صفات الله تتكامَل كلهَا مَعًا

صفات الله تتكامَل كلهَا مَعًا[1]
إلهنا القدوس الصالح الذي تجتمع فيه كل الصفات الجميلة، الذي تغنى به المرتل في المزمور وقال ” من الآلهة يشبهك يا رب؟! من مثلك؟!” (مز71: 19) (مز89: 8).. هو الله الذي تتكامل فيه كل الفضائل، حتى التي تتناقض عند بني البشر.
فيه يجتمع اللطف مع الصرامة، كما قال الرسول ” هوذا لطف الله وصرامته. أما الصرامة فعلى الذين سقطوا. أما اللطف فلّك إن ثبت في اللطف، وإلا فأنت أيضًا ستُقطع” (رو 11: 22).
فيه تجتمع الوادعة والحزم، وتجتمع البساطة والحكمة، ويجتمع المجد مع التواضع، والعفو مع العقوبة، والخدمة مع التأمل، والصمت مع الكلام، والقوة مع عدم استخدامها.. ولنتحدث عن كل هذه بالتفاصيل:
الوداعة والحَزم
من جهة الوداعة: هو الذي قال ” تعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحة لنفوسكم” (مت11: 29). وقيل عنه في وداعته، إنه كان ” لا يخاصم وال يصيح، ولا يسمع أحد في الشوارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة مدخنة لا يطفئ” (مت12: 19، 20).. وهو أيضًا الذي مدح الوداعة وقال ” طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض..” طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يُدعون” (مت5: 5، 9).
وفي وداعته – عندما أراد هيردوس الملك أن يقتل أطفال بيت لحم… هرب مع أمه إلى مصر (مت2) مع انه كان يستطيع أن يضع نهاية لذلك الملك، ولكنه لم يفعل…
وفي وداعة مثل أمام بيلاطس الوالي لكي يحاكمه! وكان صامتًا لا يدافع عن نفسه، حتى قيل عنه في سفر إشعياء النبي ” ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ” (إش53: 7).
أما من جهة الحزم: فقد قام بتطهير الهيكل ” أخرج جميع الذين كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل، وقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام. وقال لهم: مكتوب بيتي الصلاة يُدعى وأنتم جعلتموه مغارة لصوص” (مت 21: 12، 13).
كذلك فإنه وبّخ قادة الشعب من الكتبة والفريسين وقال لهم: “ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون. لأنكم تغلقون ملكوت السموات قدام الناس. فلا تدخلون أنتم ولا تدعون الداخلين يدخلون” “ويل لكم أيها القادة العميان..” (مت23: 13، 16).
وأيضًا وبخ كهنة الشعب في أيامه، وضرب لهم مثل الكرامين الأردياء. وقال لهم إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تصنع ثماره” (مت 21: 43). كذلك أفحم الصدوقيين والناموسين (مت22).
وحتى تلاميذه كان أحيانًا يوبخهم في حزم. مثلما طلب اثنان منهم أن ينزل نارًا من السماء ــــ كما فعل إيليا ــــ لكي يحرق مدينة للسامريين رفضته. فقال لهما في انتهار ” لستما تعلمان من أي روح أنتما. لأن ابن الإنسان لم يأت ليهلك أنفس الناس بل ليخلص” (لو9: 55، 56). وأيضًا انتهر تلميذه بطرس وقال له ” اذهب عني يا شيطان..” (مت 16: 23).
البسَاطة والحكمَة
كان السيد المسيح بسيطًا بطبيعته. وكان تعليمه بسيطًا بعيدًا عن أي تعقيد، يفهمه الصغير والكبير، المتعلم والجاهل. وفي بساطة كان يعلّم: في الحقول، وفي الطريق، وفي الخلاء على الأرض، ومن على الجبل، وعلى شاطئ البحيرة. ويتكلم بأمثال لتسهيل الفهم على السامعين.
وفي بساطة كان يقبل الأطفال ويحتضنهم ويضع يديه عليهم ويباركهم، ويقول دعوا الأطفال يأتون إلى ولا تمنعوهم” (مر10: 14، 16).
ومن جهة الحكمة، كان هو أقنوم الحكمة ” قوة الله وحكمة الله” (1كو 1: 24). وحينما كان يكلم الجموع كانوا يبهتون من تعليمه، لأنه كان يعلمهم بسلطان وليس كالكتبة (مت 7: 28، 29).
وعندما سأله اليهود ” أيجوز أن نعطى جزية لقيصر أم لا؟ عرف خبثهم وأجاب بحكمة قائلًا ” أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله” (مت22: 17 – 21). فلما سمعوا تعجبوا من إجابته، وصار قوله هذا حكمة..
المجد وَالتواضع
مجده معروف، هذا الذي قال عنه الرسول ” تسجد له كل ملائكة الله (عب1: 6) وأيضًا قبل عنه ” كرسيك يا لله إلى دهر الدهور. قضيب استقامة هو قضيب ملكك”.. وأنت يا رب أسست الأرض، والسموات هي عمل يديك هي تبيد ولكن أنت تبقى” (عب 1: 8، 10).
وقد ظهر شيء من مجده على جبل التجلي (مر9). وكذلك عندما ظهر ليوحنا الحبيب في جزيرة بطمس ” عيناه كلهيب نار، ووجهه كالشمس وهي تضيء في قوتها”. حتى أن هذا الرسول العظيم قال ” فلما رأيته، سقطت عند رجليه كميت” (رؤ1: 14 -17). وقد ظهرت هيبته حتى عندما جاء الجند ليقبضوا عليه. لما قال لهم ” أنا هو” رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض” (يو18: 6). ومن هيبته أيضًا قال لبيلاطس أثناء محاكمته ” لست أجد فيه علّة واحدة” وأراد أن يطلقه (يو18: 38، 39).
ومن مجده وهيبته، كان ينتهر الشياطين ويخرجهم، وكانوا يصرخون قائلين له ” أجئت قبل الوقت لتعذبنا” (مت 8: 29). وفي التجربة على الجبل، لما انتهر الشيطان قائلًا ” أذهب يا شيطان ” ذهب إبليس، وإذا ملائكة قد جاءت فصارت تخدمه” (مت 4: 10، 11).
ومع كل هذا المجد ظهر تواضعه في أنه وُلد في مزود بقر، وعاش على الأرض بلا وظيفة ولا مسكن. وقد أخلى ذاته وأخذ شكل العبد (في2: 7) ولم يكن له أين يسند رأسه (لو 9: 58).
وفي تواضعه سمح للشيطان أن يجربه، واستطاع بطرس أن ينتهره قائلًا له حاشاك يا رب” (مت 16: 22). وفي تواضعه احتمل ظلم الأشرار.
العفو وَالعقوبة
ما أكثر ما نقرأ في الإنجيل عن عفوه ومغفرته، فقد غفر للخاطئة التي بللت قدميه بدموعها ومسحتهما بشعر رأسها وقال عنها لسمعان الفريسي أنه غُفر لها الكثير لأنها أحبت كثيرًا (لو 7: 47). كما غفر للمرأة التي ضُبطت في ذات الفعل، وأراد اليهود رجمها فأنقذها منهم. وقال لها ” وأنا أيضًا لا أدينك. أذهبي ولا تخطئي أيضًا” (يو8: 4 ــــ 11). بل أكثر من هذا كله غفر لصالبيه والتمس لهم عذرًا. وقال ” اغفر لهم يا أبتاه، لنهم لا يعلمون ماذا يفعلون” (لو 23: 34).
وقال “اغفروا يغُفر لكم” (لو 6: 37) “وإن لم لم تغفروا للناس زلاتهم، لا يغفر لكم أبوكم أيضًا زلاتكم” (مت 6: 15). وعندما سأله بطرس الرسول “كم مرة يا رب يخطئ إليّ أخي وأنا أغفر له؟ هل إلى سبع مرات؟” أجابه “بل إلى سبعين مرة سبع مرات” (مت18: 21، 22) أي إلى ما لا يُحصى من المرات..
ومعروف كيف أنه غفر لزكا العشار، ودخل بيته وقال اليوم حصل خلاص لأهل هذا البيت” (لو 19:9).
ومع ذلك، فقد تحدث أيضًا عن العقوبة. وقال ” إن لم تتوبوا، فجميعكم كذلك تهلكون” (لو 13: 3، 5). وقال لليهود ” ستطلبونني وتموتون في خطيتكم. حيث أمضي أنا، لا تقدرون أنتم أن تاتوا.. لأنكم إن لم تؤمنوا إني أنا هو، تموتون في خطاياكم” (يو 8: 21، 24).
بل أكثر من هذا قال في العقوبة ” من قال لأخيه يا أحمق، يكون مستوجب نار جنهم” (مت5: 22). وما أكثر العقوبات التي ذكرها في (رؤ8). وذكر قائمة لمن مصيرهم في بحيرة النار والكبريت (رؤ21: 8).
الخدمَة والتأمل
هناك أشخاص ينهمكون في الخدمة، بحيث لا يكون لهم وقت للخلوة والتأمل. وآخرون يتفرغون للوحدة والتأمل، ولا يكون لهم أي مجال في الخدمة، أما السيد المسيح فجمع بين الأمرين معًا.
من جهة الخدمة: كان يطوف المدن والقرى يكرز ببشارة الملكوت ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب (مت4: 23).
وكان يعلّم في كل مكان، ويتلمذ مجموعة من الرسل تنشر الملكوت على الأرض.
وقد اهتم في خدمته بالكل، بالكبار والصغار، بالنساء والأطفال، بالعشارين والخطاة. واهتم بالمرضى فكان يشفيهم ويمنح البصر للعميان، ويخرج الشياطين من المصروعين. وأيضًا شملت خدمته الجياع وأطعم الجموع في معجزة الخمس خبزات والسمكتين وغيرها.. وأقام من الموت ابنة يايرس، وابن أرملة نايين، ولعازر.
وبلغ من نجاح خدمته أن الفريسيين قالوا عنه ” هوذا العالم قد ذهب وراءه” (يو 12: 19).
وعلى الرغم من خدمته الواسعة، اهتم أيضًا بالصلاة والخلوة والتأمل وكانت له خلوات في بستان جثسيماني وعلى جبل الزيتون. وما أجمل ما قيل عنه إنه ” مضى كل واحد إلى بيته. أما يسوع فمضى إلى جبل الزيتون” (يو8: 1). وقيل إنه ” خرج ومضى إلى موضع خلاء وكان يصلي” (مر1: 35) وأنه ” مضى إلى الجبل ليصلي” (مر6: 46) وإنه ” كان يعتزل في البراري ويصلي” (لو 5: 16) وإنه “فمضى الليل كله في الصلاة” (لو 6: 12، 13) وذلك قبل اختياره لتلاميذه الإثنى عشر.
وقد سجل لنا إنجيل مناجاته للأب في (يو17). وكان من تعاليمه أنه ينبغي أن يُصلي في كل حين ولا يُمل” (لو 18: 1).
وكان يجمع بين القوة في استخدامها أو عدم استخدامها.
تظهر قوته في الخلق، إذ ” كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان” (يو1: 23، 10). وقد خلق مادة جديدةٍ في معجزة تحويل الماء إلى خمر في عرس قانا الجليل (يو 2). وكذلك في منح البصر للمولود إلى خمر في عرس قانا الجليل (يو2). وكذلك في منح البصر للمولود أعمى (يو9). ولا ننسى قوته فغي المشي على الماء، ومساعدة تلميذه بطرس في المشي معه (مت14: 25، 29). ومعجزته العجيبة في قدرته على القيامة وخروجه من القبر وهو مغلق. وأيضًا دخوله على التلاميذ في العلية والأبواب مغلقة (يو20: 19). وقوته في صنع الآيات والعجائب.
ولكنه في بعض الأوقات لم يشأ أن يستخدم قوته. فتركهم يقبضون عليه. واحتمل اللطم والجلد دون أن يقاوم..
الصّمت والكلام
كان أحيانًا يصمت، كما في وقت محاكمته سواء من مجلس السنهدريم أو من بيلاطس. وكان في مجال التعليم يعلّم بكل تأثير وسلطان، وكانوا يلقبونه بالمعلم الصالح.
وفي بعض الأحيان كان يصمت ولا يعلن عن لاهوته. وفي أوقات أخرى كان يقول ” أنا هو” كما في إنجيل يوحنا ” أنا هو الراعي الصالح” (يو10) ” أنا والآب واحد” (يو10: 3) ” أنا في الآب والآب فيّ” (يو14: 10) “أنا جئت نورًا إلى العالم. حتى كل من يؤمن بي لا يمكث في الظلمة” (يو12: 46).. “أنا هو القيامة والحياة. من آمن بي ولو مات فسيحيا” (يو11: 25). “أنا هو الطريق والحق والحياة (يو14: 6).. والأمثلة كثيرة…
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الخامسة والثلاثون – العددان 9، 10 (23-3-2007م)





