أهمية الإكليريكية بالنسبة للكنيسة

أهمية الإكليريكية بالنسبة للكنيسة1
أثرها في نهضة الكنيسة:
بدأت الإكليريكية مع مبدأ الكرازة في مصر. أسسها كاروزنا القديس مار مرقس الرسول، وعهد بإدارتها إلى القديس يسطس.. وظلت تؤدي رسالتها الحيوية في الكنيسة، وأخرجت قديسين وعلماء تفخر بهم المسيحية في كل مكان، وأخرجت بطاركة وأساقفة للكرسي المرقسي ولغيره من إيبارشيات العالم المسيحي كله. كما أدت رسالتها في الدفاع عن الإيمان القويم ضد البدع والهرطقات. وبسببها نالت كنيسة الإسكندرية مكانة لم تنلها كنيسة أخرى طوال تلك الأجيال، فتزعمت المجامع المسكونية، وأصبح باباها هو قاضي المسكونة…
وظلت الرعاية سليمة والتعليم بخير طول مدة كفاح الإكليريكية. فلما ضعفت وأُغلقت نتيجة للأضطهادات المريرة التي عانتها الكنيسة، شعرت الكنيسة بخسارة لا تقدر، وفقدت مكان الصدارة التي كانت لها، وانتشر الضعف في كثير من مرافقها، وهلك الشعب من عدم المعرفة (هو4: 6).
ومر وقت لم يوجد في الكنيسة كلها واعظ واحد. حتى أنه عندما أعيد تأسيس الإكليريكية في الجيل الماضي، لم يوجد مدرس واحد يتولى تدريس الدين في هذا المعهد اللاهوتي العظيم!! فتعين حبيب جرجس- وهو بعد طالب- ليتولى تدريس الدين في الإكليريكية.
كان الظلام قد لف كل شيء. وكانت الطوائف الغربية قد انتشرت في أرضنا، وبدأت تأكل من جسم الكنيسة لتنمو هي. وعندئذ عادت الإكليريكية لتقوم برسالتها من جديد.
عملها في الكنيسة حاليا:
بدأت فكرة اعادتها من أيام البابا كيرلس الرابع أبي الصلاح، وأخذت دورها التنفيذي في عهد البابا كيرلس الخامس الذي شجعها بكل ما أوتي من قوة، وقدم لمديرها الأرشيدياكون حبيب جرجس كل الإمكانيات المعنوية والمادية، حتى أعيد بناء الإكليريكية من جديد، واستمرت تؤدي رسالتها في نشر التعليم الديني.
وخطت الإكليريكية خطوات واسعة ولم يمض على تأسيسها سوى 74 عامًا. فأصبحت تضم ثلاثة أقسام: القسم العالي النهارى لحملة الثانوية العامة، والقسم المتوسط النهارى لحملة الإعدادية، والقسم الليلي لحملة الشهادات الجامعية وأصبحت تضم في قسميها النهاريين أكثر من 100 طالبًا، وفي قسمها الجامعي أكثر من 150 طالبًا من قادة الشباب والتربية الكنسية.
وأعيد إنشاء معهد ديديموس لتخريج عرفاء للكنيسة، وضم في السنة الماضية أكثر من 20 طالبًا من المكفوفين والمبصرين.
وأخذ معهد الدراسات القبطية يقوم بأداء رسالته بإشراف نخبة من العلماء. واحتضنت الإكليريكية مدارس التربية الكنسية، وبدأت في إعداد المناهج الجديدة… كما بدأت تعمل في تقديم مدرسين للتعليم الديني بالمدارس الحكومية وقامت بخدمة واسعة في القرى والمدن المحيطة.
وفتحت الإكليريكية أبوابها للشعب في المحاضرات العامة بالقاعة المرقسية ثلاثة أيام في الأسبوع: يوم الثلاثاء لدرس الكتاب المقدس، يوم الأربعاء للمحاضرات اللاهوتية، ويوم الجمعة للمحاضرات الروحية.
وعملت الإكليريكية في الاقاليم، خارج القاهرة، بطلابها وأساتذتها.
وما زالت الإكليريكية تتطلع إلى قدام لتعمل عمل الرب، وتؤدي رسالتها التعليمية في كفاح وعرق ودموع… وهي تصلي كل يوم مع الكاهن قائلة:
“اذكر يا رب اجتماعاتنا، باركها. أعطها أن تكون لنا بغير مانع ولا عائق لنصنعها حسب مشيئتك الصالحة الطوباوية…”.
المعاهد اللاهوتية للطوائف الأخرى:
وقد تنبهت الطوائف الأخرى في مصر إلى أهمية المعاهد اللاهوتية، فأنشأت لها معاهد لتخريج الرعاة والوعاظ والمعلمين.
فالبروتستانت أسسوا من عشرات السنوات مدرسة الأمريكان بأسيوط التي أخرجت عددًا وفيرا من الوعاظ، ثم أسسوا معهدًا لاهوتيًا بالعباسية.
والكاثوليك أسسوا معهدًا لاهوتيًا في المعادي تكلف بناؤه فقط ربع مليون من الجنيهات غير ثمن أرضه التي تبلغ عددا من الفدادين. وفيه لكل طالب غرفة خاصة لمبيته ومكتبته ودراسته. وكان مديره غبطة الكاردينال الأنبا اسطفانوس بطريرك الكاثوليك الحالي (عندما كان أسقفًا).
وحتى طائفة الأدفنتست السبتيين لهم مدرستهم اللاهوتية الخاصة.
ويعوزنا الوقت إن تكلمنا عن المعاهد الدينية لباقي الطوائف في مصر وخارجها.
وكل هذه المعاهد اللاهوتية تتلقى اهتماما كبيرًا من كنائسها. وتعتني بطلبتها كل العناية، وتقوم بجميع نفقاتهم، ويقيمون بها إقامة كاملة. وتدفع بعض المعاهد لكل طالب من طلبتها منحة مالية أثناء تلمذته، تصل عند البعض إلى ثمانية جنيهات في الشهر، وعند البعض الآخر إلى 15 جنيها شهريًا..
وتشترط كل هذه الطوائف إلا يسام كاهن أو راع إلا من خريجى معاهدها الدينية.
الإقامة الداخلية:
وإقامة الطلبة بالقسم الداخلي بالمعاهد اللاهوتية، هو أمر من أهم الأمور وأخطرها في التربية الدينية. حيث يكون الطالب تحت إشراف روحي كامل طول يومه، وتحت توجيه معين في نشاطه وعبادته وطريقة تصريف يومه.
ونحن في كليتنا اللاهوتية الإكليريكية لا نسمح للطلبة مطلقا بالمبيت خارج الكلية مع أن أهل بعضهم في القاهرة، ومن الكهنة، ومن الموثوق بهم، ومع ذلك لا بد أن يعيشوا في القسم الداخلي ليشتركوا في نشاطه الروحي والعلمي ويخضعوا لإشراف الكلية وتوجيهها.
إن الكلية الإكليريكية ليست مجرد معلومات، وإنما هي حياة…
الإكليريكية في أزمة:
وبعد، إن الإكليريكية تجتاز حاليًا أزمة شديدة لم تشهدها منذ تأسيسها. وإننا نركع أمام أرواح جميع القديسين الذين أداروها والذين تخرجوا فيها، ونركع أمام روح أبينا ومعلمنا الأرشيدياكون حبيب جرجس مؤسسها في عصرها الحديث، طالبين شفاعتهم جميعًا من أجل الكلية التي هي معهدنا اللاهوتي الوحيد.
صلوا من أجل الإكليريكية
إن الإكليريكية وديعة الأجيال في أيدينا، وديعة تسلمناها من القديسين. حفظها الرب وأبقاها.
شنوده
أسقف المعاهد الدينية والتربية الكنسية
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثالثة – العدد السابع سبتمبر 1967م


