خطوات في الطريق إلى الله
| الكتاب | خطوات في الطريق إلى الله |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الأولى، 2021م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 23649 / 2021م |
| الترقيم الدولي | 978-977-86014-3-5 |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا شنوده الثالث جعلته يترك لنا تُراثًا
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم كتاب:
خطوات في الطريق إلى الله
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
هذا الكتاب
هذا الكتاب
هو عبارة عن سلسلة مقالات نشرها قداسة البابا شنوده الثالث في مجلة الكرازة خلال
إن هذا الكتاب بمثابة مُرشد في جهادنا الروحي، حيث يقدم عدة فضائل يجب أن تتوافر في الإنسان الروحي، وذلك من خلال مجموعة من الخطوات تساعدنا على السير في الطريق إلى الله..
وقد طرح قداسة البابا شنوده الثالث مجموعة من التساؤلات التي يجب أن يفكر فيها كل إنسان روحي ليختبر حقيقة علاقته مع الله.. فيقول: "إن هناك عبارات معينة قالها مختبرو الرَّب، هل عرفت مدى عمقها في حياتك؟ وهل تستطيع أن تقولها معهم؟ مثل...
هل حقًا ذقت الرب؟ وهل شعرت كم هو حلو في فمك، وكم عِشرته جميلة، وكم هي ألذ من كل شيء؟
هل عرفت معنى عبارة "وَأُوجَدَ فِيهِ" (في3: 9)؛ الذي به "نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ" (أع17: 28)؛ وهل اختبرت عبارة: "فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ"؟ (غلا2: 20) هل أنت فعلًا سائر في نفس الطريق الذي سار فيه هؤلاء الآباء؟
إن من علامات حياتك مع الله، أن تكتفي به... فهل أنت كذلك. هل الله قد أشبع حياتك تمامًا، ولم تعد محتاجًا إلى شيء آخر إلى جواره؟ هل أصبح الله بالنسبة إليك هو الكل في الكل. أم أن قلبك ما زال ينبض بأمور أخرى في العالم، يحن إليها ويشتاق، قليلة كانت أم كثيرة؟".
وموضوعات وتساؤلات أخرى طرحها قداسته على صفحات هذا الكتاب، ولك أيها القارئ العزيز أن تتجول بين الصفحات، تنهل وتستقي من هذا النبع الفيّاض لقداسته، ليكون لك مُعلّمًا ومرشدًا في الطريق إلى الله.
بركة والدة الإله العذراء القديسة مريم وقداسة البابا شنوده الثالث، وصلوات قداسة البابا المعظم الأنبا تواضروس الثاني تكون معنا، وترشدنا، وتنير لنا الطريق، وتساعدنا لاستكمال رسالتنا في ضوء محبة الله وتنفيذ وصاياه.
القمص بطرس بطرس جيد
مركز مُعَلِّم الأجيال
لحفظ ونشر تراث البابا شنوده الثالث
خطوات في الطريق الروحي
خطوات في الطريق الروحي*
نحدثكم عن خطوات في الطريق إلى الله: ما هي طبيعة العلاقة بيننا وبين الله: كيف تبدأ، وكيف تتطور، وإلى أين تصل؟
تبدأ الحياة مع الله، بالالتقاء به. يقابلك الله في طريق الحياة، يقدم لك ذاته بطريقة ما، فتتكون صلة...
وتكون الخطوة الأولى هي التعرف على الله، والتعرف على الله غير معرفة الله، التي تبدأ ولا تنتهي...
وإذ تتعرف على الله، وعلى طرقه، تشعر كم أنت بعيد عنه، وكم أنت تعاديه، فتبدأ تدخلك مخافة الله.
وكما قال الكتاب: "بَدْءُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ الرَّبِّ" (أم9: 10).
مخافة الله تدعوك إلى مصالحته، فتقودك إلى التوبة، وإلى العمل بوصاياه. وكلما تسلك في طريق الرَّب وفي طاعته، تشعر بلذة هذه الحياة الجديدة، وتحبها.
وهكذا لا تستمر في المخافة، وإنما تقودك إلى المحبة.
وكلما تتعمق في محبة الله، يزول منك الخوف شيئًا فشيئًا. وكما قال القديس يوحنا الرسول: "لاَ خَوْفَ فِي الْمَحَبَّةِ، بَلِ الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ" (1يو4: 18).
وفي حياة الحب تتعرف على الله بالأكثر. كلما تعرفه تحبه، وكلما تحبه تزداد معرفتك له ويكشف لك ذاته.
في الحقيقة نحن لا نعرف الله كما ينبغي. وكما قال بولس الرسول: "الآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ، لكِنْ حِينَئِذٍ سَأَعْرِفُ كَمَا عُرِفْتُ... لكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهًا لِوَجْهٍ" (1كو13: 12). وأمام عبارة (وجهًا لوجه) يقف الشخص منا منذهلًا... تُرى ماذا تعني هذه العبارة؟
المعرفة العقلية والعشرة مع الله
هناك أشخاص يعرفون الله مجرد معرفة عقلية.. معرفة من الكتب، أو من الاستماع للوعظ والتعليم، أو من علم اللاهوت أو من قانون الإيمان...
ولكن المعرفة العقلية وحدها لا تكفي، ما لم تسندها العشرة، وبالعشرة تعرف الله معرفة اختبارية، أكثر يقينًا وبطريقة عملية.
إن الشياطين يعرفون الله معرفة عقلية، غير كاملة، وليست معرفة الحب والعشرة. لذلك يقول عنهم معلمنا يعقوب الرسول: "الشَّيَاطِينُ يُؤْمِنُونَ وَيَقْشَعِرُّونَ.." (يع2: 19).
والمعرفة العقلية معرفة سطحية، لم تدخل إلى العمق.
قد تعرف بها بعض صفات الله. ولكنك تقف عند العناوين، ولا تعلم تمامًا ما بداخلها من أمور تذهل العقل، وتملأ القلب بمشاعر الحب والتوقير والاشتياق...
مَن مِن الناس استطاع حقًا أن يعرف الله؟!
لذلك فإن ربنا يسوع المسيح يقول للآب: "أَيُّهَا الآبُ.. إِنَّ الْعَالَمَ لَمْ يَعْرِفْكَ، أَمَّا أَنَا فَعَرَفْتُكَ..." (يو17: 25)، ويقول الإنجيل أيضًا: "وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ" (مت11: 27).
ليتنا نصلي أن يكشف الله لنا ذاته، لكي نعرفه.. فمعرفة الله أمر عميق جدًا، اشتهاه الرسل والقديسون، ومن أجل معرفة الله، ضحوا بكل شيء لكي يعرفوه.
استمعوا إلى بولس الرسول وهو يقول: "لكِنْ مَا كَانَ لِي رِبْحًا، فَهذَا قَدْ حَسِبْتُهُ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ خَسَارَةً، بَلْ إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضًا خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ". ومن أجل هذه المعرفة خسر بولس الرسول كل شيء وهو يحسبه نفاية، وفي ذلك يقول: "لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ" (في3: 7-10).
أمام هذا اللون من المعرفة، نسأل أنفسنا: أحقًا نحن نعرف الله؟ أو كما يقول الكتاب: "جَرِّبُوا أَنْفُسَكُمْ، هَلْ أَنْتُمْ فِي الإِيمَانِ؟" (2كو13: 5).
هل المسيح بالنسبة إلينا هو "الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا" (1يو1:1)؟ أم هو الذي سمعنا عنه من آخرين؟
هذه المعرفة تجعلنا نسأل: هل لنا شركة معه؟
كما ينصحنا القديس يوحنا الرسول بقوله: "لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ أَيْضًا شَرِكَةٌ مَعَنَا. وَأَمَّا شَرِكَتُنَا نَحْنُ فَهِيَ مَعَ الآبِ وَمَعَ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (1يو1: 3).
ولكن كيف نعرفه؟ هل يستطيع الإنسان المحدود أن يعرف الله غير المحدود؟ هل يتسع عقله لذلك وقلبه؟
في الواقع، كلما نحيا مع الله، نعرف عنه شيئًا. وكلما تتعمق حياتنا معه، نعرف أكثر.. ثم يكشف لنا الله أشياء عن ذاته، فيملكنا الدهش والعجب، ونقف مبهورين، وقد عقد الصمت ألسنتنا، لا نستطيع أن نعبر عما عرفناه عن الله، لأنها (أمور لا يُنطق بها) كما قال الرسول.
إن معرفة الله تقود حقًا إلى الدَهش... وقد يكشف لنا الله مزيدًا من المعرفة، فلا نحتمل، ونصرخ قائلين: "كفانا كفانا" إن بشريتنا وهي في الجسد لا تحتمل كل هذا...
هذا الذي يكشفه لنا الله عن ذاته، هو ما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر.
إنه النعيم الأكبر في الملكوت، أن نعاشر الله، ونعرفه، وبغير ذلك لا يكون الملكوت ملكوتًا، ولا يكون النعيم نعيمًا... إننا سننعم حقًا بالله وفضل معرفته.
وحتى في الملكوت، سنعرف الله بالتدريج، على قدر احتمالنا.
سيكشف لنا الله كل يوم شيئًا من ذاته يملؤنا سعادة وبهجة. ولكن متى نعرفه "وجهًا لوجه"؟ متى نعرف الله كمال المعرفة؟ يقول السيد المسيح: "وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ" (يو17: 3).
إذًا معرفة الله ليست الشيء الهين. إنها تبدأ ههنا على الأرض، ولكنها لا تكمل إلا في الأبدية...
والذين لم يعرفوا الله على الأرض، لن يعرفوه في السماء، ولن يعرفهم. أخشى أن يقول الله لهؤلاء في اليوم الأخير: "فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ!" (مت7: 23).
هنا إذًا مذاقة الملكوت "ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ" (مز34: 8). والذي لم يذق الله ههنا، لن ينعم به في الأبدية.
إذًا في علاقتك مع الرَّب، يمكنك أن تسأل نفسك: هل حقًا ذقت الرب؟ وهل شعرت كم هو حلو في فمك، وكم عِشرته جميلة، وكم هي ألذ من كل شيء...
إذًا لا بد أن تدخل في عشرة الله، لكي تعرفه...
لا بد أن تحيا معه، وتختبره. ولا بد أن يكون له وجود فعلي في حياتك. يسكن في داخلك، وتحس سكناه فيك، تحس نعمته وعمله وحبه. ينطق على فمك، ويقود حياتك. ويكون قلبك فعلًا هيكلًا للروح القدس. وتدرك تمامًا معنى قوله: "وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ وإِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ" (مت28: 20)...
هل جربت عبارة "اثبتوا فيَّ، وأنا فيكم" (يو15: 3)؟
"الَّذِي يَثْبُتُ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ هذَا يَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ" (يو15: 5). هل اختبرت هذا الثبوت المتبادل، في حياتك الروحية؟ وهل شعرت كم هو لازم لحياتك، لتأتي بثمر؟ وهل كل ثمارك الروحية ناتجة عن هذا الثبوت وحده؟
هل في ثباتك في الله، انفصلت عن كل شيء آخر؟
لأن الكتاب يقول: "وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟ وَأَيُّ اتِّفَاق لِلْمَسِيحِ مَعَ بَلِيعَالَ؟" (2كو6: 14). هل شعرت أنك غصن في الكرمة، تسري فيك عصارة الكرمة وحياتها، فتعطي ثمارًا من نفس النوع؟ هل في ثباتك في الله، صرت ثابتًا في البر وفي الحق وفي القداسة؟
هناك عبارات معينة قالها مختبرو الرَّب، هل عرفت مدى عمقها في حياتك؟ وهل تستطيع أن تقولها معهم؟..
هل عرفت معنى عبارة "وَأُوجَدَ فِيهِ" (في3: 9)، الذي به "نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ" (أع17: 28)، وهل اختبرت عبارة: "فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ"؟ (غلا2: 20) هل أنت فعلًا سائر في نفس الطريق الذي سار فيه هؤلاء الآباء...
إن من علامات حياتك مع الله، أن تكتفي به...
داود الذي اختبر الرب قال له: "وَمَعَكَ لاَ أُرِيدُ شَيْئًا فِي الأَرْضِ" (مز73: 25)، وقال أيضًا: "الرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ" (مز23: 1).
فهل أنت كذلك. هل الله قد أشبع حياتك تمامًا، ولم تعد محتاجًا إلى شيء آخر إلى جواره؟ هل أصبح الله بالنسبة إليك هو الكل في الكل. أم أن قلبك ما زال ينبض بأمور أخرى في العالم، يحن إليها ويشتاق، قليلة كانت أم كثيرة؟
تأمل حياة آبائنا السواح والمتوحدين كمثال في الاكتفاء بالله...
كيف كان الواحد منهم يقضي ستين سنة أو ثمانين، لا يرى أثناءها وجه إنسان، ومع ذلك لا يشعر أنه يعوزه شيء. ذلك لأن الله استطاع أن يملأ حياته كلها، يملأ قلبه وفكره، فلا تنقصه رغبة أخرى تشبعه!
لكي تصل إلى الاكتفاء بالله
إن كنت لم تصل إلى هذا المستوى، فابدأ ولو بالقليل...
تدرب على الكلام مع الله. ولست أقصد مجرد الصلاة، إنما أقصد لذة التحدث إلى الله، الصلاة الممزوجة بالفرح؛ فرح التحدث مع الله، بحيث لا تود أن تنتهي. درب نفسك أيضًا على التفكير في الله، وفي صفاته الجميلة، وفي حسن معاملته، وفي مجده وعظمته، وفي حبه ولطفه، وفي سمائه وملكوته... وليكن هذا الفكر مشبعًا لقلبك.
وبالإضافة إلى لذة الحديث مع الله، ومتعة التفكير فيه، درب نفسك أيضًا على أن تشرك الله في حياتك...
اعتمد عليه تمامًا. ليكن هو ولي أمرك، تعرض عليه كل أمورك، لكي يتولاها ويدبرها. إنك تعتمد على كثيرين، وعلى فكرك في تدبير حياتك وحل مشاكلك. فهل فكرت أن تعتمد على الرب تمامًا، وأن تلقي كل أحمالك عليه؟ وهل تدربت على الثقة به؟ وهل تعودت أن تنتظر الرب، من محرس الصبح إلى الليل، بكل إيمان؟
هل دخلتَ في حياة الشركة مع الرب؟
وأصبحت بهذا لا تعمل شيئًا بمفردك، مهما كان بسيطًا، وإنما أنت عامل مع الله، وأنت تشعر بيد الله في حياتك، وتشعر أنك بدونه لم تفعل شيئًا في حياتك "كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ" (يو1: 3).
لا تكن سلبيًا في علاقتك بالله، خذ منه موقفًا...
وهذا الموقف هو أن تصير له، وأن تسلّمه حياتك، وأن تحيا بأمانة كاملة في علاقتك به، تتقدم كل يوم خطوة جديدة تعمق صلتك به، مغنّيًا مع عذراء النشيد "حَبِيبِي لِي وَأَنَا لَهُ" (نش2: 16).
* مقال لقداسة البابا شنوده نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 21 يوليو1978م
خطوات إلى الله
خطوات إلى الله*
إنه طريقٌ طويلٌ نَسيرُ فيه نحو الله: من حياة التوبةِ إلى النقاوة والحب إلى القداسة، إلى النمو في هذه القداسة.. إلى الكمال. كل هذه الخطوات إلى الله تحتاج إلى جدية، وتحتاج منا أن نبدأ، ولو بالخطوة الأولى..
خطوات إلى الله
كنتُ كلمتكم عن الآية التي تقول: "وَمَعَكَ لاَ أُرِيدُ شَيْئًا فِي الأَرْضِ" (مز73: 25). ولكن ما أسهل في موقف الإنسان من الخطية، أنه لا يريدها، وفي نفس الوقت لا يستطيع أن يتركها..!
وقد شرح بولس الرسول هذا الأمر في رسالته إلى رومية فقال: "إِذْ لَسْتُ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُهُ، بَلْ مَا أُبْغِضُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ. فَإِنْ كُنْتُ أَفْعَلُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ، فَإِنِّي.. لَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُ ذلِكَ أَنَا، بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ. فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنٌ فِيَّ، أَيْ فِي جَسَدِي، شَيْءٌ صَالِحٌ. لأَنَّ الإِرَادَةَ حَاضِرَةٌ عِنْدِي، وَأَمَّا أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ. لأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ، بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ" (رو7: 15- 19).
إذًا لا تكفي مجرد الإرادة. لأنه من الجائز أن يريد الإنسان الخير، ولكنه لا يقوى على فعله، ويغلبه الشر.
الصراع
ومن هنا كانت أول خطوة في طريق الله هي الصراع...
الصراع من أجل هذا الخير الذي تريده إذ أنه لكي تُعبّر عن إرادتك لا بد أن تفعل شيئًا. لا بد أن تقاوم وأن تصارع.
صراع له طابع ثلاثي: تصارع ذاتك، تصارع الخطية، تصارع الله.
لا بد أن تصارع ذاتك، تنتصر عليها، تخضعها. تحولها إلى طريق الله. تتصارع مع رغباتك ونزعاتك الداخلية. لا تخضع لنفسك، وإنما تقف ضدها بكل قوة. وكما يقول الرب: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَامْرَأَتَهُ وَأَوْلاَدَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ، حَتَّى نَفْسَهُ أَيْضًا، فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا" (لو14: 26).
غالبية الذين يخطئون، يجاملون أنفسهم ويدللونها، فيعطونها ما تريد.. إنهم ليسوا منتصرين على النفس من الداخل..
ينبغي أيضًا أن تصارع الخطية وتصارع الشيطان. وماذا أيضًا؟
تصارع مع الله، لكي تأخذ منه قوة ومعونة، تحارب بها.. لكي يعطيك نعمته وروحه القدوس، ليحارب عنك وينتصر فيك..
قل له: ما دامت الحرب للرب، وما دمت بدونك لا أستطيع شيئًا، حارب إذًا عني، وقدني في موكب نصرتك لأنني لن أنتصر بذراعي البشري، وإنما بك.
كن مثل يعقوب الذي صارع الرب "حَتَّى طُلُوعِ الْفَجْرِ" (تك32: 24)، أي أنه طول وقت الظلمة ظل يصارع، إلى أن أشرق الفجر في حياته، وطلع عليه النور..
إن الذي يُصارع مع نفسه ومع الله وينجح، يسهل عليه أن يصارع الخطية والشيطان، بالقوة التي أخذها من صراعه الأول.
بالنسبة إلى آدم، كان في الجنة وحده مع الله. ثم ظهرت في حياته أشياء جديدة، ومنها بدأت التجربة.
دخلت في حياته حواء، وأصبحت تمثل العِشرة التي تقود للخطأ.
ودخلت الشجرة والثمرة التي تمثل المادة في قيادتها للخطأ.
ودخلت في حياته الحيّة، التي تمثل الشيطان وإغراءاته الخاطئة.
ودخلت الذات التي في رغبتها أن تكبر وتقود للخطأ.
ووقف هؤلاء الأربعة أمام الإنسان: العشرة، والمادة، والشيطان، والذات، ولم يعد آدم كما كان وحده مكتفيًا بالله.
اتخذ له مصدرًا آخر للمعرفة غير الله، هو الحيّة. وجامل حواء على حساب الوصية، وأخذ منها وأكل. وسعت ذاته لتوجد لها كيانًا مستقلًا عن الله. واهتم بالمادة، بعد أن كان روحيًا. ودخلت الخطية إلى العالم، وانهزمت الطبيعة البشرية من الداخل ومن الخارج، وأصبحت الخطية الساكنة فيها تتعبها، وصار لزامًا عليها أن تصارع وتقاوم.
كثيرون ضاعوا نتيجة اللامبالاة، نتيجة لإهمالهم ذواتهم.
تقودهم خطية إلى أخرى، وضياع إلى ضياع، وهم لا يدرون إلى أين هم سائرون، مثل كرة تتدحرج من على جبل، وتظل تتدحرج وهي لا تدري إلى أين تنتهي وما مصيرها..!
ضع أمام نفسك حقيقة هامة: وهي أن الطريق طويل جدًا أمامك. وأنك ما تزال في الابتداء، واقفًا في مرحلة التوبة!
مرحلة الصراع يقع فيها الإنسان ويقوم، ثم يقع ويقوم.
ومرحلة التوبة، يترك فيها الخطية، لكي يسير نحو النقاوة.
ومن النقاوة يدخل إلى الحب، وأيضًا إلى القداسة...
ويظل ينمو في القداسة، حتى يصل إلى الكمال النسبي.
ويتدرج في مراحل من الكمال حتى يصل إلى صورة الله، يصل إلى كل الملء ويتوج أخيرًا بإكليل البر (2تي4: 8).
إن كان الطريق طويلًا أمامك، وأنت ما تزال واقفًا عند أول مرحلة لا تتحرك، فمتى تصل إذًا؟
إن كنت ما تزال في مرحلة التوبة، أو أنت تصارع لكي تصل إليها، فمتى تصل إذًا إلى الحب الإلهي وإلى الكمال؟ بل متى تصل إلى المرحلة التي تقود فيها الآخرين إلى الكمال؟ إن الرسول لم يقبل أن نقف في الطريق، أو حتى نسير.
بل قال: "ارْكُضُوا لِكَيْ تَنَالُوا" (1كو9: 24)، أي أسرعوا في الطريق إلى الله. نعم، كثير من القديسين، ساروا بسرعة عجيبة، ووصلوا.
خذوا مثالًا لذلك: القديس أغسطينوس، الذي عاش أول حياته في عمق الخطية: كيف أنه بدأ يعرف الله، ركض في طريقه الروحي بسرعة عجيبة، من خاطئ إلى تائب، إلى متأمل في الروحيات، إلى راهب، إلى أسقف، إلى مُعَلِّم عظيم من معلمي الكنيسة الجامعة، وقائد في حياة الروح انتفعت به الأجيال...
كيف تصل، إن كنت تمشي في الطريق الروحي، ببطء، وإهمال، وتكاسل، وتراخ، ولا مبالاة، وأيضًا بنسيان ونوم؟!
تعترف بخطاياك، وترجع إليها! وتتناول، وتبقى كما كنت!
إنك تحتاج في طريقك، إلى عهد صادق مع الله، وإلى ثبات بلا رجعة ولا نكسة، بلا خيانة، بلا ضعف..
إن سرت في الطريق الروحي، فلا ترجع لأن "لَيْسَ أَحَدٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى الْمِحْرَاثِ وَيَنْظُرُ إِلَى الْوَرَاءِ" (لو9: 62). امرأة لوط نظرت إلى الوراء فهلكت. كل القديسين التائبين، لما عرفوا الله، لم يرجعوا مرة أخرى إلى خطاياهم القديمة.
الحياة الروحية تحتاج إلى جدية، وتحتاج إلى ثبات... إنسان أحب الله وعاش معه، لا يمكن بعدئذ أن يخونه!
كانت خيانة من بني إسرائيل، أنهم بعد الخروج العجيب من أرض العبودية، رجعوا مرة أخرى، واشتاقوا إلى قدور اللحم في أرض مصر، وبكوا... وكانت نكسة منهم وخيانة لله.
الإنسان الروحي، لا بد أن يكون هدفه واضحًا، ويسير نحوه بثبات.
المسيح في طريق الفداء، ثبت وجهه نحو أورشليم. ودانيال النبي في صلاته، فتح نافذته المطلة على أورشليم. وهكذا نحن في نظرنا إلى الشرق، إلى الهيكل والمذبح، إنما لنا هدف ثابت نتجه إليه.
الإنسان الروحي، من صفاته أيضًا: النمو...
مثل الشجر الذي هو دائم النمو، تمر عليه في الغروب، فيكون أكثر نموًا مما كان عليه في الصباح، نموًا هادئًا لا يلاحظه أحد، كما قال الكتاب: "هكَذَا مَلَكُوتُ اللهِ: كَأَنَّ إِنْسَانًا يُلْقِي الْبِذَارَ عَلَى الأَرْضِ، وَيَنَامُ وَيَقُومُ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَالْبِذَارُ يَطْلُعُ وَيَنْمُو، وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ كَيْفَ، لأَنَّ الأَرْضَ مِنْ ذَاتِهَا تَأْتِي بِثَمَرٍ. أَوَّلًا نَبَاتًا، ثُمَّ سُنْبُلًا، ثُمَّ قَمْحًا مَلآنَ فِي السُّنْبُلِ" (مر4: 26- 28).
فهل أنت ما تزال بذارًا، أم صرت نباتًا، أم نموت فصرت سنبلًا، أم نضجت فصرت قمحًا يملأ السنبل؟
الإنسان الذي يتوقف نموه، هو عرضة للرجوع إلى الوراء.
كثيرون وضعوا كل آمالهم في أن يتوبوا، وظنوا أن التوبة هي نهاية المطاف، وتوقفوا عندها، فرجعوا إلى خطاياهم.
أما الذين نسوا ما هو وراء وتقدموا كل يوم إلى الأمام، شغلهم هذا النمو، وحصّنهم عن الرجوع إلى خلف.
إذا توقفت حياتك حينئذ تفتر وتبرد، وتترك محبتك الأولى. وحينئذ تكون معرضًا أن تعود إلى خطاياك القديمة، فاحذر التوقف.
عجيب جدًا أن نرى أناسًا، بدلًا من أن ينمو، يشتاقون لو رجعوا إلى حياتهم الأولى التي كانت أفضل من الآن!!
إنه نوع من الارتداد، تختلف نسبته من شخص إلى آخر.
ليت كل شخص منا، يدرك أن عدم النمو خطية يعترف بها كباقي الخطايا، خطايا اللسان والفكر والحواس والقلب والجسد.. وعلينا أن ننمو في كل شيء وبخاصة في محبتنا لله والتصاقنا به، ومذاقتنا له، ووجودنا معه...
غالبية الناس ينمون في المعرفة والخبرة، أكثر مما ينمون في الحب. نموهم مركز في العقل، وليس في القلب...
ما تزال شجرة المعرفة تمد جذورها في أرض العالم، حتى داخل الكنيسة، وفي محيط الوعظ والتأمل والممارسات الروحية.
إنما النمو الذي نقصده غير ذلك. إنه نمو في تعميق العشرة مع الله، نمو في الاشتياق إليه وإلى ملكوته.. بحيث يكثر حديثنا كل يوم عن الله، ويزداد جذبنا للناس إليه..
حاولوا أن تنمو في حياتكم. وبنموكم سيزداد اتضاعكم...
لأنكم كلما تقتربون من الله الكلي القداسة، على هذا القدر تشعرون بنقصكم وبشاعة خطاياكم، وترون الطريق إلى الكمال أطول..
دربوا أنفسكم على محبة الله، لأنكم تشتاقون إلى الملكوت.
الذين يحبون الله وملكوته، يحبون أيضًا الانطلاق من هذا العالم. أما الذين يحبون العالم، فإن تذكار الموت يرعبهم والحياة الأبدية لا تروقهم، ولا يهتمون بها، ولا تفرحهم...
بمحبة الله هذه، استطاع السواح والمتوحدون أن يعيشوا في البرية.
كانت محبة الله تشبع قلوبهم. لهذا نقول عنهم في صلاة القسمة: "سكنوا الجبال والبراري وشقوق الأرض، من أجل عظم محبتهم للملك المسيح"؛ إن الذي لم يذق الله ههنا على الأرض، لا يجد متعة في الأبدية، حيث يتغذى القديسون بمحبة الله وعشرته..
أخشى أن نكون غرباء عن الملكوت، وغرباء من الملك، ليست لنا خبرة بهذا الجو الروحي، لم نعش فيه، ولا عاش فينا..
ابدأ بالدخول في حياة الحب الإلهي، وحاول أن تنمو فيها.
وإن كان الطريق الروحي طويلًا، فاعلم أن أطول طريق أوله خطوة، ابدأ بهذه الخطوة نحو الله. وثق أن النعمة ستحملك إلى آفاق أوسع، ما دمت قد أظهرت سعيًا، حبك عمليًا بهذه الخطوة.. ولم تجد الطريق صعبًا ما دام الله يقودك...
سيروا مع الله، وثقوًا أنه سيعطيكم كما أعطى القديسين من قبل، وسيسهل طريقكم. ويتحقق فيكم قول الكتاب: "وَأَمَّا مُنْتَظِرُو الرَّبِّ فَيُجَدِّدُونَ قُوَّةً. يَرْفَعُونَ أَجْنِحَةً كَالنُّسُورِ. يَرْكُضُونَ وَلاَ يَتْعَبُونَ. يَمْشُونَ وَلاَ يُعْيُونَ" (إش40: 31).
* مقال لقداسة البابا شنوده نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 28 أكتوبر1977م
انسحاق القلب
انسحاق القلب*
أول خطوة في سلسلة خطواتنا في الطريق إلى الله. هي خطوة التوبة وانسحاق القلب.
حينما يبدأ الإنسان في معرفة الله، والسير في طريقه، تكون خطوته الأولى إليه، هي التوبة.
يترك طريقه القديم البعيد عن الله، ويقول للرب: "طُرُقَكَ يَا رَبُّ عَرِّفْنِي. سُبُلَكَ عَلِّمْنِي، دَرِّبْنِي فِي حَقِّكَ وَعَلِّمْنِي" (مز25: 4، 5). وإذ يشعر بسوء حالته، يندم على حياته القديمة كلها ويدينها. ولا يمكن أن يدين نفسه وينسحق قلبه، إلاَّ بالاتضاع...
والتوبة ليست خطوة يخطوها ويتركها، بل تستمر معه كل الحياة. لأنه كلما سار في طريق الرب، تتكشف له في حياته ضعفات وأخطاء لم تكن ظاهرة في بدء حياته الروحية، وهكذا يومًا بيوم، يشعر بمقدار الخطية التي كانت فيه، فيزداد ندمًا، ويزداد انسحاقًا واتضاعًا...
ولكن كيف يمكن للإنسان أن يتوب؟
لا يمكن أن يتوب، إلاَّ إذا شعر بسوء حالته، وبأنه سائر في طريق خاطئ؛ كما اتضح للابن الضال...
أما الإنسان البار في عيني نفسه، الذي لا يشعر أنه أخطأ، بل يبرر نفسه باستمرار. ويعذر ذاته في كل عمل يعمله، فهذا لا يقترب أبدًا من التوبة. لأنه "لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ، بَلِ الْمَرْضَى" (لو5: 31)؛ إذًا ينبغي أن تشعر أنك مريض، لكي يشفيك الطبيب الأعظم، وإلاَّ فستبقى في مرضك...
والذين يتوبون على نوعين: نوع نادم منسحق القلب. ونوع آخر تفرحه توبته، فيفتخر بها ويرتفع قلبه، فيسقط.
هناك شخص تتعبه خطايا كبيرة. كالخمر والزنا والرقص والتدخين والبعد عن الكنيسة. فإن تخلص منها، يظن أنه قد وصل. وفي ذلك ينسى أخطاء أخرى في داخله، لم يلتفت إليها بسبب تركيزه في التعب من البشاعات التي يقع فيها...
ويظن هذا المسكين أنه خلص! أو أنه تاب، ويظل يحكي عن هذا (الخلاص) ويردد عبارة "كنت... وصرت...". وينسى في افتخاره الباطل، ما في داخله من كبرياء، أو عناد، أو اعتداد بالرأي، أو ذاتية، أو تحايل، أو قسوة... وتبقى هذه الخطايا داخل نفسه، تنمو وتزداد وتحطمه...
والعجيب أن بعض المعلمين أو المرشدين، تشجيعًا لهؤلاء المبتدئين في التوبة، قد يمدحونهم ويشجعونهم أو يتملقونهم بألفاظٍ تلقي ستارًا على خطاياهم الباقية فلا يرونها.
والآفة الكبرى، أن يتحول هذا التائب! إلى الخدمة سريعًا. إذ يقولون له: "اذهب وحدث بكم صنع الرب بك"! فيملأ الدنيا حديثًا في كل مجال، أنا كنت خاطئًا، وكنت أفعل كذا وكذا. والآن أشكر الله ما عدت أعمل شيئًا من كل هذا. حياتي تغيّرت وتجدّدت، وتطهّرت وتقدّست، وصرت طبيعة أخرى...".
ووسط هذا الحديث عن نفسه، يفقد شعور الانسحاق... ولأن التوبة لم تكمل بعد، ولم تأخذ نصيبها النافع لها من الانسحاق ومن الندم ومن الشعور بفداحة الخطية، ولم ترتوِ النفس بالدموع وبالتذلل أمام الله... لذلك سرعان ما ينسى هذا الإنسان خطيته، وينتقل بسرعة إلى تعليم غيره وإلى شرح خبراته! دون أن يكتمل نضجه الروحي...
وما أسرع وهو خادم أن تعود إليه ضعفاته، فيصبح عثرة! وهذه الضعفات قد يبقى فيها، دون أن يشعر بها، ودون أن يدين ذاته عليها، بل يتجاهلها في مشاغل الخدمة!
أما الإنسان المنسحق، الذي يضع خطيته أمامه في كل حين، يبكي عليها، ويلوم نفسه عليها، مهما بلغ من فضيلة، فإن مثل هذا الإنسان، يحتفظ على الدوام باتضاعه، ويحتفظ بالنعمة، فلا يسقط. وما أصدق قول القديس الأنبا أنطونيوس: "إن ذكرنا خطايانا، ينساها لنا الله؛ وإن نسينا خطايانا، يذكرها لنا الله".
نماذج لشخصيات منسحقة
داود النبي
داود النبي أخطأ، وغفر له الله، فقال له ناثان الكاهن: "الرَّبُّ أَيْضًا قَدْ نَقَلَ عَنْكَ خَطِيَّتَكَ. لاَ تَمُوتُ" (2صم12: 13)؛ ولكن داود بعد سماعه كلمة المغفرة، لم ينقطع إطلاقًا عن الدموع، حتى صارت له دموعه شرابًا نهارًا وليلًا، وحتى بلل فراشه بالدموع، وقال للرب: "انصت إلى دموعي".
كانت دموعه دليل انسحاق وتوبة، وكانت دليل حب وتأثر.
إن العبد الذي يخاف العقوبة، يبكي خوفًا. أما الابن فيبكي حبًا وهو متأثر، كيف أغضب أباه...
بولس الرسول
ومثل داود في انسحاق قلبه، كان بولس الرسول... اضطهد الكنيسة حينما كان شاول الطرسوسي، ولكنه رُحم لأنه فعل ذلك بجهل. وغفر له الله خطيئته، بل اختاره للخدمة رسولًا للأمم. وغَير اسمه إلى بولس، وارتفع بولس في الفضيلة، حتى صعد إلى السماء الثالثة ورأى أشياء لا ينطق بها. وارتفع في الخدمة حتى تعب أكثر من جميع الرسل، وبشر من بلاد آسيا غربًا حتى أسبانيا، وكانت له كثرة من الاستعلانات، وتكلم بألسنة أكثر من الجميع.
ومع كل هذه الخدمة، ومع عمق الفضيلة، ظلّ بولس منسحقًا، يذكر خطيئته القديمة في خجل وفي أسى، على الرغم من مغفرتها.
يقول: "الْخُطَاةَ الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ أَنَا... لِيُظْهِرَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ فِيَّ أَنَا أَوَّلًا كُلَّ أَنَاةٍ..." (1تي1: 15، 16). ويقول أيضًا: "وَآخِرَ الْكُلِّ كَأَنَّهُ لِلسِّقْطِ ظَهَرَ لِي أَنَا، لأَنِّي أَصْغَرُ الرُّسُلِ، أَنَا الَّذِي لَسْتُ أَهْلًا لأَنْ أُدْعَى رَسُولًا، لأَنِّي اضْطَهَدْتُ كَنِيسَةَ اللهِ" (1كو15: 9).
نقول: هذا الاضطهاد قد مضى وانتهى، وأنت الآن الرسول العظيم، مجد خدمة الأمم، رجل الاستعلانات، فيقول: أنا لن أنسى خطيئتي، لأنني اضطهدت كنيسة الله! ما أعجبها نفسًا منسحقة!
بطرس الرسول
وبطرس الرسول أخطأ، وغفر له الرب خطيئته، وأعاده إلى رسوليته، وقال له: "ارْعَ غَنَمِي، ارع خرافي" (يو21: 17). وتعب كثيرًا في الكرازة والخدمة، وآمن الآلاف على يديه، وكان شجاعًا في الشهادة للرب، وصنع معجزات عديدة. ومع ذلك في وقت استشهاده، أصرّ أن يُصلب وهو منكس الرأس، لأنه كان ما يزال يذكر خطيئته التي تركها منذ زمان، وغفرها الرب له. إنما هي النفس المنسحقة.
من فضائل الانسحاق
الذي يعرف الانسحاق، ويختبر الشعور بعدم الاستحقاق، لا شك أنه يكتسب فضائل عديدة جدًا تنقي قلبه.
1) يتخلص من قساوة القلب، ويصير عطوفًا على كل أحد، في حنان حتى على أشرّ الخطاة. لا يدين الخاطئ بل يبكي عليه بحرقة قلب، متوسلًا لأجل خلاصه.
2) ويكتسب أيضًا الاتضاع مثل العشار الذي لم يستطع أن يدخل إلى داخل بيت الرب، إنما وقف من بعيد، لا يجرؤ أن يرفع عينيه إلى فوق، يقرع صدره وهو منكس الرأس، ويقول: "اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ" (لو18: 13).
أين هذا من التائب الذي فقد انسحاقه وصار يقول: "حينما كنت في الخطية كنت أفعل... أما الآن فإني..."، "في أيام خطيئتي كنت وكنت...".
إن أسلوب التحدث عن الخطية كعمل مضى، لا يتفق مع الانسحاق، فالقلب المنسحق يقول كل حين: إنني إنسان خاطئ.
إننا نصلي في الكنيسة باستمرار ونقول للرب: "الخطية هي من طبعي، وأنت طبعك الغفران".
عبارة "كنت خاطئًا" تحمل لونًا من الكبرياء، وتحمل دليلًا على عدم معرفة النفس، وعدم التدقيق في محاسبتها.
إن الفرق بيني وبين الأيام الأولى "هو أنني كنت قبلًا خاطئًا، ولا أدري أنني خاطئ". أما الآن فإنني خاطئ، وأعرف تمامًا أني خاطئ.
لا أقسم عمري إلى حياة قبل التوبة، وحياة بعد التوبة، إنما أقول إن عمري كله هو سعي إلى التوبة، أنا محتاج اليوم إلى التوبة، مثلما كنت محتاجًا إليها في بدء حياتي الروحية. أنا أعرف جيدًا مقدار ضعفي وقابليّتي للسقوط. وأعرف أنه لو تخلت النعمة عنّي لحظة واحدة، لشابهت الهابطين في الجب...
أنا لست أقوى من الذين سقطوا، لأني أسقط كل يوم. بل إنني أستمع في حرص شديد إلى قول الكتاب عن الخطية، أنها: "طَرَحَتْ كَثِيرِينَ جَرْحَى، وَكُلُّ قَتْلاَهَا أَقْوِيَاءُ" (أم7: 26).
لستُ أفتخر باطلًا وأقول عن توبتي كما يقول البعض: "إنني تجددت، وتقدست، وتخلصت، وتطهرت". إنما أطلب هذه القداسة كل يوم، وأطلب الخلاص كل يوم، وأصرخ إلى الله في كل صلاة: "قَلْبًا نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا اَللهُ، وَرُوحًا مُسْتَقِيمًا جَدِّدْ فِي دَاخِلِي" (مز51: 10). وأنا أعرف أخطائي وضعفاتي ونجاساتي وأقول: "طَهِّرْنِي بِالزُّوفَا فَأَطْهُرَ. اغْسِلْنِي فَأَبْيَضَّ أَكْثَرَ مِنَ الثَّلْجِ" (مز51: 7).
إن الذي لا يشعر بخطيئته، يرتكب بذلك أكبر خطيئة.
ما أحوجنا أن نتأمل صلوات القديسين، وبكاءهم على خطاياهم، واتضاعهم أمام الله وأمام الناس، بل حتى أمام الشياطين، واعترافهم بخطاياهم في ذلة، كل حين.
إن الذي لا تنسحق نفسه، سيصل إلى العجرفة يومًا ما.
والذي ينسى خطاياه، ولا يذكر سوى اختباراته الروحية، هو عُرضة لمحاربة الشياطين التي تخفض رأسه المتعالية. بل إنه قد تتخلى عنه النعمة حينًا، لكي يعرف ضعفه، ولا يذكر إلا أنه "مُنْتَشَلَ مِنَ النَّارِ" (زك3: 2).
إن الذي يظن أنه قد ارتفع عن مرحلة التوبة، وبدأ يصعد في درجات القداسة، هو حتمًا مخدوع من الشياطين.
مسكين مَن يظن أنه ترك التوبة، وبدأ في الثيئوريات وحدود ما فوق الصلاة. ويفتخر بأنه ذاق المواهب الروحية، واستحق أن يتكلم بألسنة، وذاق حياة الملء التي لم يختبرها غيره من الضعفاء!! بل أصبح يمنح هذه المواهب للآخرين!
أرسانيوس القديس العظيم بعد سنوات طويلة في الجهاد الروحي وفي عمق الفضيلة، يعترف أنه لم يفعل شيئًا، ويصلي قائلًا: "هبني يا رب أن أبدأ". وبولس الرسول العظيم يقول: "لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ أَوْ صِرْتُ كَامِلًا، وَلكِنِّي أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ" (في3: 12).
هذا هو الاتضاع وإنكار الذات، اللذان استطاع بهما القديسون أن يستأهلوا لعمل النعمة. وكلما وضعوا أنفسهم وأخفوها، رفعهم الله وأظهرهم.
ما أجمل قول مار إسحاق في أعمال المتضعين المنسحقين، وفي قيمة الاتضاع الذي يفوق عمل المعجزات... يقول:
"الذي يعرف خطاياه، خير ممن ينفع الخليقة بمنظره"...
"والذي يتنهد على نفسه كل يوم، أفضل من الذي يقيم الموتى بصلاته".
"والذي استحق أن ينظر خطاياه، أفضل من الذي ينظر ملائكة".
* مقال لقداسة البابا شنوده نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 12 مايو 1978م
بعض مظاهر الكبرياء
بعض مظاهر الكبرياء*
تكلمنا عن انسحاق القلب باعتباره الخطوة الأولى في الطريق إلى الله، كسببٍ للتوبة ونتيجةٍ لها. ولما كانت الكبرياء هي عائقٌ ضخم أمام التوبة، لذلك أحب أن أحدثكم عن بعض مظاهر ونتائج الكبرياء.
لو عرف الإنسان ما هي الأضرار التي تنتج عن الكبرياء، لفهم تمامًا قيمة الاتضاع. قال أحد القديسين: "إن كل خطية تحارب الفضيلة التي تضادها". فالخيانة مثلًا تحارب الأمانة، والزنا يحارب العفة. والكذب يحارب الصدق. أما الكبرياء فتحارب كل الفضائل...
سبب الخطية الكبرياء
وما أروع قول الكتاب في ذلك: "قَبْلَ الْكَسْرِ الْكِبْرِيَاءُ، وَقَبْلَ السُّقُوطِ تَشَامُخُ الرُّوحِ" (أم16: 18). الكبرياء تجعل النعمة تتخلى، فيسقط الإنسان. والنعمة تتخلى، لكي إذا سقط الإنسان يشعر بضعف. وفي شعوره بضعفه يتضع. وهكذا تعالجه النعمة بالتخلي. هذا إذا استفاد الإنسان من سقوطه فاتضع.
الكبرياء هي الخطية الخطيرة التي قال الكتاب أن الرَّب يقاومها (1بط5:5).
كم أشفق الرَّب على الخطاة، واعتبرهم مرضى يحتاجون إلى طبيب وإلى علاج... أشفق على المرأة الزانية التي ضُبطت في ذات الفعل، ودافع عنها وصرفها بسلام. وأشفق على الخاطئة التي بللت قدميه بدموعها في انسحاق. وأشفق أيضًا على العشار وفَضَّلَه على الفريسي المتكبر.
أما المتكبرون فقد وقف ضدهم، ويقول الرسول: "اللهَ يُقَاوِمُ الْمُسْتَكْبِرِينَ، وَأَمَّا الْمُتَوَاضِعُونَ فَيُعْطِيهِمْ نِعْمَةً" (1بط 5:5).
إن كان الأمر هكذا فاهرب من الكبرياء... ولكن العجيب أن غالبية المتكبرين يدَّعون أنهم غير متكبرين. وهذا من الكبرياء!
شرح القديس أغسطينوس أن المتكبرين يبيدون كالدخان فقال: "الدخان يرتفع جدًا إلى فوق! وفيما هو يرتفع يتبدد وينتهي. بعكس اللهيب الذي لا يرتفع كالدخان. ولكنه يبقى بقوته".
هناك أشخاص حينما تعينهم النعمة، ويجدون أن حياتهم قد تغيرت يفتخرون قائلين: "أنا حياتي تغيرت وتجددت... صرتُ إنسانًا آخر"، ويشرحون حياتهم للناس بطريقة "كنت... وأصبحت...". وإذ يفتخر الشخص، تبعد عنه النعمة فيسقط. ليته يتذكر قول الكتاب: "مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَائِمٌ، فَلْيَنْظُرْ أَنْ لاَ يَسْقُطَ" (1كو10: 12). إن كنت قائمًا، فلا تظن قيامك وضعًا دائمًا لا يتغير. وتذكر القديسين الذين سقطوا. وهكذا يتضع قلبك، وتحترس لنفسك.
الاتضاع يحفظك، لأنه قريبٌ هو الرَّب من المنسحقين بقلوبهم.
الإنسان المتضع، إذ يعترف بضعفه، يخاف فيحترس ويدقق، وهكذا يبعد عن العثرات، فلا يسقط. أما المتكبر، فيعتز بقوته ولا يبالي، فتضربه الخطية من حيث لا يدري.
إن الشيطان له خبرة آلاف السنين في محاربة بني البشر.
وقد يجدك محترسًا من خطية معينة فلا يحاربك بها، ولكنه يهاجمك من جهة أخرى، ظننت نفسك فيها قويًا، ويسقطك...
وقد يتركك بلا حرب فترة، حتى تظن أنك قد ارتفعت فوق مستوى الحروب، وتستهين بالاحتراس، وحينئذ يرجع إليك وأنت غير مستعد. وإذ تسقط تتأكد أنك لست فوق السقوط.
لا تظن أن السقوط للمبتدئين فقط، وأنك لست من المبتدئين.
عندما كنت متضعًا ومحترسًا، كنت تصلي بحرارة أن يهبك الله معونة لكيلا تسقط. أما الآن فأنت لا تصلي لأجل هذا السبب، بل ربما تصلي لأجل الآخرين فقط، لأنهم معرّضون للسقوط وليس أنت!! وهكذا تبقى بلا معونة أمام العدو...
نتائج الكبرياء
من نتائج الكبرياء - غير السقوط - محاولة تبرير الذات باستمرار.
المتكبر باستمرار يدافع عن نفسه. لا يحب مطلقًا أن يبدو في صورة المخطئ. هو دائمًا بار في عيني نفسه، ويريد أن يكون بارًا في أعين الناس. وإن نَبَهَه أحد إلى خطأ واضح، ربما يحاول أن يغطيه بالكذب أو بالأعذار، ناسيًا توبته!! آدم لم يعترف بخطيئته، بل حاول أن يبرر ذاته، وكذلك حواء، وورثنا عنهما تبرير النفس!
والخاطئ يضيف إلى خطيئَتَه التي يبررها، خطيئَة التبرير.
وما أكثر الحيل التي يلجأ إليها الإنسان في التبرير، تخرج جميعها عن النطاق الروحي. وتصير فيها الذات مركز التصرف.
ما أصعب كلمة (أخطأت) على المتكبّر... إنها تجرحه...
وقد يقولها أحيانًا إن كانت تجلب له مديحًا. أو إن كانت صورة الاتضاع ترضي كبرياءه. ولكنه في داخله، لا يشعر إطلاقًا أنه أخطأ. الكلمة قد تخرج من فمه وليس من قلبه. ويقولها - إذا قالها - بلون من السياسة، وليس بروح الاتضاع... بل بروح المنفعة.
ولهذا فإن المتكبر بعيد عن الاعتراف والشعور بالخطأ.
كثير من اعترافات المتكبرين، عبارة عن شكوى من أخطاء الناس إليهم. إنهم لا يعترفون بل يدينون غيرهم. في كل مشكلة، لا بد أن يكون غيرهم هو المخطئ، فمن غير المعقول أن يخطئوا هم!!
لذلك فإن المتكبر كثير الجدال والنقاش لإثبات براءته...
إن التعامل معه ليس سهلًا، والتفاهم معه ليس سهلًا. يريد أن يطيعه جميع الناس، ومن الصعب عليه أن يطيع أحدًا. التفاهم عنده ليس معناه أن يفهم رأي الطرف الآخر، إنما تفاهمه مع غيره معناه أن يقبل هذا الغير رأيه، ويقتنع به...
وإن لم يقتنع غيره، قد يثور ويغضب... ويعالج الموضوع بأعصابه ما دام لم يستطع معالجته بالرأي والفكر والإقناع.
لهذا فإن الغضب زميل للكبرياء، يلازمها كثيرًا وتلازمه...
ولأن المتكبر لا يتنازل مطلقًا عن رأيه، ويظن أن التنازل دليل على الخضوع لا يناسب كرامته، فلهذا يحاول إثبات رأيه بكافة السبل... لا بد أن يكون رأيه هو الحق، لأجل كرامته...
ونتيجة لهذا، يحول الخطأ إلى مبدأ وإلى عقيدة!
إن عاتبته على خطأ، يحاول أن يثبت أن هذا الخطأ أمر مقبول وسليم منطقيًا، وربما يبحث عن آية لإثبات صحته، أو قصة لقديس أو قول لمشهور، ونسمي هذا (فلسفة الأخطاء).
إنسان أخذ إجازة مرضية بدون وجه حق، أو أخذ (خلو رجل)، أو كسب كسبًا غير مشروع، أو تملص من ضريبة، أو كسر يوم الرب... كل هذا له تعليلات عنده تُثبت أنه على حقٍّ.
وهنا تختفي المثاليات، ويختفي الحقُّ، وتبقى الذات والكبرياء...
إن المتكبرين – بهذا الوضع – يقدمون موازين جديدة للخير والشر، تتفق مع ما يريدونه من كرامة، وما يخفونه من أخطاء. مثلما فعل الوجوديون لكي يثبتوا ذواتهم، فغيروا موازين الخير، بل أنكروا وجود الله لكي يتمتعوا تمتعًا خاطئًا بوجودهم!
وما أسهل أن يسمي المتكبرون الأخطاء بغير أسمائها، أو بأسماء فضائل، فتلبس الذئاب ثياب الحملان...
التدليل الذي يفسد الابن يسمونه عطفًا! والقسوة التي تعقد الأبناء يسمونها حزمًا! والحيلة المملوءة خبثًا وكذبًا، لا مانع من أن تُسمى حكمة! بل حتى الرقص واللهو يسمونه فنًا..! وإن دخل هذا المنهج في العقيدة، ما أسهل أن ينزلق المتكبر به إلى البدعة وإلى الهرطقة. ذلك لأن من مظاهر الكبرياء الاعتداد بالرأي والثقة بالنفس، والعناد، والإصرار على الخطأ. وهذه كلها من دعائم الهرطقة...
وفي كل ذلك وغيره يفقد المتكبر وداعته...
بعكس المتواضع. فإنه إنسان رقيق لطيف متواضع، سهل التعامل مع الآخرين، ولهذا فهو محبوب من الكل، يخضع لهم بروح الحب فيكسبهم. وإن وجدت مشكلة يحلها بوداعة الحكمة... أما المتكبر فإنه ليس مخطئًا من الناحية الروحية فقط، بل اجتماعيًا أيضًا...
الإنسان المتكبر هو أيضًا ضد الله، والله ضده...
المتكبر كل ما يفعله من فضيلة ينسبه إلى نفسه، وليس إلى عمل الله معه. وخطاياه قد ينسبها إلى نسيان الله له!
والعجيب أن الكبرياء قد تدخل في العقيدة أيضًا، مثل قول البعض: "يجب أن تطالب بحقوقك في دمِ المسيح"! أي حقوق لك؟ وأنت إنسان خاطئ محكوم عليه بالموت، وعاجز عن إنقاذ نفسه... ومديون لله وعاجز عن إيفاء ديونه! والله من فرط رحمته، خلصك مجانًا بنعمته... فإن كان خلاصك هبة من الله؛ فكيف تطالب بحقوق أيها الخاطئ المديون؟!
إن الخاطئ يقف أمام الله دائمًا خاطئًا، يطلب في انسحاق وشعور بعدم الاستحقاق. لا يعتبر أن له حقًّا... وبهذا يهبه الله كل شيء. أما الذي يطالب الله بحقوق، إنما يوقف الله كمديون أمامه، لم يعط الناس حقوقهم بعد!!
* مقال لقداسة البابا شنوده نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 19 مايو 1978م
علامات الاتضاع
علامات الاتضاع*
أتابع معكم حديثنا عن الاتضاع... ما هو الاتضاع، وما هي علاماته؟
التواضع هو عدم اعتداد بالذات. هو عدم ارتفاع القلب من الداخل: والقلب إذا ارتفع من الداخل، تكون له علامات خارجية تدل على ذلك. ولهذا فإن للاتضاع علامات داخلية وخارجية. وهو قبل كل شيء يبدأ في القلب من الداخل.
التواضع هو أن تشعر أنك إنسان خاطئ وضعيف، وأنك لا تستحق شيئًا. وأن تعامل نفسك وغيرك طبقًا لهذا الشعور...
كل خير تعمله، تنسبه إلى عمل الله فيك، الله الذي يُخرج من الجافي حلاوة.
تقول لنفسك: أنا من ذاتي لست شيئًا، ولكن الله الرحوم "الْمُقِيمِ الْمَسْكِينَ مِنَ التُّرَابِ، الرَّافِعِ الْبَائِسَ مِنَ الْمَزْبَلَةِ لِيُجْلِسَهُ مَعَ أَشْرَافٍ، مَعَ أَشْرَافِ شَعْبِهِ" (مز113: 7، 8). وعندما يقيمك الرَّب من التراب، تظل تردد مع المرتل: "لَصِقَتْ بِالتُّرَابِ نَفْسِي" (مز119: 25).
هذا من الناحية المطلقة، أما من الناحية النسبية.
فتقول: "أنا أكثر خطية من جميع الناس، وأكثرهم ضعفًا وجهلًا، وأيضًا أكثرهم عدم استحقاق. فلا تظن أنك أفضل من أحد".
ويكون لك هذا الشعور حقيقيًا في أعماقك، ويستمر معك دائمًا.
سُئل أحد القديسين: ما هو الاتضاع؟ فقال: هو معرفة الإنسان لذاته... إذًا فليس الاتضاع أن ترى نفسك كبيرًا، ولكنك حبًا في الفضيلة تصغر نفسك! ففي معرفتك أنك كبير نوع من الكبرياء، وبالمثل شعورك بأنك تُصغّر نفسك...
إنما الاتضاع أن تعرف نفسك تمامًا أنك ضعيف وخاطئ وغير مستحق... وأن تعامل نفسك بما يناسب هذا.
والتواضع كما يكون أمام النفس وفي أعماقها. يكون أيضًا أمام الله، وأمام الناس وحتى أمام الشياطين...
فأنت أمام الله تعترف بضعفك وبفضله عليك، وبأنك بدونه لا تستطيع شيئًا، ولذلك كما تعترف له، تصلي طالبًا معونته.
وأمام الناس لا تتحدث عن ذاتك، ولا تتكبر ولا تنتفخ، ولا ترتفع على أحد، ولا تعامل أحدًا كما لو كنت أفضل منه. بل تعامل الكل باحترام، وكما قال الشيخ الروحاني: "في كل مكان حللت فيه، كن صغير إخوتك وخديمهم".
أما التواضع أمام الشياطين، فمن أعظم أمثلته القديس أنطونيوس الكبير، الذي كان يقول للشياطين: "أيها الأقوياء، ماذا تريدون منّي أنا الضعيف؟ أنا عاجز عن مقاتلة أصغركم".
القديس المتواضع لا ينتهر حتى الشياطين...
ولذلك فإن الملاك ميخائيل لما انتهر الشيطان، قال له: "لينتهرك الرَّب يا شيطان، لينتهرك الرَّب". القديسون المتواضعون، ما كانوا يشتمون الشياطين، ولا يأمرونهم في عظمة، لأن شيطانًا لا يخرج شيطانًا.
التواضع الحقيقي ليس مظاهر خارجية أو لونًا من التمثيل...
هناك إنسان يضرب مطانية بغير اتضاع. تكون رأسه في التراب وقلبه مرتفعًا فوق السحاب... يقول كلمة اتضاع، وكلمة أخطأت، وقلبه ليس مقتنعًا بما يقوله لسانه، بل ربما يضرب مطانية بلون من السياسة أو كسب المواقف!!
ليس التواضع رقة من الخارج وألفاظًا متنازلة، وفي القلب كبرياء وعظمة، وثقة واعتداد بالنفس...
التواضع أيضًا على نوعين تواضع في الجسد وتواضع الروح...
الجسد يتضع في منظره، فلا يجلس أو يمشي في خيلاء. وأيضًا نظراته وملامحه تكون متواضعة، وألفاظه وحركاته وملابسه وزينته تكون كذلك، أما تواضع الروح فهو ما يسمونه مسكنة الروح، أو المسكنة بالروح، التي أعطاها السيد المسيح أولى التطويبات.
يقول البستان إن هناك عجرفة علمانية، وعجرفة رهبانية...
العجرفة العلمانية: خاصة بالعظمة في المظهر الخارجي، كالملابس الفاخرة، والزينة العالية، والتحلي بالحلى، ومظاهر الثراء والأثاثات، والفرح بالألقاب والشهرة والمناصب، وما إلى ذلك...
أما العجرفة الرهبانية: فهي التباهي بألوان النسك الظاهر، كالصوم إلى ساعة متأخرة، ورفض أنواع معينة من الطعام، وأخذ مظهر الوحدة والحبس والصمت أمام الناس، وربما الفرح بأن يكون الإنسان نحيلًا حتى يعرف الناس عنه أنه ناسك!!
الراهب المتواضع قد لا يرفض أي طعام يقدم إليه، يأخذه أمام الناس، ولا يأكله، بل يعطيه في الخفاء صدقة للفقراء...
إن الله يريد اتضاع القلب، يحب الروح المتضعة المنسحقة... وإذا كان القلب متضعًا، فكل العلامات الخارجية للاتضاع تكون طبيعية.
كلام الاتضاع، والسلوك المتضع في المعاملة، ونكران الذات، كل ذلك يكون مجرد تعبير طبيعي غير مقصود. وكما يقول الكتاب: "اَلإِنْسَانُ الصَّالِحُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الصَّالِحِ يُخْرِجُ الصَّلاَحَ... فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ فَمُهُ" (لو6: 45).
أول سقوط في العالم، كان تشامخ الروح، كان ارتفاع القلب، حينما ارتفع قلب الشيطان من الداخل، وأراد أن يكون الأعظم...
فما هو القلب المتضع إذًا؟ وما هي علاماته؟
أول علامة للقلب المتضع هي الهدوء الذي يقول عنه الكتاب: "الرُّوحِ الْوَدِيعِ الْهَادِئِ، الَّذِي هُوَ قُدَّامَ اللهِ كَثِيرُ الثَّمَنِ" (1بط3: 4).
الشيطان دائمًا يحب الضجيج والبهرجة التي تتنافى مع الوداعة. أما القديسون المتواضعون فكانوا دائمًا ودعاء وهادئين...
السيد المسيح قيل عنه إنه: "لاَ يُخَاصِمُ وَلاَ يَصِيحُ، وَلاَ يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي الشَّوَارِعِ صَوْتَهُ. قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ" (مت12: 19، 20). وهذا منتهى الوداعة والهدوء.
حتى في يوم صلبه كان بنفس الوداعة "ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ" (إش53: 7).
في قصة لقاء الله مع إيليا
نسمع أنه كانت هناك زوبعة ولم يكن الله في الزوبعة، ونار ولم يكن الله في النار، وزلزلة ولم يكن الله في الزلزلة. وإذا صوتٌ منخفضٌ خفيفٌ يقول له: "مَا لَكَ ههُنَا يَا إِيلِيَّا؟" (1مل19) وكان صوت الله.
إن الإنسان المتشامخ المرتفع، يُعرّض نفسه لسخط الله عليه!
انظروا ماذا يقول الكتاب: "فَإِنَّ لِرَبِّ الْجُنُودِ يَوْمًا عَلَى كُلِّ مُتَعَظِّمٍ وَعَال، وَعَلَى كُلِّ مُرْتَفِعٍ فَيُوضَعُ، وَعَلَى كُلِّ أَرْزِ لُبْنَانَ الْعَالِي الْمُرْتَفِعِ، وَعَلَى كُلِّ بَلُّوطِ بَاشَانَ. وَعَلَى كُلِّ الْجِبَالِ الْعَالِيَةِ، وَعَلَى كُلِّ التِّلاَلِ الْمُرْتَفِعَةِ. وَعَلَى كُلِّ بُرْجٍ عَال، وَعَلَى كُلِّ سُورٍ مَنِيعٍ. وَعَلَى كُلِّ سُفُنِ تَرْشِيشَ، وَعَلَى كُلِّ الأَعْلاَمِ الْبَهِجَةِ. فَيُخْفَضُ تَشَامُخُ الإِنْسَانِ، وَتُوضَعُ رِفْعَةُ النَّاسِ، وَيَسْمُو الرَّبُّ وَحْدَهُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ" (إش2: 12-17).
حقًا، قبل الكسر الكبرياء، وقبل السقوط تشامخ الروح. ويسقط المتشامخون لأن الرب يقاومهم، لأن للرب يومًا عليهم.
المتواضع وديع هادئ. يقدم الخد الآخر، ويمشي الميل الثاني. إذا أخذوا ثوبه، يترك الرداء أيضًا. لا يقاوم الشر. لا يدافع عن نفسه، بل الرب هو الذي يدافع عنه. لا يرتفع، وإنما كلما يتواضع فإن الرب يرفعه.
المتواضع يقول: "لا أنا بل الرب... أنا لست شيئًا".
أما المستكبر فيتركز حول كلمة أنا، وتدور حولها كل اهتماماته.
مثلما وقف الفريسي المتكبر، يتحدث عن أعماله. ومثل التجربة الشديدة التي وقع فيها أيوب الصديق، حينما تحدث عن نفسه (أي29).
وهكذا قال أيوب: "حِينَ كُنْتُ أَخْرُجُ إِلَى الْبَابِ فِي الْقَرْيَةِ، وَأُهَيِّئُ فِي السَّاحَةِ مَجْلِسِي. رَآنِي الْغِلْمَانُ فَاخْتَبَأُوا، وَالأَشْيَاخُ قَامُوا وَوَقَفُوا، صَوْتُ الشُّرَفَاءِ اخْتَفَى، وَلَصِقَتْ أَلْسِنَتُهُمْ بِأَحْنَاكِهِمْ. لأَنَّ الأُذُنَ سَمِعَتْ فَطَوَّبَتْنِي، وَالْعَيْنَ رَأَتْ فَشَهِدَتْ لِي. لَبِسْتُ الْبِرَّ فَكَسَانِي. كَجُبَّةٍ وَعَمَامَةٍ كَانَ عَدْلِي. أَبٌ أَنَا لِلْفُقَرَاءِ" (أي29: 7-15).
مشكلة أيوب الصديق، إنه كان بارًا وكاملًا، ويعرف عن نفسه أنه بار وكامل. فكان يتعبه ما يعرفه عن نفسه من برٍ.
لذلك متى انتهت تجربته؟ انتهت حينما شعر بضعفه أمام الله، ووضع يده على فمه، وقال: "نَطَقْتُ بِمَا لَمْ أَفْهَمْ. بِعَجَائِبَ فَوْقِي لَمْ أَعْرِفْهَا"، وقال أيضًا: "لِذلِكَ أَرْفُضُ وَأَنْدَمُ فِي التُّرَابِ وَالرَّمَادِ". ولما وصل إلى التراب والرماد انتهت تجربته وردّ الرَّب سبيه (أي42).
على أن قومًا قد لا يتركزون حول كلمة (أنا) وإنما حول كلمة (نحن). إنها كبرياء الذات في شكل (المجموعة).
كما يفتخر إنسان ببلده، أو بعشيرته أو بجنسه، أو بجامعته. أو كما افتخر الألمان بأنهم من الجنس الآري، وكما افتخر اليهود بأنهم أولاد إبراهيم، وكما افتخر الفريسيون بأنهم الجماعة المدققة...
وقد يحاول من يفتخر أن يخفي افتخاره بعبارة شكر لله...
كما بدأ الفريسي افتخاره بقوله: "اَللّهُمَّ أَنَا أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ" (لو18: 11). وكما بدأ أيوب افتخاره وبقوله: "يَا لَيْتَنِي كَمَا فِي الشُّهُورِ السَّالِفَةِ وَكَالأَيَّامِ الَّتِي حَفِظَنِي اللهُ فِيهَا، حِينَ أَضَاءَ سِرَاجَهُ عَلَى رَأْسِي، وَبِنُورِهِ سَلَكْتُ الظُّلْمَةَ. وَرِضَا اللهِ عَلَى خَيْمَتِي" (أي29: 2-4).
وما أصعب ما يتطور إليه الإنسان في كلمة (أنا)، حتى لا تعجبه كل عظمة ذاته، فيطلب المواهب واجتراح المعجزات.
وينسى كل الآيات الداعية إلى الاتضاع، ولا يتذكر إلاَّ "وَلكِنْ جِدُّوا لِلْمَوَاهِبِ الْحُسْنَى" ناسيًا ما قيل بعدها "وَأَيْضًا أُرِيكُمْ طَرِيقًا أَفْضَلَ" (1كو12: 31).
يظنُّ أن الإنسان لا تكون له علاقة طبيعية بالروح القدس، إلا إذا تكلم بألسنة، أو شفى المرضى أو أخرج الشياطين، ناسيًا أن كثيرين قالوا للرب: " يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! أَلَيْسَ بِاسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وَبِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ، وَبِاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟" فسمعوا منه عبارة: "إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ!" (مت7: 22، 23).
وينسى قول الرَّب لتلاميذه عن المعجزات: "لاَ تَفْرَحُوا بِهذَا" (لو10: 20).
وينسى أن ثمار الروح أنفع لخلاصه من مواهب الروح، وأن يوحنا المعمدان أعظم من ولدته النساء، لم يذكر عنه الكتاب أنه كان صاحب معجزات... كان أعظم ما فيه هو اتضاعه على الرغم من امتلائه من الروح القدس بل بهذا الامتلاء قال: "لَسْتُ أَنَا... هُوَ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي، الَّذِي صَارَ قُدَّامِي، الَّذِي لَسْتُ بِمُسْتَحِقّ أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ" (يو1: 20-27).
لم يحدث أن إنسانًا رأى عجائب مثل السيدة العذراء، ولكنها في اتضاعها ظلت صامتة، لا تتحدث عن (اختباراتها)، كما يتحدث كثيرون عن (اختباراتهم) دون أن ينالوا شيئًا مثلها!!
* مقال لقداسة البابا شنوده نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 26 مايو 1978م
التطبيق العملي للاتضاع
التطبيق العملي للاتضاع*
أتابع معكم حديثنا عن الاتضاع، بحيث ندرس هذه الفضيلة في حياتنا العملية، التي تدخل في علاقاتنا مع الله ومع الناس ومع أنفسنا.
قلنا إن الاتضاع هو أن يشعر الإنسان في أعماقه أنه خاطئ وضعيف وغير مستحق، وأنه أقل من جميع الناس.
ولكن المهم أن يعامل نفسه على هذا الأساس، ويقبل المعاملة من الناس ومن الله على أنه خاطئ وغير مستحق.
قد يقول إنسان إنه خاطئ. ولكنه لو سمع إنسانًا يصفه بأنه خاطئ، يثور ويحتج ويغضب ويدافع. وتكون عبارة الاتضاع التي يلفظها لسانه، غير حقيقة قلبه من الداخل.
فما هي العلامات الحقيقية للاتضاع في تطبيقه العملي؟
المتواضع الحقيقي الذي يشعر بخطيئته، يقبل كل ما يأتي عليه.
ويقول: "لو أن الله عاملني حسب خطاياي، ما كنت أستحق أن أعيش". ويرى أن كل الإهانات والمتاعب التي تصيبه، هي أقل من استحقاقه بكثير، ويقبلها بشكر.
مثال ذلك داود النبي والملك، لما شتمه شمعي بن جيرا بشتائم مؤلمة، أجاب: "دَعُوهُ يَسُبَّ لأَنَّ الرَّبَّ قَالَ لَهُ: سُبَّ دَاوُدَ" (2صم16: 10)، واعتبرها نتيجة طبيعية لما سبق من خطاياه.
الإنسان المتواضع الشاعر بخطاياه، يتألم ويحزن إن أكرمه الناس.
يدرك أنه يأخذ ما ليس له، ويقول في داخله: "إن هؤلاء المادحين لا يعرفون حقيقتي. ولو عرفوها كنت احتار كيف أُخفي وجهي خجلًا منهم". ويبكّت نفسه، ربما كان مرائيًا يظهر بغير حقيقته.
إن كان هكذا شعوره، فبالتالي سوف لا يفتخر...
لا يتحدث عن نفسه، ولا يشرح فضائل فيه، ولا يتكلم عن ذاته بالخير. بل إن تحدث عن نفسه لا يذكر سوى خطاياه، ولا يذكرها إلاَّ في خجل. يقول على الدوام: "مَن أنا؟!".
الإنسان المتضع هو دائمًا منسحق. خطيته أمامه كل حين.
إنها تذله في الداخل، وتعصر عينيه بالدموع، وتجلب له الانسحاق وتجعله يتوارى وتشعره بضعفه. لا ينسى خطاياه مهما نسيها له الله، ومهما غفرت. مثلما بكى داود على خطاياه بعد غفرانها، ومثلما ذكر بولس خطاياه، وقال: "لَسْتُ أَهْلًا لأَنْ أُدْعَى رَسُولًا" (1كو15: 9).
الإنسان المتواضع الشاعر بضعفه، إذا عرضت عليه خدمة، يرى في نفسه أنه غير مستحق، وغير قادر، وأن الأفضل له أن يجلس طول حياته في صفوف الموعوظين يطلب التوبة لنفسه.
وبالتالي لا يمكن أن يطلب من الله مواهب وعجائب.
يقول للرب: "من أنا حتى اجترح العجائب وأشفي المرضى وأقيم الموتى. الخير لي أن أقيم نفسي من موت الخطية، وأن أطلب الشفاء من أمراضي الروحية"... ويقول لنفسه أيضًا: "أنا لست احتمل هذه المواهب بسبب كبرياء نفسي. والمواهب تليق بأحباء الله المتواضعين الذين يحتملون".
الإنسان المتواضع، صلاته تكون دائمًا مشبعة بروح الاتضاع والانسحاق.
صلاة إنسان قد لَصِقَتْ بِالتُّرَابِ نَفْسِه (مز119: 25)؛ وبلل فراشه بدموعه (مز6:6)، يقول لله: "لاَ تَحْجُبْ وَجْهَكَ عَنِّي" (مز27: 9)، ولا تعاملني بحسب خطاياي!
إذا دخل المتواضع كنيسة، يفعل مثل العشار: يقف من بعيد، لا يجرؤ على الدخول. وقد لا يجرؤ أن يرفع نظره إلى فوق، بل يقرع صدره ويقول: ".. اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ" (لو18: 13). وقد يقف خلف عامود، لا يرى أحدًا، ولا يراه أحد.
إنه يطلب صلاة كل إنسان لأجله، ويطلب شفاعة كل قديس لأجله، لكي يُحسب مستحقًا للدخول إلى بيت الرَّبِ. وإن تقدم للتناول من الأسرار الإلهية، يتقدم بخشية كمن هو واقفٌ أمام لهيب نار.
المتواضع يشعر باستمرار أنه ناقص ومتهاون، وأنه لم يصل بعد إلى ما ينبغي عليه فعله.
بولس الرسول كان يقول: "لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ" أو نلت شيئًا (في13:3). بولس الذي صعد إلى السماء الثالثة، وتعب أكثر من جميع الرسل، وخاف الله عليه من كثرة الاستعلانات، يقول: إنه يسعى، لعله يدرك (في3: 12).
وأرسانيوس العظيم، الذي كان يقضي الليل كله في الصلاة، والذي كان رجل وحدة وصمت أكثر من الجميع، والذي تساقطت رموشه من كثرة البكاء، الذي كان القديسون يطلبون بركته، وأتاه البابا ثاؤفيلس يطلب منه كلمة منفعة... أرسانيوس هذا يقول: "هبني يا رب أن أبدأ". إنه يحسب نفسه لم يبدأ بعد...
إن المتواضع ينظر إلى المستويات العليا وإلى الكمال المطلوب منه، فيشعر دائمًا أنه في الموازين إلى فوق.
يشعر أن الطريق ما يزال طويلًا جدًا أمامه. ومهما نفذ كل الوصايا يرى أنه مجرد عبد بطّال...
إن كانت المحبة هي أول ثمرة من ثمار الروح الكثيرة (غلا22:5). والمحبة برنامج طويل يذكره بولس في (1كو13). وللآن لم يدرك أعماق هذه المحبة، ولم يُكمل مستلزماتها، فماذا يقول إذًا عن باقي ثمار الروح التي ليس له منها شيء؟! يقول ذلك بثقة من أعماق قلبه، وليس مجرد اِدعاء للتواضع.
الإنسان المتواضع كثير الشكر، يشكر على كل شيء. لأنه يوقن أنه لا يستحق شيئًا من العطايا التي نالها. يقول: "أنا يا رب لم أفعل شيئًا أستحق عليه عطاياك". لا يقول مثل بعض المتكبرين أطالب الله بحقوقي في البنوة، وحقوقي في الميراث. بل يقول لله: "وَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا. اِجْعَلْنِي كَأَحَدِ أَجْرَاكَ" (لو15: 19).
أنا لم أصل إلى مرتبة (العبيد البطالين) الذين فعلوا كل ما أُمروا به!
المتكبر يطالب بحقوق، لأنه ينسى ديونه بسبب خطاياه، وينسى حقوق الله تجاهه... وإن كان يقول: "حقوقي في دم المسيح"؛ فهو ينسى قول بولس الرسول عن الذي يخطئ باختياره بعد معرفة الحق، وأية عقوبة يستحقها (عب26:10-29).
لذلك هناك كبرياء يمكن نسميها (كبرياء العقيدة).
كبرياء من لا يحترمون الكهنوت بتفسير خاطئ لعبارة: "لاَ تُدْعَوْا سَيِّدِي... وَلاَ تَدْعُوا لَكُمْ أَبًا عَلَى الأَرْضِ" (مت23: 8، 9). وكبرياء من لا يحترمون القديسين، ولا يطلبون شفاعتهم ظانين أنهم مثلهم! وكبرياء من يقولون كلّنا ملوك وكهنة، بمعنى أنه لا فرق بينهم وبين الآباء الكهنة!
كبرياء من لا يعترفون بقوانين كنسية ولا بتقاليد ولا بأوامر الآباء، وإنما يعترفون فقط بمجرد فهمهم الخاص للإنجيل!
كبرياء من يقولون عن العذراء إنها تشبه قشرة البيضة، خرج منها الكتكوت، فأصبحت القشرة لا تساوي شيئًا..!
كبرياء الذين يُصلّون وهم جلوس! بينما الله تقف أمامه الملائكة ورؤساء الملائكة. والشاروبيم والسيرافيم يسجدون في خشوع، بجناحين يغطون وجوههم، وبجناحين يغطون أرجلهم من هيبة مجده. "يَخِرُّ الأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ شَيْخًا قُدَّامَ الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ، وَيَسْجُدُونَ لِلْحَيِّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ، وَيَطْرَحُونَ أَكَالِيلَهُمْ أَمَامَ الْعَرْشِ" (رؤ4: 10).
كبرياء الذين لا يخاطبون الرَّب إلاَّ بعبارة يسوع: "يسوع أحبني. يسوع أعطاني. أحبك يا يسوع"، وينسون قولنا عند قراءة الإنجيل: "ربنا وإلهنا ومخلصنا كلنا، ربنا يسوع المسيح الذي له المجد الدائم إلى الأبد آمين". هنا الاتضاع والخشوع في العبادة.
هناك أيضًا كبرياء الذين يلحّون على الله في أن يتكلموا بألسنة ويعلنون على الناس أن هذه هي علامة الملء... ومن لا يتكلمون بألسنة، يدّعون عليهم أنهم لم يختبروا بعد.
كبرياء من ينادي شخصًا آخر، ويقول له: "تعال لكي أسلمك تدريب الملء"!! ويقف أمام الناس كمانح للألسنة والمواهب!!
كبرياء من يقول إني تبررت وتقدست وتجددت ونلت الملء، وأنا واثق أني سأنال الملكوت! كأنه ليست هناك حروب، أو كأنه أقوى من الذين سقطوا!!
ما أسهل أن تدخل الكبرياء في التعليم اللاهوتي، وتلبس ثياب الحملان، وتعلم، ولا مانع من أن تدعو إلى الاتضاع!!
وينسى هؤلاء قول أبي الآباء والأنبياء إبراهيم الذي قال: "شَرَعْتُ أُكَلِّمُ الْمَوْلَى وَأَنَا تُرَابٌ وَرَمَادٌ" (تك18: 27). إن كان إبراهيم ترابًا، فأنت أيها المسكين مَن تكون؟!
إن الدالة مع الله لا تمنع الاحترام ولا تمنع المخافة فأنت مهما كنت لن تصل إلى الدالة التي بين الله وأبينا إبراهيم. إنها كبرياء، أن يفقد الإنسان مخافته أمام الكنيسة وأمام القديسين وأمام الله: ويظن أنه ليس محتاجًا إلى أحد، لكي يكون له علاقة منفردة مع الله من غير "وكلاء السرائر الإلهية"!
أيضًا الإنسان المتضع وديع وسهل التفاهم وقابل للتعلّم.
أما المتكبر، فهو كثير النقاش، كثير الجدال، لا يقبل التعليم بسهولة، ولا يقبل النصح والإرشاد. بل يعتد برأيه.
ينسى أن المؤمنين كانوا في الكنيسة الأولى يُدعون "تلاميذ"، وكانت لهم حياة التلمذة، وينسى أن الاستماع أفضل من التكلم.
والمتكبر أيضًا في ثقته بذاته، كثيرًا ما يدين غيره...
هو ساخطٌ على كل شيء. الكلُّ ناقصون في نظره. نقده لاذع، ولا يسلم أحد من نقده. وقد لا يدين الأفراد فقط، ولا الرؤساء فقط وإنما قد يدين الكنيسة كلها!! يدين الملايين! انظروا أية خطية هذه! بكل سهولة يقول البعض إن: الكنيسة نائمة، وأنه الوحيد المستيقظ.
* مقال لقداسة البابا شنوده نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 2 يونيو 1978م
الحديث عن الاختبارات
الحديث عن الاختبارات*
نتابع حديثنا عن التواضع، فنتناول صفة من صفاته، وهي عدم الحديث عن النفس، وبخاصة النقط البيضاء فيها. ولتكن تأملاتنا في الحديث عن الاختبارات الشخصية.
الحديث عن الاختبارات
الشخص المتواضع لا يفكر في ذاته كثيرًا، ولا يمتدحها أمام الناس، ولا يركز فيها اهتمامه، مستمعًا إلى قول الرَّب: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ" (مر8: 34). وإنكار الذات لا يتفق والحديث عنها.
الإنسان المتواضع ليس فقط لا يمدح ذاته، بل لا يقبل المديح من الآخرين، ظانًا أنه قد ظهر أمامهم بما ليس فيه...
من هنا، أود أن أناقش معكم موضوع (الحديث عن الاختبارات)، كأن يقف شخص ليحكي للناس اختباراته الروحية. أو يطلب منه أحد قادة الاجتماعات هذا الأمر، فيفعل...
ألاحظ في هذا الموضوع لونين من الخطأ:
الخطأ الأول هو سرد أخطاء الماضي مع بشاعتها، بلا حياء...
يقف شخص ويتكلم بكل جرأة، وبلا خجل، وبصوت عال، ويقول: "أنا كنت أشرب الخمر، وأذهب إلى كباريهات، وألعب القمار، وأصادق النساء..". والذي يسمعه يخجل من سماع حديثه، أما هو فيتكلم بلا خجل، كأن هذه الخطايا شيء عادي..!
انظروا إلى العشار الذي تذكر خطاياه أمام الله، كيف أنه وقف من بعيد، ولم يجرؤ على النظر إلى فوق، وقرع صدره، وطلب الرحمة، في استحياء، دون أن يسرد تفاصيل خطاياه.
فلنستمع إلى صلاة عزرا لنرى هذا الاستحياء في ذكر الخطايا:
لقد جثا على ركبتيه، في ثيابه الممزقة، واعترف للرب قائلًا: "إِنِّي أَخْجَلُ وَأَخْزَى مِنْ أَنْ أَرْفَعَ يَا إِلهِي وَجْهِي نَحْوَكَ، لأَنَّ ذُنُوبَنَا قَدْ كَثُرَتْ فَوْقَ رُؤُوسِنَا" (عز9: 6). وتحدث عزرا عن خزي الوجوه.
كما صلى دانيال أيضًا: "لَكَ يَا سَيِّدُ الْبِرُّ، أَمَّا لَنَا فَخِزْيُ الْوُجُوهِ. يَا سَيِّدُ، لَنَا خِزْيُ الْوُجُوهِ، لِمُلُوكِنَا، لِرُؤَسَائِنَا وَلآبَائِنَا لأَنَّنَا أَخْطَأْنَا إِلَيْكَ" (دا6:9-8). حقًا إن المتواضع الشاعر بخطاياه، يقول مع المرنم في المزمور: "الْيَوْمَ كُلَّهُ خَجَلِي أَمَامِي، وَخِزْيُ وَجْهِي قَدْ غَطَّانِي" (مز44: 15).
أما أن يقف إنسان على منبر، ويشرح بشاعاته أمام الكل، بلا حياء، على اعتبار أنه تغير، فهذا أمر غريب!
إن الابن الضال، حينما شعر بسوء حالته، وبأنه أقل من الأجراء، قال لأبيه في خجل: "أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ، وَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا" (لو15: 21). ولم يقف ليفتخر بالتغيير الذي حدث في حياته، ولم يتحدث عن النعمة التي ملأت قلبه ونقلته من الكورة البعيدة إلى بيت الآب.
والعجيب أيضًا أن هؤلاء الذين يعترفون ببشاعة حياتهم القديمة، بلا خجل، يتحدثون أيضًا عن البر الجديد بلا خجل!!
أنا (كنت وكنت، وصرت، وصرت)! والحديث عن الحالة الجديدة المشرقة، يغطي الماضي، فلا يحسه المتحدث عن اختباراته، ولا يحسه السامع أيضًا. ولا تأخذ الخطية حقها من الانسحاق.
والأعجب من هذا كله، أن يقدم هذا الخاطئ نفسه كقدوة يتشجع بها الآخرون. ويتحول في لمح البصر من خاطئ إلى قدوة وإلى واعظ يقف على المنبر، في غير استحقاق، يبشر ويخدم الكلمة!
ويحاول أن يغطي كل هذا، بأن المسيح قد محا خطاياه، ناسيًا أنه كان ينبغي أن ينسحق بالأكثر، لأن خطاياه صارت قطرات في كأس المسيح، وصارت أشواكًا تدمي جبينه.
نصائح لهؤلاء
إن كانت خطاياك قد غفرت، فإن ثمن هذه المغفرة ينبغي أن يدمي قلبك، ويخزي وجهك، لأن الله البار قد حُسب خطية بسببك، إذ حمل خطاياك، ووضع عليه إثمك.
ثم أنه إن كانت لك توبة، أو كان الروح قد عمل فيك للتوبة، وقد خلّصك الرَّب من خطاياك القديمة، ووهبك حياةً نقية بالتوبة، فلا تشرح هذه النقاوة الجديدة، ولتكن سرًا بينك وبين الله، لئلا تفقدها بهذا الافتخار...
لا تقل كنت خاطئًا وصرت بارًا! بل قل في اتضاعٍ: "أنا لا أزال خاطئًا"، كما قال بولس الرسول: "الْخُطَاةَ الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ أَنَا" (1تي1: 15)، وكما قال يعقوب الرسول: "فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ نَعْثُرُ جَمِيعُنَا.." (يع3: 2).
وإن سألك أحد هل تبت؟ ومتى؟ قل له: أنا لم أتب بعد. صلّ لأجلي لأتوب. بل قل: "تَوِّبْنِي، يا رب فَأَتُوبَ" (إر31: 18).
إذا ساعدك الله على التوبة، فلا تبوق قدامك بالبوق كما يفعل المراؤون (مت6)، بل تذكر قول الرب: "فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ هُوَ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً" (مت6:6). واحذر من أنك بحديثك عن نفسك، تكون قد استوفيت أجرك.
ولا تضع نفسك قدوة ومعلمًا. فهناك قدوات في سير القديسين أما أنت ففي زمن التوبة، يليق بك الانسحاق لا التعليم.
قل لنفسك: "مَن أنا حتى أكون قدوة؟ وما هي خبراتي حتى أحكيها للناس، وأنا شخص مبتدئ حديث العهد بمعرفة الله؟! الأولى بي أن أتعلم، لا أن أحكي اختبارات".
ألعلك وصلت إلى درجة موسى النبي الذي قضى أربعين يومًا مع الله على الجبل، ومع ذلك لم يقص علينا اختباراته الروحية في الأربعين يومًا، فهل تحكي أنت؟!
ألعلك مثل السواح الذين قضوا عشرات السنوات مع الله، في الخلوة والتأمل، ولم يقصوا عنها شيئًا. بل إن قصص آباء البرية القديسين لم نعرفها عنهم، وإنما من كتابات بعض السائحين مثل: بلاديوس وروفينوس وكاسيان، الذين ذكروا شيئًا من أخبارهم.
مَن مِن نساء اليوم قد وصلت إلى اختبارات السيدة العذراء التي عاش المسيح في حضنها وفي بيتها، ورأت معجزاته...
ومع ذلك فإن العذراء لم تتكلم عن اختباراتها، بل صمتت وكانت تحفظ كل هذه الأمور متأملة بها في قلبها. كما يقول الكتاب: "وَأَمَّا مَرْيَمُ فَكَانَتْ تَحْفَظُ جَمِيعَ هذَا الْكَلاَمِ مُتَفَكِّرَةً بِهِ فِي قَلْبِهَا" (لو2: 19).
عجيب أن تصمت العذراء فلا تتكلم عن اختباراتها، وتقف أية امرأة في أيامنا، لتحكي كيف نالت التبرير والتقديس والتجديد والملء والفيض، وسائر هذه العبارات التي لا تُدرك معناها...
وعجيب أن يصمت أخنوخ الذي "سَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ" (تك5: 24)؛ وإبراهيم الذي أخرجه الله من أهله ووطنه ليعيش معه في الجبل الذي أراه إياه. يصمت هؤلاء ليتكلم بعض المبتدئين في التوبة! يوقفونهم على المنابر، ويقولون لكل منهم "اشرح لنا قصة اختبارك"! ويحكي كل منهم كيف نال البرّ الجديد، وكيف عملت النعمة فيه وطهّرته!
إن كنت وأنت على الشاطئ تعمل هكذا، فماذا تفعل لو دخلت إلى الأعماق؟! لذلك لا يأتمنك الرب على أعماقه، لئلا تملأ الدنيا كلامًا. إنما يأتمن المتواضعين الصامتين. أي بر يا أخي قد نلته؟ إنك ما تزال في حرب كل يوم تسقط فيها وتقوم، وما تزال إرادتك موضع اختبار...
ولن تنل إكليل البر، إلا بعد أن تكمل السعي، وتخلع الجسد، ويهبه لك الديان العادل، في ذلك اليوم، كما شرح القديس بولس الرسول: "وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ، الَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، الرَّبُّ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ، وَلَيْسَ لِي فَقَطْ، بَلْ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ ظُهُورَهُ أَيْضًا" (2تي4: 8).
ولماذا تخبر الناس عن علاقتك مع الله؟ فلتكن حياتك مع الله سرًا، قدس أقداس لا تطأها آذان الناس...
حياتك مع الله هي "جَنَّةٌ مُغْلَقَةٌ... يَنْبُوعٌ مَخْتُومٌ" (نش4: 12)؛ فلا تجعلها مدوسة بأقدام الكثيرين، لئلا تتلفها الثعالب الصغار...
لا تعلن عن نفسك، لا تعلن عن توبتك، ولا عن نقاوتك، ولا تُدخل الناس في علاقتك مع الله، ولا تغتر بفترات روحية مرت عليك، وتحدث الناس عنها، لئلا تطلبها فيما بعد فلا تجدها... بل على قدر طاقتك اِخفِ فضائلك.
إن الخبرات التي تُختم بالصمت، يعلنها الله في السماء والتي تعلنها أنت على الأرض، يخطفها شيطان المجد الباطل، ولا تعود...
إن كنت تحكي عن اليوم، فأنت لا تدري ما يخبؤه لك الغد. استمع إلى قول الرسول: "إِذًا مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَائِمٌ، فَلْيَنْظُرْ أَنْ لاَ يَسْقُطَ"(1كو10: 12).
لذلك استتر وراء الاتضاع والإخفاء فيحفظانك من السقوط.
إن بولس الرسول، لما أثار الأعداء شكوكًا حول إرساليته، كادت تعطل الكلمة، وقالوا إنه ليس رسولًا، إنما تلميذ للرسل، تحتاج رسالته مراجعة منهم. واضطر بولس أن يتكلم عن نفسه، قال: "قَدْ صِرْتُ غَبِيًّا وَأَنَا أَفْتَخِرُ. أَنْتُمْ أَلْزَمْتُمُونِي" (2كو12: 11). احتملوا غباوتي، ولم يتحدث عن خبراته الروحية إنما عن ضعفاته...
إن كان بولس الرسول قد قال إنهم ألزموه أن يكون غبيًا ويتحدث عن نفسه، فلماذا تسلك أنت في الغباء بإرادتك؟! يا ليتك تتذكر عبارة "خَبَأْتُ كَلاَمَكَ فِي قَلْبِي لِكَيْلاَ أُخْطِئَ إِلَيْكَ" (مز119: 11)، وتخبئ أيضًا كل عمل إلهي يرفعك إليه.
هو يعلن عن عمله فيك، وأنت لا تعلن. هو يجعلك نورًا للناس، ولكنك لا تقول عن نفسك أنك صرت نورًا.
حياة القديسين مع الله كانت كلها في الخفاء. وبعضهم كانوا يتظاهرون بالخبل والجهل، حتى لا تظهر حياتهم الفاضلة للناس... وقديسون آخرون كانت تُجرى معجزات على أيديهم فينسبونها لغيرهم حتى لا يظهروا، كما في قصة شفاء زهرة ابنة محمد على.
جاءوا إلى البابا، لكي يصلي لأجلها. فأجاب إنني لا أملك هذه الموهبة، ولكن اذهبوا إلى الأنبا صرابامون أبو طرحة. فلما ذهبوا إليه طلب صليب البابا. لكي ببركته يخرج الروح النجس من الفتاة. وشفيت الفتاة. والبابا بطرس الجاولي يُرجع شفاءها إلى صلاة الأنبا صرابامون، والأنبا صرابامون يقول إنها بركة صليب البابا...
وهكذا حينما كان القديس بيساريون يصلي لشفاء مريض، كان يقول: "بصلاة أبي القديس الأنبا أنطونيوس". كان يقول للروح النجس: "أبي القديس أنطونيوس يأمرك أن تخرج"، وينسب الأمر لغيره...
هؤلاء كانت معجزاتهم تتكلم، فيهربون منها، بعكس المتكلمين عن خبراتهم ولذلك ذهلت جدًا حينما فسر أحدهم قول السيد المسيح لتلاميذه: "وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا" (أع1: 8). فبدلًا من أن يقول إن معنى الآية: أن نشهد للمسيح في موته عنا وفدائه للبشرية وقيامته كاسرًا شوكة الموت، قال: "ينبغي أن نشهد لعمل الله فينا، وكيف غيّرنا!" أي أن يتحدث الإنسان عن اختباراته في التغيير! ناسيًا قول الرب: "تبشرون بموتي، وتعترفون بقيامتي"، هكذا كانت شهادة الرسل...
* مقال لقداسة البابا شنوده نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 9 يونيو 1978م
من التواضع: احترام الآخرين
من التواضع: احترام الآخرين*
أتابع معكم حديثنا عن الاتضاع. فنتأمل معًا صفة من صفات المتضعين، وهي احترام الآخرين.
من التواضع: احترام الآخرين
المتواضع يحترم غيره، صغيرًا كان أم كبيرًا. أما المتكبر، فإنه يتعالى على مَن هو أصغر منه، ولا يحترم الكبار.
السيد المسيح في كل عظمته، أعطانا مثالًا في احترام الناس.
ما أعجبه وهو يقول ليوحنا المعمدان: "اسْمَحِ الآنَ، لأَنَّهُ هكَذَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرّ" (مت3: 15)، (إنه احترام للناس، وللشريعة).
وفي تواضعه، خضع للناموس بكل تفاصيله. إننا لنذهل، إذ نسمعه بعد تطهيره للأبرص، يقول له: "اذْهَبْ أَرِ نَفْسَكَ لِلْكَاهِنِ" (مت8: 4). يا سيدي ألست أنت هو الكاهن الأعظم؟ ما حاجتي إلى كاهن؟! لا يا بني، يليق بنا أن نكمل كل بر، ونعطي كل ذي حق حقه، نعطي للكاهن وللشريعة احترامهما.
وبالمثل لما اختار شاول الطرسوسي، أرسله إلى حنانيا، ولما قرر قبول كرنيليوس، طلب إليه أن يستدعي سمعان بطرس. ولما دعا برنابا وشاول للخدمة، طلب من الرسل أن يفرزوهما.
عجيب أن الرب في تواضعه، لا يتخطى وكلاءه.
لا نقول إنه يحترم عبيده، فربما هذا التعبير غير مقبول لاهوتيًا. وإنما نقول إنه في معاملته لهم، يحتفظ لهم بكرامتهم "لاَ أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيدًا... لكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ" (يو15:15).
وهكذا لا يستنكف من أن يدعوهم إخوته، ويصير بكرًا وسط إخوة كثيرين. ويقول للمجدلية: "اذْهَبِي إِلَى إِخْوَتِي وَقُولِي لَهُمْ" (يو20: 17). وفي اتضاعه يغسل أرجل تلاميذه. ويقول ليهوذا الخائن: "يَا صَاحِبُ، لِمَاذَا جِئْتَ؟" (مت26: 50)، "يا صاحب" وليس "يا خائن"!
إنه لا يجرح شعور أحد، لا الخائن، ولا المرأة الخاطئة.
لم يوبخ التي ضُبطت في ذات الفعل، بل قال لها: "وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضًا" (يو8: 11). وقال للسامرية: "لأَنَّهُ كَانَ لَكِ خَمْسَةُ أَزْوَاجٍ" (يو4: 18)، فاستعمل كلمة (أزواج) لكيلا يجرح شعورها، ولا يخدش حياءها. وأحاط هذا الاعتراف بكلمتين رقيقتين "حَسَنًا قُلْتِ... هذَا قُلْتِ بِالصِّدْقِ" (يو4: 17، 18).
إنه يعطينا درسًا في حفظ كرامة الناس، مهما بدا أنهم أقل كثيرًا سواء في المركز، أو الدرجة الروحية...
واتضاعه يظهر أيضًا في احترامه لأمّه، وطاعته لها، كما في مثال تحويل الماء إلى خمر، مع أنه كان يرى أن سَاعَتِه لَمْ تَأْتِ بَعْدُ (يو2: 4)، ومع ذلك نفّذ لها رغبتها.
وعلى هذا النهج سار القديسون في احترام الكبار...
ليس الكبار في القرابة والمركز فقط، وإنما في السن أيضًا:
تأملوا بولس الرسول يقول لتلميذه تيموثاوس الأسقف: "لاَ تَزْجُرْ شَيْخًا بَلْ عِظْهُ كَأَبٍ، وَالأَحْدَاثَ كَإِخْوَةٍ، وَالْعَجَائِزَ كَأُمَّهَاتٍ، وَالْحَدَثَاتِ كَأَخَوَاتٍ" (1تي5: 1-2)؛ مع أن الكل أبناؤه من الناحية الروحية والرعوية، ولكنه يدعوهم آباء وأمهات وإخوة. ونفس بولس الرسول يقول: "سَلِّمُوا عَلَى رُوفُسَ الْمُخْتَارِ... وَعَلَى أُمِّهِ أُمِّي" (رو16: 13).
واحترام الشيوخ، نجده واضحًا جدًا في بستان الرهبان...
وفي قصة أيوب الصديق، نجد أصحاب أيوب الثلاثة قد ناقشوه ثمانية وعشرين إصحاحًا، وكان هناك رابع اسمه أليهو ظلَّ صامتًا احترامًا لسنهم. وأخيرًا قال لهم: "أَنَا صَغِيرٌ فِي الأَيَّامِ وَأَنْتُمْ شُيُوخٌ، لأَجْلِ ذلِكَ خِفْتُ وَخَشِيتُ أَنْ أُبْدِيَ لَكُمْ رَأْيِيِ. قُلْتُ الأَيَّامُ تَتَكَلَّمُ، وَكَثْرَةُ السِّنِينَ تُظْهِرُ حِكْمَةً" (أي32: 6، 7).
يقول الكتاب: "مِنْ أَمَامِ الأَشْيَبِ تَقُومُ وَتَحْتَرِمُ وَجْهَ الشَّيْخِ" (لا 19: 32). وفي أدب بستان الرهبان "إن جلست وسط الشيوخ فاصمت. وإن سألوك عن شيء، فقل لا أعرف".
ونفس الوضع (احترام الكبار) نجده في أخلاقنا الريفية.
يقَبلون يَد الأب والجد، ويحترمون العم كالأب تمامًا، ويكلمون الكبار بتوقير، ولا يجلسون أمام كبير واقف، ويترجلون عن دوابهم أمام من هو أكبر منهم. إنها روحيات دخلت في أدب المجتمع.
كذلك نفس الاحترام في الأدب الكنسي... في الكلام وفي التصرف.
إن طلب مطران الحِل، يقولون له: "من فمك يا سيدنا.."، ولا يبدأ كاهن الصلاة، دون أن يأذن له الأسقف أولًا. ولا يلبس رجال الإكليروس ملابسهم الكهنوتية - في وجود الأسقف - إلاَّ إن رشمها لهم أولًا. إنه احترام الأبوة والكهنوت.
إنَّ احترام رجال الكهنوت. هو احترام لله نفسه، لأنهم وكلاؤه وعنهم قال: مَن يكرمكم يكرمني، ومن يرذلكم يرذلني.
أما التفكير البروتستانتي، فليس فيه احترام الآباء، لأنه ليس فيه اتضاع... وفي خطأ وكبرياء، يحاول أن يفسر عبارة: "وَلاَ تَدْعُوا لَكُمْ أَبًا عَلَى الأَرْضِ"... ولا سيدًا، ولا معلمًا (مت23)! ويقول أيضًا في كبرياء إن كل الناس ملوك وكهنة، بلا فارق!!
وعدم احترام الآباء والكهنوت، جرّ إلى عدم احترام القديسين!
ما أعجب قول الأخوة البلاميس عن أبي الآباء إبراهيم (الأخ إبراهيم) وعن الرسولين العظيمين بولس وبطرس (الأخ بولس) و(الأخ بطرس). بل يقولون أيضًا (الأخ يسوع). أو (يسوع) فقط!!
أما الكنيسة فقد عودتنا أن نقول: "القديس العظيم بولس الرسول، بركاته مع جميعنا آمين". وعودتنا أن نقول قبل الإنجيل: "ربنا وإلهنا ومخلصنا وملكنا كلنا، يسوع المسيح، الذي له المجد الدائم إلى الأبد آمين"... نعم، هكذا يكون الاحترام والتوقير.
احترامنا للرَّب يدعونا إلى السجود أمامه، وإلى الصلاة ونحن وقوف. وليس كما يفعل البعض، يصلون وهم جالسون!
واحترامنا للرب يدعونا إلى احترام كتابه: نقرأه في الكنيسة ونحن وقوف، ونسبق قراءته بالبخور، وبصلاة أن يجعلنا مستحقين للسمع والعمل. وبنفس الوضع نحترم الكنيسة، ونحترم القديسين ونتشفع بهم، ونعيد لهم، ونبني الكنائس على أسمائهم، ونطلب بركتهم، نوقد الشموع أمام أيقوناتهم. إنهم آباؤنا وسادتنا، وسيظلون كذلك.
نقول بكل احترام: "سيدتنا كلنا والدة الإله الطاهرة القديسة مريم". ونقول سادتنا الرسل. ونستخدم لقب (مار) أي (سيد)، فنقول مار جرجس، ومار مينا، ومار إفرام، ومارت مريم...
وبنفس الوضع نحترم الآباء الكهنة والآباء الرهبان. ونقول للراهب أبونا فلان، وللراهبة أمنا فلانة، بلون من الاحترام لتفرغهم لعبادة الله وخدمته، حتى لو كانوا حديثين في السيامة.
إن الكنيسة الأرثوذكسية مشهورة باتضاعها، وباحترامها للغير، واحترامها لكل ما هو مقدس، ومخصص لله...
وبنفس الأسلوب نحترم القوانين الكنسية، والتقاليد، وأقوال الآباء، وقرارات المجامع المقدسة، ونحترم كلام آبائنا، ونطلب بركتهم.
أما الطوائف الأخرى، فليس لها احترام القوانين هذا، ولا احترام أقوال الآباء، ولا احترام الرئاسات الكنسية. لذلك فكل واحد يفسر كما يشاء، ولا يخضع لأحد. وكانت النتيجة أن تكونت عشرات بل مئات المذاهب، بلا ضابط...
إن البنوة والأبوة في كنيستنا يلفهما الاتضاع، ومشاعر الاحترام. الابن يحترم الأب، والأب يحفظ كرامة ابنه، في اتضاع.
خذوا مثالًا لهذا الأمر، ما قد تعلمناه في مثل (الابن الضال) سواء من جهة الابن في احترامه لأبيه، أو الأب في اتضاعه...
الابن يأتي ليقول لأبيه في احترام "أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ، وَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا"؛ والأب في حبٍ وفي حرصٍ على كرامة ابنه، يغمره بعطف لا يسمح له بأن يقول العبارة الأخيرة: "اِجْعَلْنِي كَأَحَدِ أَجْرَاكَ" (لو15: 18-19). وبنفس الاتضاع يتكلم الأب مع ابنه الأكبر الغاضب، ويشرح له ويقنعه، دون أن يوبخه على أسلوبه الشديد وسوء معاملته لأخيه...
التوبيخ وروح الاتضاع
وهذا يجعلنا أيضًا نبحث موضوع التوبيخ، ومدى تمشّيه مع روح الاتضاع، وإلى أي درجة يمكن للإنسان أن يوبخ...
كثيرون يضعون أمامهم قول بولس الرسول للأسقف تيموثاوس: "وَبِّخِ، انْتَهِرْ، عِظْ" (2تي4: 2) كما لو كان لهم سلطان بولس الرسول، أو سلطان تلميذه الأسقف. وقد يُوبّخون في شدة وفي قسوة، وفي غير احترام للناس، ويظنون هذه فضيلة... وينسون كيف كان القديس بولس - الذي قال هذه العبارة - يوبخ وينتهر.
إنه يقول: "ثَلاَثَ سِنِينَ... لَمْ أَفْتُرْ عَنْ أَنْ أُنْذِرَ بِدُمُوعٍ كُلَّ وَاحِدٍ" (أع20: 31). ويقول أيضًا: "أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ بِوَدَاعَةِ الْمَسِيحِ وَحِلْمِهِ، أَنَا نَفْسِي بُولُسُ الَّذِي فِي الْحَضْرَةِ ذَلِيلٌ بَيْنَكُمْ، وَأَمَّا فِي الْغَيْبَةِ فَمُتَجَاسِرٌ عَلَيْكُمْ" (2كو10: 1).
لاحظوا أنه (ينذر بدموع)، "فِي الْحَضْرَةِ ذَلِيلٌ"، لذلك يتشجع بالكتابة، ويحسب نفسه "في الغيبة متجاسرًا عليهم"...
هذا هو أسلوب الشخص المتواضع، حينما يوبخ، لا بروح التعالي، ولا بقسوة الأسلوب، ولا بالصوت العالي المتسلط. وإنما بأسلوب الذي يحس بالخشبة في عينه، وهو يخرج القذى من عين أخيه...
إنه أسلوب الذي يطلب حق الله من نفسه أولًا... قبل أن يطلب حق الله من الآخرين. فيوبخ في "وَدَاعَةِ الْمَسِيحِ وَحِلْمِهِ". تُرى ماذا كانت وداعة المسيح؟
عجيب لهؤلاء الذين لا يرون السيد المسيح، إلا ممسكًا بالسوط، ولا يسمعونه إلا في عبارة: "وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ" (مت23: 13)، كما لو كانت حياة المسيح هي هذه فقط!!
إن السيد المسيح عامل الكتبة والفريسيين بكل لطف وبكل احتمال، دون أن يرد عليهم، بل كان يزورهم، وكان بكل وداعة وحلم يحاول إقناعهم. أما هذا التوبيخ فكان في الأسبوع الأخير بالذات، حينما أراد أن يمهد لتغيير القيادات قبل صلبه، حتى لا تسيطر على الكنيسة الجديدة التي سيؤسسها بدمه...
لذلك كشف رياءهم في الأسبوع الأخير، بعد طول صبر، وليس هم فقط، بل وأيضًا الصدوقيين والناموسيين والكهنة. لأنه كان بصدد تخليص الكنيسة الجديدة من القيادات القديمة، حتى لا تستمر هذه القيادات في إتلافها للعمل الروحي...
فهل أنت في نفس موقف المسيح؟ وهل لك سلطانه؟ وهل لك وداعته وحلمه؟ أم إنك توبخ في غير اتضاع؟
* مقال لقداسة البابا شنوده نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 16 يونيو 1978م
الدفاع عن النفس
الدفاع عن النفس*
نتابع حديثنا عن الاتضاع. ونركز في نقطة واحدة تتعلق بالاتضاع، وهي عدم الدفاع عن النفس. متى يكون الدفاع عن النفس ضد الاتضاع؟ وما هي الخطايا التي يقود إليها؟
الإنسان المتضع
الإنسان المتضع لا يدافع عن النفس، بل هو يدين نفسه باستمرار، وسهل عليه أن يقول إنه مخطئ...
أما المتكبر، فهو على الدوام يبرر نفسه. إنه بار في عيني نفسه، ويريد أن يكون بارًا في أعين الآخرين...
الإنسان المتواضع يقف أمام الله كمريض يحتاج إلى علاج، لذلك يعرض ضعفاته على الله، ليمنحه قوة على علاجها، ويطلب من الناس صلوات تضاف إلى صلواته، ليرحمه الله... أما المتكبر فهو من الأصحاء الذين لا يحتاجون إلى طبيب! (مت9: 12).
المتواضع يدافع عنه الله أما هو فلا يدافع عن نفسه...
هو لا يبرر نفسه، بل الله هو الذي يبرره. كما حدث بالنسبة إلى يوسف الصديق. بيع من إخوته كعبد، فلم يدافع عن نفسه... واتهمته زوجة سيده زورًا، فلم يدافع عن نفسه، وأُلقي في السجن، إلى أن دافع الرب عنه...
والقديس أبا مقار الكبير، اُتُّهم في خطية مماثلة، فلم يدافع عن نفسه، وكان يكدّ في عمل يديه، ويقول لنفسه: "كدَّ يا مقارة، فقد صارت لك امرأة وبنون". وظل هكذا، إلى أن أظهر الرَّب براءته. تعثرت ولادة المرأة، فاعترفت بأنها ظلمته.
وكما أن آبا مقار ويوسف الصديق لم يُدافعا عن نفسيهما، كذلك القديسة مارينا التي احتملت عار الخطية ظلمًا. ولم تُكتشف براءتها إلاَّ بموتها، فظهر أنها فتاة وليس رجلًا!
الدفاع عن النفس
أما الدفاع عن النفس وتبرير الذات فهو خطية قديمة جدًا.
بدأت هذه الخطية منذ حواء وآدم. فكل منهما حاول تبرير ذاته، ورفض أن يعترف ويقول: "أخطأت".
أما نحن فورثنا الخطية، بل ورثها قايين، أول ابن لآدم.
واستمرت هذه الخطية في طبع البشرية، وارتبطت بخطايا أخرى كثيرة، فلا توجد خطية عاقر. كل خطية لها أولاد.
خطايا ترتبط بالدفاع عن النفس
أول خطية ترتبط بالدفاع عن النفس هي الكبرياء...
فالإنسان يدافع عن نفسه، ليبدو بارًا، بدافع الكبرياء. أما المتواضع، فلا يهمه أن يأخذ عنه الناس فكرة حسنة لذلك لا يدافع عن نفسه. بل قد يتهم نفسه أمام الناس...
من الخطايا الأخرى التي ترتبط بالدفاع عن النفس، الكذب.
الكذب غطاء يغطي الخطية. وإن انكشف قد يُغطّىَ بكذبة أخرى. وما أكثر قصص الكتاب التي توضح هذا الأمر.
في قصة سوسنة العفيفة، ارتبط الدفاع عن النفس بالكذب. وأخوة يوسف عندما باعوه، غطوا الخطية بكذبة، فقالوا: إن وحشًا رديئًا افترسه، ولطخوا قميصه بالدم كدليل (تك37: 33)!
انظر إلى نفسك، في كل مرة تدافع فيها عن نفسك، كم كذبة وقعت فيها. كمن يدعي المرض، لكي يدافع عن نفسه في غيابه، ويشرك معه في الكذب طبيبًا!
من الأخطاء الأخرى المرتبطة بالدفاع...
إلقاء الذنب على الآخرين.
فلكي تثبت براءتك، تلقي تبعة الخطأ على غيرك!
هكذا فعل آدم، حينما برر نفسه بإلقاء التبعة على حواء.
وهكذا فعلت حواء حينما بررت نفسها بإلقاء التبعة على الحيّة.
بل إن آدم حاول أن يلقي التبعة على الله نفسه "الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ" (تك3: 12).
وهذا يرينا مدى ارتباط هذه الخطية، بالتجديف على الله.
إنسان يقع في إشكال، ربما بسبب إهماله. طالب يرسب، ربما لعدم مذاكرته. شخص يقبض عليه، ربما بسبب أخطائه. في كل ذلك أو غيره، ما أسهل أن يتذمر على الله، ويتهمه بأنه يضطهده، أو بأنه قد تركه، أو بأنه السبب!
وقد يدافع الإنسان عن نفسه، بالتبجح...
ومن أمثلة هذا الأمر قايين، الذي قتل أخاه. ولما سأله الله: "أَيْنَ هَابِيلُ أَخُوكَ؟" أجاب في تبجحٍ ليدافع عن نفسه: "أَحَارِسٌ أَنَا لأَخِي؟!" (تك4: 9).
والبعض قد يقع في التبجح، بأن يهاجم كوسيلة للدفاع، كالمثل العامي الذي يقول: "خده قبل ما ياخدك"...
ومن أمثلة الذين وقعوا فيما يشبه التجديف، في دفاعهم عن أنفسهم.
أيوب الصديق..
إنه في تبريره عن ذاته، يقول لله: "أَحَسَنٌ عِنْدَكَ أَنْ تَظْلِمَ؟!" (أي10: 3)؛ "تَسْتَذْنِبُنِي لِكَيْ تَتَبَرَّرَ أَنْتَ؟" (أي40: 8)، "أَعْلِمْنِي ذَنْبِي وَخَطِيَّتِي؟" (أي13)، "فِي عِلْمِكَ أَنِّي لَسْتُ مُذْنِبًا، وَلاَ مُنْقِذَ مِنْ يَدِكَ!" (أي10: 7). وقال لأصحابه: "فَاعْلَمُوا إِذًا أَنَّ اللهَ قَدْ عَوَّجَنِي، وَلَفَّ عَلَيَّ أُحْبُولَتَهُ" (أي19: 6). إنَّ الدفاعَ عن النفسِ قد يرتبط أيضًا بالغضبِ والثورة، وبإهانة الآخرين. وربما يؤدي أيضًا إلى الشتيمة والانتقام.
أيوب الصديق في دفاعه عن نفسه ضد أصحابه الثلاثة، قال لهم: "مُعَزُّونَ مُتْعِبُونَ كُلُّكُمْ؛ هَلْ مِنْ نِهَايَةٍ لِكَلاَمٍ فَارِغٍ؟!" (أي16: 2-3)، "لَيْتَكُمْ تَصْمُتُونَ صَمْتًا. يَكُونُ ذلِكَ لَكُمْ حِكْمَةً" (أي13: 5) "أَمَّا أَنْتُمْ فَمُلَفِّقُو كَذِبٍ. أَطِبَّاءُ بَطَّالُونَ كُلُّكُمْ" (أي13: 4).
بطرس الرسول، في دفاعه، أخرج سيفه من غمده وقطع أذن العبد، فأراه السيد المسيح أن هذه الطريقة لا تناسبنا في الدفاع عن أنفسنا. وقال له: "رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ" (مت26: 52).
والبعض في الدفاع عن نفسه، يقع في المقاومة والجدل...
يُكثر الكلام بطريقة متعبة، وفي مناقشة غبية، يتضح فيها عنصر المغالطة، لمجرد الدفاع.
وفي كل ذلك يكون المدافع عن نفسه سبب عثرة للآخرين.
وذلك عن كثرة ما يقع فيه من أخطاء تُعثر الناس.
بينما الشخص الذي لا يدافع عن نفسه، وقد يقبل الخطأ على نفسه في هدوء، يكون قدوة للآخرين، وينتفعون كثيرًا من اتضاعه ومن هدوئه ومن سلامه الداخلي. على أن من أخطر الأمور في الدفاع عن النفس محاولة فلسفة الخطأ، بقلب القيم، وتغيير موازين الأمور.
وهكذا يحاول المخطئ أن يُلبس الباطل ثوب الحقِّ، لكي ينجو من مسئولية الباطل الذي وقع فيه، مدّعيًا أنه حقّ!
ومن هنا نشأت كثير من المذاهب الفلسفية والعقلية والاجتماعية والتربوية، بسبب محاولة فلسفة الأخطاء وتبريرها عقليًا.
إنسان يقسو على أولاده، فيُلَبس القسوة ثوب الحزم، ويستخدم بدون فهم العبارة التي تقول: "أدّب ابنك بقضيبٍ من حديد"، وهكذا لا يرد على خطئه فقط، إنما يؤسس مبدأ في معاملة الأبناء. وقد يضرب امرأته، فإن عاتبته، يضع مبدأ آخر في حقِّ الرجل في ضرب امرأته. ويصير الخطأ فلسفة. الذي يكنز أمواله بلا مبرر، والبخيل الذي لا ينفق على الضروريات، كل منهما يبرر موقفه بفلسفة في الاقتصاد، ويتهم الذي ينفق بالإسراف وتبديد الأموال وقلة العقل!!
وبهذا الأسلوب في الدفاع وقع الهراطقة في البدع.
لو أن أحدهم اعترف أنه أخطأ، ما قامت هرطقته، ولاِنتهى الأمر. ولكن إصراره على تبرير ذاته والدفاع عن نفسه، جعله يبحث عن أدلة عقلية أو منطقية يثبت بها رأيه وأنه لم يخطئ. وهكذا يبدأ الهرطوقي يفلسف أخطاءه... وقد يستخدم نصوصًا وآيات من الكتاب في غير ما قُصد منها، ويضع للناس مفاهيم جديدة خاطئة سببها الدفاع عن النفس!
ما أظلم الناس في استشهادهم بالآيات وبالنصوص!!
كل مذهب من المذاهب، مهما كان خطأه واضحًا، يحاول أن يثبت خطأه بالآيات وبالنصوص. ومن يعارضونه يستخدمون أيضًا الآيات والنصوص. ويضيع الحق في التفسير الخاطئ للنصوص...
إن الدفاع عن النفس، يجر إلى أخطاء وأخطار كثيرة كما رأينا. ولعل أبشعه الدفاع عن النفس أمام الله...
بينما أمام الله ينبغي أن "يَسْتَدَّ كُلُّ فَمٍ" (رو3: 19). ولا يقول الإنسان سوى كلمة "أخطأت، سامحني، وارحمني".
الاعتراف بالخطية.
إن الاعتراف بالخطيئة يجلب العفو، ومحاولة تبرير الذات تجلب الدينونة، سواء أمام الله أو أمام الناس.
إن اعتذرت لأحد، تنتهي المشكلة بينك وبينه، لأنك في الاعتذار لا تبرر ذاتك. أما إن ظللت تجادل، يتصاعد الموقف، وتزيد المشكلة، وتكون كمن يصر على الخطأ. وكثير من الإشكالات الزوجية والعائلية، سببها إصرار كل طرف على أنه لم يخطئ، وأن الخطأ في الطرف الآخر!
إن كلمة (أخطأت) لها مفعول عميق في إذابة المشاكل.
متى يجب الدفاع عن النفس؟
ولكن هناك موقفًا يصلح فيه الدفاع...
إن كان شخص ثائرًا عليك ظانًا أنك أهنته أو خنته. وإن اعترفت بذلك تزداد ثورته، وربما تنقطع علاقتكما، وتسوء العواقب. بينما إن شرحت له حقيقة الأمر، وأنك لم تُهنه ولم تخُنه، تهدأ نفسه، ويسود السلام بينكما.
حينئذ لا يكون سبب الدفاع عن النفس هو تبرير الذات، وإنما هو ربح الآخرين. وإرضاؤهم وتثبيت المحبة.
ولا يكون هذا دفاعًا، وإنما هو توضيح لموقف. وهذا التوضيح هو والاعتذار، لهما نتيجة واحدة...
يا إخوتي، إن الدفاع عن النفس أمر سهل يقدر عليه الكل. أما عدم الدفاع عن النفس فهو شيمة الأقوياء.
المسيح القوي "ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ" (إش53: 7).
لم يدافع عن نفسه أمام مجلس السنهدريم، ولم يدافع عن نفسه أمام بيلاطس. وبصمته كسب الموقف. وأعطانا تعليمًا عن الخد الآخر، وعن الميل الثاني...
* مقال لقداسة البابا شنوده نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 23 يونيو 1978م
المتكأ الأخير
المتكأ الأخير*
أكلمكم عن نقطة أخرى في حياة الاتضاع وهي المتكأ الأخير، ولا أقصد بالأخير من جهة المكان، وإنما من جهة المكانة.
في التواضع يشعر الإنسان أنه آخر الكل، وأنه أقل من الكل، ولا يستحق شيئًا، لذلك يأخذ المتكأ الأخير، ويكون ذلك عن تواضع حقيقي، مبني على معرفة حقيقية للنفس، وليس مجرد مظهرية...
أما إذا ارتفع الإنسان في عيني نفسه، فإنه لا يقبل لها المتكأ الأخير. ويثور على هذا الوضع، إن وجد فيه.
ما أجمل قول الشيخ الروحاني في بستان الرهبان: "أينما حللت، كن صغير إخوتك، وخديمهم".
ويصلي القديس أغسطينوس قائلًا: "أطلب إليك يا رب، من أجل سادتي، عبيدك"، مسميًا رعيته سادته لأنه خادمهم.
ونجد في الكتاب أمثلة كثيرة لمن اتخذوا المتكأ الأخير...
السيدة العذراء
وهي والدة الإله، لما سمعت أن أليصابات حبلى، سافرت إليها عبر الجبال، ومكثت معها ثلاثة أشهر تخدمها حتى ولدت... صارت خادمة وهي الملكة القائمة عن يمين الملك... "فلأكن والدة الله، ولكن يجب أن أخدم هذه العجوز".
بل لعل أروع مثل في الوجود هو السيد المسيح نفسه: "لأن ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِم" (مت20: 28).
بولس الرسول القديس العظيم، وضع نفسه آخر الكل، وقال عن ظهور المسيح بعد القيامة: "وَآخِرَ الْكُلِّ كَأَنَّهُ لِلسِّقْطِ ظَهَرَ لِي أَنَا... أَنَا الَّذِي لَسْتُ أَهْلًا لأَنْ أُدْعَى رَسُولًا لأَنِّي اضْطَهَدْتُ كَنِيسَةَ اللهِ" (1كو8:15، 9).
إبراهيم أبو الآباء، قدم لوطًا ابن أخيه على نفسه: وطلب إليه أن ينتقي ما يشاء من الأرض ويترك له ما يرفضه.
فاختار لوط الأرض الخضراء الخصبة المعشبة، وترك الجرداء لعمّه إبراهيم الذي قبل أن يفضله على نفسه... وإبراهيم هذا الذي فضل لوطًا على نفسه، باركه الرَّب أكثر...
داود - بعد أن مسحه الرَّب ملكًا - فَضل شاول على نفسه.
مع أن شاول كان قد رفضه الرَّب، وكان قد بغته شيطان، وكان داود يصلي لأجله. ومع ذلك كان داود يفضّله على نفسه، ويعتبره مسيح الرَّب، واشتغل خادمًا له وحامل سلاح، وأخذ موقف المتكأ الأخير حياله...
إن المتضع لا يعطي لنفسه أسبقية على غيره، وإنما دائمًا يفضل غيره على نفسه، ويقول: هذا أفضل مني. وهذا أحق مني؛ ويضع نفسه في آخر القائمة.
كثير من القديسين هربوا من المتكآت الأولى، ومن المناصب والألقاب والوظائف، وعاشوا آخر الكل. بلا مركز ولا لقب. وانطبق عليهم قول أحد الآباء: "من سعى وراء الكرامة، هربت منه. ومن هرب منها بمعرفة سعت وراءه، وأرشدت جميع الناس إليه".
القديس الأنبا رويس، عاش في جيله في المتكأ الأخير، ما كان أسقفًا، ولا كاهنًا ولا راهبًا، ولا صاحب أية وظيفة، وإنما كان جَمَّالًا يقتاد جمله كرجل فقير، وهو أرفع مقامًا في روحياته من الكل.
في السماء سنرى كثيرًا من القديسين الذين عاشوا في المتكأ الأخير مجهولين من الناس، ولكن معروفين من الله.
هؤلاء لم يضعهم العالم في المتكآت الأولى، وما طلبوها لأنفسهم، ولكن الله الذي يعرف مقدارهم، سيغير وضعهم ويرفعهم. "هكَذَا يَكُونُ الآخِرُونَ أَوَّلِينَ وَالأَوَّلُونَ آخِرِينَ" (مت20: 16)، وكما قال الكتاب: "مَنْ يَرْفَعُ نَفْسَهُ يَتَّضِعُ وَمَنْ يَضَعُ نَفْسَهُ يَرْتَفِعُ" (لو14: 11).
شهوة المتكآت الأولى
مشكلتنا أننا نريد أن نأخذ كرامتنا على الأرض. نريد أن نرتفع ههنا ونظهر، ونسبق الصفوف ونتقدم. لذلك تتعبنا شهوة المتكآت الأولى، التي أتعبت كثيرين منذ القديم.
كان شهوة (المتكأ الأول) هي التي أسقطت الشيطان (إش14).
قال في قلبه أصعد فوق مرتفعات السحاب: "أَصْعَدُ إِلَى السَّمَاوَاتِ. أَرْفَعُ كُرْسِيِّي فَوْقَ كَوَاكِبِ اللهِ" (إش14: 13).
هذا الفوق هو الذي أضاع رئيس الملائكة البهي وأسقطه...
وشهوة المتكأ الأول كما أسقطت الشيطان، حاربت أيضًا التلاميذ، فتنازعوا فيما بينهم، مَن هو الأول فيهم!
وردّ عليهم الرب قائلًا: لا يكن فيكم هذا الفكر "أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ، وَالْعُظَمَاءَ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ. فَلاَ يَكُونُ هكَذَا فِيكُمْ. بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيمًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِمًا. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ أَوَّلًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ عَبْدًا" (مت20: 25-27). (أي يأخذ المتكأ الأخير).
بشهوة المتكأ الأول، قالت أم ابني زبدي للرَّب: "قُلْ أَنْ يَجْلِسَ ابْنَايَ هذَانِ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِكَ وَالآخَرُ عَنِ الْيَسَارِ" (مت20: 21). فرفض الرب النزاع حول المتكآت الأولى ووجهها إلى الكأس التي ينبغي لهما أن يشرباها، والصبغة التي ينبغي أن يصطبغا بها...
ما أكثر الذين يحبون المتكآت الأولى فيطلبون المواهب والقوات!!
يريدون أن يكونوا أصحاب مواهب، وأن يتكلموا بألسنة، وأن يفتخروا قائلين: "حَتَّى الشَّيَاطِينُ تَخْضَعُ لَنَا بِاسْمِكَ" (لو10: 17).
أما الإنسان المتواضع، فيقول:
"أنا يا رب لا أستحق شيئًا. مجرد الوقوف أمامك، أمر يا رب لا أستحقه. مجرد أن تستمع لصوتي في الصلاة أمر لا أستحقه. مَن أنا حتى أكلمك، أنت الذي تقف أمامك الملائكة، والشاروبيم والسارافيم، والجمع غير المحصى الذي للقوات السمائية".
هل هذا الذي يضع نفسه في آخر متكأ، يطلب مواهب؟!
انظروا، من ذا ذُبح له العجل المسمن، ولبس حُلة جديدة وخاتمًا في يده، أليس الابن الذي قال لأبيه: "وَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا" (لو15: 19) بعكس الابن الكبير الذي افتخر بأعماله.
بعكس هذا نجد في الكتاب صراعات حول المتكآت الأولى.
نجد صراعًا بين ليئة وراحيل حول المتكأ الأول في قلب الرجل، والمتكأ الأول في إنجاب البنين.
ونجد صراعًا بين عيسو ويعقوب، مَن منهما يرى الحياة قبل الآخر، وصراعًا آخر حول البكورية والأولوية والبركة...
بل نجد في تاريخ الكنيسة أيضًا صراعًا حول المتكأ الأول...
والمرأة رأيناها في بعض الكنائس الغربية تتصارع حول المتكأ الأول، وتطالب بالكهنوت، لأول مرة في التاريخ، الأمر الذي لم تطلبه السيدة العذراء والدة الإله!
فضائل نبعد بها عن المتكآت الأولى
هناك ثلاث فضائل إن اقتنيناها، نبعد عن محبة المتكآت الأولى، ونفضل المتكأ الأخير عن اقتناع: وأعني بها التواضع، ومعرفة الذات، ومحبة الآخرين.
إن كنت متواضع القلب، وعرفت نفسك على حقيقتها، وأيقنت كم أنت خاطئ، وكم أنت بعيد عن الكمال المطلوب منك، وبعيد عن الصورة الإلهية، حينئذ ستنسحق نفسك، وتشعر بعدم استحقاق للمتكآت الأولى، هذا إذا كنت عادلًا مع نفسك.
كذلك إن كانت لك محبة نحو الآخرين، فإنك بالمحبة ستفضل غيرك على نفسك، وبالمحبة تقدم غيرك على نفسك.
هذا بعكس الذاتية، التي بها تُفضل ذاتك، وتحب أن تتقدم على غيرك، وتأخذ المتكأ الأول... كم من مرة أحب الناس المتكآت الأولى، فكانت النتيجة أن وضعهم الرب في آخر المتكآت. ولهذا أمثلة:
الذين ضبطوا المرأة الخاطئة في ذات الفعل، وضعوها في المتكأ الأخير كخاطئة، وجعلوا أنفسهم في المتكآت الأولى من البر وعدم الخطية، فأخجلهم الرب وأظهر لهم أنهم خطاة أيضًا. أما المرأة فرفعها بقوله: "وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضًا" (يو8: 11).
وكذلك فعل مع المرأة الخاطئة التي بللت قدميه بدموعها، ورفعها على الفريسي الذي كان يظن نفسه شيئًا، ويدينها...
وبنفس الأسلوب رفع العشار الذي أخذ المتكأ الأخير، ووقف من بعيد، لا يجرؤ أن يرفع نظره إلى فوق، وفضله على الفريسي الذي يظن نفسه أفضل من الناس!!
كثيرون يقعون في محبة المتكأ الأول بأنواع وطرق شتى: منها المنافسة والتزاحم في كل أمور الحياة. الناس يتقافزون على بعضهم البعض في طريق الحياة. الكل يريد أن يسبق...
يتزاحمون حتى في وقت التناول الذي يليق به التواضع والانسحاق.
ومحبة المتكأ الأول تظهر حتى في الأحاديث، حيث يقاطع إنسان غيره، ويريد أن يسبقه في الكلام، أو أن يتكلم بدلًا منه. وقليلون هم الذين يتخذون المتكأ الأخير، ويفضلون الاستماع على التكلم، والاستفادة على الرغبة في الإفادة...
هناك إنسان يحب أن يضع نفسه في المتكأ الأول، أو يحب لنفسه على الدوام صورة المُعلّم، وصورة الناصح والمرشد. وغيره يحارَب بهذا الأمر في رغبة الصدارة والقيادة.
وهكذا يدخل الناس في منافسات، حول عضوية الجمعيات والهيئات ورئاستها. كل منهم يريد أن يقود ويدير ويدبر. وكل منهم يحطم رأي غيره، ليظهر هو في الصورة. والكل ينسى عبارة جميلة قال فيها أحد القديسين: "خيرُ الناس مَن لا يبالي بالدنيا، في يَدِ مَن كانت".
إذًا فالنسك يساعدنا كثيرًا على الزهد في المتكآت الأولى.
إن كنا نشعر أننا غرباء على الأرض، ونشتهي الوطن السمائي، حينئذ سوف لا نبالي بالمتكآت الأولى على الأرض، ولا تُمَثل في نظرنا شيئًا ذا قيمة نشتهيه كقول القديس أغسطينوس: "جلست على قمة العالم حينما أحسست في نفسي أني لا أشتهي شيئًا ولا أخاف شيئًا".
لا تبحثوا عن المتكآت الأولى هنا، ابحثوا بالحري أن يكون لكم متكأ في حضن الآب، بالحب والاتضاع.
* مقال لقداسة البابا شنوده نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 30 يونيو 1978م
الرجاء
الرجاء*
أحدثكم عن فضيلة من أهم الفضائل في حياة الإنسان... إنها فضيلة الرجاء.
فضيلة الرجاء
الرجاء هو إحدى الفضائل الثلاث الكبرى (الإيمان والرجاء والمحبة)، حسبما ذكر القديس بولس الرسول (1كو13).
مَن فقد هذا الرجاء يوقعه الشيطان في الكآبة والقلق، بل يوقعه أيضًا في اليأس مثلما حدث مع يهوذا الإسخريوطي، الذي قطع رجاءه في الخلاص، فشنق نفسه...
إن العمل على قطع الرجاء هو من حروب الشياطين...
وقد شرحه داود النبي في المزمور الثالث قائلًا: "يَا رَبُّ لمَاذَا كَثُرَ الَّذِينَ يُحْزِنُونَني. كَثِيرُونَ قَامُوا عَلَيَّ. كَثِيرُونَ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَيْسَ لَهُ خَلاَصٌ بِإِلَهِهِ"، ويستطرد داود في روح الرجاء: "فَأَنْتَ يَا رَبُّ هُوَ نَاصِري، مَجْدِي وَرَافِعُ رَأْسِي" (مز3: 1-3).
إن الشيطان يقول للإنسان الخاطئ: "لا خلاص، لا فائدة من كل جهادك. لقد تخلى الرب عنك. لا معونة لك منه. قد وقعت في يدي وانتهى أمرك". يقول هذا لكيما يستسلم الإنسان له في يأس، فيقوده إلى الهلاك.
أما السيد المسيح فهو ينبوع الرجاء، بل هو رجاؤنا...
إننا نقول له في صلواتنا: "يا رجاء مَن ليس له رجاء ومعين مَن ليس له معين. عزاء صغيري القلوب. ميناء الذين في العاصف". إن الذين تتعبهم العواصف في بحر هذا العالم. ميناؤهم الذي يهبهم الرجاء، هو الرب يسوع...
لهذا قيل عنه أيضًا إنه أتى "لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ، وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ" (إش61: 1). جاء يمنح رجاء لكل أحد.
بل أن من أروع ما قيل عن نعمة الرجاء في عمل الرب أن ابن الإنسان جاء "يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ" (لو19: 10).
لم يأت فقط ليخلص الخطاة والضالين فقط، أو ليخلص العشارين والسامريين والأمم، وإنما جاء يطلب ويخلص "مَا قَدْ هَلَكَ"! أهناك رجاء أعمق من هذا؟ حتى للهالكين!
بل قيل عنه أيضًا في عمل الرجاء إنه: "قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً خَامِدَةً لاَ يُطْفِئُ" (إش42: 3).
جميل أن نشعر أنه يوجد رجاء حتى للقصبة المرضوضة والفتيلة المدخنة... إنها رقة المسيحية التي تعزي صغيري القلوب... تشدد الركب المخلعة، والأيدي المسترخية.
أتراك ركبة مخلعة، لا تستطيع أن تسير في طريق الرَّب؟! لا تفقد رجاءك. الرب قادر أن يشددك...
إنه يفتح الباب أمام الكل، ويدعوك إليه مهما كانت حالتك رديئة.. حتى إن كانت خطاياك كالقرمز، يغسلك، لا لكي تبيض فقط، وإنما لتبيض أكثر من الثلج...!
إنه يوجد رجاء، مهما طال الوقت وبدا الأمل مفقودًا.
حتى إن شاخ إبراهيم، ومرت عشرات السنوات دون أن يعطى نسلًا، وحتى إن جفَ مستودع سارة... هناك رجاءٌ أن يكون لكليهما تنعم. ما دام الله يريد، وما دام يقدر، إذًا فهناك رجاء. إنه الله الذي لا يعسر عليه أمر. يقدم لنا عبارة رجاء هي:
"غَيْرُ الْمُسْتَطَاعِ عِنْدَ النَّاسِ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللهِ" (لو18: 27).
حتى إن أُلقيت في جب الأسود مثل دانيال، وحتى إن أُلقيت في أتون النار مثل الثلاثة فتية، فلا تفقد الرجاء: الله قادر أن يبطل قوة النار، وقادر أن يرسل ملاكه فيسد أفواه الأسود.
المهم أن تكون لك العين الروحية المبصرة، التي تستطيع - في كل ضيقة وتجربة - أن تبصر يد الله ومعونته...
لقد خاف جيحزي لما رأى قوات العدو محيطة بالمدينة، ذلك لأنه لم يكن يبصر ملائكة الله الذين أرسلهم للإنقاذ. لهذا صلى أليشع النبي من أجله وقال: افتح يا رب عيني الغلام، ليرى أن الذين معنا أكثر من الذين علينا. "لا تَخَفْ، لأَنَّ الَّذِينَ مَعَنَا أَكْثَرُ مِنَ الَّذِينَ مَعَهُمْ وَصَلَّى أَلِيشَعُ وَقَالَ: يَا رَبُّ، افْتَحْ عَيْنَيْهِ فَيُبْصِرَ" (2مل6: 16، 17).
ونفس الوضع حدث لشعب بني إسرائيل أمام البحر الأحمر، إذ رأوا البحر أمامهم والعدو خلفهم، فخافوا. أما موسى النبي المملوء بالرجاء وبالإيمان، فإنه قال: "قِفُوا وَانْظُرُوا خَلاَصَ الرَّبِّ. الرَّبُّ يُقَاتِلُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ تَصْمُتُونَ" (خر14،13:14).
إن الرجاء يرى طريقًا قد شقّه الرَّب في البحر، ويرى الصخرة تُفجّر ماءً، ويرى خلاص الرَّب وسط الضيقات.
حتى إن تأخر الرَّب إلى الهزيع الرابع من الليل، لا يفقد المؤمن رجاءه، ولا ييأس. إنه قد يتأخر، ولكنه لا بد سيأتي وينتهر الأمواج والرياح...
ولقد منحنا الرب في الكتاب أمثلة كثيرة من الرجاء
لقد كان شفاء الأمراض المستعصية، رمزًا يدل على الرجاء.
بالنسبة إلى الشخص العادي، قد يفقد الرجاء أمام مرض خطير كالبرص، أو عاهة غير قابلة للشفاء كالعمى. أو أمام يد يابسة لا تتحرك أو مرض طالت مدته كمرض نازفة الدم التي أنفقت كل مالها على الأطباء 18 سنة دون أية فائدة.
أما المؤمن فله رجاء، مهما كانت الحالة تدعو إلى اليأس. إن الله الذي طهر الأبرص، وفتح عيني الأعمى، وحرك اليد اليابسة، وأوقف دم النازفة، قادر أن ينجي أي إنسان من خطيئته، مهما بدا خلاصه صعبًا...
وفي إقامة الموتى، ترى لونًا من الرجاء أكثر عمقًا...
ولقد قدم لنا الرب أمثلة من إقامة الموتى تختلف في الدرجة. فقد أقام ابنة يايرس، وهي ما زالت في بيتها، وأقام ابن أرملة نايين، بعد أن وضعوه في الصندوق وخرجوا به إلى الطريق وسط المشيّعين. وأقام لعازر بعد أن وضعوه في القبر، ومضت عليه 4 أيام حتى قالت أخته أنه: "قَدْ أَنْتَنَ.." (يو11: 39)، وفقدت رجاءها في إقامته!
أتراك في موت الخطية، يبكي عليك أصحابك، أو يشيعك الناس في حزن؟ أو تراك قد أنتنت في موت الخطية ومضت عليك مدة تدعو إلى اليأس، ثق. هناك رجاء في أن تقوم...
إن الله الذي أقام لعازر، يستطيع أن يقيمك. لا تفقد الأمل أبدًا، فإن الله "يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ" (1تي2: 4). وهو يملك القوة على تخليصك...
إذًا فليتشدد قلبك وانتظر الرب...
الرب الذي قال في المزمور: "مِنْ أجْل شَقَاءِ المسَاكِين وتَنهُّدِ البَائِسينَ الآنَ أقُومُ، يقُولُ الرَّبُّ، أصْنَعُ الَخَلاصَ عَلَانِيةً" (مز12: 5). نعم، قم يا رب. قم وليتبدد جميع أعدائك، وليهرب من قدام وجهك كل مبغضي اسمك القدوس (عد10: 35). أما شعبك الذي ينتظرك في رجاء، فليكن بالبركة ألوف ألوف وربوات ربوات يصنعون مشيئتك.
عبارة أخرى من عبارات الرجاء، يقدمها لنا سفر إشعياء: "وَأَمَّا مُنْتَظِرُو الرَّبِّ فَيُجَدِّدُونَ قُوَّةً. يَرْفَعُونَ أَجْنِحَةً كَالنُّسُورِ. يَرْكُضُونَ وَلاَ يَتْعَبُونَ. يَمْشُونَ وَلاَ يُعْيُونَ" (إش40: 31).
وحتى إن أدركهم الإعياء، يدركهم قول الرب: "يُعْطِي الْمُعْيِيَ قُدْرَةً، وَلِعَدِيمِ الْقُوَّةِ يُكَثِّرُ شِدَّةً" (إش40: 29).
مثال آخر للرجاء، هو أنشودة العاقر التي لم تلد...
يقول لها الرب في سفر إشعياء: "تَرَنَّمِي أَيَّتُهَا الْعَاقِرُ الَّتِي لَمْ تَلِدْ. أَشِيدِي بِالتَّرَنُّمِ. أَوْسِعِي مَكَانَ خَيْمَتِكِ، وَلْتُبْسَطْ شُقَقُ مَسَاكِنِكِ. لأَنَّكِ تَمْتَدِّينَ إِلَى الْيَمِينِ وَإِلَى الْيَسَارِ، وَيَرِثُ نَسْلُكِ أُمَمًا، وَيُعْمِرُ مُدُنًا خَرِبَةً" (إش1:54-3).
مثال آخر، هو الأرض الخربة في أول سفر التكوين.
كانت الأرض خربة وخالية، ومغمورة بالمياه، وعلى وجه الغمر ظلمة. ولكنها لم تبق كذلك، لأن روح الله كان يرف على وجه المياه. وإذا بالله يبدد ظلمتها، ويقول فليكن نور. فكان نور. ورأى الله النور أنه حسن. ثم زين الله هذه الأرض بالأزهار والأشجار والأطيار (تك1).
الصورة الجميلة التي انتقلت إليها الأرض بعد الخراب، إنما تعطينا رجاء مهما غمرتنا المياه والظلمة...
إن الله يعمل، حتى ولو لم نعمل نحن. لقد قيل عنه إنه كان يجول، يصنع خيرًا (أع10: 38). فما معنى هذا؟
كان يجول، يعطي هذا نعمة، ويعطي هذا قوة، وذاك مغفرة، وذاك توبة. "يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ" (لو19: 10).
إذًا فلنفرح بالرب، لأنه قيل: "فَرِحِينَ فِي الرَّجَاءِ" (رو12:12).
إنَّ الرجاءَ طاقةٌ من نور تفتح على النفس التي اكتنفتها الظلمة، فتنيرها وتبهجها. الرجاء هو طاقة من فرح، تفتقد النفس التي اكتنفتها الكآبة، فتزيل كآبتها... الرجاء عمل من أعمال الروح القدس، يلد الفرح والسلام... عش في هذا الفرح، مهما ظننت أن النعمة قد تأخرت عليك.
ولعل من أجمل الأمثلة قصة إيليا النبي وسقوط المطر...
حان وقت نزول المطر، وصلَّى إيليا ولم ينزل المطر، وصلَّى مرة ثانية ومرات ثالثة ورابعة وخامسة وسادسة، ولم ينزل المطر، على الرغم من وعود الله، وعلى الرغم من أن الذي يصلي نبي عظيم. ولكن إيليا لم يفقد رجاءه، فصلى للمرة السابعة. وهنا رأى غيمة في حجم كفة اليد، ففرح وعرف أن المطر سينزل.
إنَّ غيمة صغيرة، في الصلاة السابعة، تبعث الفرح والرجاء.
لا تيأس إذًا إن تأخرت المعونة في الوصول إليك، بل ثق بالرب "وانتظره، من محرس الصبح إلى الليل" (مز130)، طول الوقت وطول العمر. وفي رجائك بالرب امتلأ فرحًا.
مما يبعث على الرجاء أيضًا، أن الله يبحث عنا...
إنه مهتم بخلاصنا، أكثر من اهتمامنا بخلاص أنفسنا. هو الذي يقف على الباب ويقرع، منتظرًا أن نفتح له...
وهو أيضًا يرضى بالقليل، كخطوة إليه. حبة واحدة في العنقود تجعل فيه بركة والرَّب يقبل أصحاب الثلاثين كزرع جيد. كأصحاب الستين والمائة. قلبه الطيب يملؤنا رجاء.
* مقال لقداسة البابا شنوده نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 28 يوليو 1978م
الهدف في الحياة الروحية
الهدف في الحياة الروحية*
أحدثكم عن (الهدف) في الحياة الروحية، ما هو هدفنا الحقيقي؟ وما هي الأهداف الزائفة والوقتية؟ وكيف يقودنا الهدف السليم إلى عمق الحياة مع الله.
"الهدف" في الحياة الروحية.
إن الهدف يحدد طريق الإنسان في الحياة.
والذي يعيش بلا هدف، يحيا حياة مقلقلة، بلا طعم، بلا معنى. إنه شخص يقضي مجرد أيام على الأرض، بلا ثمر، مثل هذا الإنسان قد يسأل باستمرار: لماذا نحيا؟ لماذا خلقنا الله؟ ما الحكمة في وجودنا؟
وحياة هؤلاء، يدركها الضجر والملل والقلق...
وهناك أشخاص لهم أهداف مؤقتة أو قصيرة المدى، مثل شخص هدفه أن ينجح، أو فتاة هدفها أن تتزوج. ثم يتم النجاح أو الزواج، ويبقى صاحبه بلا هدف.
إننا لا نسمي هذه أهدافًا، وإنما مجرد رغبات.
وهناك أشخاص قد تكون لهم نظرة روحية، فيقولون إن هدفهم هو التوبة أو النقاوة، أو الرهبنة أو الخدمة.
ومع جمال هذه النظرة وروحانيتها، إلا أننا نقول: إن التوبة ليست هدفًا في حد ذاتها، ولا النقاوة، والرهبنة ليست هدفًا، ولا يمكن أن تكون الخدمة هدفًا. كلها مجرد وسائل توصل إلى الله. أما الهدف الوحيد الحقيقي، الذي لا هدف غيره، فهو الله نفسه.
كذلك قد يوجد إنسان حكيم يفكر في أبديته، ويرى ذلك هدفًا. وما أسمى التفكير في الأبدية، ولكن الأبدية بدون الله ليست شيئًا، ولا قيمة لها بدونه. وما أجمل قول السيد الرب في حديثه مع الآب: "وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ" (يو17: 3).
إذًا الأبدية ليست هدفًا، ولا السماء ولا الفردوس كذلك. الهدف هو الله. ونحن نحب كل هذا لأجله.
هدفنا هو الله.. ومن أجله نحب أورشليم السمائية، التي هي مسكن الله مع الناس. من أجله نحب الملكوت، حيث نتمتع بعشرته، وحيث يكون هو نكون نحن أيضًا.
ليس من اللائق أن تتحول الوسائل في نظرنا إلى أهداف.
إنسان قد يحب البرَّ أو الخيرَ أو القداسة، ويجعل ذلك هدفه. ولكن ما البر وما الخير وما القداسة، إلاّ حالة شركتنا مع الله، الذي هو الهدف، والذي نسمي الالتصاق به برًا وخيرًا وقداسة، وتبقى أنشودتنا مع المرتل: "أمَا أنَا فخيرٌ لي الالتصاق بالرَّبِ" (مز73: 28). إنه الهدف.
هدفنا إذًا هو أن نعرف الله، ونلتقي به، ونُكَوِّن علاقة معه: نصادقه، نعاشره، نحبه، نثبت فيه وهو فينا، كما يثبت الغصن في الكرمة، نكون مسكنًا له، وهيكلًا لروحه القدوس، نعيش فيه، ونعيش به، ونعيش معه، بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ (أع17: 28). ويصير هو مركز عواطفنا ومركز مشاعرنا، نعطيه كل الحب وكل القلب. ويكون الله بالنسبة إلينا هو الكل في الكل.
وبهذا الوضع نقول أيضًا: إن العبادة من صلاة وتأمل وسجود ليست هدفًا. إنها مجرد تعبير عن حبنا للهدف أي الله.
كثيرون يجعلون هدفهم حياة الصلاة أو التأمل، أو حياة السكون أو الهدوء، أو تكون أهدافهم أن يدركوا درجات في حياة الصوم أو الصمت... وربما من أجل هذا يضطربون ويختلفون. وفي كل ذلك ينسون الهدف الحقيقي، الله الذي يوجهون إليه الصلاة...
فليكن الله هو هدفنا، وليست الوسيلة الموصلة إليه.
وإن صار الله هدفنا، نكتفي به، ولا نحتاج إلى شيء.
نقول له مع داود: "وَمَعَكَ لاَ أُرِيدُ شَيْئًا فِي الأَرْضِ" (مز73: 25). داود الذي لما عرف الله قال: "الرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ" (مز23: 1). لم يعد معتازًا إلى شيء، لأن الله قد أشبع قلبه، وملأه، ولم تعد فيه شهوة إلى غيره.
صار الله هو شهوة قلبه الوحيدة، وتضاءل كل شيء، ومن أجل الله، أصبح القلب مستعدًا أن يترك الكلَّ ما عداه.
قال بطرس للسيد المسيح: "تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ" (لو18: 28). ولماذا تركوا كل شيء؟ لأنه لم تعد لأي شيء قيمة في ذاته بعد معرفة المسيح.
أصبحت القيمة الوحيدة، محصورة في هذا الهدف الوحيد، الذي هو الرب، الذي من أجله قال بولس الرسول: "إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضًا خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي، الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ. وَأُوجَدَ فِيهِ" (في3: 8، 9).
حقًا، إن صار الله هو هدفك، يصبح كل شيء نفاية في نظرك، ولا تحزن على فقد أي شيء آخر، بل إنك أكثر من كل هذا، تقول مع الرسول: "وَلاَ نَفْسِي ثَمِينَةٌ عِنْدِي" (أع20: 24).
وهكذا تختفي الذات أيضًا التي يهتم بها الكثيرون!
الذي ينشغل بنفسه، وتكبر ذاته في عينيه، ويريدها أن تكبر في أعين الناس، ويجاهد لأجل هذه النفس، هذا لم يجعل الله هدفًا له. فإن الله نفسه يقول له: "مَنْ وَجَدَ حَيَاتَهُ يُضِيعُهَا، وَمَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا" (مت10: 39).
الذين جعلوا الله هدفهم، سكروا بمحبة الله، وأصبحوا لا يهتمون بشيء مما حولهم. يكفيهم الرَّب، ومعه لا يريدون شيئًا على الأرض.
مثال ذلك المتوحدون في البراري والقفار، والسواح الذين قضوا عشرات السنوات لا يرون فيها وجه إنسان. أترى كان لهؤلاء هدفٌ آخر، أو كانت لهم رغبة أخرى؟!
والذي يجعل الله هدفه، يعيش دائمًا سعيدًا، فرحًا بالرب.
ولا يستطيع أحد أن ينزع فرحه منه. لأن هدفه معه في كل حين، لا يستطيع أحد أن يفصله عنه. هو فرح بالرَّب حتى في قلب السجون، كما قال القديس باسيليوس الكبير لما هددوه بالنفي: "هل سأنفى إلى أرضٍ لا يوجد فيها الله "لِلرَّبِّ الأَرْضُ وَمِلْؤُهَا. الْمَسْكُونَةُ، وَكُلُّ السَّاكِنِينَ فِيهَا" (مز24: 1)".
أما إن دخلت رغبة أخرى إلى قلب الإنسان إلى جوار الله، فإنها تتعبه، لأنها قد تتحقق وقد لا تتحقق.
انظروا إلى نبي عظيم مثل موسى النبي، تمتع بالله بكل الصور، تحدث معه عند العليقة، وفوق الجبل حيث قضى معه أربعين يومًا. وكان الله يحدثه عند باب خيمة الاجتماع، ومن فوق تابوت العهد، ورأى عجائب الرب وعاش فيها. وبعد هذه العشرة الطويلة، رأينا رغبة في نفس موسى أن يدخل أرض الموعد، أو على الأقل أن يراها!
ما هذا، يا سيدي العظيم، الذي لا أستحق تراب قدميك بركة! هل الذي رأى الله نفسه، وتحدث معه فمًا لأذن، يهمه أن يرى أرضًا أيًا كانت تفيض لبنًا وعسلًا؟ أليس أن العين الشبعانة تدوس العسل...
لهذا فإن الله لما رفض أن يدخله أرض الموعد، فإن ذلك لم يكن عقابًا، بقدر ما كان عتابًا.
إن كل أرض تلتقي فيها بالله هي أرض موعد...
كان أتون النَّار أرض موعد بالنسبة إلى الثلاثة فتية، لأنهم هناك التقوا بالرب. وكانت جزيرة بطمس التي نُفي إليها يوحنا الحبيب أرض موعد، لأنه فيها رأى الرب وكشف له ما لا بد أن يكون...
ما دام هدفنا هو الله، فكل مكان نلتقي فيه بالرب هو أرض موعد، ولو داخل بطن الحوت كيونان، ولو في أرض السبي كدانيال...
يتوه الإنسان الذي له شهوات كثيرة، أو الذي يجد نفسه ضائعًا وسط أهداف عديدة، والحاجة إلى واحد...
لقد وبخ السيد المسيح مرثا بقوله: "أَنْتِ تَهْتَمِّينَ وَتَضْطَرِبِينَ لأَجْلِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، وَلكِنَّ الْحَاجَةَ إِلَى وَاحِدٍ" (لو10: 41-42)، وطوّب مريم أختها لأنها اختارت هذا الواحد... فهل أنت أيضًا توجد في قلبك "أشياء كثيرة" أم تحصر كل اهتمامك في الواحد؟! لذلك حسنًا وصف الآباء حياة الرهبنة في عبارة واحدة، لها عمقها ومغزاها، وهي: "الانحلال من الكل للارتباط بالواحد".
وهذا الواحد هو بالنسبة إليهم "الكل في الكل"...
ولهذا لا يكفي أن تعطي الله قلبك، إنما كل القلب...
فلا يبقى في القلب مكان لهدف آخر تشتهيه.
"فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ" (تث6).
ولذلك فإن أحد الآباء وصف حياة التوبة، بعبارة عميقة تتعلق بالقلب، فقال: إن التوبة هي استبدال شهوة بشهوة، هي وضع شهوة الله، بدلًا من شهوة العالم والخطية...
حقًا، كلما يتعمق الإنسان في محبة الله والارتباط به، يتعمق تلقائيًا في فضيلة التجرد، فيموت العالم من قلبه.
ذلك لأنه لا يستطيع أن يعبد ربّين، أو يخدم سيدين. لا يمكن أن يحب الله والعالم معًا، فمحبة العالم عداوة لله، ومحبة الله نار تحرق كل محبة أخرى عالمية...
والذي يتخلص من كل محبة العالم، ويصير الله هدفه الوحيد، مثل هذا يعيش في سلام كامل مع الله ومع الناس.
وكما قال أحد الآباء: "ازهد فيما في أيدي الناس، يحبك الناس". وهذا الذي لا يشتهي شيئًا، كما يمتلئ قلبه بالسلام، يمتلئ أيضًا بالشجاعة، ويعلو مستواه، كما قال القديس أغسطينوس: "جلست على قمة العالم، حينما أحسست في نفسي أنّي لا أشتهي شيئًا، ولا أخاف شيئًا".
علينا إذًا أن نسعى نحو الهدف، ونركز كل قلوبنا فيه، ولا نجعل لله منافسًا في قلوبنا أو شهواتنا، وبالأكثر الذات التي تُضيّع نفسها برغبات لا تُحصى.
آدم كان له الكثير ولكنه أراد أن يكبّر ذاته بأن يصير مثل الله، فأضاع نفسه، وفقد الذي معه. والشيطان نفسه أراد أن يرتفع فوق كل كواكب الله، ويصير مثل العلي، فسقط إلى الهاوية.
أما الذي يركز كل محبته في الرَّب، يشبه ذلك التاجر الحكيم الذي وجد درة غالية الثمن، فباع كل ما له واشتراها (مت13). هذه الدرة الثمينة هي الله نفسه.
عليك أن تسأل: ما هو مركز الله في حياتك؟
هل هو هدف ضمن أهداف كثيرة لك؟
أم تراه غير موجود في حياتك على الإطلاق؟ أم هو بالنسبة إليك كل شيء، معه لا تريد شيئًا على الأرض؟
* مقال لقداسة البابا شنوده نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 4 أغسطس 1978م
الضمير ومدى صلاحيته
الضمير ومدى صلاحيته*
كلمتكم عن خطوات كثيرة في الطريق إلى الله. وأريد أن أكلمكم عن الضمير ومدى صلاحيته وتأثير ذلك على الحياة الروحية.
الضمير
الضمير ليس صوت الله في الإنسان. لأن الضمير يمكن أن يخطئ، وأن ينحرف، وصوت الله لا يمكن أن يخطئ.
الضمير داخل الإنسان كالعقل والروح، فالعقل يمكن أن يخطئ، وكذلك الروح وكذلك الضمير.
وتوجد أمثلة كثيرة تُظهر إمكانية خطأ الضمير وانحرافه.
قال السيد المسيح لتلاميذه: "تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً ِللهِ"! (يو16: 2)، ولا شك أن الضمائر التي تظن قتل الرسل خدمة لله، هي ضمائر منحرفة.
بنفس الوضع عُبَاد الأوثان، الذين كانوا يظنون قتل المسيحيين تطهيرًا للأرض من كفرهم. ضمائرهم أيضًا كانت ضالة.
مثال ذلك أيضًا: أهل الجاهلية الذين وقعوا في وأد البنات، وأيضًا الناس الذين يوزعون السجائر في الجنازات على ضيوفهم، وضميرهم يتعبهم إذا لم يقدموها!! وكذلك أيضًا الذين يستخدمون الميكرفونات بطريقة تتعب الناس، وتؤذي المريض، وتعطل الطالب عن مذاكرته، وتزعج النائم المحتاج إلى راحة...
إن الضمير قاضي يحب الخير، ولكنه ليس معصومًا من الخطأ. كما أن الخير يختلف مفهومه عند كثيرين. والضمير أيضًا يقع تحت تأثيرات كثيرة، نذكر في مقدمتها:
المعرفة
المعرفة تؤثر على الضمير.
المعرفة السليمة تجعل الضمير يستنير بالفهم، لأنه ما أكثر الذين يخطئون عن جهل، وإذا عرفوا يمتنعون عن الخطأ.
شاول الطرسوسي كان أحد الأتقياء الذين أخطأوا عن جهل... ولذلك نراه يقول: "أَنَا الَّذِي لَسْتُ أَهْلًا لأَنْ أُدْعَى رَسُولًا، لأَنِّي اضْطَهَدْتُ كَنِيسَةَ اللهِ" (1كو9:15)، "وَلكِنَّنِي رُحِمْتُ، لأَنِّي فَعَلْتُ بِجَهْل" (1تي1: 13). ولكن الجهل لا يمنع من أن الخطية خطية.
ونحن نصلي في الثلاثة تقديسات ونطلب من الله أن يصفح لنا عن خطايانا التي فعلناها بمعرفة، والتي فعلناها بغير معرفة، وفي العهد القديم كان الذي يفعل خطية سهوًا (بجهل): إذا أعلموه بها، يقدم عنها ذبيحة لإثمه لتغفر له (لا4).
ما أعمق قول الرب: "هَلَكَ شَعْبِي مِنْ عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ" (هو4: 6).
لهذا أرسل الرَّب الأنبياء والرسل والمعلمين والكهنة والمرشدين، لكي يعرّفوا الناس طريقه، لأن ضمائرهم لم تعد كافية لإرشادهم، أو لأن ضمائرهم قادتهم في طرق خاطئة.
والكتاب المقدس أيضًا، هو لإنارة الضمير، ولهذا قال داود: "لو لم تكن شريعتك هي تلاوتي، لهلكت حينئذ في مذلتي" (مز119: 92).
ولأن ضمير الإنسان قد لا يكون كافيًا لإرشاده الروحي، أوجد الله آباء الاعتراف، المرشدين الروحيين، لأنه "تُوجَدُ طَرِيقٌ تَظْهَرُ لِلإِنْسَانِ مُسْتَقِيمَةً وَعَاقِبَتُهَا طُرُقُ الْمَوْتِ" (أم16: 25).
كما أن الشيطان قد يحاول أن يتدخل لكي يرشد الإنسان إلى طريق منحرف، كما فعل مع أمنا حواء في القديم.
المعرفة إذًا تؤثر في الضمير، صالحة كانت أم خاطئة.
المعارف الخاطئة يمكن أن تقود الضمير أيضًا. ألم تكن الفلسفة الأبيقورية المبنية على اللذة تقود ضمائر تابعيها؟ وكذلك الفلسفات الإلحادية، ألم تؤثر على ضمائر مَن اعتنقها، وتحرفه عن طريق الإيمان كله وتؤثر على سلوكه؟
الذين يعترفون بخطاياهم تأثرت ضمائرهم بالإيمان السليم الذي تعلموه. والذين يرفضون الاعتراف من الشيع البروتستانتية تأثروا هم أيضًا بالمعرفة التي تلقنوها ضد الاعتراف.
هناك معلّمون يدعون تلاميذهم إلى الجدية الكاملة، وعدم الضحك إطلاقًا، لأنه ".. بِكَآبَةِ الْوَجْهِ يُصْلَحُ الْقَلْبُ" (جا7: 3). ومعلمون آخرون يدعون تلاميذهم إلى البشاشة وحياة الفرح، لأنه ".. لِلْبُكَاءِ وَقْتٌ وَلِلضَّحْكِ وَقْتٌ" (جا3: 4). وحسب نوع المعرفة، يتأثر الضمير...
هناك مَن يقولون إن تحديد النسل خاطئ، فيتعب ضمير من يحدد نسله. وآخرون يقولون إنه محلل، فيستريح الضمير بذلك...
لكل هذا، ينبغي وجود وحدة في التعليم في الكنيسة، حتى لا تتبلبل ضمائر الناس بما تسمعه من تعاليم متناقضة...
ولهذا قام التعليم في الكنيسة على التسليم، لكي يحتفظ التعليم بنقاوته، وليحتفظ بوحدته. فقال بولس الرسول: "تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ أَيْضًا.." (1كو11: 23) وقال لتلميذه تيموثاوس: "وَمَا سَمِعْتَهُ مِنِّي بِشُهُودٍ كَثِيرِينَ، أَوْدِعْهُ أُنَاسًا أُمَنَاءَ.." (2تي2:2).
المعرفة تقود الضمير، لذلك اشترط في الأسقف أن يكون صالحًا للتعليم (1تي2:3)، ولذلك أيضًا وبخ السيد المسيح الكتبة والفريسيين لأن تعليمهم كان يضلل ضمائر الناس. ولهذا أيضًا تكلم الكتاب عن "معلمين كذبة" وقال لإسرائيل: ".. مُرْشِدُوكَ مُضِلُّونَ.." (إش3: 12).
إن ضمائر الناس تتأثر بمعرفة ما هو الخير والشر، وتتأثر أيضًا - من جهة الإيمان - بالمعلومات العقائدية.
وربما تكون المعرفة من الكتب، والنبذات، أو من الاجتماعات. ولهذا يحسن أن يدقق الشخص في الكتب التي يطّلع عليها، وفي نوعية الاجتماعات التي يحضرها...
تأثر الضمير بالجماعة...
في وسط الجماعة يتأثر الإنسان بالانفعال وبضمير الجماعة. وقد يقترف أمرًا، إذا خلا إلى نفسه، يوبخه ضميره عليه.
مثل شاب يندفع وسط مظاهرة يهتف ويخرّب. فإذا قُبض عليه وأُلقيَ في السجن، فإنه وهو وحده في هدوء السجن، يفكر بطريقة أخرى غير هتافه وسط الجماعة. وأيضًا قد يعبث شاب ويلهو وسط جماعة من أصدقائه، دون أن يصحو ضميره أو يوبّخه. فإن خلا إلى نفسه، وبّخه.
في وسط الجماعة صاحت جموع اليهود: "اصْلِبْهُ! اصْلِبْهُ!" (لو23: 21)، مخالفين ضمائرهم، أو انسياقًا دون دراية بخطورة ما يفعلون.
ولذلك قال الرَّب على الصليب: "يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ" (لو23: 34)، لأن ضميرهم تُعطّله دوامة الجماعة.
وفي وسط الجماعة، قد تقود الضمير الشائعات والإثارات. وقد يصدق ما يقولون ويتصرف متأثرًا بما سمعه.
إن مريم المجدلية مثال واضح لتأثير الجماعة على الضمير.
لقد رأت المسيح، وأمسكت بقدميه، وسجدت له (مت 28) وسمعت منه قوله: "اِذْهَبَا قُولاَ لإِخْوَتِي أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى الْجَلِيلِ، وَهُنَاكَ يَرَوْنَنِي" (مت28: 10).
ومع ذلك لما اندمجت وسط الجماعة، وسمعت الشائعات التي نشرها الكهنة عن سرقة الجسد المقدس، ذهبت إلى بطرس ويوحنا وقالت لهما: "أَخَذُوا سَيِّدِي، وَلَسْتُ أَعْلَمُ أَيْنَ وَضَعُوهُ!"، وقالت نفس الكلام للملاك (يو20).
الضمير قد يتشجع إذا أثرت عليه جماعة صالحة، وقادته إلى الخير. ولكنه قد يتراخى وينام في وسط جماعة منحلة، أو قد تتغير مبادؤه، ويحكم على الأمور حكمًا مختلفًا. وهذا ما نلاحظه في بعض مَن يتركون بلادهم لمدة طويلة...
ولهذا فإننا نرى ضمائر السواح والمتوحدين، تختلف اختلافًا كبيرًا عن ضمائر العلمانيين، في حساسيتها، وأحكامها، واستنارتها، بل قد تختلف عن ضمائر كثير من رهبان المجامع...
على أن هناك ضمائر قوية، قد لا يطغى عليها تيار المجتمع، وإنما هي التي تؤثر فيه. مثال ذلك الأنبياء والمصلحون...
إنهم لم يتأثروا بفساد جيلهم، بل تولوا قيادته، وغيّروه إلى أفضل. ولكن ليس كل إنسان أقوى من الجماعة...
هؤلاء الأقوياء يتصفون بالصلابة والصمود وعدم الانقياد. إنهم يُذكّرونني بالجنادل الستة التي اعترضت مجرى النيل، ولم تؤثر فيها كل تياراته ومياهه وأمواجه مدى آلاف السنين...
الضمير يتأثر بالقادة
الضمير أيضًا يتأثر بالقادة والمرشدين والمعلمين والمشهورين والآباء.
وكثيرًا ما نجد إنسانًا صورة طبق الأصل من أبيه الروحي أو الجسدي، في أسلوبه، في أفكاره، في طباعه، بل حتى في حركاته. يعتنق كل مبادئه، ويتأثر بها ضميره، وتصير جزءًا من طبعه، وبخاصة بالنسبة إلى المبتدئين، والذين في فترة تكوين مثالياتهم.
ولكني أعرف إنسانًا قديسًا، وقف ضد هذا التيار...
إنه بولس الرسول، الذي وقف ضد بطرس الرسول أحد الثلاثة المعتبرين أعمدة في الكنيسة (بطرس ويعقوب ويوحنا). وأحد الذين وضعوا عليه اليد وأرسلوه للخدمة (أع13: 3). ومع ذلك لما تصرف القديس بطرس تصرفًا يلام عليه، قال القديس بولس: "قَاوَمْتُهُ مُواجَهَةً، لأَنَّهُ كَانَ مَلُومًا" (غلا2: 11). وقال له: "إِنْ كُنْتَ وَأَنْتَ يَهُودِيٌّ تَعِيشُ أُمَمِيًّا لاَ يَهُودِيًّا، فَلِمَاذَا تُلْزِمُ الأُمَمَ أَنْ يَتَهَوَّدُوا؟" (غلا2: 14).
هذا هو تصرف الضمير صاحب المبادئ، الراسخ في معرفته للحق والخير، الذي لا تغير موازينه تصرفات الناس الكبار...
الضمير تؤثر عليه الرغبات
الرغبات والعواطف، حبًا كانت أم كرهًا، تؤثر على الضمير في أحكامه وفي سلوكه، إذ يندر أن يوجد مَن يحكم في شيء حكمًا مجردًا تمامًا عن الرغبات وعن العواطف.
يقع إنسان في مشكلة، يرى أنها لا تُحل إلا بالكذب، فتراه يسمي الكذب ذكاءً أو دهاءً، وإن أدان تصرفه، فإنه يخفف حكمه عليه جدًا، ويلتمس له ألف عذر، ولا يشتد بنفس الشدة التي يحكم بها على تصرفات الآخرين. وقد يسمي البعض الكذب "بالكذب الأبيض"، أو يسميه مزاحًا.
وقد يحب إنسانًا، فيدافع عن كل تصرفاته، مهما كانت خاطئة، دون أن يتعبه ضميره! بل قد يتعبه ضميره إن لم يدافع! ويسمّي هذا الدفاع الخاطئ لونًا من الوفاء أو الواجب. وربما يدعو غيره أن يسلك مسلكه، ويتكلم بحماس شديد وانفعال، يتعطل معهما عمل الضمير، وينسى قول الكتاب: "مُبَرِّئُ الْمُذْنِبَ وَمُذَنِّبُ الْبَرِيءَ كِلاَهُمَا مَكْرَهَةُ الرَّبِّ" (أم15:17).
إن الذي يبرّئ المذنب، هو إنسان ضد الحق، وضد العدل. ولا يستطيع أن يعتذر عن هذا، بالعطف أو الرحمة، إذ يمكنه أن يعترف بأن هناك ذنبًا، ثم يطلب لهذا الذنب العطف والرحمة أما تبرئة الذنب، فهي اختلال في الضمير...
* مقال لقداسة البابا شنوده نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 8 سبتمبر 1978م
الضمير والإرادة
الضمير والإرادة*
تكلمنا عن الضمير وعدم عصمته، والمؤثرات التي تقع عليه من المعرفة، والبيئة، والإرشاد، والقيادة، والتقاليد. ونتكلم عن "الضمير والإرادة"...
الضمير كأي جهاز من أجهزة الإنسان، يمكن أن يضعف وأن يقوى، يمكن أن يستنير بالروح القدس وبأقوال الآباء والوعظ والتعليم وبالحياة الروحية... كما أنه يمكن أن يضعف وأن ينام، وتطغى عليه المصلحة، وتطغى عليه الإرادة.
ما أسهل أن يختل الضمير، وتتغير أحكامه، وتنقلب موازينه، كالمدرس الذي يدفعه ضميره إلى تغشيش تلميذ، أو كالطبيب الذي شفقة على امرأة يجهضها، أو يعمل عملية ليستر فتاة فقدت بكارتها، أو يكتب شهادة مرضية لغير مريض ليساعده... أو كالأم التي تستر على أولادها لكي تنقذهم من عقوبة أبيهم، فتغطي أخطاءهم بأكاذيب...
والعجيب في كل هؤلاء أن ضمائرهم لا تتعبهم ولا تبكّتهم. بل على العكس يشعرون أنهم عملوا شيئًا حسنًا، يُفرح قلوبهم...
إن عدم تبكيت الضمير على الخطأ، يدل على خلل فيه. أما كونه يفرح بالخطأ، فهذا يدل على انقلاب في كل موازينه!!
إن الضمير يمكن أن يتشكل حسب مبادئ الإنسان ومثالياته. ويتغير تبعًا لتغير هذه المثاليات. لهذا لا يكون حكمه سليمًا باستمرار، ولهذا تختلف وتتنوع ضمائر الناس. فما يراه أحدهم صوابًا يراه غيره شرًا، والعكس بالعكس.
والعواطف قد تتدخل في أحكام الضمائر وتكييفها.
فالذي يحب إنسانًا، قد يكذب ويبالغ في مديحه، وهو مستريح القلب. وقد يكذب كثيرًا لإنقاذه من ورطة، وضميره المريض يشجعه، على اعتبار أنه يؤدي خدمة لصديق... وبالتالي ما أسهل أن يقع كثيرون في مبدأ (الغاية تبرر الوسيلة). وتقبل ضمائرهم وسائل كثيرة خاطئة، بحجة أن الغرض نبيل!!
الضمير قد يمرض من جهة أحكامه، ومن جهة عواطفه، فلا يُبكّت في حالات تستحق التبكيت، أو يوبخ بأسلوب هادئ جدًا في أمور خطيرة. وقد قال البعض: "إنَّ الضمير قاض عادل، ولكنه ضعيف. وضعفه واقف في سبيل تنفيذ أحكامه". ولكن الصعوبة الكبرى أن يكون الضمير ضعيفًا، وفي نفس الوقت يكون أيضًا غير عادل!
لذلك لا تعتمد على ضميرك وحده. بل الجأ إلى تحكيم ضمائر أخرى سليمة ومحايدة، بعيدة عن تأثر الأغراض والبيئة والقيادة...
فالإرشاد الروحي هو ضمير واحد، يُقَوم مسيرة ضمير المعترف. وكما قال الكتاب: "تُوجَدُ طَرِيقٌ تَظْهَرُ لِلإِنْسَانِ مُسْتَقِيمَةً وَعَاقِبَتُهَا طُرُقُ الْمَوْتِ" (أم16: 25).
هناك ضمير واسع يبلع الجمل، وضمير ضيق يُصَفّ عن البعوضة.
الضمير الواسع يمكن أن يجد تبريرًا لأخطاء كثيرة. أما الضمير الضيق فهو ضمير موسوس، يظن الشر حيث لا يوجد شر، ويضخم من قيمة الأخطاء، ويقع في (عقدة الذنب)، ويرى نفسه مسئولًا عن أمور لا علاقة له بها إطلاقًا، وتملكه الكآبة أحيانًا واليأس، ويظن أنه لا فائدة من كل جهاده، وأنه هالك، وقد وقع في التجديف على الروح القدس!!
أما الضمير السليم فإنه يشبه ميزان الصيدلي، الزيادة فيه تضر، والنقص يضر. وما أجمل قول الكتاب: "مُبَرِّئُ الْمُذْنِبَ وَمُذَنِّبُ الْبَرِيءَ كِلاَهُمَا مَكْرَهَةُ الرَّبِّ" (أم15:17). فلا تحسبها فضيلة منك أن تدافع عن مذنب بمحاولة إثبات أنه لم يذنب!! الحق هو الحق. أما طلب الرأفة فلا يمنع الاعتراف بأن هناك خطأ...
وإلاَّ نكون قد فقدنا التمييز بين الخير والشر، بحجة عدم الوقوع في الإدانة، أو لمجرد الرأفة على المخطئين!
والضمير في طريقه، قد يصطدم بأمور عديدة، أولها الإرادة.
فإذا مالت الإرادة نحو الخطية، وأرادت تنفيذها، وحاول الضمير منعها، فإنها تعمل على إسكات هذا الضمير أو الهروب من صوته. ويقوم صراع بين الضمير والإرادة: إما أن ينتصر فيه الضمير، وإما أن تنتصر فيه الإرادة، وتنفذ الخطأ.
إن الضمير هو مجرد صوت يوجه الإرادة نحو الخير، ويبعدها عن الشر. ولكنه لا يملك أن يرغمها...
يكفي أن يكون مجرد صوت، يصيح باستمرار في عقل الإنسان وفي قلبه: إن هذا الأمر خطأ، فيشهد للحق...
يوحنا المعمدان لم يرغم هيرودس على الخير، بل كان مجرد صوت يصيح في وجهه، أنه لا يحل لك أن تأخذ امرأة أخيك زوجة. ولم يسمع هيرودس للمعمدان، ولكن ذلك النبي العظيم ظلّ ضميرًا للشعب كله، يصيح في وجه الملك الفاسد: لا يحل لك.
والإرادة قد تحاول إسكات الضمير، بحجة سلامها النفسي!
إنها لا تريد أن يكون هذا الضمير سببًا في تعكير صفوها الداخلي، فيفقدها سلامها ويتعب نفسيتها. لذلك تسكته.
هذه الإرادة المريضة يهمها راحة النفس، وليس راحة الروح، فالروح تستريح في طاعة الرب وفي نقاوة القلب، وترحب في هذا بالتوبيخ، بعكس النفس التي يتعبها التوبيخ...
وقد تهرب الإرادة من الضمير، ولا تعطيه فرصة...
تهرب من محاسبة النفس، وتهرب من توبيخ الضمير، بالمشغولية المستمرة. وإن أتاها صوت الضمير من مصدر خارجي، من أب أو صديق أو معلم، تحاول أن تغير مجرى الحديث، إلى موضوع آخر، لأن صوت الضمير يتعبها، فتهرب منه.
وقد يجد الضمير أنه لا مجال له، فيستكين ويصمت.. وبمضي الوقت يتعود الصمت، ولا يتدخل في أعمال الإرادة...
وتبقى الإرادة وحدها في الميدان، تعمل ما تشاء، وتتفرغ لرغباتها، ولا تعطي فرصة للضمير.. فيصبح ضميرًا غائبًا، أو ضميرًا مستترًا، أو ضميرًا نائمًا، ويتعطل عمله في الإرشاد.
وتساعد الضمير على السكوت، وسائل التسلية المتعددة، ووسائل الترفيه، وطغيان لذة الخطية، والمشغولية المستمرة، وعدم جدوى التوبيخ، ويأس الضمير من إمكانية العمل، أو الوعد المستمر بتأجيل التوبة. وهكذا يبدو أمام الضمير أنه لا فائدة، وتنتصر الإرادة على الضمير، وتبقى في الخطية. لأن الضمير مجرد مرشد، لا يرغم الإرادة على قبول مشورته.
الضمير مثل إشارات المرور في الطريق، قد تضيء باللون الأحمر لكي يقف السائق، ولكنها لا ترغمه على الوقوف!
ما أسهل أن يخالف السائق إشارة المرور الحمراء، ويستمر في سيره، وتكتب له مخالفة، ولا يبالي...
إن الضمير مجرد مرشد، أما التنفيذ ففي يد الإرادة.
فهل إذا انحرفت الإرادة، وأسكتت الضمير، يهلك الإنسان؟
هنا تتدخل إرادة الله، ويرسل نعمته، ليخلص الإنسان من إرادته...
ما دام ضمير الإنسان ضعيفًا، والإرادة المنحرفة مسيطرة، إذًا لا بد من قوة خارجية تتدخل لإنقاذه. هنا يدخل عمل روح الله القدوس، وهنا تظهر ثمار صلوات الملائكة والقديسين، وتعمل النعمة، لكي توقظ الإنسان الغافل، وتلين قلبه القاسي...
مثال ذلك ما حدث لمريم القبطية، وهي في عمق الخطية، لا تفكر إطلاقًا في التوبة، بل تشتاق إلى خطايا جديدة، يسقط فيها كثيرين.
ولكن النعمة اجتذبتها في مدينة القدس، وسرعان ما استجابت لعمل النعمة، وتابت، بل صارت قديسة عظيمة، استحقت أن تبارك القس زوسيما...
النعمة قد تتدخل وحدها، بافتقاد من روح الله القدوس. أو تتدخل بناء على صلاة تطلب معونة الله.
وقد تكون الصلاة من شخص الخاطئ نفسه، يصرخ إلى الله قائلًا: "تَوِّبْنِي فَأَتُوبَ" (إر31: 18). وربما تكون من أحبائه المحيطين به، المصلين من أجل خلاصه. وقد تكون الصلاة من أرواح الملائكة القديسين أو أرواح الذين انتقلوا.
إذًا الأمر يحتاج منا إلى صلوات لتتدخل المعونة الإلهية.
إن الناس لا تنقذها مجرد العظات. فالعظات قد تحرك الضمير، وربما مع ذلك لا تتحرك الإرادة نحو الخير!
نحن محتاجون إلى قلوب تنسكب أمام الله في الصلاة، لكي يعمل في الخطاة، ويجذبهم إلى طريقه.
فالرسول يقول: "الإِرَادَةَ حَاضِرَةٌ عِنْدِي، وَأَمَّا أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ. لأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ، بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ" (رو7: 18، 19).
هناك عبارة جميلة وردت في سفر زكريا النبي عن يهوشع الذي كان واقفًا بملابس قذرة، والشيطان قائم عن يمينه ليقاومه. فجاء واحد من طغمة الأرباب، وقال للشيطان: "لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ يَا شَيْطَانُ! لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ. أَفَلَيْسَ هذَا شُعْلَةً مُنْتَشَلَةً مِنَ النَّارِ؟" (زك3: 2). وأنقذ الرب يهوشع.
ومع تدخل النعمة، يبقى الإنسان أيضًا حرًا... يستجيب للنعمة، أو لا يستجيب. يفتح للرب الذي يقرع على بابه. يقبل عمل الروح، أو يُحزن الروح. أو يُطفئ حرارة الروح، أو يقاوم الروح!!
* مقال لقداسة البابا شنوده نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 15 سبتمبر 1978م
الإرادة كيف تقوى وكيف تضعف؟
الإرادة كيف تقوى وكيف تضعف؟*
كلمتكم عن الضمير، ونواحي القوة والضعف التي يتعرض لها. وأحب أن أكلمكم عن الإرادة، ومركزها بالنسبة إلى الإنسان، وكيف تقوى وكيف تضعف؟
هناك كثيرون يقولون إنهم يحبون الخير، ولكنهم عاجزون عن عمله، ولسان حالهم قول الرسول: "وَأَمَّا أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ. لأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ، بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ" (رو7: 18، 19). ويعللون ذلك بأن إرادتهم ضعيفة.
وهنا نبحث الموضوع من النقاط الآتية:
هل تستطيع أن تقاوم الخطية أم أنت تضعف أمامها؟
هل بسهولة تقدر أن تعمل الخير أم بتغصب؟
عندما تكون إرادتك ضعيفة، هل تبذل جهدك لتقويتها؟
هل الإرادة ضعيفة أصلاً، أم بسبب إهمالك الروحي؟
إن أصل إرادة الإنسان ميالة للخير، كصورة الله. لذلك فإن ضعف الإرادة وعدم قدرتها على الخير، أمر دخيل على الإنسان.
الميل إلى الخير هو الأصل في الإنسان. أما الميل إلى الشر، فأمر دخيل عليه، لا بد أن نبحث عن أسبابه...
بإمكان الإنسان - وبخاصة في نعم العهد الجديد - أن يسير في طريق الرب. فما الذي يدفعه إذًا إلى الخطية؟
حواء مثلاً: عندما خلقها الله، لم تكن فيها خطية ولكنها أخطأت حينما اشتهت. وكيف اشتهت؟ حدث ذلك لما أدخل الشيطان إلى قلبها الشك، والشهوة أن تصير مثل الله...
وبالشهوة ضعفت الإرادة. وحينئذ عجزت عن المقاومة، فأخطأت.
حينما تدخل الشهوة إلى القلب تضعف الإرادة. وكلما ازدادت الشهوة، ضغطت على الإرادة بشدة... لذلك فمن عوامل تقوية الإرادة، معالجة الشهوة وطردها من القلب.
ومما يضعف الإرادة ويقوي الشهوة، القرب من مادة الخطية.
قال أحد الآباء: وأنت بعيد عن مادة الخطية، قد تحارب من الداخل فقط. أما وأنت قريب من مادة الخطية، فإنه تقوم عليك حربان: أحدهما من الداخل، والأخرى من الخارج.
لذلك على الإنسان الحكيم أن يبعد عن العثرات وعن كل أسباب الخطية، لكيلا تضعف إرادته أمام العثرات.
ومن ضمن هذه الأسباب البعد عن المعاشرات الرديئة، التي قال الكتاب إنها: "..تُفْسِدُ الأَخْلاَقَ الْجَيِّدَةَ" (1كو15: 33).
مما يضعف الإرادة أيضًا عنصر المُدة، والاستدامة...
إن حاربتك الخطية، فقاومتها للتو، ولم تستبْقِها، تجد إرادتك قوية، قادرة على طرد الخطية. أما إن تركتها ترعى في قلبك، وتدغدغ حواسك، وتلعب بعواطفك، وتغري نفسك، وتقنع عقلك، فإنها بطول المدة تقوى عليك، وتضعف إرادتك عن مقاومتها. وإن انتصرت يكون ذلك بمجهود كبير وبتدخل النعمة...
فرق كبير بين أن تنزع الخطية وهي عشب في الأرض، أو أن تحاول نزعها بعد أن تتأصل جذورها ويرتفع جذعها عاليًا في الهواء. ولهذا حسنًا قال المزمور: "طُوبَى لِمَنْ يُمْسِكُ أَطْفَالَكِ وَيَضْرِبُ بِهِمُ الصَّخْرَةَ!" (مز137: 9) والصخرة كانت المسيح.
إن أتاك فكر خاطئ، وطردته بسرعة، تكون إرادتك قوية.
أما إن أخذت مع الفكر وأعطيت، واستمر الفكر فترة في ذهنك، فحينئذ يكون طرده بصعوبة.
لهذا فالسرعة لازمة. والبُطء يساعد على إضعاف الإرادة.
حسنًا أن يوسف الصديق هرب بسرعة من وجه الخطية. وكذلك الابن الضال لم يبطئ في تقديم التوبة، وإنما قال: "أَقُومُ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي" (لو15: 18)، وقام لتوّه وذهب.
وإبراهيم أبو الآباء لما أتاه الأمر أن يقدم ابنه الوحيد محرقة، لم يتباطأ ولم يعط للأفكار فرصة لمحاربته، بل بإرادة قوية. بكّر صباحًا جدًا، وأخذ الحطب والسكين (تك22: 3).
كذلك أنت إن تباطأت في دفع عشورك، قد تضعف إرادتك عن دفعها، وتعطي فرصة للشيطان يخترع فيها معوِّقات...
لما تباطأ (لوط) في الخروج من سدوم، دفعه الملاكان، وأمراه بالإسراع. وزكا، قال له المسيح: "أَسْرِعْ وَانْزِلْ" (لو19: 5).
إنها دَفعة من النعمة، أسرع في الانتفاع بها وأنت ميّال للخير، قبل أن يتدخل الشيطان ويضعف إرادتك بأسبابه. أية علاقة آثمة، أو أية مادة رديئة، أو أية خطية، غالبًا كانت الإرادة قوية في أولها، وكانت تقدر على التخلص منها ولكن بمرور الوقت، بدأت تضعف.
في قصة قايين قال له الله: "فَعِنْدَ الْبَابِ خَطِيَّةٌ رَابِضَةٌ... وَأَنْتَ تَسُودُ عَلَيْهَا" (تك4: 7). فلما استمرت داخله، أصبحت هي التي تسود عليه.
إن محاربات الخطية تحتاج إلى عمل حاسم للتخلص منها، لأن التراخي والتباطؤ والتكاسل، يعطي فرصة لإضعاف الإرادة. إن شمشون لما طالت المدة في إلحاح الخطية عليه، ضعف أخيرًا.
إن الإنسان عبارة عن مجموعة من الأجهزة الحساسة. كل شيء يؤثر عليها بالخير أو الشر، ويزيد التأثير بالمدة...
تؤثر عليه الأفكار، والحواس، والمشاعر الداخلية، والأسباب الخارجية، البيئة، والمعاشرات، والسماعات... إلخ.
كثيرًا ما تضعف إرادتنا، لأننا لم نكن حازمين وحاسمين في معالجة الأسباب التي تضعف الإرادة...
بسبب تهاوننا وتراخينا، نفقد قوتنا ونقف موقف الضعف. فليتنا نكون متيقظين باستمرار وساهرين على خلاص نفوسنا...
من الأسباب التي تُضعف إرادتنا أيضًا، البعد عن وسائط النعمة...
لأنه طالما نحاط بجو روحي، تكون إرادتنا قوية.
هناك عوامل روحية كالصلاة والتأمل والقراءة الروحية والاجتماعات الروحية، والمداومة على التناول والاعتراف، والتأثر بالصداقات الروحية، كلها تلهب القلب بمحبة الله، وتقوي الإرادة في الالتصاق بالرب، وتعطي مناعة أثناء مقاومة الخطية.
ولكن إذا بعد الإنسان عن الوسائط الروحية، تضعف روحياته، ويقل ميله نحو الخير، وتصير إرادته سهلة الانجذاب نحو الخطية. وينتهز الشيطان الفرصة فيضربها، وليس حولها سلاح روحي يقوّي عزيمتها في مقاومته، إذ تبعد عن الهاتف الداخلي الذي يدعوها إلى الله.
انظروا إلى لوط، لقد كانت نفسه البارة تتعذب كل يوم في سدوم لأنه فقد واسطتين روحيتين: عشرة إبراهيم القديس، والوجود إلى جوار المذبح...
سدوم لم يكن فيها المذبح ولا إبراهيم، لذلك ضعفت إرادة امرأة لوط وهلكت، وضعفت إرادة ابنتيه ووقعتا في الخطية. ولوط نفسه لم يعد في قوته الأولى.
لأهمية الوسائط الروحية في تقوية الإرادة، يقول الكتاب عن الرجل البار إنه: "يَكُونُ كَشَجَرَةٍ مَغْرُوسَةٍ عِنْدَ مَجَارِي الْمِيَاهِ" (مز1: 3) أي متصلة بينابيع الغذاء الروحي باستمرار، لذلك تكون قوية ومثمرة على الدوام.
إذًا الإرادة يمكن أن تقوى وأن تضعف. إن منحتها أسباب القوة تقوى. وإن عرّضتها لعوامل الضعف تضعف.
بطرس وهو موجود في جو روحي مع السيد ومع التلاميذ، امتلأ بالقوة التي قال بها: "وَإِنْ شَكَّ فِيكَ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ أَبَدًا"، "وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ" (مت26: 33-35) ولو أدّى الأمر أن أموت معك! ولكن بطرس نفسه، وهو في وسط آخر مع جواري وعبيد رئيس الكهنة، ضعفت إرادته، فسبّ ولعن وقال: "إِنِّي لاَ أَعْرِفُ الرَّجُلَ" (مت26: 74)! وأنت ما هو الوسط الذي يحيط بك؟ وهل يقوي إرادتك أم يضعفها؟
هل عوامل التسلية والترفيه التي تحيط بك تقوي إرادتك نحو الخير؟ وتعطيك مقاومة للخطية؟ أم العكس؟ هل أصدقاؤك ومعارفك وأصحابك الذين تقضي معهم وقتك، يشجعونك على الالتصاق بالله.
مسألة أخرى تؤثر على الإرادة وهي عامل التدرج.
إنَّ الخطية قد لا تحاربك دفعة واحدة بوجه مكشوف، بل قد تتدرج معك تدرجًا طويلًا لا تشعر به حتى تقع في الهوّة! وربما تكون الخطوة الأولى التي تقودك إلى الخطية، ليست في حد ذاتها خطية واضحة... وبهذا التدرج تسلب إرادتك شيئًا فشيئًا دون أن تحس!
من ضمن الأشياء التي تضعف الإرادة وتقويها، الفكر...
إن كانت أفكارك متعلقة بالله باستمرار، وبالعمل الروحي، تجد إرادتك قوية، مستعدة كل حين لعمل الخير. أما إذا انشغل فكرك بالمحاربات الشيطانية، أو حتى بالأمور العالمية والمادية، أو ظل فكرك متغربًا عن الله مدة طويلة، فحينئذ لا تكون إرادتك في نفس القوة التي تساعدها على المقاومة.
من العوامل الأخرى التي لها تأثير على الإرادة: التغصب.
هل أنت باستمرار تدلل نفسك، وتعطيها ما تهواه؟ أم أنت تقف بحزم وتغصب نفسك على العمل الروحي؟ ولا تطاوع رغباتك في كل شيء؟ إن كنت باستمرار تجاهد نفسك، ستقوى إرادتك بلا شك. أما إن قادتك الرغبة وحب الراحة وإطاعة الهوى، فإن إرادتك ستفقد كل سيطرتها...
إن أعطيت نفسك هواها، فأين إذًا الالتزام؟ وأين المبادئ والقيم؟ وأين قوة الإرادة.
المسألة تحتاج إلى جدية، وإلى الانتصار على العقبات...
الإنسان الجاد في حياته الروحية لا يتراخى ولا يتراجع، ولا يفشل ولا ييأس، ولا يعترف بعقبات، وإنما يبذل جهده للانتصار على كل عقبة تصادفه. داود أمام جليات كانت تقف أمامه عقبات تدعو إلى اليأس، لكنه بالإيمان تصدى لها وانتصر.
أهم نقطة أقولها في موضوع الإرادة هي محبة الله. وأيضًا عمل النعمة في القلب.
إن ملكت محبة الله على القلب، ستملك الإرادة أيضًا، والمحبة تقود الإرادة إلى الخير. وحتى إن ضعفت الإرادة تقودها النعمة، بإلقاء النفس أمام الله طلبًا للمعونة.
* مقال لقداسة البابا شنوده نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 27 أكتوبر1978م
النسيان
النسيان*
من الأشياء التي تقود الإنسان إلى الخطية، أو تشجعه على الخطية، النسيان. كما قال أحد القديسين: تسبق الخطية إما الشهوة وإما التهاون وإما النسيان.
النسيان
وذلك بأن ينسى الإنسان وجود الله، وعدل الله، ومعرفة الله، ومحبة الله له، وإحساناته إليه. أو ينسى الموت أو الأبدية، أو ينسى أن الخطية موت وعاقبتها موت.
لو تذكر الإنسان أن الله موجود، أمامه، يراه، وينظر إليه، ويقرأ فكره وقلبه، ما أمكنه أن يخطئ... كما قال يوسف الصديق: "فَكَيْفَ أَصْنَعُ هذَا الشَّرَّ الْعَظِيمَ وَأُخْطِئُ إِلَى اللهِ؟" (تك39: 9). إن شعوره بأنه أمام الله الذي يراه، منعه من فعل الشر... ولكننا كثيرًا ما ننسى وجود الله، وأنه أمامنا، يرانا.
الإنسان الذي يخطئ، لا ينسى فقط رؤية الله له، وإنما ينسى أيضًا عدل الله وقصاصه، وصلاح الله الذي يكره الخطية.
كثيرون يتذكرون فقط محبة الله، وينسون عدله... وإذ ينسون عدل الله يتهاونون مع الخطية.
إن عدل الله يقتضي أخذ ثمن الخطية، وأجرة الخطية موت، إن لم تؤخذ من الخاطئ، تؤخذ من المسيح. إذًا معنى الخطية أننا نلقي بنجاساتنا على المسيح لكي يحملها!! لو تذكر الإنسان هذا. ما أخطأ. ولكنه ينسى...
الإنسان الذي يخطئ ينسى الأبدية والدينونة، ولا يذكر إلا لحظته فقط. إنه ينسى ذلك اليوم الرهيب الذي يقف فيه أمام الديان العادل، ليعطي حسابًا كاملًا.
كان الله قديمًا يتركنا إلى الشريعة الأدبية التي في أعماقنا لترشدنا، قبل أن يعطينا وصية مكتوبة، ولهذا نرى قايين خاف من جريمته (القتل) وأنكرها، قبل أن توجد وصية مكتوبة تقول: "لاَ تَقْتُلْ" (خر20: 13). ويوسف رفض أن يزني قبل أن توجد وصية مكتوبة تقول: "لاَ تَزْنِ" (خر20: 14).
ثم أعطانا الله وصايا مكتوبة لكيلا ننسى...
وهذه الوصايا أمرنا أن نلهج فيها النهار والليل "وَفِي نَامُوسِهِ يَلْهَجُ نَهَارًا وَلَيْلًا" (مز1: 2) لكيلا ننسى.
بل قال لنا عنها: "وَتَكَلَّمْ بِهَا حِينَ تَجْلِسُ فِي بَيْتِكَ، وَحِينَ تَمْشِي فِي الطَّرِيقِ، وَحِينَ تَنَامُ وَحِينَ تَقُومُ، وَارْبُطْهَا عَلاَمَةً عَلَى يَدِكَ، وَلْتَكُنْ عَصَائِبَ بَيْنَ عَيْنَيْكَ، وَاكْتُبْهَا عَلَى قَوَائِمِ أَبْوَابِ بَيْتِكَ وَعَلَى أَبْوَابِكَ" (تث6: 6-9). كل ذلك لكيلا ننساها.
وأمر الله أن تقرأ هذه الشريعة في المجامع كل سبت.
وذلك حتى لا ينساها الشعب. وأحاط طاعتها بالبركات ومخالفتها باللعنات (تث28) وكانت هذه البركات واللعنات تُتلى على الشعب كله، من على جبلين، حتى لا ينساها.
وما زلنا في الكنائس نقرأ هذه الشريعة في كل قداس...
وذلك حتى لا ينساها الشعب. وأصبح تفسير هذه الشريعة هو عمل الأنبياء والرسل والرعاة والوعاظ وكل رجال الكهنوت... وكرر الله الشريعة في سفر التثنية وقال للشعب: "اِحْتَرِزُوا مِنْ أَنْ تَنْسَوْا عَهْدَ الرَّبِّ إِلهِكُمُ الَّذِي قَطَعَهُ مَعَكُمْ" (تث4: 23).
وكان الدخول في شعب الله قديمًا، علامته الختان. وهي علامة في جسم الإنسان، لكيلا ينسى أن جسد الخطية قد قُطع عنه ومات، وأصبح لا يعيش حسب الجسد.
وبنفس الوضع صارت المعمودية في العهد الجديد، التي تذكرنا بأننا قد متنا مع المسيح "مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ" (كو2: 12).
ولكن الخاطئ ينسى دائمًا العهد الذي قطعه مع الله في المعمودية حينما جحد الشيطان وكل قواته الردية، وكل نفاقه وحيله. وينسى أن إنسانه العتيق قد مات، وأنه "كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ" (غلا3: 27).
الخاطئ ينسى أنه قد لبس المسيح، وينسى أنه صورة الله...
نعم، إنه صعب جدًا على شخص يذكر أنه قد لبس المسيح، ثم يخطئ. ومن الصعب أيضًا أن يذكر إنسان أنه صورة الله ومثاله، ثم يخطئ، وهو على شبه الله!
مَن يستطيع أن يخطئ إذا تذكر أن أعضاءه هي أعضاء المسيح!؟ إنه يقول مع الرسول: "أَفَآخُذُ أَعْضَاءَ الْمَسِيحِ وَأَجْعَلُهَا أَعْضَاءَ زَانِيَةٍ؟ حَاشَا!" (1كو6: 15).
مَن أيضًا يجرؤ أن يخطئ إن تذكر أنه هيكل لروح الله القدوس، وروح الله ساكن فيه (1كو6: 19).
ولكننا نخطئ حينما ننسى كل هذا. لذلك يذكرنا الرَّب.
إننا نخطئ لأننا ننسى أننا هياكل الله، وأننا أبناء لله، وأننا صورة الله ومثاله. وفي خطيتنا لا نكون صورته.. لذلك انظروا ماذا يقول بطرس الرسول لكي يذكرنا: "لِذلِكَ لاَ أُهْمِلُ أَنْ أُذَكِّرَكُمْ دَائِمًا بِهذِهِ الأُمُورِ... أَحْسِبُهُ حَقًّا مَا دُمْتُ فِي هذَا الْمَسْكَنِ أَنْ أُنْهِضَكُمْ بِالتَّذْكِرَةِ" (2بط1: 12، 13).
الكنيسة أيضًا تقيم الأعياد والمناسبات والطقوس كلها لتذكيرنا...
نحن نعيد لميلاد المسيح مثلًا، لا لمجرد الفرح، وإنما لنتذكر أن ميلاد المسيح كان بداية قصة خلاصنا، ونهتف مع سمعان الشيخ: "لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ" (لو2: 30) ونفرح بهذا الخلاص. ولا تكون أفراح الكريسماس فرحًا عالميًا!
وكذلك نحن حينما نفرح بقيامة المسيح، إنما نفرح بالانتصار على الموت الذي جلبته الخطية. نتذكر هذا فتتعزى قلوبنا.
وهكذا أيضًا كل طقوس الكنيسة إنما هي لتذكيرنا.
نحن ننظر إلى الشموع. فنتذكر أننا نور العالم، ونتذكر القديسين الذين كانوا كالشموع يذوبون لكي يضيئوا الطريق للآخرين.
وننظر إلى البخور فنتذكر أن الصلوات تصعد إلى فوق برائحة زكية كالبخور.
وننظر إلى صور القديسين وأيقوناتهم فنتذكر حياتهم الطاهرة المقدسة لكيما تكون لنا مثالًا... وكذلك حينما نسمع السنكسار، إنما نتذكر تلك السير الجميلة، لتعليمنا.
انظروا ما الذي تفعله الكنيسة لكي تذكرنا دائمًا بآلام المسيح.
أسبوع كل سنة يسمى أسبوع الآلام أو أسبوع البصخة، تجلَّل فيه الكنيسة بالسواد، ويقف المؤمنون خارج الهيكل، خارج خورس القديسين، كما كان المسيح خارج المحلة. وتتلى جميع النبوات الخاصة بالآلام، وجميع أحداث هذا الأسبوع، وتقال الألحان كلها بنغمات الحزن. وماذا أيضًا؟
ترى الكنيسة أن هذا التذكار السنوي لا يكفي، فتقيم لنا تذكارًا آخر أسبوعيًا، بل وتذكارًا آخر في كل يوم...
في كل أسبوع تعطينا صوم الأربعاء والجمعة.
ففي يوم الجمعة نتذكر صلب المسيح، وفي يوم الأربعاء نتذكر التآمر عليه. وإذ ترى الكنيسة أن هذا أيضًا لا يكفي، تذكرنا بآلام المسيح في كل يوم بصلاة الساعة السادسة التي نقول له فيها: "يا من في اليوم السادس وفي وقت الساعة السادسة، سمرت على الصليب من أجل الخطية التي تجرأ عليها أبونا آدم في الفردوس، مزق صك خطايانا أيها المسيح إلهنا ونجنا"...
وبالإضافة إلى كل هذا، تذكرنا الكنيسة بآلام المسيح عن طريق الصليب الذي نراه باستمرار في الكنيسة وفي يد الكاهن... وفي كل مناسبة طقسية، ونعيد له...
إن الله منذ القدم يحب أن يذكرنا بالأمور النافعة لخلاصنا، لأن نسيانها يسبب لنا الفتور أو السقوط.
منذ القديم حينما خلص الناس من سيف المهلك بدم خروف الفصح، وقال لهم: "فَأَرَى الدَّمَ وَأَعْبُرُ عَنْكُمْ" (خر12: 13)، جعل الله موضوع الفصح هذا "تَذْكَارًا... وفَرِيضَةً أَبَدِيَّةً" (خر12: 14) لكيلا ينسى الناس الدم اللازم للخلاص.
وأمرهم أن يقصوا كل هذا على أولادهم، لكي يتذكروا فينتفعوا.
ولما أخطأ أبوانا آدم وحواء، جعل لهما عقوبة تذكرهما...
قال لآدم: إنه يأكل خبزه بعرق جبينه، ولحواء: أنها بالوجع تحبل وتلد ومع أن المسيح أتى وخلّص آدم وحواء وبنيهما، إلاَّ أن هذه العقوبة ما تزال قائمة حتى لا ننسى...
حتى لا ننسى خطيئتنا الأولى ونتائجها وعمل الله لخلاصنا...
هل يتذمر أحد إن تعب من أجل أكل خبزه. أو إن تعبت امرأة في حبلها وفي ولادتها؟! إنه ولا شك تعب مقدس يذكرنا بخطايانا فنتضع، حتى لا ننسى...
صدقوني، أنه حتى الأسماء في العهد القديم، كانت أيضًا تحمل معنى التذكير بالنسبة إلى كثيرين...
(إبراهيم) سُميَ بهذا الاسم الذي معناه أبو جمهور، لكي يتذكر بركة الله له في كثرة البنين، وبنسله تتبارك جميع قبائل الأرض. وكل أبناء ليئة وراحيل، كانت تحمل أسماؤهم معاني معينة، تُذكّر بعمل الله وإحساناته (تك29).
سمّت مثلًا ابنها شمعون، وقالت: "إِنَّ الرَّبَّ قَدْ سَمِعَ.." (تك29: 33).
يعقوب أبو الآباء المكان الذي رأى فيه السلم والملائكة، بيت إيل، أي بيت الله، ليتذكر أن الله ظهر له فيه.
هناك أشخاص - للأسف - يتذكرون بعد السقوط.
مثل ذلك بطرس، الذي تذكر تحذير السيد المسيح له بعد أن أنكره، ومثال ذلك المريمات اللائي حملن حنوطًا إلى القبر، وقد نسوا أن الرب تحدث عن قيامته. لذلك ذكّرهم الملاك بذلك قائلًا: "أَنَّكُمَا تَطْلُبَانِ يَسُوعَ الْمَصْلُوبَ. لَيْسَ هُوَ ههُنَا، لأَنَّهُ قَامَ كَمَا قَالَ" (مت28: 5، 6). لقد نسيَ النسوة أنه سيقوم، لذلك حملن الحنوط.
الكنيسة باستمرار تقوم بتذكيرنا... حتى لا ننسى فنسقط.
وحينما تضع لنا الكنيسة سبع صلوات كل يوم، فليس هذا عبئًا أو ثقلًا تضعه علينا، بل هو نافع لتذكيرنا.
نتذكر مناسبات عديدة كميلاد المسيح وصلبه وموته، وكحلول الروح القدس، كما نتذكر الموت والمجيء الثاني ولزوم التوبة...
ليتنا نتذكر أيضًا إحسانات الله إلينا، وحبذا لو كان لها سجل. نسجل فيه عمل الله مع الكنيسة ومع الأفراد، ونسجل المعجزات التي تحدث لنا بشفاعات القديسين.
كان ملوك فارس يسجلون الأحداث الهامة في أخبارهم، ويتذكر أحد هذه الأحداث، كما فعل الملك مع أستير ومع مردخاي.
ليتنا نحن أيضًا نسجل لكيما نتذكر..
فتذكار إحسانات الله يقودنا إلى حياة الشكر.
وتذكار الموت والدينونة يقودنا إلى التوبة، إلى الحرص.
وتذكار وجود الله يقودنا إلى الاستحياء وإلى المخافة.
وتذكار ضعفنا وسقوطنا السابق يقودنا إلى التدقيق والاحتراس...
* مقال لقداسة البابا شنوده نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 22 سبتمبر1978م




