صفات الله المتكاملة

صفات الله المتكاملة[1]
كنا في المرات السابقة نتحدث عن “صفات الله”، وعن فاعلية هذه الصفات في حياتنا…
- ونريد الليلة أن نتابع حديثنا فنتكلم عن “صفات الله المتكاملة”.
ما معنى صفات الله المتكاملة؟
إنه من الخطورة أن نسلك بطريقة الفضيلة الواحدة أو الصفة الواحدة، وإنما لابد أن نعرف الله من كل النواحي ومن كل الصفات لكي نخرج بتعليم سليم لحياتنا.
لقد ذكرني بهذا سؤال أرسله أحد المستمعين يقول. هل يدافع الشخص عن نفسه؟ أم يترك هذا الأمر إلى الله؟
وهذا الإنسان ينظر إلى السيد المسيح أثناء المحاكمة فيجده لا يدافع عن نفسه… تُهم كثيرة وجهت إليه قابلها بصمت فلم يدافع عن نفسه… وكما قال الكتاب “كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا… هكذا لم يفتح فمه… فهل معنى هذا ألا ندافع عن أنفسنا…؟”.
- من الخطأ أن تأخذ جزءًا من الكتاب المقدس وتترك أجزاء… إنه في أوقات كثيرة كان السيد المسيح يُتهم باتهامات، وكان يدافع ويتكلم عن الحق، لقد اتهموه بأنه يكسر السبت، ودافع عن نفسه وأثبت أنه يحل فعل الخير في السبوت، وعندما كان يفعل المعجزات ويوبخونه، كان يقول… إن وقع حمارك يوم سبت ألا تقيمه؟ … وهكذا كان يثبت أن تصرفه لم يكن خاطئًا.
وهناك أيضًا مناقشات كثيرة حدثت بين اليهود والسيد المسيح، وأقنعهم بأن تصرفه لم يكن خاطئًا.
عندما كان تلاميذه لا يغسلون أيديهم عند الأكل، دافع عنهم وقال… إن ما يدخل الفم لا ينجس الإنسان، ولكن ما يخرج من الفم مثل الكذب والتجديف ينجس الإنسان، فلا ذنب عليهم.
هناك مواقف تستدعي الدفاع، ومواقف لا يصح الدفاع فيها… والمسألة تحتاج إلى إفراز:
متى يصح الدفاع، ومتى لا يصح؟
- لقد دافع بولس أحيانًا عن نفسه وقال… إلى قيصر أنا أرفع دعواي وأمر أن يرفع الموضوع إلى قيصر، ومرة قال لهم… هل يجوز أن تجلدوا رجلًا رومانيًا غير مقضي عليه… أنا لدي جنسية رومانية وعندما اعتذر الوالي الروماني لم يقبل اعتذاره.
إذًا فهناك مواقف يمكن أن يدافع فيها الإنسان وأخرى لا يدافع فيها… والموضوع يحتاج إلى حكمة وإفراز… توجد مواقف تستدعي أن يتكلم الإنسان، ومواقف تتطلب منه ألا يتكلم.
ليس من الصواب أن ترى السيد المسيح صامتًا ساعة الصلب فتقول أن هذه قاعدة عامة…
لقد كان السيد المسيح يوبخ أحيانًا وينتهر… لا تأخذ فضيلة واحدة وتترك بقية الفضائل.
لقد قبل السيد المسيح المرأة الزانية ولم يدنها على تصرفها… أنا أيضًا لا أدينك… اذهبي بسلام… وقبل المرأة السامرية، والمرأة الخاطئة التي بللت قدميه بدموعها، وكان يأكل مع العشارين والخطاة… فهل نأخذ من هذا قاعدة عامة؟
- لقد كان السيد المسيح لا يوبخ في بعض المواقف، وفي مواقف أخرى كان يوبخ… لقد وبخ الفريسيين قائلًا… ويل لكم أيها الفريسيون المراؤون… قال… بيتي بيت الصلاة يدعى وأنتم جعلتموه مغارة لصوص… كما وبخ الكهنة أيضًا.
إن عيب الإنسان هو أن يأخذ جزءًا ويترك بقية الأجزاء، أو يأخذ جزءًا من الحقيقة ويترك بقية الحقائق… يجب ألا نسير بالآية الواحدة والفضيلة الواحدة والتصرف الواحد… الذي يجب هو أن نأخذ الدين كله… نأخذ الإنجيل كله وليس آية واحدة.
علينا أن ندرس شخصية السيد المسيح كلها، وليس جانبًا واحدًا منها وتصرفًا واحدًا منها…
علينا أن نعرف متى نتكلم، ومتى نصمت… متى ندافع عن أنفسنا، ومتى لا ندافع…
نعرف متى نوبخ، ومتى لا نوبخ… متى نقبل الخطاة، ومتى ندينهم.
إنه خطأ كبير أن ننظر إلى الحقيقة من زاوية واحدة، لهذا فإن كثيرًا من المسيحيين لا يفهمون المسيحية كما ينبغي.
إنسان يقرأ عن الوادعة ويقول إنه سيسير بالوادعة في حياته… ويظل يتخذ هذه الطريقة التي ربما يفقد فيها الحزم والكياسة في التصرف والحكمة… أن يكون الإنسان هادئًا ووديعًا هذا جزء من الحقيقة… السيد المسيح قال… كونوا ودعاء وكونوا حكماء… وقال… تعلموا مني إنني وديع ومتواضع القلب… ولكن حدث أن فتل حبلًا وقلب موائد الصيارفة، ووبخ التلاميذ.
- هناك تصرفات تحتاج إلى الحزم، ومن الممكن أن يكون الإنسان وديعًا وحازمًا ومتواضعًا ويجمع الشخصية المتكاملة التي تترابط فيها كل الفضائل.
هناك من المواقف إن لم يكن الإنسان حازمًا وشديدًا فيها، فإنه يفقد حياته المسيحية. خذوا مثلًا موسى النبي، الذي قال الكتاب عنه… كان حليمًا جدًا أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض… موسى هذا الحليم الهادئ الذي لا يغضب، عندما نزل من على الجبل ووجد بني إسرائيل يعبدون العجل الذهبي، أمسك باللوحين وكسرهما، وبالعجل وكسره وألقى بفتاته في الوادي، ووبخ هارون، ووبخ الشعب… إنه لم يجعل المسألة تمر بهدوء، بل تصرف بحزم وغضب… إنه الغضب المقدس.
هل نقول في هذا التصرف أن موسى فقد حلمه ووداعته في تلك اللحظة؟ إطلاقًا… ليس معنى الوادعة أن تكون الشخصية ميتة… الوداعة هي الهدوء الغالب على الشخصية… في وقت القوة يكون الإنسان قويًا، وفي الهدوء هادئًا، وفي المواقف التي تحتاج إلى شدة يكون الإنسان شديدًا.
وهل معنى الوادعة أن لا يربي الأب أولاده؟ … هذه ليست وداعة… إنها ضعف في الشخصية، هناك فرق بين الوادعة وضعف الشخصية.
إن الانسان الوديع لابد أن يكون قوي الشخصية… لقد كان السيد المسيح وديعًا جدًا، وفي نفس الوقت قوي الشخصية… لقد جمع بين الإثنين معًا.
- لا يصح أن نأخذ فضيلة ونترك باقي الفضائل… ليس في هذا الشخصية المتكاملة.
لنأت إلى التسامح… إنسان يقول أن السيد المسيح متسامح… أن الله متسامح وغفور ورحيم وحنون وبطئ الغضب… إنه لا يصنع حسب خطايانا ولا يجازينا حسب آثامنا.
إن التسامح صفة من صفات الله… لكن هل معنى هذا أنه لا يعاقب على الخطية؟ … إن هذا فهم خاطئ لربنا.
إنه إذا فهمنا التسامح هكذا، وبالغنا في هذا الفهم وقلنا… أن الذي لا يسامح يعتبر مخطئًا
ولابد من التسامح في كل شيء… إذا قلنا هذا فإنه ربما تضيع حقوق الله، وحقوق الناس، نتيجة هذا الفهم للتسامح.
توجد أحيانًا عقوبات… لقد عاقب الله العالم بالطوفان، وعاقب أهل سدوم بالنار، وعاقب داود عندما وقع في الخطية… لا تبن الهيكل لأن يدك فيها دماء، وسمح لإيليا أن يقتل أنبياء، كما عاقب بني إسرائيل بالنفي والسبي والتشرد.
لقد أوقع الله عقوبات كثيرة.
في العهد الجديد عاقب حنانيا وسفيرا.
وآيات كثيرة عن العقوبة نجدها في الكتاب المقدس… ونجد أن بطرس عندما خجل لأن السيد المسيح يغسل رجليه… فيقول له السيد المسيح… إن لم أغسل رجليك لا يكون لك معي نصيب وفي هذا عقوبة.
فعلينا إذن، إذا أخذنا فكرة عن الله المتسامح، أن نأخذ فكرة عن الله المعاقب، ونضع الصفتين معًا ونخرج بنتيجة. الأب يعاقب ابنه، وتقول الأم أن الله متسامح وغفور… وبمثل هذا الفهم يصبح الابن فاسدًا… إن مثل هذا التسامح ليس صحيحًا.
- الله الغفور… هو أيضًا يعاقب… هو الذي جعل لنا في الآخرة الثواب والعقاب وعلى الأرض أيضًا ثواب وعقاب… هو الذي عاقب آدم وحواء، وما زال يعاقب آدم… بالتعب يأكل خبزه… وحواء بالحمل، وما تزال العقوبة حتى الآن.
لابد أن نفهم الدين بطريقة سليمة… لا تأخذوا جزءًا وتتركوا الباقي.. علينا ألا نأخذ فضيلة ونترك باقي الفضائل… وعلينا ألا نأخذ صفة واحدة من صفات الله ونترك باقي الصفات.
إنسان يقول إن الله محبة… هذا حقيقي… إن الله يحب الناس هذا حقيقي، والمسيح الطيب يأخذ يوحنا في صدره… ولكن الله المحب هو الله الحازم القوي المؤدب والذي يحب الإنسان ويجربه ويؤدبه ويسمح بالضيقات والتجارب.
ليس معنى أن الله محب أنه ليس هناك حزم وعقوبة… أن هذا ليس فهما لله.
- إنني أريد عندما ندرس صفات الله أن نأخذها كلها… عندما نأخذ حياة السيد المسيح في الجسد قدوة لنا، لابد أن نأخذ حياته كلها وليس موقفًا وتصرفًا واحدًا منها.
وعندما نقتدي بالقديسين، علينا ألا نأخذ قصة وموقفًا واحدًا بل نأخذ كل المواقف حتى لا نقع في الخطأ وعدم فهم للدين.
وعندما نحكم على الناس أيضًا لا يصح أن نحكم بآية واحدة عليهم، إنما نحكم بالكتاب كله،
ومن أجل هذا يقول الكتاب… لا تدينوا… علينا أن نحكم على الإنسان كله، وعندما نجد شخصًا يؤدب ويضرب فلا تقولوا أن هذا غير صحيح.
إن الشخص الروحي القوي نجده في وقت يسامح ويحب، وفي وقت آخر يضرب… وهو في نفس الوقت محب ورحيم وغير متناقض مع صفاته.
ولو أن الله ظل في تسامح كامل وسامح الأقوياء الذين يفتكون بالضعفاء، وسامح الظالمين المغتصبين لحقوق غيرهم، لضاع الضعفاء والمظلومون.
إن صفات الله متكاملة مع بعضها… وعلينا ألا نأخذ صفة واحدة منها… فإذا قلت أن الله رحيم، فعليك أن تقول أيضًا إنه عادل… إن رحمة الله لا تنفصل عن عدله، وعدله لا ينفصل من رحمته.
لابد أن نأخذ الصفات كلها… كثيرون يفهمون التسامح بطريقة خاطئة، وممكن أن يؤدي هذا التسامح الخاطئ إلى كثرة الأخطاء فيصل الناس إلى اللامبالاة والاستباحة ويضيع المجتمع… وتضيع الكنيسة… والكتاب يقول… إن الذين يخطئون وبخهم أمام الجميع ليكون هناك خوف… فهل نحذف هذه الآية؟
الدين هو حياة متكاملة في الصفات، لا يتطرف الإنسان فيه في صفة واحدة ويترك باقي الصفات، وإلا يضيع.
ولو أن الإنسان سار بآية واحدة مثل… صلوا كل حين ولا تملوا… لو أن الإنسان سار على هذه الآية… هل المعنى أن يترك وظيفته؟ … على الإنسان ألا يأخذ آية واحدة ويترك الباقي، فإن الذي يأخذ نصف الحقيقة يضيع نفسه.
هناك مثلًا من يطيلون شعورهم قائلين إن السيد المسيح كان يطيل شعره…
إن السيد المسيح لم يكن يتجمل، وكان الناس كلهم في ذلك الوقت يطيلون شعورهم، وأيضًا كان السيد المسيح نذيرًا للرب لا يصح أن نأخذ جزءًا من الحقيقة ونترك الباقي… إننا في كل تصرف من التصرفات يجب أن نأخذ الحقيقة كلها مجتمعة، لتعطينا فكرة سليمة، لأن أنصاف الحقائق لا تكون حقيقة واحدة.
عليكم أن تأخذوا الدين متكاملًا. الإنسان الذي يتطرف في فضيلة يضيع.
في الصوم مثلًا… إنسان يتطرف في الصوم ويقول أنا في هذا أقتدي بالقديسين… إن القديسين لم يقولوا هذا، ليس معنى الصوم أن تصاب بالضعف فلا تستطيع أن تؤدي واجبك.
إن الصوم فضيلة واحدة… ولابد أن تأخذ الفضائل كلها معًا… نحن نرجو في بحثنا لكل الفضائل أن نأخذها كلها مجتمعة، بحيث لا نأخذ فضيلة ونترك باقي الفضائل.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 9-9-1973م



