قدوس القوي الله القادر عَلىَ كُلّ شيْء

قدوس القوي الله القادر عَلىَ كُلّ شيْء[1]
كلمتكم من قبل عن عبارة قدوس الله، فتحدثنا عن قداسة الله. ونتابع اليوم حديثنا لنتكلم عن قوة الله، كما في عبارة ” قدوس القوي”.
ونحن نفرح بقوة الله، لأن قوته في صالحنا، وليست ضدنا.
هناك أقوياء يستخدمون قوتهم في البطش والإيذاء والسيطرة، وفي تجويف الناس وتهديدهم. أما الله فهو قدوس في قوته، هو القدوس القوي، نسبحه في قداسة قوته.
والله قوي في قدرته، قوي في حبه، وقوي في مغفرته وفي احتماله، وقوي في اتضاعه. قوي في كل الخير.
قوي في قدرَته
ذلك لأنه قادر على كل شيء. وهذه صفة من صفات الله وحده. فلا يوجد أحد قادر على كل شيء سوى الله.
توجد ملائكة قادرة. ونحن نقول لهم في (103) باركوا الله يا ملائكته المقتدرين قوة”. ولكن الملائكة ليسوا قادرين على كل شيء. كما أن كل ما لهم من قوة هي نابعة من الله نفسه. هو الذي يمنحهم القدرة..
ويوجد بشر قادرون، ورسل وقديسون يصنعون المعجزة. ولكن هذه القدرة ليست منهم، وإنما هي من الله معطيها. ولذلك ففي معجزة شفاء الأعرج عند باب الجميل، لما بهت الناس جدًا، قال لهم القديس بطرس الرسول مَا بَالُكُمْ تَتَعَجَّبُونَ مِنْ هذَا؟ وَلِمَاذَا تَشْخَصُونَ إِلَيْنَا، كَأَنَّنَا بِقُوَّتِنَا أَوْ تَقْوَانَا قَدْ جَعَلْنَا هذَا يَمْشِي؟” ثم وجّه أذهانهم إلى الرب يسوع المسيح الذي باسمه تمت المعجزة (أع3: 12 ـــ 16).
الله قادر على كل شيء. ومن قدرة الله: صنع المعجزات والعجائب. وهي كثيرة جدًا: نذكر من بينها القدرة على الخلق وأقامه الموتى.
وهاتان المعجزتان تؤمن بهما كل الأديان. ولا يقدر عليها سوى الله وحده. والبشر على الرغم مما بلغوه من علم مذهل، لا يقدر أحد منهم على الخلق. كل ما يستطيعه الإنسان أن يكون صانعًا لا خالقًا. وهو يصنع من مادة خلقها الله. ويستخدم في صنعه عقلًا منحه وهو يصنع من مادة خلقها الله..
وبالمثل الإقامة من الموات لا يقدر عليها إلا الله وحده. فعند الموت تقف كل قدرة البشر وعلمهم وعبقريتهم وذكائهم. وتبقى قدرة الله التي تستطيع أن تقيم من الموت ليس فقط إنسانًا معينًا. إنما في القيامة العامة ستقيم الكل..
يضاف إلى هذا، قدرته على شفاء الأمراض المستعصية والعاهات.
قدرته على منح البصر للعميان، وشفاء الأصمّ والأبرص، اخراج الشياطين، وإعادة العقل إلى المجانين والمصروعين.
كذلك نذكر قدرة الله على الطبيعة.
كانتهار الريح والأمواج. وشق البحر الحمر، وقدرته أن يفجّر من الصخرة ماءً، وأن ينزل المن السلوى من السماء.. وقدرته على مباركة الخمس خبزات والسمكتين لإشباع آلاف من الناس.
وكما ظهرت قوة الله في قدرته على صنع العجائب، كذلك تظهر قوته في إنقاذ محبيه.
في الإنقاذ
قوة الله إنقاذ الثلاثة فتية من أتون النار…. الفتية في اتون النار. كيف أنقذهم الله، والنار ملتهبة جدًا. ولكنها لم تحرقهم” ولا كانت لها قوة على أجسادهم، وشعرة من رؤوسهم لم تحترق. وكانوا محلولين يتمشون في وسط النار، ومعهم رابع شبيه بابن الآلهة” (دا3: 25 ـــ 27).. ما أعجب قدرة الله وسلطانه على النار..
أيضًا دانيال النبي الذي ألقوه في جب الأسود، فلم تؤذه بل قال ” إلهي أرسل ملاكه، فسدّ أفواه الأسود” (دا6: 22). نضيف إلى ذلك كيف أنقذ الله رسوله بطرس من السجن (أع12)، ورسوله بولس من السجن أيضًا. وكيف أنه واقف مع الفتى داود في محاربته لجليات الجبار، حيث قال داود لذلك الجبار ” اليوم يحبسك الرب في يدي..” (1صم 17: 46). وقذف داود بحصاته من المقلاع، فجعلها الله ترتكز في رأس ذلك الجبار فمات..
حقًا كما قال المرتل في المزمور ” لولا ان الرب كان معنا، حين قام الناس علينا، لابتعلونا ونحن احياء، عند سخط غضبهم علينا” إلى أن قال ” نجت أنفسنا مثل العصفور من فخ الصيادين. الفخ انكسر، ونحن نجونا، عوننا من عند الرب صنع السماء والأرض” (مز123).
إن الرب قوي في إنقاذه لمحبيه. وهو أيضًا في حبه.
قوي في حُبّه
بسبب حبه هذا، أنعم بنعمة الوجود، فأوجدنا إذ لم نكن. ومن قوة حبه، أنعم علينا بالبركة، وسلّطنا على كل كائنات الأرض بل من فرط محبته، خلقنا على صورته ومثال.
وعطاء الله المستمر، هو كذلك من دلائل محبته..
إنه ـــ في محبته ـــ يعطينا ما نطلب، وفوق ما نطلب. بل ويعطينا دون أن نطلب. ومن محبته اهتم برعايتنا. أرسل لنا الناموس والأنبياء. وفتح لنا باب التوبة حينما نخطئ.
نحن يمكن أن نحب الذين يحبوننا. ولكن الله أحب حتى الذين قاوموه.
أحب المخطئين وقادهم إلى التوبة. وأحب الملحدين وقادهم إلى الإيمان. أحب الذين تركوه وأعادهم إليه. أحب الناس كلهم، ومهّد لهم طريق الخلاص.
أحب توما الذي شكّ في قيامته. وظهر له ونجاه من شكه. وأحب بطرس الذي أنكره ثلاث مرات، وفي عطف ثبته في رسوليته. بل أحب الذين صلبوه وقال ” يا أبتاه اغفر لهم، لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون” (لو 23: 34). وفي مجال هذا الحب، غفر للص المصلوب معه، ووعده بأنه سيكون معه في ذلك اليوم في الفردوس (لو 23: 43).
إنه حب شامل. ليس فقط لتلاميذه الذي قيل عنهم عنه ” أحب خاصته الذين في العالم، أحبهم حتى المنتهى” (يو13: 1). بل كانت قوة الرب في محبته، انه أحدب العالم كله. وهكذا كان فداؤه.
قوى في فدائه
وكان فداؤه نابعًا من حبه، فقد قال ” ليس لأحد حب أعظم من هذا: أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه” (يو15: 12). وقيل ” هكذا أحب الله العالم، حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية” (يو3: 16). وقيل ” في هذا هي المحبة. ليس أننا نحن أحببنا الله، بل إنه هو أحبنا، وأرسل ابنه كفارة لخطايانا” (1يو 4: 10).
وقوة فداء الله لنا، كانت في محبته لنا. وأيضًا لأنه كان فداءً كافيًا لمغفرة جميع الخطايا، لجميع الناس، في جميع العصور.
وأيضًا في الفداء ظهرت قوته في اتضاعه.
ذلك لأنه من أجل خلاصنا ” أخلى ذاته، وأخذ شكل العبد، صائرًا في شبه الناس. وإذ وُجد في الهيئة كإنسان، وضع ذاته وأطاع حتى الموت موت الصليب” (في 2: 7، 8).
وهنا نذكر نقطة أخرى في قوته وهي احتماله
قوى في احتماله
نقول عنه في القداس الإلهي ” احتملت ظلم الأشرار”. ذلك أنه احتمل الانتقادات المريرة، والاتهامات الشريرة التي وجهت إليه.
اتهموه بأنه ” أكول وشريب خمر”، وإنه يعاشر العشارين والخطاة. واتهموه بانه ناقض الشريعة، وإنه كاسر السبت، وأنه ضد قيصر، وإنه ببعلزبول يخرج الشياطين. بل تصوروا أن يصل المر بهم أن يقولوا له ” أليس حسنًا قلنا إنك سامري وبك شيطان” (يو8: 48)!!
كل هذا دون أن يرد عليهم بما يستحقونه من عقوبة. وإنما كما يقول عنه إشعياء النبي في نبوته ” ظُلم، أما هو فتذلل ولم يفتح فاه. كشاه تساق إلى الذبح، وكنعجة صامتة، أمام جازيها، فلم يفتح فاه (إش53: 7).
احتمل أيضًا التحدي وقت الصليب ” خلّص آخرين، أما نفسه فلم يقدر أن يخلصها” ” لو كنت ابن الله انزل عن الصليب، فنؤمن بك” ” يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام خلّص نفسك” (مت27: 40 ــ 43).
في قوة احتمل الجلد، واللطم، والاستهزاء، ولم يردّ وجهه عن خزي البصاق. واحتمل الشوك والمسامير والعار. واحتمل خيانة أولئك الناس الذين فعل معهم الخير، فانفضوا من حوله وطالبوا بصلبه. واحتمل أيضًا آلام الصليب، وكل ما قيل عنه في مزمور22.
ولذلك نسبحه في أسبوع الآلام، ونقول له في كل ساعة ” لك القوة والمجد
Ywk Te ]jom
وكان قويًا في مغفرته للخطايا وهي لا تتفق مع طبيعته كقدوس:
قوي في مغفرته
لقد غفر للكل، منذ آدم وحواء، وعبر العصور إلى نهاية الأيام لكل الذين يؤمنون ويتوبون.
غفر للقائد لونجينوس الذي طعنه بالحربة على الصليب، وقاده إلى الإيمان وعلى الاستشهاد، وكتب اسمه في السنكسار. وكذلك لأريانوس وإلى أنصنا أشد الولاة اضطهادًا للكنيسة أيام ديوقلديانوس، وصار هو الآخر شهيدًا وكتب اسمه في السنكسار.
وفي قوة مغفرته غفر للزانية التي بللت قدميه بدموعها (لو7)، وللمرأة التي ضبطت في ذات الفعل (يو8). وغفر لزكا العشار ودخل بيته، وقال اليوم حصل خلاص لأهل البيت (لو19: 9). وغفر للتائبين الذين حولهم إلى قديسين أمثال أوغسطينوس، وموسى الأسود، ومريم القبطية، وبيلاجية، وعلى كثيرين من أمثالهم…
إنه حقًا قوى في مغفرته. غفر في القديم، ولا يزال يغفر…
وقد غفر للشيوعيين الذين أنكروا وجوده، وقادهم للإيمان. وغفر للذين أتوا إليه في الساعة الحادية عشرة من النهار (مت20: 9)، وصاروا رمزًا للذين يتوبون في آخر حياتهم كاللص اليمين..
أولاد الله أقويَاء
أخيرًا إن كان هكذا قويًا في كل شيء، فيجب أن نكون نحن أيضًا أقوياء، لأننا خلقنا عن صورته، ولأننا أولاده.
المفروض في أولاد الله أن يكونوا أقوياء، وهذا لا يمنع من ان يكونوا متواضعين وودعاء. ففي التواضع أيضًا قوة. يكونون أقوياء في شخصيتهم، وفي سيرتهم الفاضلة، في غير كبرياء ولا خيلاء، ولا افتخار بالنفس.
أقوياء في مواجهة الخطية والانتصار عليها، كما يقول القديس بطرس الرسول ” اصحوا واسهروا لأن إبليس خصمكم كأسد يزأر، يجول ملتمسًا من يبتلعه هو. فقاوموه راسخين في الإيمان” (1بط5: 8، 9).
وحتى الشباب يمتدح القديس يوحنا الرسول سيرتهم وقوتهم فيقول ” كتبت إليكم أيها الأحداث لأنكم أقوياء، وكلمة الله ثابته فيكم، وقد غلبتم الشرير” (1يو 2: 14).
حقًا إن حياة البر تحتاج منا إلى قوة. وفضيلة ضبط النفس تحتاج إلى قوة. والثبات في الرب يحتاج إلى قوة. فكونوا أقوياء.
كونوا أيضًا أقوياء في خدمتكم، وفي بناء الملكوت..
تكون لكم قوة الكلمة، وتأثيرها على الآخر. وتكون لحياتكم المقدسة قوة جذب للآخرين إلى حياة القداسة.
وفي خدمتكم للآخرين تكون لكم قوة المحبة التي تهتم بكل نفس وخلاصها. فتحبون الناس كما أحبكم الله، وكما يحبهم الله أيضًا، وتقولون مع بولس الرسول ” من يعثر، وأنا لا ألتهب” (2كو11: 29).
تكون لكم قوة في العطاء والبذل.
وتكون لكم قوة الاحتمال. كما قال القديس بولس الرسول ” يجب علينا نحن الأقوياء أن نحتمل ضعفات الضعفاء، ولا نرضي أنفسنا” (رو15: 1). ذلك لأن الذي يحتمل هو القوي بلا شك. أما الذي لا يحتمل ويثور ويضج، فهو ضعيف من الداخل..
أولاد الله كانوا أقوياء. وهكذا كان أبطال الإيمان.
نذكر القديس أثناسيوس الرسولي الذي دافع بكل قوة عن الإيمان، واحتمل النفي أكثر من مرة ومؤامرات الأريوسيين، حتى قيل له إن العالم ضدك. فأجاب وأنا أيضًا ضد العالم. فأعطوه لقب Contra Mondum وظل قويًا راسخًا حتى سلّمنا الوديعة سالمة. أيضًا القديس اسطفانوس الشماس الأول كان قويًا في نشره للمسيحية حتى أنه واقف أمام ثلاثة مجامع من الفلاسفة، وقيل في ذلك إنهم ” لم تقدروا أن يقاوموا الحكمة والروح الذي كان يتكلم به” (أع6: 10). وكان قويًا أيضًا في استشهاده، إذ قيل عنه في محاكمته ” فشخص إليه جميع الجالسين في المجمع، ورأوا وجهه كأنه وجه ملاك” (أع6: 15).
هناك قوة الشخصية، وقوة العلاقة مه الله الذي تستمد منه كل القوة. كما قال القديس بولس الرسول:
” أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني” (في4: 13).
وكما وعد السيد المسيح قائلًا ” كل شيء مستطاع للمؤمنين” (مر9: 23). فإن كنت لك قوة في إيمانك، حينئذ يكون كل شيء مستطاع لك بنعمة الله العاملة فيك. وكلما نلت قوة، اتضع بالأكثر. لأن القوة ليس منك، بل من الله معطيها.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثانية والثلاثون – العددان 37، 38 (3-12-2004م)



