنَّ الرَّبَّ يَصْنَعُ لِسَيِّدِي بَيْتًا أَمِينًا، لأَنَّ سَيِّدِي يُحَارِبُ حُرُوبَ الرَّبِّ، وَلَمْ يُوجَدْ فِيكَ شَرٌّ كُلَّ أَيَّامِكَ… وَلَكِنْ نَفْسُ سَيِّدِي لِتَكُنْ مَحْزُومَةً فِي حُزْمَةِ الْحَيَاةِ مَعَ الرَّبِّ إِلَهِكَ” (1صم25: 28، 29). ووسط هذا المديح تقول له: “وَيَكُونُ عِنْدَمَا يَصْنَعُ الرَّبُّ لِسَيِّدِي حَسَبَ كُلِّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ مِنْ أَجْلِك، وَيُقِيمُكَ رَئِيسًا عَلَى إِسْرَائِيلَ، أَنَّهُ لاَ تَكُونُ لَكَ هَذِهِ مَصْدَمَةً وَمَعْثَرَةَ قَلْبٍ لِسَيِّدِي أَنَّكَ قَدْ سَفَكْتَ دَمًا عَفْوًا، أَوْ أَنَّ سَيِّدِي قَدِ انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ” (1صم25: 30، 31).
وبهذا العتاب الرقيق المملوء بالمديح، عفا عن زوجها وقال لها: “مُبَارَكٌ عَقْلُكِ وَمُبَارَكَةٌ أَنْتِ لأَنَّكِ مَنَعْتِنِي الْيَوْمَ مِنْ إِتْيَانِ الدِّمَاءِ وَانْتِقَامِ يَدِي لِنَفْسِي” (1صم:25: 33).
قلد هذا الأسلوب ولا تحول العتاب إلى لون من النكد.
وأنا حينما أقول (العتاب)، لا أعني فقط كلام العتاب:
فهناك أيضًا نظرة العتاب، وقد تكون أحيانًا شديدة وقاسية وهناك عتاب بإيماءة أو بهزة رأس، أو بحركة من اليد، أو بتصرف معين مفهوم… وهناك شخص قد يقول لصديق له: “أنا لا أريد أن أعاتبك، فلا فائدة من العتاب معك”!! وتكون هذه العبارة أقسى من كلام العتاب… وقد يقول له: ” أنا لا أريد أن أعاتبك، لأني لو كنت أريد العتاب، كنت قلت لك من زمان كذا وكذا، وكنت أخذت منك موقفا”!! وكل هذا يبدو خاليًا من الحب، وشديد اللهجة.
* السيد المسيح كان يقصد العلاج وليس العتاب.
كما فعل مع توما الرسول، لم يقصد أن يعاتبه على شكه، بقدر ما كان يريد أن يخلصه من هذا الشك… وهكذا قال له: “هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي وَلاَ تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِنًا” (يو20: 27). وهكذا ربح إيمان توما، الذي صار كارزًا باسمه فيما بعد.
وبنفس الأسلوب عالج شك التلاميذ لما ظنوه خيالًا أو روحًا فقال لهم: “مَا بَالُكُمْ مُضْطَرِبِينَ وَلِمَاذَا تَخْطُرُ أَفْكَارٌ فِي قُلُوبِكُمْ؟ اُنْظُرُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ: إِنِّي أَنَا هُوَ. جُسُّونِي وَانْظُرُوا فَإِنَّ الرُّوحَ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ وَعِظَامٌ كَمَا تَرَوْنَ لِي” (لو24: 38، 39). وهنا نرى أنه لم يكن يعاتبهم على شكوكهم بل أراد أن ينقذهم منها.
لذلك ليت عتابك لأحبائك، يكون موضوعيًا، وليس شخصيًا…
فيه تركز على الموضوع وتفسر وتشرح الحقيقة، أكثر مما تعاتب على شكوكهم فيك، أو سلوكهم نحوك، فهذا فعل المسيح…
وعليك في العتاب أن تقدر ظروف الآخرين.
فيكون عتابك رقيقًا، أو لا تعاتب على الإطلاق إن كانت الظروف دقيقة، أوهناك عامل إنساني ينبغي أن تلتفت إليه.
إن السيد المسيح لم يعاتب ولم يوبخ تلاميذه الذين هربوا وقت القبض عليه… ولم يعاتب تلاميذه على خوفهم، وإغلاقهم على أنفسهم في العلية… ولم يطلب منهم فوق ما يستطيعون، إذ كان يعطف على حالتهم النفسية ويقدرها… وبالمثل فعل بولس الرسول حينما قال: “فِي احْتِجَاجِي الأَوَّلِ لَمْ يَحْضُرْ أحَدٌ مَعِي، بَلِ الْجَمِيعُ تَرَكُونِي. لاَ يُحْسَبْ عَلَيْهِمْ” (2تي4: 16) كان يقدر نفسيتهم وضعفها وخوفهم، فطلب من الرب ألا يحسب لهم هذا الموقف خطية…
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “العتاب، متى؟ وكيف يكون؟ كيف كان المسيح يعاتب؟”، وطني 28 سبتمبر 2003م، كما نُشرت بتاريخ17، 24 يناير 2016م.




