صفات الله العجيبة

صفات الله العجيبة (5)
تحدثنا في الأعداد الماضية عن الله الخالق. والله القوي. والله القدوس. والله الحافظ، ونحدثك اليوم عنه بصفته
أَبْرَعُ جَمَالًا مِنْ بَنِي الْبَشَرِ (مز45: 2)[1]
جميل ومحب للجمال
إنه الله كامل في كل شيء، والجمال فرع من كماله إنه جميل في كماله، وكامل في جماله…
قيل عنه في المزامير إنه “أبْرعُ جَمالًا مِنْ بَني البَشَرِ” (مز45: 2). وقيل إنه “نُورٍ لاَ يُدْنَى مِنْهُ” (1 تي6: 16)، وأنه “النُّورُ الْحَقِيقِيُّ” (يو1: 9). اشتهى داود جمال الرب فقال “وَاحِدَةً سَأَلْتُ مِنَ الرَّبِّ وَإِيَّاهَا أَلْتَمِسُ: أَنْ أَسْكُنَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي لِكَيْ أَنْظُرَ إِلَى جَمَالِ الرَّبِّ وَأَتَفَرَّسَ فِي هَيْكَلِهِ” (مز27: 4). مبهرًا كان جمال الرب على جبل التجلي (مر9). وحينما ظهر للقديس يوحنا الرسول كان وجهه كالشمس وهي تضئ في قوتها” (رؤ1: 16).
ما أجمل ما قيل عن سيدنا يسوع المسيح في سفر النشيد ” طَلْعَتُهُ كَلُبْنَانَ. فَتًى كَالأَرْزِ. حَلْقُهُ حَلاَوَةٌ وَكُلُّهُ مُشْتَهَيَاتٌ” (نش5: 15، 16) ” رَأْسُهُ ذَهَبٌ إِبْرِيزٌ… عَيْنَاهُ كَالْحَمَامِ عَلَى مَجَارِي الْمِيَاهِ، مَغْسُولَتَانِ بِاللَّبَنِ” (نش5: 11، 12). وقالت عنه الكنيسة “حَبِيبِي أَبْيَضُ وَأَحْمَرُ” (نش5: 10). أبيض في نقاوة قلبه، واحمر بالدم الكريم الذي سكبه لأجلنا…
ولأن الله جميل ويحب الجمال، ظهرت محبته للجمال في الخليقة التي خلقها.
نبدأ بأن نذكر جمال الملائكة. صدقوني، حتى الشيطان قيل عنه إنه كان قبل سقطته إنه كان “مَلآنٌ حِكْمَةً وَكَامِلُ الْجَمَالِ” (حز28: 12) … السماء كانت جميلة وكذلك الأرض. “وقد نظر (وَرَأَى) اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا” (تك1: 31) انظروا إلى القمر في السماء كم هو جميل حينما يكمل. لذلك إذا وصفوا إنسانًا جميلًا، يقولون إنه مثل القمر. والشمس أجمل بكثير من القمر، بل أن القمر يستمد نوره وجماله منها. كذلك جمال النجوم حيث لأَنَّ نَجْمًا يَمْتَازُ عَنْ نَجْمٍ فِي الْمَجْدِ (1كو15: 41).
والأرض خلقها الله جميلة جدًا.
بكل ما فيها من بحار وبحيرات وأنهار، وأشجار وثمار وأزهار… وبما فيها من جبال ووديان وسهول، ومناظر عجيبة تدل على إبداع الخالق ومحبته للجمال. حتى أن أمير الشعراء أحمد شوقي تغنى بهذه الطبيعة في قصيدة مطلعها:
هذي الطبيعة قف بنا يا ساري
حتى أريك بديع صنع الباري
حقًا، ما أجمل منظر الطبيعة وقت الغروب ووقت الشروق. وما أجمل منظر قوس قزح بألوانه المتعددة. ما أجمل ألوان الزهور والورود والرياحين، متناسقة، وهي جميلة في تعدد أنواعها، وفي جمال رائحتها. لا يمكن أن تضاهيها الزهور الصناعية مهما افتن الإنسان في صنعها، وتبقى بلا حياة بلا رائحة بلا ليونة… من محبة الله للجمال. حينما خلق الإنسان وضعه في جنة. بكل ما تحمل كلمة جنة من جمال. وما يضفيه هذا الجمال من الرقة ومن الشعور بالسعادة. كان كل ما فيها جميلًا: الزهر والطير، والشجر والثمر، والطبيعة الخلابة…
والإنسان نفسه خلقه الله جميلا.
يكفي ما قيل عنه في الكتاب إن الله خلقه على صورته، كشبهه ومثاله (تك1: 26، 27). كانت حواء جميلة جدًا، بل أجمل امرأة في الوجود. لم تستحق هذا الوصف بعدها سوى القديسة العذراء مريم. وكان آدم جميلًا أيضًا. ولم تشوه جمال الإنسان سوى الخطية. ولكنه في البدء لم يكن كذلك. لقد خلقه الله جميلًا.
وكثير من الأنبياء والقديسين وصفهم الكتاب بالجمال.
يوسف الصديق كان جميلًا، قيل عنه إنه “كَانَ يُوسُفُ حَسَنَ الصُّورَةِ وَحَسَنَ الْمَنْظَرِ” (تك39: 6). وموسى النبي إنه “كَانَ جَمِيلاً جِدًّا” (أع7: 20) (عب11: 23). ولعل هذا مما جعل ابنة فرعون تأخذه معها إلى قصرها وتتبناه، فدُعيَ ابن ابنة فرعون (عب11: 24). وداود النبي كان أيضًا جميلًا “كَانَ أَشْقَرَ مَعَ حَلاَوَةِ الْعَيْنَيْنِ وَحَسَنَ الْمَنْظَرِ” (1صم16: 12، 18) وسارة زوجة أبينا ابراهيم كانت جميلة وهي في التسعين من عمرها، لدرجة أن أَبِيمَالِكُ مَلِكُ جَرَارَ أخذها إلى بيته لتكون له امرأة (تك20: 2). وبنات أيوب الصديق اللائي ولدن له بعد التجربة، قال الكتاب عنهن “وَلَمْ تُوجَدْ نِسَاءٌ جَمِيلاَتٌ كَبَنَاتِ أَيُّوبَ فِي كُلِّ الأَرْضِ” (أي42: 15).
اتصف كل هؤلاء بجمال الجسد، وجمال الروح أيضًا.
ولعلنا نذكر من هذا المثال: أَسْتِيرُ التي كانت أجمل نساء عصرها، حتى أنهم اختاروها زوجة للملك أَحَشْوِيرُوشَ “وَكَانَتِ الْفَتَاةُ جَمِيلَةَ الصُّورَةِ وَحَسَنَةَ الْمَنْظَرِ” (إس2: 7، 9) “كَانَتْ أَسْتِيرُ تَنَالُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْ كُلِّ مَنْ رَآهَا” (إس2: 15). وهي القديسة التي صامت، ودعت الشعب كله إلى الصوم، وانقذت شعبها، وكان الله معها (إس4: 16).
وأعظم مثل نسائي في جمال الصورة وجمال الروح أيضًا هو القديسة العذراء مريم.
إنك تنظر إلى صورة العذراء، فتجدها جميلة. ولكن ليس بمثل الجمال العادي. وإنما جمال الروح أضفى على صورتها لونًا من الجمال الروحي. يظهر في صورتها ما في قلبها من وداعة وبساطة وعفة وهدوء وسلام، وباقي الفضائل الجميلة.
إن الجمال هبة من الله، تزداد بهاء “بجمال الفضيلة في الروح”
ملامح الوجه تكشف عن حالة الروح من خير أو شر، وتكشف مشاعر القلب. وبخاصة العين فهي مرآة لكل الأحاسيس الداخلية في الإنسان. إن كان في قلبه حب أو شهوة، يظهر ذلك في عينيه. وإن كان في قلبه غضب أو حقد أو رغبة في الانتقام، يظهر في عينيه أيضًا. ما في القلب من قسوة أو من طيبة تكشفه العين. وما في القلب من خوف أو من شجاعة تظهره العين…
كذلك القداسة والطهر والنقاوة كلها تظهر في ملامح الوجه وفي نظرات العينين. لهذا ما أجمل ما قاله القديس يوسف للقديس الأنبا انطونيوس الكبير “يكفيني مجرد النظر إلى وجهك يا أبي” فحينما خلق الله الإنسان خلقه جميلًا جسدًا وروحًا.
بالخطية فقد الإنسان هذا الجمال. وجاء السيد المسيح يقدم لنا الصورة الإلهية التي فقدها الإنسان. إذ أنه “صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ” (كو1: 15) “وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ” (عب1: 3). قدم لنا الكمال في الجمال، صورة وروحًا.
والله المحب للجمال، منح الجمال أيضًا لمخلوقات عديدة. الطيور مثلًا في تعدد أنواعها وأشكالها، وجمال أصواتها وتنوع نبراتها، تعزف للكون موسيقى عجيبة وجميلة ومفرحة. والفراشات في جمال ألوانها، وتنوع صور هذه الألوان تدل على إبداع الخالق فيما وهبها من جمال في عشرات أو مئات الأشكال التي يعجز أي فنان على تصوير مثل تلك المجموعة العجيبة، كذلك الأسماك الملونة بمئات الأشكال والألوان المذهلة، تعطينا فكرة عن الخالق المحب للجمال…
والزهور والورود والرياحين، يكفي في جمالها ما قاله رب المجد عنها: “تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ الْحَقْلِ… وَلاَ سُلَيْمَانُ فِي كُلِّ مَجْدِهِ كَانَ يَلْبَسُ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا” (مت6: 28، 29).
ولم يعط الله الجمال للإناث فقط، بل للذكور أيضًا.
كما قال البعض: إن الأسد أكثر جمالًا في شكله من اللبؤة. والديك أكثر جمالًا من الدجاجة. والفرس أكثر جمالًا من أنثاه. بل منح الرب الجمال لكائنات لا ذكر فيها ولا أنثى. كمناظر الطبيعة.
إن كان الجسد في الأرض له جمال، فماذا نقول عن الأجسام في القيامة.
هذه التي وصفها القديس بولس الرسول بأنها ستقوم في مجد وفي قوة. تقوم أجسامًا روحانية وأجسامًا سماوية (1كو15: 43- 49). بأية صورة جميلة أذن سوف يقيمها الله محب الجمال؟! ما أعجب ما قاله عن ذلك القديس بولس الرسول. إذ قال عن السيد المسيح “… الَّذِي سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ…” (في3: 21) … حقًا ما أجمل وما أبهى “صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ”…
الله المحب الجمال، اهتم أيضًا بأن يكون الجمال أيضًا في بيته. بهذا الجمال وضع مثالًا لخيمة الاجتماع أمام موسى النبي. وصنع موسى كل شيء “كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ مُوسَى”. وتكررت هذه العبارة كثيرًا في سفر الخروج (خر40). بل إن الرب دعا فنانًا عظيمًا هو بصلئيل، وملأه “مِنْ رُوحِ اللهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَكُلِّ صَنْعَةٍ، لاخْتِرَاعِ مُخْتَرَعَاتٍ لِيَعْمَلَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالنُّحَاسِ، وَنَقْشِ حِجَارَةٍ لِلتَّرْصِيعِ، وَنِجَارَةِ الْخَشَبِ، لِيَعْمَلَ فِي كُلِّ صَنْعَةٍ” (خر31: 2- 5).
ولم يكتف الرب بذلك، بل اختار المواد أيضًا، لكي يصنع بصلئيل وأهوليآب “كُلُّ حَكِيمِ قَلْبٍ مِنْ صَانِعِي الْعَمَلِ” بصنع خيمة الاجتماع “مِنْ بُوصٍ مَبْرُومٍ وَأَسْمَانْجُونِيٍّ وَأُرْجُوانٍ وَقِرْمِزٍ بِكَرُوبِيمَ، صَنْعَةَ حَائِكٍ حَاذِقٍ” (خر36: 8).
كذلك اختار من الخشب خشب السنطه الذي لا يسوس، ومن الأحجار الكريمة الذهب والفضة. فكانت أواني المذبح من الذهب النقي. وصنع المنارة من ذهب نقي. وكذلك غطاء تابوت العهد من ذهب نقي، عليه كاروبان باسطين اجنحتهما إلى فوق مظللين على الغطاء(خر37).
وكما في جمال خيمة الاجتماع، جعل الله الجمال في ثياب هرون رئيس الكهنة.
“من الأسمانجوني والأرجوان والقرمز صنعوا الثياب المقدسة لهرون كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ مُوسَى… وصنع الصورة كصنعة الرداء “مِنْ ذَهَبٍ وَأَسْمَانْجُونِيٍّ وَقِرْمِزٍ وَبُوصٍ مَبْرُومٍ” (خر39).
وعجيبة هي أوصاف ملابس هرون في جمالها، هو وكل بنيه، كما أمر الرب، ملابس “لِلْمَجْدِ وَالْبَهَاءِ” (خر28: 40). وعلى أذيال ملابس هرون جلاجل من ذهب. ورمانه جلجل ذهب على أذيال الجبة (خر28: 33، 34). وعلى عمامته صفيحة من ذهب. ينقش عليها نقش خاتم: قدس للرب.
وهكذا قال الرب لموسى “وَاصْنَعْ ثِيَابًا مُقَدَّسَةً لِهَارُونَ أَخِيكَ لِلْمَجْدِ وَالْبَهَاءِ. وَتُكَلِّمُ جَمِيعَ حُكَمَاءِ الْقُلُوبِ الَّذِينَ مَلأْتُهُمْ رُوحَ حِكْمَةٍ، أَنْ يَصْنَعُوا ثِيَابَ هَارُونَ لِتَقْدِيسِهِ لِيَكْهَنَ لِي” (خر28: 2، 3). إن الله المحب للجمال، هكذا ألبس هرون ملابس جميلة وصنعها بنفسه…
نفس الوضع في جمال خيمة الاجتماع عن الهيكل أيضًا، بل وأكثر جدًا.
“وَعَمِلَ سُلَيْمَانُ جَمِيعَ آنِيَةِ بَيْتِ الرَّبِّ: من ذهب: المذبح، والمائدة، والمنائر من ذهب… وَالسُّرُجَ وَالْمَلاَقِطَ مِنْ ذَهَبٍ… وَالْمَجَامِرَ مِنْ ذَهَبٍ خَالِصٍ” (1مل7: 48- 50). وما أكثر النقوش الجميلة التي كانت في الهيكل، وفي الأعمدة وتيجانها وقواعدها… اختير لكل ذلك حيرام الذي “كَانَ مُمْتَلِئًا حِكْمَةً وَفَهْمًا وَمَعْرِفَةً” (1مل7: 13، 14).
ربما يظن البعض أن يكون كل شيء(ببساطة) سواء في البناء أو الملابس… ولكن الله المحب للجمال أراد أن يكون بيته في منتهي الجمال والروعة…
هذا الجمال الذي اتصف به سليمان في عمله وتشييده، جعل ملكة سبأ تنذهل “لَمْ يَبْقَ فِيهَا رُوحٌ بَعْدُ” (1مل10: 5) كان بيت الرب تحفة في الجمال، في بنائه ونقوشه وفي صلواته أيضًا.
ليس فقط الهيكل، إنما أيضًا الخيمة التي وصفت بالقبة ونقول عنها في التسبحة “زينت نفوسنا: يا موسى النبي. بكرامة القبة، التي زينتها”.. كل هذا جعل المؤمنين يسبحون الرب قائلين “مَساكِنُكَ مَحْبوبةٌ يا رَبُّ إلَهَ القُوّات” (مز84: 1). محبوبة في جمال البناء وجمال العبادة.
وهكذا جعل الله الكنيسة جميلة في كل شيء.
جميلة بما فيها من أيقونات جميلة، وجميلة بأنوارها وشموعها وبخورها. وجميلة بأعمدتها الاثني عشر التي تمثل الرسل الاثني عشر، وما للأعمدة من تيجان تمثل أكاليل الرسل. وجميلة بطقوسها وكل ما تحمله هذه الطقوس من معان ورموز. وجميلة بألحانها وموسيقاها وتسابيحها وترانيمها.
من محبة الله للجمال، وهبنا الموسيقى والغناء في عبادتنا كما قال بولس الرسول عن هذه العبادة “… بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ، مُتَرَنِّمِينَ وَمُرَتِّلِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ” (أف5: 19) (كو3: 16).
ما أجمل أن نصلي للرب ونغني له. حتى أن عبارة “سبحوا للرب تسبيحا جديدًا يترجمها البعض غنوا للرب أغنية جديدة”.
كان داود النبي يصلي مزاميره تصحبه جوقة كبيرة من الموسيقيين… ويصلي على العود والمزمار والقيثار والعشرة الأوتار، بموسيقى جميلة وألحان حلوة الإيقاع. وما زلنا حتى الآن نصلي القداس الإلهي بصلوات ملحنة، ونقرأ الإنجيل بنفس القراءة المنغمة. وهكذا كل التسابيح.
في موسيقى العبادة جو من الجمال والتأثير.
ولذلك فإنني أحث الآباء الكهنة في المهجر، أن تكون ترجمتهم لصلوات القداس مصحوبة باللحن. فإن الصلوات التي تصلى دمجًا، بغير لحن، كثيرًا ما تفقد روحانيتها وتأثيرها.
بل أن كثيرًا من أسفار الكتاب- وبخاصة الأسفار الشعرية، كانت لها موسيقاها التي لمنظومات الشعر، مثل أسفار أيوب والمزامير، ونشيد الأناشيد الذي يمكن أن يترجم بأغنية الأغنيات، وبعض كتب سليمان، وبعض التسابيح الموجودة داخل كثير من الأسفار، كانت تغنى.
إلى جوار جمال الموسيقى في الكنيسة، وهبنا الله جمال الفن. فن العمارة في الكنيسة، بكل ما يحمل من نقوش ومن رموز، فن العمارة في الكنيسة، بكل ما يحمل من نقوش ومن رموز، وفن الأيقونة وما توحي به من روحيات، بالإضافة طبعًا إلى فن الموسيقى.. لقد شاء الله في خيمة الاجتماع أن يكون هناك فن النسيج أيضًا، والفن في صناعة الذهب والفضة والنحاس والخشب. لأنه في كل ذلك يبدي الفن جمالًا يحبه الله. وهذا الجمال له تأثير روحي.
والله الذي يحب الجمال هو الذي منح البعض موهبة ألوان من الفن، كما قال عن بصلئيل ” وَمَلأْتُهُ مِنْ رُوحِ اللهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَكُلِّ صَنْعَةٍ، تفسير وليم مارش” (خر31: 3).
ومن الجمال الذي يحبه الله أيضًا في الكنيسة جمال النظام كل شيء في الكنيسة مرتب بطريقة إلهية، كما قال الرب “لْيَكُنْ كُلُّ شَيْءٍ بِلِيَاقَةٍ وَبِحَسَبِ تَرْتِيبٍ” (1كو14: 40). وفي معجزة الخمس خبزات والسمكتين قال أولًا “اتكئوهم فرقا، خمسين خمسين” (مر6: 40). إن الكنيسة تشبه بالسماء، في جمالها وفي رتبها. ونقول عنها أيضًا: “كما في السماء، كذلك الأرض”.. كل شيء بترتيب، لأن الترتيب جميل، والله يحبه… ويقول الوحي الإلهي “تَتَجَنَّبُوا كُلَّ أَخٍ يَسْلُكُ بِلاَ تَرْتِيبٍ” (2تس3: 6).
انظروا أيضًا جمال الأسلوب، كما في إنجيل يوحنا ورسائله. جمل متتابعة مرتبة في Rythm عجيب. كان يقول فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ، وَالنُّورُ يُضِيءُ فِي الظُّلْمَةِ، وَالظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ” (يو1: 4، 5).. أو كما في رسالته الأولي “مِنَّا خَرَجُوا، لكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنَّا، لأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مِنَّا لَبَقُوا مَعَنَا” (1يو2: 19).
بل حتى في التعامل والتخاطب بين الناس، جمال الأسوب في الحديث، يزرع المحبة ويزرع التأثير. والكلمة الجميلة المنتقاة لها تأثيرها في النفس. والمعاملة الجميلة، من نتائجها الصداقة والمودة. بل الابتسامة الحلوة لها جمالها وتأثيرها.
أهم جمال يطلبه الله من الإنسان، هو جمال الروح.
الروح التي قال عنها سفر النشيد إنها “مُعَطَّرَةً بِالْمُرِّ وَاللُّبَانِ وَبِكُلِّ أَذِرَّةِ التَّاجِرِ” (نش3: 6). الروح المعطرة بالطهر والقداسة. وكما قال القديس بطرس الرسول “زِينَةَ الرُّوحِ الْوَدِيعِ الْهَادِئِ، الَّذِي هُوَ قُدَّامَ اللهِ كَثِيرُ الثَّمَنِ” (1بط3: 4).
إن الله الجميل محب الجمال، قد كنز لنا كنوزا من الجمال في الأبدية. عبر عنها الرسول بقوله “مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ” (1كو2: 9).. جمال العشرة مع الله، جمال أورشليم السمائية التي هي كعروس مزينة لعريسها (رؤ21: 2) … جمال الملائكة، جمال التسابيح، جمال الحياة بالروح، وعشرة القديسين، جمال الحياة التي بلا خطية، جمال معرفة الله (يو17: 3) وأن ننظره وجها لوجه (1كو13: 12). جمال مثل وجه موسى الذي أنار حتى ألبسوه برقعًا (خر34: 29، 30).
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 24-12-1995م



