التعب المقدس وراحتك في إراحة غيرك

التعب المقدس وراحتك في إراحة غيرك[1]
تحدثنا في العدد الماضي عن الراحة الحقيقية وعن ألوان من الراحة. ونتحدث اليوم عن:
التعب المقدس وراحتك في إراحة غيرك
الإنسان الروحي لا يهرب من التعب بحثًا عن الراحة بل يفرح كثيرًا بأن يتعب من أجل الله.
إنه يبحث أولًا عن راحة ضميره، عن راحته في الرب. أما راحة الجسد، فيضعها في آخر اهتماماته. ويفضل التعب إن كان فيه كسب روحي. ويرى راحته في هذا التعب الذي يوصله إلى الله، والذي يكون فيه بناء الملكوت.
وهنا نميز لونًا من التعب المقدس، له أمثلة كثيرة في الكتاب:
منه التعب في الكرازة والتعليم، وفي الخدمة عمومًا، والتعب في الجهاد الروحي. والقديس بولس الرسول، لما ظنه البعض أقل من باقي الرسل في درجة الرسولية قال مدافعًا عن رسوليته: “بَلْ أَنَا تَعِبْتُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ جَمِيعِهِمْ. وَلَكِنْ لاَ أَنَا بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي” (١كو15: 10). وقال: “أَهُمْ خُدَّامُ الْمَسِيحِ؟ أَقُولُ كَمُخْتَلِّ الْعَقْلِ: فَأَنَا أَفْضَلُ. فِي الأَتْعَابِ أَكْثَرُ. فِي الضَّرَبَاتِ أَوْفَرُ. فِي السُّجُونِ أَكْثَرُ. فِي الْمِيتَاتِ مِرَارًا كَثِيرَةً” (٢كو11: 23). وقال عن خدمته أيضًا: “فِي تَعَبٍ وَكَدٍّ. فِي أَسْهَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً…” (2كو11: 27) فكان أهم ما افتخر به هو التعب. وقال عن مكافأة التعب:
“كُلَّ وَاحِدٍ سَيَأْخُذُ أُجْرَتَهُ بِحَسَبِ تَعَبِهِ” (١كو3: 8).
وقد مدح الكهنة “الَّذِينَ يَتْعَبُونَ فِي الْكَلِمَةِ وَالتَّعْلِيمِ”، وقال عنهم: “فَلْيُحْسَبُوا أهْلًا لِكَرَامَةٍ مُضَاعَفَةٍ” (١تي 5: 17). وقال لأهل تسالونيكي: “نَسْأَلُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَعْرِفُوا الَّذِينَ يَتْعَبُونَ بَيْنَكُمْ وَيُدَبِّرُونَكُمْ فِي الرَّبِّ وَيُنْذِرُونَكُمْ، وَأَنْ تَعْتَبِرُوهُمْ كَثِيرًا جِدًّا فِي الْمَحَبَّةِ” (١تس5: 12).
وفى رسالته إلى روما ذكر أسماء نسوة قديسات تعبن في الخدمة:
فقال: “سَلِّمُوا عَلَى مَرْيَمَ الَّتِي تَعِبَتْ لأَجْلِنَا كَثِيرًا… سَلِّمُوا عَلَى تَرِيفَيْنَا وَتَرِيفُوسَا التَّاعِبَتَيْنِ فِي الرَّبِّ. سَلِّمُوا عَلَى بَرْسِيسَ الْمَحْبُوبَةِ الَّتِي تَعِبَتْ كَثِيرًا فِي الرَّبِّ” (رو16: 6، 12).
إن كل تعب يتعبه الإنسان من أجل الرب، هو تعب محبوب لا يمكن أن ينساه الله. وذلك كما قال الرسول:
“لأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَالِمٍ حَتَّى يَنْسَى عَمَلَكُمْ وَتَعَبَ الْمَحَبَّةِ الَّتِي أَظْهَرْتُمُوهَا نَحْوَ اسْمِهِ” (عب6: 10).
حسن أن تقول أنك تحب الله. ولكن محبتك له تظهر في تعبك من أجله… والله يكافئك على المحبة وعلى التعب… وهكذا قال الرسول: “لَمْ أَسْعَ بَاطِلًا وَلاَ تَعِبْتُ بَاطِلًا” (في2: 16). وقال لأهل كورنثوس: “كُونُوا رَاسِخِينَ غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ عَالِمِينَ أَنَّ تَعَبَكُمْ لَيْسَ بَاطِلًا فِي الرَّبِّ” (١كو15: 58).
إن الإنسان الذي يتعب، يفرح بثمار تعبه:
مثال ذلك: الزارع الذي يتعب في حرث الأرض وزرعها وريها، وتنظيفها من الآفات… إلى أن يأتي وقت الحصاد، فيفرح، ويعرف أن تعبه لم يكن باطلًا، بل كافأه الرب بالبركة حسب كل تعبه…
إن كل تعب يتعبه الإنسان بهدف روحي، وبأسلوب روحي، من أجل الله، هو تعب محسوب له عند الله، مسجل عنده. وهكذا قال الرب لملاك كنيسة أفسس: “أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ وَتَعَبَكَ وَصَبْرَكَ” (رؤ2: 2).
إنه أمر معزي أن الله يعرف كل تعبك، ويكتبه لك في سفر الحياة، ولا بد سيكافئك عنه في الأبدية السعيدة، وربما في هذه الحياة أيضًا. كما يسندك في تعبك ويقويك. أو يقول لك كما قال للقديس بولا الطموهي في جهاده: “كفاك تعبًا يا حبيبي بولا”… وهو يقول على الدوام:
“تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ وَأَنَا أُرِيحُكُمْ” (مت11: 28).
يريحنا بأن يرفع الأثقال عنا، أو يعزينا عزاءً روحيًا في أتعابنا، أو يقدم لنا وعوده الجميلة، أو يعطينا لذة في التعب حتى نشتاق إلى تعب أكثر، أو يذكرنا بأن كل عملنا لأجله سيتبعنا في الأبدية السعيدة، كما قيل في تطويب المنتقلين:
“… لِكَيْ يَسْتَرِيحُوا مِنْ أَتْعَابِهِمْ، وَأَعْمَالُهُمْ تَتْبَعُهُمْ” (رؤ14: 13).
لذلك فالإنسان الروحي، حينما يتعب من أجل الرب، يشعر ببركة في هذا التعب. وإن كل تعب له إكليل، فلا يركن إلى الراحة أبدًا في هذه الحياة، متذكرًا قول الوحي في سفر الأمثال: “فِي كُلِّ تَعَبٍ مَنْفَعَةٌ” (أم14: 23).
وكما قدم لنا الكتاب المقدس أمثلة للذين تعبوا لأجل الرب.
كذلك قدم لنا تاريخ الكنيسة أمثلة من التعب المقدس:
القديس أثناسيوس الرسولي مثلًا، كم تعب من أجل الإيمان، وكم اضطهادات لاقاها من الآريوسيين الهراطقة… وكم من اتهامات باطلة، ومقاومات كثيرة صدرت ضده، ومجامع حكمت عليه، وشكاوى للإمبراطور، وأحكام بالنفي حتى قيل له “العالم ضدك يا أثناسيوس”…!! ولكنه احتمل كل هذا التعب في صبر وفي فرح، لأجل حماية الإيمان، آخذًا بركة هذا التعب…
وبالمثل وأكثر: التعب الذي احتمله الشهداء:
من تهديد ومحاكمات وسجن وألوان مرعبة من التعذيب، وما ذاقوه من آلام فوق الوصف… ولكنه كان تعبًا مباركًا من أجل الرب، نالوا عليه أكاليل، واستحقوا بسببه الراحة الأبدية.
الإنسان الروحي يفرح بالتعب، ويجد راحته فيه:
أي أنه يجد راحته الداخلية في هذا التعب الخارجي، أو يجد راحة روحه في تعب جسده، أو يجد الراحة الأبدية في هذا التعب الزمني المؤقت فهو مستعد أن يتعب هنا ليستريح هناك.
إن القديس يوحنا المعمدان لاقى المتاعب في توبيخ هيرودس على أنه أخذ امرأة أخيه، فسجن وقطعت رأسه. ولكنه أراح ضميره ليستريح في الأبدية، أعطانا جميعًا مثالًا قويًا للشجاعة في الدفاع عن الحق.
لا ننسى أيضًا تعب الذين كانوا أمناء في الخدمة، وقد وضعوا أمامهم قول الرب:
“كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ” (رؤ2: 10).
“إلى الموت”… هل يوجد تعب أكثر من هذا؟! ولكنه تعبير عن محبة الإنسان لله… انظر دَاوُدَ النبي وهو يقول: “ولا أصْعَدُ عَلَي سَريرِ فِراشي. ولا أُعْطي لِعَيْني نَوْمًا، ولا لأجْفاني نُعاسًا، ولا لصدْغي راحَةً. إلَي أنْ أجِدَ مَوْضِعًا لِلرَّبِّ، ومَسْكَنًا لإلَهِ يَعْقوبَ” (مز132: 3- 5). إنه لا يسمح لنفسه بالراحة الجسدية، إلا إذا أتم واجبه وحقوق مسئوليته في خدمة الرب. وحينئذ يستريح روحًا وجسدًا. ينام وهو مستريح من الداخل…
الإنسان الروحي لا يهرب من التعب. فالذي يهرب من التعب، إنما يهرب من الله.
إنه يهرب من واجبه ومن مسئوليته، ويهرب من الأكاليل المعدة…! بينما الذي يتعب، إنما يظهر بالتعب مقدار محبته لله، ومقدار اهتمامه بملكوت الله على الأرض، واهتمامه بخدمة الله في أشخاص أولاده…
لذلك إن أردت أن تستريح في قلبك، اعمل على راحة غيرك:
كل الذين أراحوا غيرهم، شعروا بسعادة داخلية بسبب ذلك، حتى في مجال الحياة الاجتماعية. وما أكثر الأمثلة على ذلك:
فالطبيب يجد راحة في ضميره وقلبه عندما يريح المريض الذي يعالجه، ويبعد عنه الألم. ورسام الكاريكاتير يجد راحته في أن يفرح من يروا رسومه ويقرأوا فكاهاته. وهكذا كل فنان يجد راحته عندما يدخل فنه إلى قلوب الناس ويريحهم.
الشخص الذي يبحث عن راحته الشخصية، قد يكون أنانيًا:
أما الإنسان الروحي فيفكر دائمًا في راحة الآخرين… هناك نفوس يمكن أن نسميها نفوسًا مريحة، كل من يختلط بها يستريح. وهي مصدر راحة باستمرار. ونضرب لذلك أمثلة:
مثال ذلك الأمومة والأبوة:
الأم تتعب جدًا في تربية ابنتها. وتتعب في تجهيز ابنتها للزواج. وتفرح بزواجها لأنها استقرت في حياتها. وعلى الرغم من أنها حرمت من عشرتها، إلا أنها تشعر بسعادة لسعادتها. وربما تبيع مجوهراتها وحليها لتجهيز ابنتها إذا لزم الأمر. وهكذا الأب في تربية أبنائه وفي الاهتمام بتعليمهم ومستقبلهم. ويشعر أن رسالته في الحياة هي أن يجلب كل وسائل الراحة والسعادة لأبنائه. ولكل هذا نجد أن إلهنا الصالح لقب نفسه بالأب السماوي والمهم أن الأب والأم يريحان أبناءهم على أساس سليم.
مثال آخر في إراحة الآخرين، هو الراعي وعمله لأجل رعيته:
انه لا يعمل من أجل راحة نفسه، بل يبذل كل جهده من أجل خرافه، يأتي بها إلى المراعي الخضراء وإلى ماء الراحة، ويحميها من كل اعتداء تتعرض له ومن كل خطر. ولهذا كله أقام الله رعاة لشعبه للاهتمام بهم، ليرعوا رعية الله التي اقتناها بدمه (أع20: 28).
بل أن الرب نفسه شبه نفسه بالراعي، وقال: “أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ” (يو10: 11). وقال الرب في العهد القديم، وفي سفر حزقيال النبي: “أَنَا أَرْعَى غَنَمِي وَأُرْبِضُهَا يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. وَأَطْلُبُ الضَّالَّ، وَأَسْتَرِدُّ الْمَطْرُودَ، وَأَجْبِرُ الْكَسِيرَ، وَأَعْصِبُ الْجَرِيحَ” (حز34: 15، 16). كله عطاء لراحة غنمه…
كل هذا يعطينا فكرة عن الراحة في العطاء:
الإنسان الروحي يجد سعادته في أن يعطي، ويجد راحته في سعادة الذي هو يعطيه.
إن الرضيع يجد راحته في المرضعة التي ترضعه، سواء كانت أمه أو غيرها. والمرضعة تجد راحتها في راحته. وإذا ابتسم، تشعر بسعادة كبيرة. ما أكثر ما يعمل من أجل الطفولة. كلها راحة في العطاء.
“ستظل قلوبنا قلقة إلى أن تجد راحة فيك”:
الإنسان البعيد عن الله يعيش في تعب، لأن الراحة الحقيقية لا يجدها إلا في الله. ولذلك حسنًا قال داود النبي: “أَمَّا أَنَا فَالاِقْتِرَابُ إِلَى اللهِ حَسَنٌ لِي” (مز73: 28). وقال: “الاِتِّكالُ عَلَي الرَّبِّ خَيْرٌ مِنَ الاِتِّكالِ عَلَي البَشَرِ. الرَّجاءُ بالرَّبِّ خَيْرٌ مِنَ الرَّجاءِ بالرُّؤَساءِ” (مز١١٧: 8، 9)، “دُفِعْت لأَسْقُطَ والرَّبّ عَضدَني. يَمينُ الرَّبِّ رَفَعَتْني، يَمينُ الرَّبِّ صَنَعَتْ قُوَّةً” (مز١١٧: 13، 16).
كما يستريح الإنسان في حياة الإيمان، يستريح في حياة الرجاء.
الذي يفقد الرجاء، يقع في اليأس، ويقترب من الهلاك أو الضياع. أما الإنسان الروحي، فيرى بالرجاء أن كل مشكلة لها حل، وكل باب مغلق له مفتاح أو عدة مفاتيح، وكل سقطة لها قيام بعدها.
المشاكل لها شكل هرمي. ترتفع حتى تصل إلى قمتها، ثم تنحدر نازلة على الجانب الآخر. هكذا كانت مشاكل يوسف الصديق، ارتفعت حتى أوصلته إلى السجن، ثم نزلت ووصل إلى المملكة. وبالمثل كانت تجربة أيوب: ارتفعت حتى فقد كل شيء، ثم انتهت فنال البركة بالضعف (أي42: 10).
راحة الإنسان الروحي في حياة التسليم والسلام، وحياة الإيمان والرجاء.
وثق أنك إذا استرحت في الداخل، ستستريح من الخارج أيضًا:
وباستمرار لتكن وسائلك إلى الراحة وسائل روحية. لأن هناك إنسانًا قد يقع في مشكلة، فيجد راحته في كذبة تغطيها، أو في حيلة كلها خداع كما فعل دَاوُدَ لما سقط! أو إنسان يتعب، فيلجأ إلى حبوب مسكنة، لا تحل مشكلته أو تتيهه عنها…
والراحة ليس معناها التوقف المطلق عن العمل، إنما البعد عن الإرهاق:
فإذا تعبت من التفكير في موضوع ما، ولا تستطيع أن توقف عقلك عن الفكر تمامًا، هنا تغير مجرى تفكيرك، وتستبدل فكرًا بفكر، فتستريح، أخيرًا.
فإن موضوع الراحة والتعب، لا شك له معنا لقاء آخر، إن أحبت نعمة الرب وعشنا…
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “سلسة الإنسان الروحي (6) التعب المقدس وراحتك في إراحة غيرك”، وطني 29 سبتمبر 1991م، كما نُشرت في وطني بتاريخ 23 مارس 2008م.





