حياة التواضع والوداعة المجد الباطل

حياة التواضع والوداعة
المجد الباطل1
فكر المجد الباطل هو أكثر الأفكار مهارة. إنه يأتي إلى الذين يحيون حياة فاضلة، ويبدأ في أن يمجد جهاداتهم، ويجمع لهم مديح الناس. المجد الباطل مظهر لمحبة أتعاب الفضيلة، إنه شيطان محب لتصدر المجالس، يشتهي التقدم والمتكئات الأولى، يخبر بالجهاد ويفرح بتذكره، وهو عبد للمديح. إنه روح كثير الأنواع، محب للعظمة، ومرتبط بالكبرياء. هو لسان للمبتدعين أعني الهراطقة الغرباء عن الحق.
المجد الباطل هو عرض بهيمي، يلتف في ارتياح على كل أعمال الفضيلة. وكما أن العليق يلتف على الشجرة، فإذا بلغ إلى قلبها يبس أصولها، كذلك المجد الباطل إذا نبت في الفضائل، فإنه لا يتركها إلا وقد حل قوتها… الفضائل تتناثر إن كانت مؤسسة على المجد الباطل. والعابد الذي يتنسك لهذا السبب يشبه عاملًا لا يأخذ أجرة.
(القديس مار أوغريس)
يجب علينا يا أحبائي أن نهرب بالأكثر من المجد الباطل، هذا الذي لا يحسدنا قبل أن نتعب من الفضيلة ونتألم من النسك، ولكنه من بعد تعبنا يريد أن يسرق منا إكليلنا. هذا الذي يعسر إمساكه، الذي يتحايل بمكر على خلاصنا ويجاهد بحيله أن يحدر الفضيلة من السماء بعد أن يرفعها إلى السماء.
هذا الذي يبيد تواضع القلب الذي هو أساس الفضيلة، ويخسر صاحبه جميع أتعابه. ويطيب قلبه بأن يطلب أجرة تعبة من الناس، أعني إكرامهم وشكرهم له، تلك الأمور التي لا ربح فيها. فينبغي ألا يكون هذا البتة. بل يجب أن ننظر إلى الله وحده. ونعمل الفضائل من أجله، ونتركها تجتمع عنده لننال منه وحده الأجر كاستحقاقنا. وإن كنا قد رضينا أن نصنع الخير من أجل مجد الناس، آخذين المجد منهم وهو إكرامهم الباطل، فالأولى والأفضل جدًا أن نصنع ذلك من أجل الله عز وجل ونبتغي ثوابه الدائم. فإنه له المجد قد قال في الإنجيل عن الذين يصنعون الخير من أجل الناس:” الحق أقول لكم أنهم قد استوفوا أجرهم”.
فلنهرب من هذا الصياد المحارب لأنفسنا بحلاوة، الذي يصنع العسل على فم مكره، ويمد كأسه المهلك إلى قلوب الناس حتى إذا وجدوه حلوًا يسقيهم من أوجاعه بغير شبع.
وليست خسارة المجد الباطل تقف عند حد اضاعة أجرة تعب الفضيلة، لكنه يحرق صاحبه ويحيله من الفضيلة إلى الرذيلة. وإن تركه يطلب المجد من أناس أغبياء أو جهلة، فإن هؤلاء يمدحونه ويكرمونه لأجل أمور رديئة.
(القديس باسيليوس الكبير، (نسكياته)
هذا الروح النجس “المجد الباطل” هو كثير الأنواع وكثير الصور، فلهذا يجتهد أن يتسلط على الكل. وأيما صناعة يتصرف فيها أي أحد، ففيها ينصب له فخه: فالحكيم يفتخر قلبه بحكمته، والقوي بقوته، والغني بثروته، والمليح الوجه بجماله، والفصيح المنطق بكلامه، والطيب النغمة بحسن صوته… والجميل التصرف بحسن تصرفه. والناسك بالنسك، والصامت بالصمت، وعديم القنية بترك القنية…وكذلك في تجارب الروحانيين: فالمطيع يجربه بالطاعة لكي يتعظم بطاعته، والعالم بالعلم.
البيت المبني على الرمل ما يثبت ولا يدوم، ونسك ممزوج باسترضاء الناس ما يثبت ولا يدوم.
القديس مار افرام (ميامره)
إن اخطاءنا وآلامنا الأخرى قد تكون أبسط ولها شكل واحد فقط. ولكن هذا يتخذ أشكالًا وصورًا متعددة. ومن كل ناحية يهاجم من يقف ضده ومن ينتصر عليه… لأنه حيث لا يستطيع الشيطان أن يدخل المجد الباطل إلى إنسان بواسطة ملابسه الأنيقة المترفة، فإنه يرفعه عن طريق ملابسه الرخيصة التي لم يهتم بها! وإن لم يقدر أن يسقط الإنسان بواسطة الكرامة، فإنه يطرحه بواسطة التواضع. وإن لم يستطع أن يجعله ينتفخ بنعمة المعرفة والفصاحة، فإنه يسقطه برزانة الصمت!
إن صام إنسان بطريقة مكشوفة، تهاجمه كبرياء المجد الباطل، وإن أخفى صومه – من أجل احتقاره للافتخار – فمن هذه الناحية يهاجم أيضًا من المجد الباطل! وإن كان لكي لا يتدنس بلطخ المجد الباطل، يتجنب أن يرفع صلوات طويلة أمام الأخوة، فإن أفكار المجد الباطل تحاربه أيضًا حينما يقدم هذه الصلوات سرًا دون أن يعلم به أحد!
إن الشيوخ – بطريقة تدعو إلى الإعجاب – وصفوا طبيعة هذا المرض بمثال البصلة: التي عندما تنزع قشرتها تجد أنها مغلفة بقشرة أخرى. وكلما تنزع هذه الأغلفة تجد أنها ما تزال مغلفة.
يوحنا كاسيان
ولا يعمل هذا المرض على ضرر الإنسان إلا عن طريق فضائله، مقدمًا عوائق تؤدى إلى الموت بواسطة نفس الأشياء التي تطلب منا ينابيع الحياة… وهكذا يحدث إن الذين لم يمكن أن ينغلبوا في مصارعة العدو، ينهزمون من نفس انتصارهم!
(يوحنا كاسيان)
المجد الباطل ملتصق بالكبرياء، والرياء يلد كل الأوجاع.
(القديس برصنوفيوس).
محبة اعجاب الناس تجعل صاحبها لا يفهم إنه سالك في ظلام: وهكذا لا يختبر معنى الحكمة: فهو يبدو لنفسه أعظم من الكل، وهو أحقر منهم. ولا يقدر أن يفهم طريق الرب. أما الرب فيخفي عنه إرادته، إذ لم يؤثر السير في طريق المتواضعين.
الكلب إذا ما لحس المبرد، فإنه يشرب من دمه دون أن يعلم بسبب حلاوة دمه. والعابد إذا ما انثنى إلى شرب كأس المجد الباطل، فإنه يشرب من نفسه حياته، ولا يحس ضررًا بسبب العذوبة الحادثة له كل ساعة.
إن مديح الناس صخرة مستورة في البحر، لا يعلم بها النوتي إلى أن تصادفها السفينة، وتنقب من أسفل وتمتلئ ماء. وهكذا يفعل المجد الباطل حسب قول الآباء إن به ترجع كل الآلام إلى النفس التي قد انقلبت دفعة واحدة وخرجت منها. الفضائل المجتمعة بالمجد الباطل تبيد في الآخر بمحبة المديح.
(مار إسحق)
- مقال لنيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم – مجلة الكرازة السنة الأولى– العدد السابع- سبتمبر 1965




