إذ نحتفل اليوم بعيد النيروز المبارك، ببدء عام جديد من أعوام الكنيسة القبطية، وإذ نفرح بالعيد، إنما تكون فرحتنا فرحة روحية، فرحة النفس بصلتها بالله…
فينتهز الواحد منا فرحته ببداية عام جديد، لكي يجلس مع نفسه، ويهتم بمصيره، ويحاول أن يغير من حياته…
إنها فرصه نجلس فيها مع أنفسنا. نقطة بداية، نحاول أن نبدأ فيها علاقة مع الرب.
جلسة مع النفس1
حسن أن يبحث الانسان عن فرصة يجلس فيها مع نفسه.
هناك من يفعل هذا في بداية عام جديد، أو في يوم ميلاده، أوفي يوم عماده، أو في ذكرى زواجه، أو في أية مناسبة بارزة، لكي يفكر في حياته.
ان مشغوليات الحياة قد تلف الانسان احيانا، فينسى نفسه…
ينسى أن يجلس إلى نفسه، ينسى أن يفكر في حالته وفي مصيره… إنه مشغول باستمرار.
كثير من الجلسات مع النفس، استطاعت ان تقود الى التوبة:
لما كان الابن الضال مشغولا مع أصحابه، استمر في ضلاله…
إذ لم يكن لديه وقت ولا رغبة للجلوس مع نفسه، ولكنه لما جلس إلى ذاته في يوم ما، وفحص حالته، استطاع أن يدرك الحقيقة المرة، ويقول” كم من اجير عند أبى يفضل عنه الخبز، وأنا هنا أهلك جوعا”، وقام وذهب إلى أبيه، وبدأ حياه جديدة.
كذلك القديس أوغسطينوس لم يتب وهو في دوامة المشغوليات…
دوامة اللذة والأصحاب، ثم في دوامة الفلسفة. لكنه لما جلس إلى نفسه أستطاع أن يرجع إلى الله.
ان أول عمل للوعاظ والآباء والمرشدين، هو دعوة الانسان للجلوس الى نفسه. أما الشيطان، فيحاول أن يبعدك عن ذلك بكل قوته. يخشى أن تجلس مع نفسك، فتعرف حقيقتك، فتصل الى الله.
حتى المناسبات المقدسة وفترات الأعياد، يحاول أن يشغلها بالتمام بالحفلات والأنشطة، حتى لا نفرغ للتفكير في أنفسنا.
ما أسهل أن ننشغل في عيد النيروز بالحديث عن الشهداء وعذاباتهم، وننسى أنفسنا… نتحدث عن التاريخ، وننسى الواقع! حسنة هى أخبار الشهداء، ولكن إلى جوارها، فلنفكر في أنفسنا..
يحتاج الانسان في جلسته مع نفسه، الى الصراحة الكاملة..
هناك من يستاؤن من صراحة الآخرين. وإذا كلمهم أحد بصراحة عن اخطائهم، يعتبرونه عدوًا..
ذلك لأن محبة المديح طبع سائد على الإنسان… وإن لم يجد من يمدحه، يحاول أن يمدح نفسه ويتحدث عن أعماله الحسنة…
كان الأنبياء يقاسون كثيرًا. اذ يكلمون الناس بصراحة عن أخطائهم
مثلما قاسى إرميا النبي، حينما ألقاه الناس في الحمأة والوحل، وألقى أيضًا في السجن. ومثلما قاسى يوحنا المعمدان حينما كلم هيرودس بصراحة عن خطأ تصرفه… وقد قال القديس يوحنا ذهبي الفم “إن قول الحق ما أبقى لي صديقًا”…
فان كانت صراحة الناس معك تتعبك، اذن لا اقل من ان تكون صريحًا مع نفسك. قل لها ما يريد الناس أن يقولوه.
إن قال لك أحد إنك مخطئ، قد تتضايق. ولكنك تستطيع أنت تقول لنفسك، لكي تدين هذه النفس وتحكم عليها، متذكراً قول القديس مقاريوس:
أحكم يا أخي على نفسك، قبل أن يحكموا عليك…
افحص ذاتك: ما هي أخطاؤك ونقائصك وسقطاتك. وكن صريحًا وشديدًا وقاسيًا. قسوتك لا تستخدمها مع الناس، ولكن استخدمها مع نفسك. وحب الإدانة والحكم وتحليل الأعمال، لا تستخدمه مع الناس، بل استخدمه مع نفسك.
ان لوم النفس من الفضائل النافعة جدًا واللازمة للخلاص…
مشكلة الفريسي أنه لم يحكم على ذاته، بل وقف يتحدث عن فضائلها حتى أمام الله. (أشكرك يا الله، إني لست مثل سائر الناس الظالمين الخاطفين الزناة، ولا مثل هذا العشار. أصوم يومين في الأسبوع، واعشر كل أموالى). أما العشار فإنه أدان نفسه وقال ” ارحمني يا رب فإني خاطئ”.
وكما تميز العشار على الفريسي بإدانته لنفسه، كذلك تميز اللص اليمين على زميله في قوله (نحن بعدل جوزينا).
قال القديسون” إن دنا أنفسنا، رضى الديان عنا”. وقال القديس يوحنا الحبيب “إن قلنا إنه ليست لنا خطية، نضل أنفسنا وليس الحق فينا. إن اعترفنا بخطايانا. فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل إثم” (1يو1: 8 , 9).
ان أكثر ما يحطم روحيات الانسان، هو تبرير نفسه لنفسه…
كانت هذه مشكلة أيوب. كذلك أخطأ آدم وحواء، إذ حاول كل منهما أن يعذر نفسه…
اذن، كما تبعد عن مديح الناس لك، ابعد عن المديح الذي يأتيك من ذاتك. لا تبرر نفسك، ولا تعذرها…
في إحدى المرات ذهب بعض رهبان الإسقيط إلى القديسة سارة، وحدثوها عن ضعفاتهم. فقالت لهم “بالحقيقة أنكم إسقيطيون. لأن ما فيكم من الفضائل تخفونه. وما ليس فيكم من الرذائل تنسبونه إلى أنفسكم”…
فإن كان بعض القديسين ينسبون الى أنفسهم اخطاء ليست لهم، فعلى الأقل اعترف بالخطايا التي لك، ولا تبررها…
لماذا يستمر كثير من الخطاة في أخطائهم؟ لأسباب عديدة، من بينها أن غالبية الخطاة: أنفسهم جميلة في أعينهم وصالحة. وهم دائمًا يدافعون عن أعمالهم ولا يلومون أنفسهم. إنهم لا يشعرون في أعماقهم بأنهم مخطئون، لذلك يستمرون في أخطائهم.
أما أنت فأهتم بإدانة نفسك، لأن ذلك يساعدك على التوبة، ويجلب لك الاتضاع وانسحاق القلب، ويمكنك من الاعتراف.
كثير من الناس إذا اكتشفوا خطية في أنفسهم، يحاولون ان يأتوا باللوم على غيرهم، لكي يحولوا الدفة إلى هذا الغير، ناسين ما فعلوه هم. مثلما حول آدم دفة اللوم إلى حواء ناسيًا خطيته هو. ومثلما فعلت حواء بالنسبة إلى الحية…
إن لومك للغير، لا يبرر ذاتك، حتى لو كان ذلك الغير ملومًا فعلًا… المهم في ما فعلته أنت، لأنك مطالب به.
لا تلجأ إذن إلى سياسة التحويل، أو التبرير، أو الأعذار، أو القاء اللوم على الآخرين، ولا تقلل من قيمة الخطية، ولا تفلسفها، ولا تحاول أن تختفي وراء القصد أو حسن النية… لا توسع ضميرك لكي يبتلع خطايا معينة لا تريد أن تتحمل مسئوليتها أو نتائجها.. وكل خطية تعرفها عن نفسك، أترك الظروف المحيطة، واترك الأعذار وجانب الآخرين، وركز على الجانب الخاص بك أنت.
لأنك ان كنت لا تستطيع ان تعترف فيما بينك وبين نفسك أنك اخطأت، فكيف يمكنك أن تعترف بهذا أمام الناس، أو أمام الأب الكاهن؟
إن داود النبي عندما شتمه شمعي بن جيرا بغير وجه حق، قال “إن الله قال لهذا الإنسان اشتم داود” واعتبر نفسه مستحقًا لتلك الشتائم. وهكذا تذكر خطاياه، ولم يحول مشاعره أو تفكيره إلى خطية شمعي ابن جيرا في شتيمته.
لا شك أن لوم النفس، يدرب صاحبه على فضيلة الاحتمال.
لذلك إذا لامك أحد على شيء، لُم نفسك من الداخل، حتى يكون هناك توافق بين داخلك وخارجك، فتصل الى الاحتمال، وتصل أيضًا إلى التواضع (كما شرح القديس أنطونيوس).
وحاول أن تستفيد من لوم الناس لك ومن انتقاداتهم وتبكيتهم ربما بهذا الأمر يكشفون لك أخطاءً فيك تحتاج إلى علاج، ولم تكن متنبهًا لها من تلقاء ذاتك…
واحترس من تبرير الذات فان له أضرارا عديدة، منها:
أنه يقود إلى الاستهتار والاستهانة واتساع الضمير، وفقد التمييز بين الخير والشر. كما يؤدى إلى الاستمرار في الخطية ما دام لها ما يبررها، وقد يتحول هذا الاستمرار إلى عادة أو طبع، وينتهي إلى قساوة القلب.
واحترس ايضا من المديح، لأنه قد يتحول الى غلاف تغلف به خطاياك، فلا تراها. ولا تبصر سوى محاسنك…
بهذا لا تبصر سوى النواحي المضيئة في حياتك التي تجلب لك المديح ولا ترى النقائص التي تسبب لك انسحاق القلب، وتقودك إلى التوبة. قل لنفسك: إن مديح الناس لي لن يفيدني شيئا، ومديح نفسي لي، هو أيضا سوف لا يفيدني…
ان جلستك مع ذاتك هدفها تنقية النفس وليس تبريرها.
وأول خطوة للتنقية هي اكتشاف ضعفات النفس، ولومها عليها، ومعرفة أسباب سقوطها وتحاشيها، وعرض كل ضعفات النفس أمام الله ليهب القوة، وعرض كل خطاياها عليه في ندم وانسحاق، لكي يهب الحل والمغفرة.
وكما تندم على خطاياك في العام الجديد، اندم أيضًا على أيامك التي ضاعت ولا يمكن استرجاعها مرة اخرى…
إن كل يوم يمر من حياتك، قد عبر وانتهى. قد تندم عليه، قد تبكي عليه، قد تتوب عما حدث فيه، قد تحاول أن تعوض ما فقدته فيه، ولكنك لا يمكنك أبدًا أن تسترجعه. لذلك أحرص على أيامك لئلا تضيع هباءً…
أما أيامك المقدسة المنيرة، فأنها لم تضع أبدًا. انها كنوز محفوظة لك. وهي خيرات روحية تنفعك في مستقبلك…
أيامك التي قضيتها في صلوات وتأمل وتسابيح وقراءات روحية واجتماعات روحية وعمل روحي أيّاً كان نوعه، هي زاد مخزون يمكن أن تجتره في أي وقت فيغذيك. وهي أيضًا أساس متين تبنى عليه في المستقبل. وهي خبرات جميلة تفيدك في كل علاقاتك مع الله. إن أيامك الروحية أيام خالدة، لم تضع ولم تمت.
وفي جلستك مع نفسك، لا تركز فقط على الماضي، من جهة المحاسبة والندم، انما أيضًا ضع خطة حكيمة للمستقبل، من واقع حالتك واختباراتك، خطة فيها تدقيق شديد.
وفي خطة المستقبل، لا تته وسط تفاصيل عديدة، وإنما اهتم أولًا بالفضائل الأمهات التي تحوي داخلها باق الفضائل، مثل فضيلة المحبة، أو فضيلة الإيمان… فإنك إن أدركت واحدة منها في عمقها، أدركت الحياة كلها.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد الثامن والثلاثون) 19-9-1975م




