حياة التسليم

حياة التسليم1
أحب أن أكلمكم اليوم عن “حياة التسليم”
ما معنى حياة التسليم؟
حياة التسليم هي أن يسلم الإنسان حياته إلى الله، ويثق بأن الله قادر أن يدبر هذه الحياة بحسب مشيئته الصالحة الطوباوية.
المسألة تحتاج إذًا إلى ثقة بالله لكي يسلم الإنسان حياته إلى الله… ومن عجب أن الناس قد يثقون بأنفسهم، وقد يثقون بغيرهم من الناس ولكنهم يترددون كثيرًا في الثقة بالله.
حياة التسليم تحتاج إلى ثقة بالله، وهي تنبني على أحد أمرين… إما الإيمان الطبيعي بربنا، وإنه قادر على كل شيء، وإنه صانع الخيرات المحب للبشر، وإما الخبرة بالله منذ قديم الزمن.
إن حياة التسليم تدخل في معنى آخر هو أن يستسلم الإنسان لعمل الله فيه… يستسلم لعمل الروح القدس فيه، ولعمل النعمة فيه، يستسلم لمشيئة الله الصالحة.
إن الإنسان الخاطئ لا يستسلم للروح القدس ولا لعمل النعمة، الإنسان الخاطئ هو إنسان معاند للنعمة، مقاوم لعمل الروح القدس ومعرقل له.
الله يريد للجميع أن يخلصوا، ولكن الإنسان الخاطئ لا يستسلم لهذه الإرادة الإلهية، الإنسان الخاطئ يضع شهواته موضع نعمة الله، ويضع رغباته في طريق عمل الروح القدس.
الإنسان الخاطئ لا يشترك مع الروح القدس ولا يكون شريكًا للروح القدس، إنه يقف بمفرده ليتصرف بإرادته، ولذلك تعتبر الخطية نوعًا من العناد… نوعًا من صلابة الرأي والمقاومة، ولا تتفق مع حياة التسليم.
إن الإنسان الذي يسلك في حياة التسليم، يسلم تسليمًا كاملًا… يسلم فكره وقلبه وحواسه إلى الله… يسلم رغباته وانفعالاته وعواطفه إلى الله… كل شيء يسلمه إلى الله، ولا يحاول أن يتدخل في عمل الله فيه.
إن الإنسان الذي يدخل حياة التسليم يقول… ماذا تريد يا رب أن أفعل؟ حياة التسليم تحتاج إلى تواضع قلب، وألا يكون الإنسان مغرورًا بفكره وذكائه وخططه… إن المتواضعين يمكن أن يصلوا إلى الله لأنهم دائمًا يسألون ربنا.
داود النبي كان من هذا النوع… كثيرًا ما كان يسأل الله قبل أن يتقدم إلى عمل من الأعمال، وكما يقول الله كان ينفذ.
لقد اختار الله دائمًا أشخاصًا يعيشون في حياة التسليم… هؤلاء الذين يقولون… لتكن إرادتك لا إرادتي… وكما يقول الرب نفعل.
إبراهيم أب الآباء كان يعيش في حياة التسليم… خذ ابنك وحيدك الذي تحبه نفسك وقدمه لي محرقة… ويخضع إبراهيم ويبكر صباحًا جدًا ويأخذ الحطب والسكين… إنها حياة التسليم التي لا تعرف النقاش والجدال الكثير، ولا تأخذ أوامر الله بالفحص وإنما تسلم.
الذين يسيرون في حياة التسليم يحتاجون إلى بساطة قلب… القلب البسيط البعيد عن الحكمة البشرية التي تفحص كثيرًا، والتي تريد أن تعرف كل سر، والتي أكلت مع آدم من شجرة المعرفة… إنها تريد معرفة كل شيء.
والذين يفحصون ويدققون كثيرًا، ويأخذون أوامر الله مجادلة ونقاشًا، لا يصلون بسهولة إلى حياة التسليم… إن حياتهم جدل ونقاش، ويسمونهم أشخاصًا عقلانيين.
إن حياة التسليم تحتاج إلى إيمان وتصديق، تحتاج إلى القلب المفتوح وليس العقل المتمرد… المعجزات مثلًا… فلولا التسليم والبساطة ما كان ممكنًا للإنسان أن يؤمن بمعجزة مثلما حدث في معجزة ظهور العذراء مريم بمصر… البسطاء آمنوا، والمعقدون سألوا كثيرًا وهم لا يستطيعون أن يسيروا في حياة التسليم.
إن حياة التسليم تحتاج إلى بساطة قلب… لقد مر أحد الفلاسفة الذين انحرفوا إلى الإلحاد، وأتعبتهم الشكوك والأفكار… مر بفلاح مؤمن بسيط وهو يصلي وقال له: “أنا مستعد أن أتنازل عن كل فلسفتي مقابل الحصول على بساطتك التي لا أستطيع الوصول إليها”!.. إنه من الممكن الوصول إلى الفلسفة، وباستطاعته أن يملأ عقله بالمعلومات، ولكن الوصول إلى بساطة القلب ليس سهلًا بالنسبة له، وطريقها ليس سهلًا.
إن البساطة أعمق من الفلسفة… وهي أثمن وأغلى من كل علوم العالم… البساطة كنز، وليس بإمكان أي إنسان الحصول عليها.
إن الشخص البسيط يعيش سعيدًا، ويستطيع أن يؤمن ويثق بالله وتصرفاته، وأن يستسلم للمشيئة الإلهية، فهو إنسان لا يعقد الأمور، إن حياة التسليم تحتاج إلى بساطة وثقة بالله، وإيمان به، وتحتاج إلى اتضاع قلب.
لقد قلت أن الله اختار الأشخاص الذين بمقدورهم أن يعيشوا حياة التسليم… الأشخاص الذين لا يجادلون كثيرًا ولا يقاومون كثيرًا… الذين يمكن أن يصبح قلبهم إناءً صالحًا لعمل النعمة فيه والأمثلة على ذلك كثيرة، سواء في الكتاب المقدس أو في سير القديسين، وضربت لكم مثلًا بإبراهيم الذي قال الله له: “خذ ابنك وقدمه محرقة”… مثل آخر في حياة إبراهيم عندما قال له: “اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك” لقد ترك إبراهيم أهله، لم نسمع عن جدل إطلاقًا بين إبراهيم والله، سواء في تركه لوطنه أو في تقديمه لابنه، أو الوعد الذي أخذة للنسل وقد وصل إلى شيخوخة كبيرة… إنه التسليم دائمًا.
وكذلك التسليم عندما قالت السيدة العذراء للملاك: “ليكن لي كقولك”.
إن هذا التسليم كنا نراه أيضًا في كل شخص يستأمنه الله على الرسالة أو على معجزة، فموسي النبي مثلًا كان في معجزاته العجيبة مسلمًا فكره إلى الله، وكذلك كل أولئك الذين خرجوا تائهين في الجبال والبراري وشقوق الأرض، كانوا مسلمين حياتهم لله… وأولئك الذين شربوا سمًا مميتًا، والفتية الثلاثة الذين دخلوا أتون النار، ودانيال في جب الأسود.
كلها حياة تسليم… لا مناقشة للوصية، إنما يكفي الإنسان تسليم إرادته.
أولئك الذين دعاهم الله فساروا وعاشوا وراءه، ومن أجمل الأمثلة متى الرسول، لقد أمره السيد المسيح بترك الجباية وقال له: اتبعني… فتركها وتبعه ولم يناقش، لم يقل ماذا أفعل، وما حدود المسئولية.
إنها حياة التسليم ليد الله… هناك ثقة تجعله يسير وراءه… لا داعي للتساؤل… أتبعه إلى أين؟ … وكيف؟ … وبأي صورة؟ … إنه يكفي الإيمان به.
عليك أن تؤمن فقط أنك تسير مع الله.
ذلك الإنسان الذي يقع في مشكلة ويفكر كثيرًا كيف يخرج منها… إنه يتعب في التفكير والاستعداد، وذلك الإنسان الآخر الذي يعيش في حياة التسليم، إنه يثق أن الله سيعمل في المشكلة وسيجد لها حلًا… إن الوضع هنا مختلف، فإن من يعيشون في حياة التسليم تثق قلوبهم في الله.
** لقد حدث لبطرس الرسول نفس الأمر… التسليم وعدم التسليم، فعندما كان السيد المسيح سائرًا على المياه قال: “أمشي معك”، وهكذا سلم حياته ومشى معه… إيمانه هنا يعمل وليس عقله، وهذا أمر حسن، ولكنه عندما بدأ في التفكير سقط، وعندئذ قال له الرب: “يا قليل الإيمان لماذا شككت “.
إن حياتنا هكذا مع الله، في إمكاننا أن نسير معه فوق الأمواج، ونصعد معه فوق السحاب، ولكن عندما نبدأ التفكير ونسأل… كيف نسير فوق المياه؟ … نكون قد فقدنا البساطة، وأخذ العقل والفلسفة يعملان… في هذه الحالة نكون قد دخلنا في الجدال والبحوث العقلية التي لا تجدي.
ومثل هذا يحدث في المعجزات، إنسان يصلي بإيمان ويشفى، وإنسان آخر يصلي بغير إيمان فيبقى كما هو، إنها مسألة تسليم… إنسان آمن وآخر لم يؤمن.
إن حياة التسليم جميلة لا يحس فيها الإنسان بأي تعب، تكفيه فضيلة واحدة كثمرة للإيمان… إنه إنسان مطيع… من نتائج الإيمان الطاعة، ومن نتائج الشك العصيان… إن الشخص الذي يثق ويؤمن فيسلم إرادته وحياته أن يطيع، أما الذي لا يصل إلى حياة التسليم فإنه إذا تسلم أمرًا لا يطيعه… إنه يأخذ في مناقشته وفحصه وتحليله، ويتصرف بطريقة تخرجه عن الطاعة.
إن من يطيع يعتمد على غيره فيستريح، أما الذي يعتمد على نفسه فإنه يتعب لأنه يتحمل مسئولية عمله.
إن حياة التسليم- أيها الأخوة- فيها فرح ورضا واطمئنان.
فإن الشخص الذي يسلم حياته إلى الله يحس بالفرح لأن الله يقود حياته… “إن سرت في ظل وادي الموت لا أخاف شرًا لأنك أنت معي”.. إنه يشعر برعاية الله… لقد جاءه التسليم بالفرح.
** إن الإنسان الذي يسير حسب إرادته، ولا يسلك حياة التسليم، يصيبه الشك. إنه يتساءل.. هل سرت في طريق سليم أم أخطأت؟ هل تصرفت تصرفًا سليمًا أم عقيمًا؟ وهكذا يتعب من الشك لأنه لم يسلم، ولذلك فإن من لا يسلكون حياة التسليم يعيشون في اضطراب وقلق وعدم ثقة في تصرفاتهم.. إنهم يعيشون في تعب، وفي شك في أنفسهم، وفي نتائج أعمالهم بعكس من يعيشون حياة التسليم… إنهم سعداء يتركون حياتهم في يد الله.
إن من يعيش في حياة التسليم، يعيش يومه ولا يضطرب من أجل غده، إنه لا يهتم بالغد، لأن للغد إلهًا يدبره وإلهًا يحفظه.
إن الذي لا يعيش حياة التسليم، يفكر كثيرًا، ويتصور متاعب كثيرة في المستقبل، يصورها له الخيال والخوف… إنه يتخيل جيوشًا من المتاعب والضيقات تطارده، لإنه لم يسلم نفسه إلى الله بعد.
أريدكم- أيها الإخوة- أن تسلموا حياتكم إلى الله… أريدكم أن تثقوا بالله لكي تسلموه الحياة… أريدكم أن تعرفوا الله لكي تثقوا بالله… أريدكم أن تتقابلوا مع الله لكي تعرفوه وتثقوا به وتحبوه وتسلموه الحياة وتطمئنوا في رعايته وتعيشوا في سلام.
** الخطوة الأولى أن يتقابل الإنسان مع الله وبعد ذلك يتعرف إلى الله ويفهمه ويختبره.. ثم يحبه ويثق به ويسلمه حياته ويعيش في اطمئنان نتيجة التسليم.
فهل خطوتم الخطوة الأولى؟
هل تقابلتم مع الله، وهل عرفتموه؟
ومتى تقابلتم معه، وكيف عرفتموه؟
هذه أسئلة مهمة لابد لكم من معرفتها.. كيف تتقابل مع الله؟
أحيانًا نتقابل مع الله في علم اللاهوت، وفي قانون الإيمان، وفي المعمودية، وأحيانًا بالفكر… ولكن كل هذه مقابلات نظرية.
السؤال… هل تقابلتم مع الله مقابلة عملية؟ هل شاهدتموه في حياتكم وحدثتموه؟
وسؤال… ما هو الله بالنسبة لنا؟ … هل الله شيء ورثتموه من آبائكم كالأب المؤمن الذي أنجب ابنًا مؤمنًا…؟
هل الله بالنسبة لكم هو الموجود في الكتب، أخذتموه في المدارس والكنيسة ومدارس الأحد؟ الله بالنسبة إليكم من هو؟
كيف تقابلتم مع الله؟ … كثيرون قابلوا الله وعاشوا معه واختبروه وجربوه وذاقوه.
ذوقوا.. وانظروا… ما أطيب الرب مثلما يتحدث يوحنا البشير: “الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة”… لقد عاش معه وذاقه ونظره… إنه تعوزنا هذه المقابلة في حياتنا، أن نقابله ونجربه ونلمسه وهكذا يصبح الله بالنسبة لنا وجودًا عمليًا في حياتنا وليس وجودًا فكريًا ونظرية من النظريات.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 25-3-1973م



