تفسير بعض أمثال السيد المسيح للقمص بطرس جيد روفائيل
| الكتاب | تفسير بعض أمثال السيد المسيح للقمص بطرس جيد |
| المؤلف | مثلث الرحمات القمص بطرس جيد روفائيل |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الأولى، 2021م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 1738 / 2018 |
| الترقيم الدولي | 978-977-85702-4-3 |
هذا الكتاب
مقدِّمة
قدَّم القمص بطرس جيد الكثير من الحب والتضحية والخدمة الباذلة على مدار سنوات
كما كان من أولويات أبونا بطرس التعليم، فكان يهتم جدًا بالوعظ وتفسير الكتاب المقدس، فكان أستاذ علم الوعظ في الكلية الإكليريكية، وكان يُلقي العظات القوية المُشبِعة في العديد من الكنائس في مختلف الإيبارشيات. أيضًا كان يذهب أثناء نهضات صوم السيدة العذراء كل يومٍ إلى أكثر من كنيسة، وفي كافة المحافظات، ليعظ ويعلم الشعب، ويحرص دائمًا أن يجيب على الأسئلة التي يرسلونها إليه.
وفي هذا الكتاب نقدِّم تفاسير لبعض أمثلة السيد المسيح في إنجيل متى ولوقا، والتي كان قد كتبها ونُشِرت في مجلة الكرازة عاميّ 1977م، و1985م.
ويقول القمص بطرس جيد عن سبب كتابته لهذه التفاسير عندما بدأ نشرها في الكرازة:
"كتبتُ "مذكرات كاهن" لأنها جزءٌ لا يتجزّأ من عملي ككاهن، واليوم أطرقُ باب التفسير لأنه جزءٌ لا يتجزأ من عملي كأستاذ بالكلية الإكليريكية بجميع أقسامها ومعاهدها العليا المتخصِّصة، وبهذا يكتمل غذاء العقل والروح.. وليبارك الرَّب هذا الباب كما بارك الباب السابق. أما منهجي في التفسير فهو: أن أقدِّم كل مجموعة من نسقٍ واحد: الأمثال، فالقصص، فالمعجزات، فالأقوال، فالأحداث: وفي النهاية تقديم جدول زمني لكل الأحداث حسب وقوعها.
إن في هذه التفاسير عمق وروحانية وعلم.. فهو يفسر عقائديًا، وتاريخيًا، وروحيًا، ثم يرشد في ختام كل تفسير عن كيفية تطبيق المثل في حياتنا".
نفعنا الله بصلواته وشفاعته.
القمص بطرس بطرس جيد
كاهن كنيسة السيدة العذراء بالزيتون
القمص بطرس جيد في سطور
القمص بطرس جيد في سطور
† من مواليد أسيوط 13 أغسطس 1918م. تأثَّر في بداية حياته بالاستماع لعظات
† كان عظيمًا في حبه للرَّبِّ، وكان قويًا في إيمانه، وكانت خدمته التي امتدت لحوالي ستين عامًا حافلة بالإنجازات في شتَّى المجالات.
† نَذر الذهاب ماشيًا من بنها إلى الكلية الإكليريكية بمهمشة بالقاهرة للبدء في دراسته بها، ولكن لاقته السيدة العذراء في الطريق في صورة سيدة جميلة تستقل سيارة، وأفهمته أنها ستتحمَّل نذره عنه وأوصلته إلى الكلية واختفت عن ناظره بعدها.
† كان من أوائل دفعة الكلية الإكليريكية 1940م. كما حصل على ليسانس آداب قسم فلسفة، وماچستير تربية علم نفس.
† بدأ خدمته بخدمة القرية؛ بقُرى الصعيد بعد سنة 1940م، واهتم بإنشاء مدارس أولية قبطية تُعلِّم القراءة، والكتابة، والألحان، واللغة القبطية كتعليم إلزامي في ذلك الوقت.
كما اهتم بحالة المدرسين والطلبة الفقراء في تلك المدارس، ورعاهم روحيًا وماديًا، وكتب مذكراته عن الخدمة والرعاية الروحية والاجتماعية والتعليمية في كتاب نشره في الخمسينات باسم "مذكرات مفتش".
† اهتم بالفن القبطي وتدريب أول مجموعة من الأطفال، طاف بهم المرحوم حبيب بك جورجي ربوع أوروبا ناشرًا فنّهم القبطي كأبناء للفراعنة.
† عمل بالتدريس لفترة وكان يهتم بنفسية الطُلاب، فكان ينشئ عيادات نفسية لهم يستمع إلى مشاكلهم، فانتظم الطلاب بالدراسة وقلَّت المشاجرات بينهم واختفت الكلمات البذيئة التي كانت تُكتب على الجدران سرًا. كما كان يهتم بالعمل الفردي للطلبة ليبعد بهم عن الإلحاد أو الغواية، إلى معرفة الله.
† سيِمَ كاهنًا في 12 يوليو 1972م، على مذبح السيدة العذراء بالزيتون حسب طلب القمص قسطنطين موسى الذي كان يعرفه منذ أن كان طالبًا بالكلية الإكليريكية، وذلك في وقت خدمة القمص قسطنطين موسى كمسئول عن طلبة الكلية الإكليريكية.
† اهتم بالتعليم وتسليم الإيمان واُعتبِر من وعّاظ الكنيسة القديرين، في وقت ندرَ فيه الوعاظ الدارسين، وكانت عظاته تشدُّ الكثيرين من كل الفئات والمستويات، وتدخل إلى القلوب وتنخس الضمائر وتدعو إلى التوبة، كما كانت تتسم بالسلاسة والسهولة مع العمق الروحي.
كان يفسِّر أصعب الآيات بأسهل العبارات. وكانت له اجتماعات أسبوعية منتظمة بالكنيسة. دُعيَّ لكثير من الإيبارشيات لإلقاء عظاته إلى جانب الاشتراك في النهضات الروحية، وكان أحيانًا يُلقي عظتيْن في كنيستيْن متنوعتيْن في نفس اليوم لامتلاء جدول مواعيده بالعظات.
† رُقِّيَ للقمصية في 14 نوفمبر1975م، للاشتراك في المجلس الإكليريكي للكهنة وللأحوال الشخصية.
† هو أول من أنشأ لجنة البر لرعاية الفقراء الذين أحبهم جدًا، ورعاهم على مبدأ التنمية الموازي للخدمة الاجتماعية، وساعد الفقراء في عمل مشاريع تنموية لرفع مستوى معيشتهم.
كما أسَّس بالكنيسة فكرة المشروعات التي تعمل تحت مظلة الكنيسة، وتضُم عدد من أبناء الكنيسة كفرصة للعمل وكمصدر للتدريب على مهن مفيدة مثل مشغل التفصيل، التريكو، أنوال لعمل السجاد اليدوي، مصنع الشمع، والعديد من المشروعات.
† اهتم بالتربية الكنسية وكان يُعلِّم بنفسه في فصول إعداد الخدمة، واهتم بتدريس الطلبة بنفسه لرفع مستواهم التعليمي.
† كُلِّف من قِبل قداسة البابا شنوده الثالث بتسليم طقس الكنيسة القبطية للأساقفة الفرنسيين – الأنبا مرقس (نيح الله نفسه) - والأنبا أثناسيوس – واستمر في متابعتهم لسنوات طويلة وساعده في ذلك الوقت المتنيح القس أنجيلوس ميخائيل كمدرس للغة الفرنسية.
† دَرَّس بالكلية الإكليريكية كأستاذ لعلم الوعظ والدين المقارن والكتاب المقدس واللغة العربية، واشترك بالتدريس في معهد الكتاب المقدس ومعهد الدراسات القبطية. وكان يستخدم في تدريسه أسلوبًا تربويًا شيقًا ويهتم بالتدريب العملي تحت إشرافه.
† قام بكتابة مؤَلَفًا بعنوان "مذكرات كاهن" نُشِرَ في مجلةِ الكرازة؛ وضع فيه خبراته الرعوية لكي تكون فائدة للأجيال من الخدام.
† انتُخب عضوًا في المجلس الملي العام للأقباط الأرثوذكس لعدة دورات. كما مَثَّل الكنيسة القبطية في أحد المؤتمرات المسيحية بقبرص.
† اهتم بخدمة تكريس الشباب والشابات بكنيسة السيدة العذراء بالزيتون، ورسموا كهنة أو مكرسات للخدمة.
† كان أبًا حنونًا لأبناء الجمعيات الخيرية من الأيتام وكان يهتم بالاحتفال بذكرى رسامته كل عام بين هؤلاء الأطفال، ويدعو الشعب إلى تدعيم الأنشطة التي بها هذه الجمعيات. وكانت أعظم أوقاته هي التي يقضيها مع الفقراء. قام برعاية الجمعيات الخيرية بالزيتون وكان يدبِّر أمر اجتماع شهري لهم لحل مشاكلهم.
† اهتم بالتعمير في الكنيسة وكان أبرزها كاتدرائية السيدة العذراء بالزيتون، التي تُعتبر إحدى المزارات الدينية العالمية. وأيضًا إنشاء دُور للمسنين والمسنات، والمغتربين والمغتربات، لخدمة الشعب، ومستشفى العذراء الخيري لعلاج المرضى بأسعار رمزية ومجانًا للفقراء وغير القادرين، كما بنى العديد من مباني الخدمة بالكنيسة.
ووضع مع بعض من الاستشاريين تخطيط لكافة مباني الخدمة الموجودة حاليًا بالكنيسة التي تم بناؤها بعد نياحته بالرسومات التي وضعها قبلها بعدة سنوات.
† كانت له علاقات طيبة برجال الدين من كافة الطوائف، وأيضًا من رجال الدين الإسلامي، ورجال السياسة، والمجتمع المدني.
† تميَّز بالحكمة التي ساعدته في حلِ الكثيرِ من المشاكل الأُسرية والاجتماعية، كما تميَّز باللطف الشديد والمحبة الفائقة لكل من يقابله، وأحبّه الجميع حتى الذي كان يلقاه لأول مرة. ونظرًا لما كان يتمتع به من أبوة حانية، كان أب اعتراف لعدد كبير من أبناء الشعب، ولبعض الآباء الكهنة.
† كان دائم الافتقاد للشعب، عطوفًا على الذين سقطوا ممسكًا بأيديهم حتى يقوموا من سقطتهم.
† اهتمَّ بالافتقاد داخل منطقة الكنيسة وفي أي حي من أحياء القاهرة، كان يلبّي الدعوة لزيارة أبنائه حتى في فترة مرضه في أيامه الأخيرة.
† اهتمَّ بخدمة الأُسر المستورة التي كان يرعاها بنفسه والتي أخرجت العديد من الأطباء والمهندسين، والمهنيين الممتازين في مهنتهم.
† وكان مثالاً في فهمه لرسالة الكهنوت فكان يرفض أخذ أي مقابل لأية خدمة روحية.
† كان مثالاً في وداعته وتواضعه وزهده في الحياة. وكان القريب منه لا يلاحظ أي مظهر من مظاهر تعظُّم المعيشة، ولم يُعرَف عنه أبدًا أنه حاول استغلال قرابته لقداسة البابا شنوده الثالث لتحقيق أي مكاسب خاصة، حتى في مجال الخدمة.
† رقدَ في الرَّبِّ في 20 يوليو 1996م، حضر مراسم الصلاة البابا شنوده الثالث مع العديد من الأساقفة والكهنة، وكبار الشخصيات الرسمية المسيحية والإسلامية، والآلاف من أفراد الشعب المسيحي الذين بكوه تأثُّرًا عند دفن جثمانه بمزار أسفل كاتدرائية السيدة العذراء بالزيتون.
بركة صلاته فلتكن معنا آمين.
مثل: الغني الغبي
الغني الغبي[1]
"وَقَالَ لَهُ وَاحِدٌ مِنَ الْجَمْعِ:«يَا مُعَلِّمُ، قُلْ لأَخِي أَنْ يُقَاسِمَنِي الْمِيرَاثَ». فَقَالَ لَهُ: «يَا إِنْسَانُ، مَنْ أَقَامَنِي عَلَيْكُمَا قَاضِيًا أَوْ مُقَسِّمًا؟». وَقَالَ لَهُمُ:«انْظُرُوا وَتَحَفَّظُوا مِنَ الطَّمَعِ، فَإِنَّهُ مَتَى كَانَ لأَحَدٍ كَثِيرٌ فَلَيْسَتْ حَيَاتُهُ مِنْ أَمْوَالِهِ». وَضَرَبَ لَهُمْ مَثَلاً قَائِلاً:«إِنْسَانٌ غَنِيٌّ أَخْصَبَتْ كُورَتُهُ، فَفَكَّرَ فِي نَفْسِهِ قَائِلاً: مَاذَا أَعْمَلُ، لأَنْ لَيْسَ لِي مَوْضِعٌ أَجْمَعُ فِيهِ أَثْمَارِي؟ وَقَالَ: أَعْمَلُ هذَا: أَهْدِمُ مَخَازِنِي وَأَبْنِي أَعْظَمَ، وَأَجْمَعُ هُنَاكَ جَمِيعَ غَّلاَتِي وَخَيْرَاتِي، وَأَقُولُ لِنَفْسِي: يَا نَفْسُ لَكِ خَيْرَاتٌ كَثِيرَةٌ، مَوْضُوعَةٌ لِسِنِينَ كَثِيرَةٍ. اِسْتَرِيحِي وَكُلِي وَاشْرَبِي وَافْرَحِي! فَقَالَ لَهُ اللهُ: يَاغَبِيُّ! هذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ، فَهذِهِ الَّتِي أَعْدَدْتَهَا لِمَنْ تَكُونُ؟ هكَذَا الَّذِي يَكْنِزُ لِنَفْسِهِ وَلَيْسَ هُوَ غَنِيًّا ِللهِ". وَقَالَ لِتَلاَمِيذِهِ: «مِنْ أَجْلِ هذَا أَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ، وَلاَ لِلْجَسَدِ بِمَا تَلْبَسُونَ" (لو12: 13-22).
مناسبة مثل الغني الغبي
هذا المثَل جاء ردًا على شاب، تنازع مع أخيه، وطلب من الرَّبِّ يسوع أن يُقسِّم لهما الميراث. وهنا حذر الرَّب السامعين من مغبَّة الطمع. "انْظُرُوا وَتَحَفَّظُوا مِنَ الطَّمَعِ"، فهناك في العالم أخوة كثيرون لا يلتزمون بالعدالة الاجتماعية ولا تغمُر قلوبهم المحبة الأخوية، فيظلمون أخوتهم ويحاولون ابتلاعهم..
رد السيد المسيح على الشاب بقوله: "مَنْ أَقَامَنِي عَلَيْكُمَا قَاضِيًا أَوْ مُقَسِّمًا؟!"؛ وقصد السيد المسيح من هذا أن يحوِّل ذهن الشاب من السعي وراء الميراث الأرضي إلى السعي وراء الميراث السماوي!
ولنا من هذا أيضًا أن الديانة المسيحية لا تتدخَّل مع السلطات المدنية ولا تنتزع السلطان من أيدي الرؤساء، ولكنها تضع المبادئ العامة، والمُثل الأخلاقية، وتطالب الكل بالتزامها.
وفوق هذا وذاك يطالبنا الرَّب أن نتنازل عن بعض حقوقنا، لنكسب أخوتنا، ولا نظلم، ولا نسعي وراء مغانم أرضية زائلة..!
إن راحة النفس وسعادة الإنسان لا تتوقَّف على امتلاكه الكثير من حطام الدنيا فإنه "مَتَى كَانَ لأَحَدٍ كَثِيرٌ فَلَيْسَتْ حَيَاتُهُ مِنْ أَمْوَالِهِ" (لو12: 15)، ولا شك أن هناك تُعساء كثيرين يملكون الكثير، وسُعداء كثيرين لا يملكون غير القليل..! "أَكْلَةٌ مِنَ الْبُقُولِ حَيْثُ تَكُونُ الْمَحَبَّةُ، خَيْرٌ مِنْ ثَوْرٍ مَعْلُوفٍ وَمَعَهُ بُغْضَةٌ" (أم15: 17) كما يقول الجامعة.
أدلة تُثبِت غباوة الغني الغبي
قيل هذا المثل عن غني أخصبت كورته.. وَقَالَ: أَعْمَلُ هذَا: أَهْدِمُ مَخَازِنِي وَأَبْنِي أَعْظَمَ، وَأَجْمَعُ خَيْرَاتِي، وَأَقُولُ لِنَفْسِي: كُلِي وَاشْرَبِي.. أمامك خيرات كثيرة موضوعة لسنين كثيرة.
1- أول ركن في الغباوة، أن الغني أخصبت كورته، وأثمرت، ولكنه غفل عن أهم واجب، وهو شكر الله المتفضِّل عليه، وهذا خطأ يقع فيه كثير من أمثاله، الذين وسَّع الله عليهم في الرزق.. وهكذا تزيد الخيرات عند بعض الناس. وتكون لهم فخًا!
2- أخصبت الكورة وازداد الخير، وكانت هذه فرصة مواتية أمام الغني ليفعل خيرًا.. ويوزِّع على ذوي الحاجة، حسب قول الكتاب: " أَكْرِمِ الرَّبَّ مِنْ مَالِكَ وَمِنْ كُلِّ بَاكُورَاتِ غَلَّتِكَ" (أم3: 9).. ولكن الرجل تغابى ولم يفعل خيرًا.. واكتفى بجمع المال في خزائن وتكويمه.
3- الارتباك والقلق: "ماذا أعمل لأنه ليس لي موضع أجمع فيه ثماري؟".. كانت زيادة الخير مصدر قلق وارتباك لهذا الغني فانشغل باله وركبه الهمُّ. ولنا من هذا أنه كلما زاد ما يمتلكه الإنسان، زاد ما يركبه من هم وانشغال بال.. عجبًا يقول ماذا أفعل؟! إن ما يجب عليه أن يفعله أمر بسيط. أن يشكر الله.. ويرحم الفقير..
4- "أهدم مخازني وأجمع غلاّتي وخيراتي": في هذه العبارة قدرٌ أكبر من الغباوة، وحقيقة الأمر، أن الإنسان لا يمتلك شيئًا من حطام هذه الدنيا، وخيرات الأرض ليست ملكًا لأحد بل كلها ملك الله، وهو جل شأنه، يعطيها لمن يشاء عارية، ونحن وكلاء الله على هذه الخيرات.. وفوق هذا فهذه الخيرات ليست دائمة، بل تنتقل من يدٍ إلى يد ومن شخصٍ إلى شخص.. ولم ير الغني الغبي هذا الرأي، وعذره أنه (غبي)..
5- ظنَّ هذا الغني أنه بعد أن يهدم مخازنه ويبني أكبر منها، ويجمع خيراته، ويقول لنفسه كُلي وأشربي.. أنه يصل بهذا إلى قمة السعادة.. لكن سعادة النفس لا تقوم على الأكل والشرب، وملذات العالم كالماء الملح كلما شرب منها الإنسان ازداد عطشًا.. والكتاب يقول: " بَاطِلُ الأَبَاطِيلِ، الْكُلُّ بَاطِلٌ" (جا1: 2)، إن السعادة الحقَّة هي في السلام الداخلي وراحة البال والرِضى والقناعة. هذه السعادة هي التي قال عنها الرب يسوع: "سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ" (يو14: 27).
6- هذا ولقد تفوَّق الغني الغبي على نفسه في الغباوة عندما قال: "أمامك خيرات كثيرة لسنين كثيرة"، وإنه لإيغال في الوهم والتخبُّط أن يخطِّط الإنسان لنفسه لسنين كثيرة، بينما الكتاب يقول: "مَا هِيَ حَيَاتُكُمْ؟ إِنَّهَا بُخَارٌ، يَظْهَرُ قَلِيلاً ثُمَّ يَضْمَحِلُّ" (يع4: 14).
7- غفل الغني الغبي عن حساب الله له، وأخذ يتصرف وكأنه لا يوجد رقيب عليه، ومن الغباء أن نعتقد أن الله لا يحاسبنا عما نفعل؟! وهو تبارك اسمه يعرف ما تفكِّر فيه ويميِّز أفكار القلب ونيّاته (عب4: 12).. ونحن نُخطئ تمامًا إذا اعتقدنا أن أفكارنا مخبّأة، فالكل مكشوفٌ وعُريان قدّامه.. والرب يقول: "وَهَا أَنَا آتِي سَرِيعًا وَأُجْرَتِي مَعِي لأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ" (رؤ22: 12).
8- ظن الغني الغبي دوام الرخاء في السنوات المقبلة، مع أن دوام الحال.. من المحال، وفي مصر كان هناك باشوات يملكون آلاف الأفدنة، ثم قامت الثورة ولم يبقَ لواحدٍ منهم أكثر من خمسين فدانًا! وفَسَّر يوسف الحلمَ لفرعون مصر بأنه تأتي على مصر سبع سنين شبعًا عظيمًا في كل أرض مصر، ثم تقوم بعدها سبع سنين جوعًا.. ويُتلف الجوع الأرض (تك41: 29). ثم إننا لا نعرف ما يلده الغد، وما تأتي به الأيام..! والحكمة ألاَّ نحسب حسابًا للغد، بل نسلِّم الأمر كله للرَّب.
9- قال الغني الغبي: "أهدم مخازني.. أبني أعظم منها.. أجميع خيراتي.. أقول لنفسي كلي.."، ونسى أن يُصدِّر كل مشروعاته بكلمة واحدة هي: (إن شاء الرَّب وعشنا).
كما يقول يعقوب الرسول: "عِوَضَ أَنْ تَقُولُوا: إِنْ شَاءَ الرَّبُّ وَعِشْنَا نَفْعَلُ هذَا أَوْ ذَاكَ، وَأَمَّا الآنَ فَإِنَّكُمْ تَفْتَخِرُونَ فِي تَعَظُّمِكُمْ. كُلُّ افْتِخَارٍ مِثْلُ هذَا رَدِيءٌ" (يع4: 15، 16). إن نجاح أي عمل الفضل فيه في يد الله، وليس في أيدينا.. وعلينا قبل أن نخطو أية خُطوة أن نطلب إرادته، وأن نلتمس مشيئته..
10- اهتم الغني الغبي بجمع المال وتكويمه، وهدم المخازن وبناء أكبر منها ونسى في غمرة هذه المشاغل الدنيوية، والجري وراءها، أن يسعى لما هو أهم من المخازن وهو خلاص نفسه.. "لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ أَوْ مَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟!" (مت16: 26).. ولا شك أن خلاص النفس هو الغاية الأسمى من وجود الإنسان في هذا العالم: والكتاب يقول: "نَائِلِينَ غَايَةَ إِيمَانِكُمْ خَلاَصَ النُّفُوسِ" (1بط1: 9)، وخسارة النفس، خسارة ليست بعدها خسارة..! والنفس غالية، دُفِع في سبيل خلاصها دمٌ زكيّ على عود الصليب! ومن أركان غباوة هذا الغني، أنه اهتم بالحِطام.. وغفل عن نفسه..
11- أعطاه الرَّب خيرات وفيرة، فحرم نفسه منها، وحرم أيضًا منها الأرملة واليتيم والفقير.. وأرجأ التذوُّق من نِعم الله إلى حين أن يتم هدم المخازن وبناء أكبر منها.. وكان هدفه بعد أن تتم هذه المهمة، ولا شك أنها تستغرق سنوات كثيرة، أن يقول لنفسه: "كُلي يا نفسي وأشربي".. هذا هو الغني الفقير الذي عاش محرومًا من الخير، والخير يملأ مخازنه..! بل هذا هو عقاب الأغنياء الذين لا يفعلون خيرًا.. ألاَّ يهنأوا بالخيرات بل يحرمون أنفسهم منها.. وهكذا يجرون طول حياتهم، حتى يُدركهم الموت، فيكون حالهم كالعيسِ في البيداء يقتلها الظمأ، والماء فوق ظهورها محمول..! أليست هذه بحق غباوة..!
12- القاعدة الحكيمة أننا نأكل لنعيش..! ولكن الغني الغبي.. أراد أن يعكس الحكمة ويقول: نعيش لنأكل..؟!، إذ يقول: "وَأَقُولُ لِنَفْسِي: يَا نَفْسُ لَكِ خَيْرَاتٌ كَثِيرَةٌ اِسْتَرِيحِي وَكُلِي وَاشْرَبِي".
وأضاف إلى الغباء (الأنانية) عندما قال: أقول (لنفسي)، أي إنه لم يُرِد أن يُشرِك أحدًا معه في الخير، وما استحق أن يعيش، من عاش لنفسه فقط! هذا الغني الغبي أراد أن يعيش لنفسه فقط! هذا هو الداء.. وهذا هو الغباء.
13- ظن هذا الغني الغبي أن مخازنه الأكثر إتساعًا، وخيراته الأكثر وفرة، تجعله في أمان، من غدر الأيام.. فيعيش متحصِّنًا ضد نوائب الدنيا فيأكل ويهنأ.. دون أن يخشَى شرًا.. ولم يدُر بخلده، أن هذه المخازن، من الممكن، إذا شاء الله.. أن تحترق في لحظة وتصير هباءً منثورًا.. ومن الممكن أيضًا أن تتعرَّض لسطو اللصوص والغِربان.. ومن الممكن أن يأكلها السوس، وأن ثروته من الممكن أن يعلوها الصدأ.. وأنه لا ضمان لهذه الدنيا بغير الاعتماد على الله وإلقاء الرجاء عليه، فالرَّب هو البُرج الحصين الذي يَرْكُضُ إِلَيْهِ الصِّدِّيقُ وَيَتَمَنَّعُ (أم18: 10).. كما نسى أنه لا عاصم للإنسان من نوائب الدنيا غير الله!
14- هذا الغني الغبي افترض ثلاثة أشياء، تدوم له، دون الله، وتضمنها ثروته وكورته التي أخصبت:
أ)ضمان العمر بـ) ضمان الصحة جـ) ضمان الثروة...
ولا ضمان لواحد منها، فكان غبيًا في كل واحدة، منها، أي كان غباؤه مُركَّبًا، ومُثلَّثًا! فهذه كلها نِعم من نِعم الله، والله يعطيها لمن يشاء ولا يستطيع إنسان أن يخطو خطوة دون إذن الله..! وكل ما في هذه الدنيا فناء وزوال.. وفي هذا المعني يقول قائل:
وَسالَمَتكَ اللَيالي فَاِغتَرَرتَ بِها |
| وَعِندَ صَفوِ اللَيالي يَحدُثُ الكَدَرُ! |
15- يقول كُلي (يا نفسي) وهذه حماقة الحماقات..! فخلَط بين لذّات الجسد ولذّات الروح.. فالجسد يهنأ بالطعام، ولكن سعادة النفس من نوع آخر، لقد ذكر لذّات الجسد ونسى لذّات الروح التي لا تتحقَّق في مخزن مملوء بالغلال أو خزانة مملوءة بالأموال، وهكذا بلغ من غبائه أنه حسب أن جسده هو نفسه.. ولو كانت له نفس حيوان لحَقَّ له أن يُشبِعها بالطعام.. والرَّب يسوع ينبِّه إلى هذا الخطأ الجسيم والغباء المستحكم.
إن العالم كله بما فيه من الخير لا يُشبِع النفس الظمأى إلى حب الله..! "كُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هذَا الْمَاءِ يَعْطَشُ أَيْضًا، وَلكِنْ مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الأَبَدِ، بَلِ الْمَاءُ الَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ" (يو4: 13، 14).
16- نسى الغني الغبي في غمرة مشاغله الدنيوية الرهيبة.. أننا مُعرَّضون للحساب، والذي يحاسبنا هو الله ذاته.. ولهذا جاء في تَتِّمة المثل: "فَقَالَ لَهُ اللهُ: يَا غَبِيُّ! هذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ، فَهذِهِ الَّتِي أَعْدَدْتَهَا لِمَنْ تَكُونُ؟" (لو12: 20) وهذه هي الحقيقة: إن الله يُمهِل.. ولكنه لا يُهمِل.. رحمته لا تمنع عدله.. طويل الأناة، ولكنه يجازي كل واحد حسب عمله..
وهذا ما حدث تمامًا مع غني آخر هو الملك بَيلشَاصَّرُ الذي تجرأ وشرب خمرًا في آنية هيكل الرَّب فظهرت يد بغير جسم أخذت تكتب "مَنَا مَنَا تَقَيْلُ وَفَرْسِينُ" (دا5: 25).. أي وزنت بالموازين ووجدت ناقصًا! في هذه الليلة قُتِل الملك وقُسِّمت المملكة بين مادي وفارس.
إنه أمر شديد الغباء، وشديد الخطورة، أن ننسى في غمرة مشاغلنا أننا سوف نقف أمام كرسي المسيح ونقدِّم حسابًا، وإنه لمن المخيف حقًا.. الوقوع في يدي الله الحي!!
17- فَقَالَ لَهُ اللهُ: يَاغَبِيُّ! هذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ: وهذا التعبير (تؤخذ نفسك) معناه، أن تُنزع منه دون رغبته.. وهذا هو موت الخطاة، إنما تُنزع أرواحهم لتمسُّكهم بهذه الدنيا، وعدم رغبتهم في مفارقتها، فكما أنه ليس للإنسان إرادة في وجوده، فحياته أيضًا تنتهي دون إرادة منه، وهذا عكس موت الأبرار، إذ تنطلق أرواحهم بفرح لتكون مع الحبيب الرَّب يسوع: "لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا" (في1: 23).
"وقال له الله": ولكن كيف قال له؟ هل خاطبه بصوت مسموع؟ أم في رؤيا؟ أم أرسل له ملاك الموت؟! كل هذا محتمل وجائز...
18- حكمة هذا العالم غباوة عند الله. وحكماء هذا الدهر جُهّال في نظر الرَّب. كان الناس جميعًا يُطْرون على ذكاء هذا الغني، الذي جلب له هذا الثراء العريض، ولعلَّ بعض الناس ينسبِون كل هذا إلى الحظ..! أو الفأل الحسن! ولعل كثيرون كانوا يتمنّون أن يكونوا أغنياء وسعداء مثلة..!! والناس يقيسون حكمة الناس بقدرِ نجاحهم.. أما في نظر الله كان هذا الذكاء عين الغباوة، ولا عجب، فالكتاب يقول: "لأَنَّهُ لَيْسَ كَمَا يَنْظُرُ الإِنْسَانُ. لأَنَّ الإِنْسَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْعَيْنَيْنِ، وَأَمَّا الرَّبُّ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى الْقَلْبِ" (1صم16: 17)..
ولكن متى تأكَّد هذا الغني من غباوته..؟
في لحظة واحدة انكشف غباؤه. عندما أحس بانقضاء الأجل، وفوات الفرصة لإصلاح الأخطاء، وبينما كان يُمنِّي النفس بأن يعيش سنوات طويلة، انقضي العمر في لحظة واحدة خاطفة.. وذهبت روحه بعدها إلى الجحيم، فماذا أفاده ما جمع واقتنى، وما إدَّخر وما سعى.. وما اكتنزه وما ابتنى..؟!
19- نسى هذا الغبي ستة أشياء في منتهى الخطورة..
أ) نسى نفسه، فلم يسعَ في خلاصها بل سعى وراء المال وجمْعه، والمَالُ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ (1تي6: 10).
ب) نسى إلهه وربه، فلم يذكره، ولم يشكره، ولم ينسب إليه الخير الذي ينعم فيه بل نسب الخير إلى اجتهاده وذكائه (أجمع خيراتي).
جـ) نسى الفقير والمحروم والمسكين "مَنْ يَسُدُّ أُذُنَيْهِ عَنْ صُرَاخِ الْمِسْكِينِ، فَهُوَ أَيْضًا يَصْرُخُ وَلاَ يُسْتَجَابُ" (أم21: 13).
د) ونسى إلى جانب كل ذلك، قِصَر العمر وفناء الحياة.. "عَرِّفْنِي يَا رَبُّ نِهَايَتِي وَمِقْدَارَ أَيَّامِي كَمْ هِيَ، فَأَعْلَمَ كَيْفَ أَنَا زَائِلٌ" (مز39: 4)!
ه) ونسى الحساب.. والوقوع في يد الله، وأنه سوف يخرج من الدنيا فارغًا..
و) نسى أيضًا أن يكنِز له كنزًا في السماء وأن أعماله تتبعه.
- ونسى أيضًا أنه نسى كل ما فات من الحقائق فنسى أنه نسى! وقد يكون النسيان خطيئة...!!
20- بقى درسٌ لم يدركه الغني الغبي، أرجو ألاَّ يفوت أي إنسان، حتى لا يقع في نفس الخطأ.. أو في نفس الغباء.
أ) هناك تجربة الأغنياء الذين يُعميهم حب المال عن حب الله، ويشغلهم الطمع عن خلاص النفس، فيسعون وراء المزيد منه فيكون المال مصيدة لهم، وفخًا وقبرًا.
بـ) هناك تجربة الفقراء، السعي وراء المال، والتشهّي، والرغبة في الحصول عليه، والفرق بين الاثنيْن أن الفريق الأول أغبياء! والفريق الثاني يسعون ليكونوا أغبياء..! فليعطنا الرَّب حكمة، ونطلب الكفاف في هذه الدنيا، والبركة، ونقول: "فَإِنْ كَانَ لَنَا قُوتٌ وَكِسْوَةٌ، فَلْنَكْتَفِ بِهِمَا.. لأنَّ التَّقْوَى مَعَ الْقَنَاعَةِ .. تِجَارَةٌ عَظِيمَةٌ" (1تي 6: 8)!
شخصية صاحب السؤال
1- وَقَالَ لَهُ وَاحِدٌ مِنَ الْجَمْعِ: "يَا مُعَلِّمُ، قُلْ لأَخِي أَنْ يُقَاسِمَنِي الْمِيرَاثَ"، لم يكن تلميذًا للرَّبِّ، بل كان واحدًا من الحاضرين، حيث "اجْتَمَعَ رَبَوَاتُ الشَّعْبِ، حَتَّى كَانَ بَعْضُهُمْ يَدُوسُ بَعْضًا" (لو12: 1)، وبينما كان الرَّب يتحدَّث في الروحيات، كان عقله منشغلاً بالماديات، فقطع على الرَّبِّ حديثه، وكان أشبه بصخرة صماء تعترض مجرى ماء صاف..! فأقحم موضوعًا دنيويًا، في وسط حديث روحي..
2- ربما ظنَّ هذا الرجل أن السيد المسيح يُنشئ مملكةً أرضية عالمية.. ويمارس وظائف الحُكّام السياسيين، كما كان يتوقَّع اليهود في ذلك الوقت مَلِكًا أرضيًا، وسألوا الرَّب: "متى ترُد المُلك لإسرائيل..؟!" (أع1: 6) والرَّب لم يأتِ بمهمَّة سياسية، ولكنه جاء ليتمِّم رسالة الخلاص ويُنشئ ملكوتًا سماويًا..
3- شريعة تقسيم الميراث تعطي البِكر نصيب اثنين كما جاء في سفر التثنية (21: 17) ولم يكن للأب حق أن يتصرَّف في ميراثه بغير ما تقوله الشريعة، فجاء الرجل إلى يسوع ليستفيد من تعاليم المسيحية التي تنادي بالمساواة، فأراد زيادة نصيبه في الميراث وهكذا يحقق مغنمًا عالميًا.. والرب الذي يقرأ ما في القلوب، أجاب في حزم: "مَنْ أَقَامَنِي عَلَيْكُمَا قَاضِيًا أَوْ مُقَسِّمًا؟" وقد أوردنا (6) أسباب لهذا الرد.
4- لم يقل الرَّب لست قاضيًا.. ولكنه قال: "من أقامني قاضيًا ومقسمًا؟!" وهذا معناه أن سلطانه الإلهي، ذاتي، لم يأخذه من أحد، وعلينا أن ندقق في إجابات الرَّب.. لندرك بعض ما فيها من حكمة عالية.. فعندما سألوه هل تُعطى جزية لقيصر؟! لم يقل: "أعطوا قيصر"، بل قال: "أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ" (مر12: 17)!
وفي آداب المائدة لم يقل: "كُلوا ما يقدَّم لكم".. ولكنه قال: "كُلُوا مِمَّا يُقَدَّمُ لَكُمْ" (لو10: 8)!
5- تلقَّف الفريسيون السؤال: "قُل لأخي أن يقاسمني الميراث".. وربما دبَّروا هم بأنفسهم من يوجه هذا السؤال، ليكون السؤال مصيدة وفخًا..
فإذا وافق الرب أن يأخذ الأخ الأكبر.. نصيب اثنيْن، قالوا وأين شريعة المساواة، التي تنادي بها؟.. وإن قال بالمساواة بينهما.. قالوا لقد نقض شريعة موسى..
6- إذا دققنا، ودخلنا إلى العمق لوجدنا أن الرَّب يسوع.. أجاب على صاحب السؤال: "قل لأخي أن يقاسمني الميراث".. فالسيد المسيح أعطى مبادئ المحبة.. "والمحبة لا تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا" (1كو13: 5).. وإذا سار الناس حسب مبادئ المسيحية بما فيها من حُب وسُمو، لبطُل أي خصام أو نزاع.. فالسيد المسيح أراد أن يعالِج الداء من مكمنه.. فتحِلُّ المحبة، والوِئام، محَلَّ البغضاء والخصام.. وبدأ السيد المسيح حديثه مع الأخ المتخاصِم بقوله: "يا إنسان" ليُشعِره بإنسانيته.. ويسمو بها!
+ والسيد المسيح وإن لم يُرِد أن يقوم بوظيفة الحاكم السياسي، والقاضي.. لكنه قام بوظيفة الطبيب، الذي يكشف عن الداء.. ويقدِّم الدواء. والدواء في كلمة واحدة (المحبة) وهكذا ترك الرَّب موضوع النزاع، المال الذي يملأ الجيوب. ونفذ ببصره إلى مكمن الداء وهو علاج القلوب!
7- والكنيسة، لهذا، لا تسمح لرؤساء الدين، أن يكونوا حُكَّامًا سياسيين، بل يكفي كما قال بولس الرسول أن يكونوا: "قُدْوَةً لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الْكَلاَمِ، فِي التَّصَرُّفِ، فِي الْمَحَبَّةِ، فِي الرُّوحِ، فِي الإِيمَانِ، فِي الطَّهَارَةِ" (1تي4: 12). وهذا لا يمنع أن يفِّض المؤمنون ما بينهم من مشاكل، وأن يستعينوا بالكاهن، فلا يصل النزاع إلى المحاكم. كما جاء في رسالة كورنثوس "أَيَتَجَاسَرُ مِنْكُمْ أَحَدٌ لَهُ دَعْوَى عَلَى آخَرَ أَنْ يُحَاكَمَ عِنْدَ الظَّالِمِينَ، وَلَيْسَ عِنْدَ الْقِدِّيسِينَ؟.. أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّنَا سَنَدِينُ مَلاَئِكَةً؟ فَبِالأَوْلَى أُمُورَ هذِهِ الْحَيَاةِ!" (1كو6: 1، 3).
† وعمومًا يلزم ألاَّ يرتبك الخدام بأمور هذه الحياة، فلا يتركون كلمة الله ليخدموا الموائد (أع6: 2) بل يتركون هذه الأمور لمن يقوم بها، وجاء في رسالة تيموثاوس: "لَيْسَ أَحَدٌ وَهُوَ يَتَجَنَّدُ يَرْتَبِكُ بِأَعْمَالِ الْحَيَاةِ لِكَيْ يُرْضِيَ مَنْ جَنَّدَهُ" (2تي2: 4).
† وهذا هو سرُّ اهتمام قداسة البابا شنوده الثالث - حفظه الرب، وأحاطه بملائكة السلامة، وأنعم لنا بقدومه - نعم هذا هو سر اهتمام قداسته بمجالس الكنائس (الأراخنة)، وخدمة الشماس المكرَّس، وإقامة شماسات مكرَّسات.. فكلهم أجنحة للكاهن بهم يحلِّق ويطير.
[1] مقالان للقمص بطرس جيد روفائيل، نشرا في مجلة الكرازة، بتاريخ 6 مايو1977م، 13 مايو1977م
دروسٌ مُستفادة من مَثَل الغني الغبي
دروسٌ مُستفادة من مَثَل الغني الغبي[1]
يُختَتَم مَثَل الغني الغبي بدروسٍ مُستفادة، ويقدِّم لنا الرب يسوع ثلاثة دروس...
1- درس في الاتِّكَالِ لا التَواكَل (لو12: 22- 32).
2- درس في الاطمئنان (لو12: 32- 34).
3- درس في السهر والاستعداد (لو12: 34- 59).
أولاً: درس الاتَّكَال (لو12: 22- 31).
† يقول الغني الغبي.. في نهاية حديثه.. وكل حديثه غباء في غباء، وقد قدمنا (30) دليلاً على غبائه: يقول لنفسه: "اِسْتَرِيحِي وَكُلِي وَاشْرَبِي.."، فظن أن السعادة يحقِّقها المال، والمأكل والمشرب. والسيد المسيح، لكي يثبت لنا أن المال قليل النفع لصاحبه كشف لنا عن مصادر السعادة الحقَّة.. ممثَّلة في راحة البال، والطمأنينة، والاتِّكال على الله وإلقاء الرجاء عليه.. فلا نهتم ماذا نأكل.. أو ماذا نلبس..
1- الله يعلم احتياجاتنا، ويعرفها تمام المعرفة..
2- إنه يعطينا ما هو أفضل من الطعام، والكساء.. أعطانا الحياة وهي أفضل من الطعام، وأعطانا الجسد وهو أفضل من اللباس - ثم إنه من البداهة بمكان، إذا كان الله أعطانا الحياة والجسد دون أن نطلبهما فلا بد أنه سيستر هذا الجسد بالكساء.. وأعطانا فمًا فسيملؤه بالطعام..!
3- الله كريم، جزيل العطاء، فإذا كان قد أعطانا الأكثر (الحياة، الجسد)، فسوف يعطينا الأقل (الطعام، الكساء)..!
4- لا يُفهَم من عدم الاهتمام بالمأكل والملبس.. أن نسير بلا ترتيب، أو نكُفُّ عن السعي.. ولا يقصد أن نركن للبطالة، وعدم بذل الجهد والعمل.. إن الاتكال، غير التواكل.. إنه ينهانا فقط عن الاهتمام الذي يولِّد الهم والقلق. لذلك يقول في العدد 29: "لاَ تَقْلَقُوا"، وينهانا عن (الخوفِ) "لاَ تَخَفْ، أَيُّهَا الْقَطِيعُ الصَّغِيرُ" (عدد32).
5- إن الاهتمام الزائد لا يُجدي نفعًا، ونحن باهتماماتنا المفرطة، لن نُغيِّر شيئًا من واقع الكون.. ولا نحقِّق مزيدًا من الرزق لم يسمح به الرب.
6- ضرب الرَّب ثلاثة أمثلة ليؤكِّد لنا عدم جدوى الاهتمام المفرط.
المثل الأول: الغربان
"تَأَمَّلُوا الْغِرْبَانَ: أَنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ، وَلَيْسَ لَهَا مَخْدَعٌ وَلاَ مَخْزَنٌ، وَاللهُ يُقِيتُهَا، كَمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلُ مِنَ الطُّيُورِ!" (لو12: 24، 25).
+ ذكر الرب يسوع (الغربان) لأنها أحقر الطيور وتعتبر نجسة في نظر اليهود، فهذه الطيور المحتقرة لا يستنكف الله أن يُقيتها.. ثم يعود ويقول لنا: كَمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلُ مِنَها!؟!
+ هذه الغربان تُذكِّرنا أيضًا بعناية الله بإيليا، وهو من أكبر أنبياء العهد القديم، قال له الرب: "فَتَشْرَبَ مِنَ النَّهْرِ. وَقَدْ أَمَرْتُ الْغِرْبَانَ أَنْ تَعُولَكَ هُنَاكَ" (1مل17: 4).
+ وفي تاريخ القديس الأنبا بولا.. الذي ترهَّب وسط الجبال الجرداء أن غرابًا كان يأتيه كل يوم بنصفِ رغيف، فلما زاره الأنبا أنطونيوس.. قدَم الغراب وهو يحمل في فمه رغيفًا كاملاً..!!
+ وفي قوله عن الغربان أنها لا تملك (مخرنًا) مقابلة جميلة، بين رعاية الله واهتمامه بخليقته، واهتمامات الغني الغبي الذي قال: "أَهْدِمُ مَخَازِنِي وَأَبْنِي أَعْظَمَ، وَأَجْمَعُ هُنَاكَ جَمِيعَ غَّلاَتِي وَخَيْرَاتِي"... فجاءه صوت الله موبخًا: "يَا غَبِيُّ! هذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ، فَهذِهِ الَّتِي أَعْدَدْتَهَا لِمَنْ تَكُونُ؟!"
† الخلاصة في مثل الغربان، أنها لا تدبر لنفسها الطعام ولكن الله يدبره لها..
† وفي مثل الزنابق.. لا تغزل ولا تتعب والله يلبسها ثوبًا من البهاء، فهو يدبر لنا الكساء..
† وفي مثل القامة.. لا يستطيع الإنسان أن يزيدها ذراعًا واحدة.. يتبين لنا عدم جدوى الاهتمام.
† وكما أننا نقبل قامتنا كما هي، فلنقبل حالتنا كما هي ونشكر الله.. الرب يقول: "لا تقلقوا". فلا تكن كريشة في مهب الرياح بل كن راسخًا، كشمم الجبال..
- ولنطلب الكفاف يومًا بيوم "لأنه هذِهِ كُلَّهَا تَطْلُبُهَا أُمَمُ الْعَالَمِ" (لو12: 30)، وكلما هجمت علينا الاهتمامات الدنيوية نسارع ونسأل أنفسنا: هلا نحن من أبناء العالم؟ أم أبناء الله..؟!
المثل الثاني: (القامة)
"وَمَنْ مِنْكُمْ إِذَا اهْتَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَامَتِهِ ذِرَاعًا وَاحِدَةً؟" (لو12: 25)
ولا يقصد بالقامة الطول فحسب، فإن الكلمة اليونانية المترجمة بمعنى القامة، هي نفس الكلمة اليونانية التي جاءت بمعنى السن أو العمر في قصة المولود أعمى "هُوَ كَامِلُ السِّنِّ" (يو9: 21) فالإنسان مهما اهتم لا يستطيع أن يزيد قامته، كما أنه لا يستطيع أن يمد في عمره، إذا حان الأجل.
† "فَلِمَاذَا تَهْتَمُّونَ بِالْبَوَاقِي؟" أي بالأمور الأقل أهمية، وهي المأكل والملبس.
المثل الثالث: (زنابق الحقل)
"تَأَمَّلُوا الزَّنَابِقَ كَيْفَ تَنْمُو: لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تَغْزِلُ، وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ وَلاَ سُلَيْمَانُ فِي كُلِّ مَجْدِهِ كَانَ يَلْبَسُ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا" (لو12: 27).
† هناك فرق بين مَثل الغربان في نجاستها كما اعتبرها اليهود، وقُبح شكلها، وبين زنابق الحقل في بهائها وجمالها..
وجاء في التلمود: إن عبيد سليمان كانوا يلبسون ثيابًا حمراء أرجوانية، وكانوا ينثرون على رؤوسهم بُرادة الذهب.. لهذا ضرب الرَّب مثلاً بالزنابق وهي أيضًا حمراء اللون. وقال: إن سليمان في كل مجده لم يكن يلبس كواحدة منها! فهناك فرق بين خلق الله.. وصنع الإنسان!
† فإذا كانت عناية الله فائقة بزنبقة، مصيرها أن تداس بالأقدام أو تُلقى في التنور، أنكون نحن البشر الذين خلقنا الله على صورته ومثاله ثم فدانا بدمه أقل شأنًا من زنبقة؟!
† وبقوله: "تأمَّلوا زنابق الحقل" ولم يقل: "انظروا" بل "تأمَّلوا". وهذا معناه، أن الإنسان يستطيع أن يرى الله، في عنايته بالكون ويمكن أن يتعلَّم من كلِّ شيء في الحياة من دوران النجوم في أفلاكها، وتعاقُب الفصول في أوقاتها.. نتعلم درسًا من زهرة ذابلة، وورقة شجرة زائلة، وشجرة حانية، نتعلم درسًا من قطرات المطر، وحبات الندى..! وكلها تهتف وتقول: أنت هو الله..!
ثانيًا: الاطمئنان لا الخوف
"لاَ تَخَفْ، أَيُّهَا الْقَطِيعُ الصَّغِيرُ، لأَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ سُرَّ أَنْ يُعْطِيَكُمُ الْمَلَكُوتَ بِيعُوا مَا لَكُمْ وَأَعْطُوا صَدَقَةً. اِعْمَلُوا لَكُمْ أَكْيَاسًا لاَ تَفْنَى وَكَنْزًا لاَ يَنْفَدُ فِي السَّمَاوَاتِ، حَيْثُ لاَ يَقْرَبُ سَارِقٌ وَلاَ يُبْلِي سُوسٌ، لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكُمْ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكُمْ أَيْضًا" (لو12: 32-34).
1- كان السيد المسيح دائمًا يُطمئِّن تلاميذه، فعندما جاءهم ماشيًا على الماء قال لهم: "أَنَا هُوَ. لاَ تَخَافُوا" (مر6: 50)، وعندما اضطربوا قال لهم: "مَا بَالُكُمْ خَائِفِينَ هكَذَا؟ كَيْفَ لاَ إِيمَانَ لَكُمْ؟!" (مر4: 40)، ثم عاد وأوصى تلاميذه "وَلاَ تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ" (مت10: 28)، وبدأت تحية الملاك للسيدة العذراء: "لاَ تَخَافِي يَا مَرْيَمُ" (لو10: 31)..
2- أحيانًا يخاف الإنسان من أشياء وتوقُّعات كثيرة، ولا يكون لهذه المخاوف سندٌ من الحقيقة، فهذه المخاوف لا توجد إلاَّ في أذهاننا..
3- إن الغبي جمع أمواله حوله.. أما تجربة الفقير: هي الخوف من الفقر، والعوز والحاجة.. والسيد المسيح يبدِّد هذه المخاوف بقوله: "لأَنَّ أَبَاكُمْ يَعْلَمُ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُوهُ!" (مت6: 8).
4- "لاَ تَخَفْ، أَيُّهَا الْقَطِيعُ الصَّغِيرُ، لأَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ سُرَّ أَنْ يُعْطِيَكُمُ الْمَلَكُوتَ بِيعُوا مَا لَكُمْ وَأَعْطُوا صَدَقَةً. اِعْمَلُوا لَكُمْ أَكْيَاسًا لاَ تَفْنَى وَكَنْزًا لاَ يَنْفَدُ فِي السَّمَاوَاتِ"..
† القطيع الصغير- خِراف السيد المسيح قليلة:
أ) لأن الأعداء الذين يتربَّصون بهم والذئاب كثيرون.
بـ) لأَنَّ كَثِيرِينَ يُدْعَوْنَ وَقَلِيلِينَ يُنْتَخَبُونَ (مت20: 16).
وسُمِّيَ أتباع السيد المسيح قطيعًا أو خرافًا، لأن الرَّب هو راعيهم الذي لا تغفل عينه عنهم. وما دُمنا في حراسة الله فلماذا نخاف؟! ولنسأل دائمًا أنفسنا ونحن بين ذراعيّ القدير هل هناك قوة تفوق قوة الله؟!.. والرب يقول: خِرافي لا يستطيع أن يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي (يو10: 28).
5- ذكَرنا عدم الخوف من الفقر وعدم الخوف من الأعداء، ونذكُر الآن عدم الخوف من المستقبل، تفسره الآية: "لأَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ سُرَّ أَنْ يُعْطِيَكُمُ الْمَلَكُوتَ".
أ) إن الله يعطينا الملكوت على سبيل النعمة ومكافأة لنا على جهادنا وكفاحنا: "جَاهَدْتُ الْجِهَادَ الْحَسَنَ، أَكْمَلْتُ السَّعْيَ، حَفِظْتُ الإِيمَانَ، وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ" (2تي4: 6، 7).
(ب) مما يبعث على الطمأنينة وعدم الخوف أن الذي يعطي الملكوت (أباكم).. فهو أب رحيم شفيق.
وهذا الملكوت يعطيه لأولاده حسب مسرته.. وحسب صلاحه. وهو الذي قال لنا: "يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارًّا لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ" (لو15: 7).
6- إن الضيقات الكثيرة لا تبعث الخوف في قلب المؤمن، ولا يمكن، بل محال، أن تُفقِده الملكوت، فهناك وعد إلهي.. وهذا الملكوت.. وهذا الإرث محفوظٌ لنا في السموات، لا يفنَى ولا يضمحِّل ولا يتدنَّس.. وهذا هو عزاءُ المؤمنين: "لا شيء يَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ" (رو8: 35).. وبعد أن يفنى العالم ويزول نصيب الأشرار.. يُبقى لنا الله نصيبًا.
7- ولكن كيف نحصل على هذا الملكوت!؟
"بِيعُوا مَا لَكُمْ وَأَعْطُوا صَدَقَةً" (عدد33) لأنه ما دام الملكوت هدفًا، فلا نجعل المال عائقًا.. بينما كان الغني الغبي يريد أن يجمع كنوزه حوله.. أراد الرب منّا أن نحوِّل كنوزنًا لله، وأشواقنا للسماء..!
8- اِعْمَلُوا لَكُمْ أَكْيَاسًا لاَ تَفْنَى وَكَنْزًا لاَ يَنْفَدُ
أما الأكياس فهي القلب المملوء بالنعمة والمحبة والعمل الصالح.
أما الكنز في السماء فيمتاز بأنه: لا ينفذ - لا يبلى ولا يتلف - ولا يتعرض للسرقة. ولكي تحصل على هذا الكنز، عليك أن تبيع ما يفنى، وتشتري ما يبقَى، وتأخذ (تحويلاً) للآخرة، فعُملة الأرض زائفة لا تُصرَف في السماء..!
وبهذا نقضي تمامًا على الخوف، حيث لا يكون لنا على الأرض شيءٌ نخشى من ضياعه..!
المبعث الثاني لعدم الخوف إذا كان الله أعطانا الملكوت، فبالأولى يسِّد حاجاتنا الأرضية، فلا نقلق من هذه الناحية، لأن الأكثر، يشتمل على الأقل.
9- بِيعُوا مَا لَكُمْ وَأَعْطُوا صَدَقَةً (عدد 13)
وهذا ما فعله التلاميذ، ويقولون بلسان بطرس: "هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ" (مر10: 28)، وبلسان بولس: "مَا كَانَ لِي رِبْحًا، فَهذَا قَدْ حَسِبْتُهُ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ خَسَارَةً" (في3: 7)، وفي سفر الأعمال (2: 44، 45) "وَالأَمْلاَكُ وَالْمُقْتَنَيَاتُ كَانُوا يَبِيعُونَهَا وَيَقْسِمُونَهَا بَيْنَ الْجَمِيعِ، كَمَا يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ احْتِيَاجٌ".
10- اكْنِزُوا لَكُمْ: لا يستطيع إنسان أن يكنِز لغيره، كل إنسان يكنِز لنفسه، والعذراى الحكيمات، قُلْنَ للجاهلات إن الزيت "لاَ يَكْفِي لَنَا وَلَكُنَّ" (مت25: 9).. والخير الذي يعمله الإنسان على الأرض يتبعه هو ولا يتبع غيره.. والأخ لن ينفع أخاه، ولا الابن أباه، والكتاب قال عن الذين يرحلون من هذا العالم: "إن أَعْمَالُهُمْ تَتْبَعُهُمْ" (رؤ14: 13).
11- ماذا يشتمل الكنز؟؟
أ) يشمل على ما نفعله من خير إكرامًا للسيد المسيح وباسمه: "الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ" (مت25: 40).
بـ) يشمل السعي في خلاص الآخرين "مَنْ رَدَّ خَاطِئًا عَنْ ضَلاَلِ طَرِيقِهِ، يُخَلِّصُ نَفْسًا مِنَ الْمَوْتِ، وَيَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا" (يع5: 20).
جـ) يشمل الأعمال الصالحة: "أَوْصِ الأَغْنِيَاءَ فِي الدَّهْرِ الْحَاضِرِ .. أَنْ يَكُونُوا أَغْنِيَاءَ فِي أَعْمَال صَالِحَةٍ" (1تي6: 17، 18).
- والفضائل المسيحية "قَدِّمُوا فِي إِيمَانِكُمْ فَضِيلَةً، وَفِي الْفَضِيلَةِ مَعْرِفَةً، وَفِي الْمَعْرِفَةِ تَعَفُّفًا؟" (2بط1: 5، 6).
- عمومًا فقراء الدنيا، هم أغنياء السماء: "أَمَا اخْتَارَ اللهُ فُقَرَاءَ هذَا الْعَالَمِ أَغْنِيَاءَ فِي الإِيمَانِ، وَوَرَثَةَ الْمَلَكُوتِ.." (يع2: 5).
ثالثًا: السهر والاستعداد (لو12: 35-59).
كانت غلطة الغني الغبي القاتلة "أنه قال لنفسه أمامك خيرات كثيرة لسنين كثيرة".. لهذا أوصانا الرب بضرورة السهر لأنه في ساعة لا تعلمون يأتي ابن الإنسان، وقدَّم لنا مثليْن.
مثل السارق
"وَإِنَّمَا اعْلَمُوا هذَا: أَنَّهُ لَوْ عَرَفَ رَبُّ الْبَيْتِ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ يَأْتِي السَّارِقُ لَسَهِرَ، وَلَمْ يَدَعْ بَيْتَهُ يُنْقَبُ. فَكُونُوا أَنْتُمْ إِذًا مُسْتَعِدِّينَ، لأَنَّهُ فِي سَاعَةٍ لاَ تَظُنُّونَ يَأْتِي ابْنُ الإِنْسَانِ" (لو12: 39، 40)
† إنسان غفَل ولم يسهر فجاء السارق وسرق بيته؛ ووجه الشبه بين مجيء السارق ليلاً ومجيء الرب للدينونة، أن كلاً منهما يحدث في وقت غير متوقَّع.. فاللص لا يأتي إلاَّ والناس نيام، والرب يأتي والناس غافلون..
والغافلون هم الذين وضعوا كنوزهم وآمالهم في الدنيا الزائلة، ولهذا يقول سفر الرؤيا: "كُنْ سَاهِرًا..!" (رؤ3: 2)، "هَا أَنَا آتِي كَلِصٍّ! طُوبَى لِمَنْ يَسْهَرُ وَيَحْفَظُ ثِيَابَهُ" (رؤ16: 15).
مَنْ هُوَ الْوَكِيلُ الأَمِينُ الْحَكِيمُ
الأمانة والحكمة لازمة للكل، وتلزم بصفة أخَصّ للراعي وللخادم والمعلِّم الروحي. وأهم صفات الخادم الأمين:
1- يؤدي عمله بكلِّ تفانٍ وإخلاص ولا يفكِّر في راحته.
2- يتوقَّع دائمًا قول الرب في أي وقت: "أعطِ حساب وكالتك".
3- يستعمل مواهبة لينفع غيره.
4- يعتبر نفسه مسئولاً عن كلِّ فرد، وخادمًا لكلٍ منهم.
5- يمدحه سيده ويضاعف له الأجر.
6- يعطي العلوفة: أي التعليم الصالح والإرشاد الروحي، والأصل في العلوفة أنها (مكيال قمح).
مظاهر السهَر
1- لِتَكُنْ أَحْقَاؤُكُمْ مُمَنْطَقَةً: وهي رمز الاستعداد لأن الثياب الطويلة تعوق عن العمل.
2- وَسُرُجُكُمْ مُوقَدَةً: حتى إذا جاء السيد أنار له العبيد الطريق، وإنما يُنار القلب بفعلِ الروح القدس الذي يملأ القلب بِرًّا، وسلامًا، وتعففًا، ورجاءً، ومحبة.
3- الاستعداد للحساب ومجيء الرب.
4- عدم التثقُّل بالنوم الروحي والفتور.
† الهزيع الثالث والرابع
الأوَّل قبل نصف الليل، والثاني بعد نصف الليل، وقسَّم اليهود الليل إلى أربعة أقسام (المساء، نصف الليل، صياح الديك، الفجر)، ومن هذا نفهم أن سر تعاسة الأشرار هي عدم استعداهم.
† إذا جاء سيدهم وَيَتَقَدَّمُ وَيَخْدُمُهُمْ
جرت العادة أن يخدِم السيد ضيوفه، كما خدَم إبراهيم الملائكة وهو يجهلهم (تك18: 7، 8)، أما الأمر الذي لا يحدث أبدًا أن يخدِم السيد عبيده.. وهذا ما صنعه الرب يسوع عندما تقدَّم وغسل أرجل التلاميذ (يو13: 4- 12).
وهذا يصوِّر لنا عظمة السعادة في السماء التي خصَّ بها الله مختاريه وأحباءه..!
مَثَل الوكيليْن
† الوكيل الأمين: يمثِّله لعازر الدِمشقي في بيت أبينا إبراهيم، الذي أوصاه أبونا إبراهيم أن يختار زوجة لابنه إسحاق. ويوسف الذي كان أمينًا في بيت فوطيفار.
† أما الوكيل الخائن فيتَّصِف بالصفات الآتية
أ) موت الضمير (يقول في قلبه).
بـ) التهاون (في قوله سيدي يُبطئ قدومه).
جـ) العدوان (يضرب الغلمان والجواري).
د) الانغماس في الملذّات (أخذ يشرب ويسكر).
† الجزاء بقدر المعرفة: الذي يعرف إرادة سيده ولا يعمل بها "فيُضرَب كثيرًا" والذي يجهل إرادة سيده "ضربات يُضرَب قليلاً".. وكان النظام السائد، يعاقَب العبد بضربِه، والمَثَل يقول: العبد يُقرَع بالعصا، والحُر تكفيه المقال!
ولا يوجد إنسان بدون معرفة، لأن الله أعطانا الضمير، وهو صوت الله في الإنسان.. والذين بدون شريعة كتب شريعته على قلوبهم.
ولهذا فالإنسان بلا عذر، "لأن إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ، لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ، لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ" (رو1: 19، 20).
† والكتاب يقول: "مَنْ أُعْطِيَ كَثِيرًا يُطْلَبُ مِنْهُ كَثِيرٌ".. وهذا يتفق مع مثل الوزنات.
† فالدينونة مُرعبة للأشرار وللخدام غير الأمناء الذين يعرفون أكثر.. وفرق بين خطيئة الجهل والعمد.
† فَقَالَ لَهُ بُطْرُسُ: يَا رَبُّ، أَلَنَا تَقُولُ هذَا الْمَثَلَ أَمْ لِلْجَمِيعِ أَيْضًا؟: ونشكر الله لوجود أناس يتقدمون في الكلام..
† لكن الذي يفعل! هنا تظهر أهمية الأعمال إلى جانب الإيمان.
***
"جِئْتُ لأُلْقِيَ نَارًا عَلَى الأَرْضِ، فَمَاذَا أُرِيدُ لَوِ اضْطَرَمَتْ أَتَظُنُّونَ أَنِّي جِئْتُ لأُعْطِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ؟ .. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا"
† فماذا يقصد بالنار؟
1) عمل الروح القدس الذي يُطهِّر المؤمنين "هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ" (مت3: 11)
2) الغضب الإلهي: "لأَنَّ إِلهَنَا نَارٌ آكِلَةٌ" (عب12: 29).
3) الحرب الروحية المستعِرة بين الخير والشر، وما يثيره الشيطان من ضيقات وانقسامات في البيت الواحد، فقد يؤمن الابن ولا يؤمن أبوه، أو تؤمن البنت ولا تؤمن أمها، فيكون بهذا المعني الابن ضد أبيه والبنت ضد أمها.
(3على2 ،2 على3) الخمسة (الابن، الأب، الابنة، الأم، وزوجة الابن) والحماة هي نفسها الأم بالنسبة لزوجة الابن.
والسيد المسيح استعار النار والسيف لهذه الحرب المقدسة ضد الشر والفساد.
† وَلِي صِبْغَةٌ أَصْطَبِغُهَا، وَكَيْفَ أَنْحَصِرُ حَتَّى تُكْمَلَ؟ (لو12: 50):
الصبغة هي المعمودية، وهنا معمودية الدم التي اصطبغ بها الرب واللص على الصليب (معمودية الدم) والترجمة القبطية (كيف أنا محتمل حتى تكمل).
† توبيخ اليهود
ينتهي إصحاح لوقا 12 بتوبيخ اليهود لأنهم يعرفون علامات السماء، الحمرة مساء علامة الصحو، ومجيء السحاب من المغرب علامة المطر، والرياح الجنوبية حارة لأنها قادمة من أفريقيا جنوبًا..
ولا يعرفون أن النبؤات قد تمت وكمُلت بمجيء مسيا، الرب يسوع مخلصًا وفاديًا للبشرية "إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ" (يو1: 11).
هناك عميان العيون وعميان القلوب.. وكان اليهود يبصرون بعيونهم ويعمون بقلوبهم..!!
[1] مقالان للقمص بطرس جيد روفائيل، نشرا في مجلة الكرازة، بتاريخ 20 مايو1977م، 27 مايو1977م
مثل: الحنطة والزوان
الحنطة والزوان[1]
"إِنْسَانًا زَرَعَ زَرْعًا جَيِّدًا (حِنطة)... وَفِيمَا النَّاسُ نِيَامٌ جَاءَ عَدُوُّهُ وَزَرَعَ زَوَانًا فِي وَسْطِ الْحِنْطَةِ... فجاء العبيد وقالوا من أين الزوان؟!... قال السيد: دَعُوهُمَا يَنْمِيَانِ كِلاَهُمَا مَعًا إِلَى الْحَصَادِ" (مت13: 24- 30).
فيما الناس نيام
+ الأشرار يعملون في الظلامِ. يقول الرب: "وَهذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ: إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ" (يو3: 19).
+ والشيطان ينشط حينما نغفل نحن وننام. لهذا يقول الرب: "اِسْهَرُوا وَصَلُّوا" (مت26: 41).
+ وقد نسمع كلامًا معسولًا ونظنه قمحًا، وهو نِفاق، كله زوان...!
+ قد لا نميِّز الزوان إلاَّ بعد نموه، لأنه يشبه الحنطة تمامًا، ونحن نُميِّز الناس بعد التجربة، فنعرفهم على حقيقتهم. "مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ" (مت7: 16).
+ ما أعجب الشبه بين الزوان والحنطة في أول الأمر! وما أكثر أن نخطئ حينما نحكم حسب الظاهر ونُخدع. لهذا يقول الكتاب: "لاَ تَحْكُمُوا حَسَبَ الظَّاهِرِ" (يو7: 24).
من أين يأتي الزوان؟
يحار العقل من أين تأتي كل الشرور والمحاربات، التي تصيب العالم عامة وأولاد الله بخاصة؟! "كَثِيرَةٌ هِيَ بَلاَيَا الصِّدِّيقِ، وَمِنْ جَمِيعِهَا يُنَجِّيهِ الرَّبُّ" (مز34: 19). ويقول داود النبي: "أَكْثَرُ مِنْ شَعْرِ رَأْسِي الَّذِينَ يُبْغِضُونَنِي بِلاَ سَبَبٍ" (مز69: 4).
اِبحث من أين تأتيك الخطية. "اذْكُرْ مِنْ أَيْنَ سَقَطْتَ وَتُبْ" (رؤ2: 5).
ملازمة الزوان للحنطة
+ نفسر كل المتناقضات الموجودة في العالم: من فقر وغِنى، وسعادة وشقاء، وحياة وموت، وخير وشر، ونهار وليل... لعازر والغني، التلاميذ ويهوذا.
+ وهي تفسر التجربة... عندما يتلفَّت المؤمن حوله، فيرى الشر ناجحًا يعيش مرفَّهًا. ولكن الكتاب يعود ويقول: "لاَ تَغَرْ مِنَ الأَشْرَارِ.. فسِرَاجُ الأَثَمَةِ يَنْطَفِئُ" (مز37: 1، أم24: 19، 20). أنهم سوف يُجتثون، يذهبون ولا يعودون...
بل هذه هي القاعدة: القمح يبقى ويذهب الزوان. الذي من الله يبقى، والذي من الشيطان يزول...
بل هذه هي المعركة بين الخير والشر. كلما أردت أن أفعل الخير، أجد الشر حاضرًا أمامي (رو7).
تحذير لأولاد الله
اِفحص ذاتك، وحاسِب نفسك، وغُص في أعماقك، لئلا يكون بك زوان ما زال ينمو... حقد، كراهية، محبة الذات، اهتمام بالدنيا وشواغل الحياة...
هل يسكن في قلبك الله أم الشيطان؟ الخير أم الشر؟ هل أنت حنطة أم زوان؟ احترس لئلا يكون النور الذي فيك ظلامًا... والظلام كم يكون! (مت6: 23).
الله خيرٌ مطلق
هو مصدر الخير. هو الذي يزرع فينا الحنطة. يفتح يديه ويُشبِع كل حي من رضاه (مز145: 16). وما يريده هو الخير دائمًا، على الرغم من وجود الشر في العالم.
قُدرة الله
سمح للزوان أن ينمو بجوار الحنطة، وحفظ الحنطة من شر الزوان، ألم يقل: "وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ" (مت28: 20). لا خوف إذًا من الزوان. فلا شيء يستطيع أن يفصل الإنسان عن محبة الله. (رو8: 35- 39).
متى يتم الفصل؟
في اليوم الأخير، حيث يتم فصل الأبرار عن الأشرار. "فَيَخْرُجُ الَّذِينَ فَعَلُوا الصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الْحَيَاةِ، وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الدَّيْنُونَةِ" (يو5: 29).
فالأشرار والأبرار معًا في الدنيا. والأمر يختلف تمامًا في الآخرة.
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 25 يوينو1985م
مثل: حبَّة الخردل
حبَّة الخردل[1]
"يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ حَبَّةَ خَرْدَل أَخَذَهَا إِنْسَانٌ وَزَرَعَهَا فِي حَقْلِهِ، وَهِيَ أَصْغَرُ جَمِيعِ الْبُزُورِ. وَلكِنْ مَتَى نَمَتْ فَهِيَ أَكْبَرُ الْبُقُولِ، وَتَصِيرُ شَجَرَةً، حَتَّى إِنَّ طُيُورَ السَّمَاءِ تَأْتِي وَتَتَآوَى فِي أَغْصَانِهَا" (مت13: 31، 32).
أولاً: مشابهة حبة الخردل وملكوت السموات
صِغَر كل منهما في البداية
كيف نشأت الكنيسة؟ طفل يولد في مذود في بيت لحم، لا تحوطه حاشية، ولا يحُف به جند. يبدأ الخدمة في سن الثلاثين، يتبعه تلاميذه، ومعظمهم فقراء وجُهَّال "أما اخْتَارَ اللهُ جُهَّالَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الْحُكَمَاءَ" (1كو1: 27). ثم نراه مهانًا فوق الصليب.
النمو الدائم وبالتدريج حتى بلوغ الكمال
وعلى مدى ثلاثين عامًا بعد القيامة، كانت الكرازة قد امتدت إلى كل مكان معروف في المسكونة في ذلك الوقت. وهكذا صارت حبة الخردل شجرة كبيرة.
عِظم النتائج المبهرة
تمتد الكرازة إلى أقصى الأرض. ويصبح ميلاد المسيح بِدء عام جديد لكل شعوب الأرض، من كل جنس ولون ولسان...! وتصبح المسيحية الديانة العالمية.
ثانيًا: نمو ملكوت السموات في قلب كل إنسان
يبدأ بسماع آية أو عِظة، تصحبها دموع التوبة وانفعالات الإيمان والمحبة، والنمو في النعمة، وغلبة الخطية والشهوات، مع بركة الأسرار وثمار الروح القدس. فيصير الإنسان غير ما كان. ويقول مع بولس الرسول: "أَنَا مَا أَنَا،... ولكن نعمة الله فيَّ ليست باطلة..." (1كو15: 10).
وهكذا بدأت حياة زكا: رأى الرَّبُّ يسوع من فوق الجميزة. وبعد أن دخل الرب بيته، نراه يقول: "نِصْفَ أَمْوَالِي لِلْمَسَاكِينِ، وَإِنْ كُنْتُ قَدْ وَشَيْتُ بِأَحَدٍ أَرُدُّ أَرْبَعَةَ أَضْعَافٍ" وهكذا يسمع عبارة: "حَصَلَ خَلاَصٌ لِهذَا الْبَيْتِ" (لو19: 9)... نمو عجيب، وبسرعة...
والقديس أنطونيوس دخل الكنيسة ليسمع الآية: "اِذْهَبْ بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ" (مر10: 21).. فيدخل البرية.. ويعيش حياة الرهبنة والزهد.. ويصير كوكبًا للبرية.
ويتأثَّر اللص المصلوب.. بالرَّبِّ يسوع على عود الصليب.. فيهتف من أعماقه: "اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ.." ويسمع قول الرب: "الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ" (لو23: 43).
ثالثًا: فلسفة حبة الخردل
أو فلسفة القليل الذي يصير كثيرًا:
قليل ومعه بركة... كثير: "بَرَكَةُ الرَّبِّ هِيَ تُغْنِي، وَلاَ يَزِيدُ مَعَهَا تَعَبًا" (أم10: 22).
قليل ومعه شكر... كثير: وفي معجزة خمس خبزات بارك الرب وشكر... وأكل جميعهم وشبعوا (مت15: 36).
قليل ومعه إيمان... كثير: كل شيء مستطاع للمؤمن. غير المستطاع عند الناس مستطاع عند الله (مت19: 26)...
قليل ومعه خدمة... كثير: هؤلاء اثنا عشر تلميذًا قال لهم الرب: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ" (مت28: 19).
عطاء قليل من الأعواز... كثير: التي دفعت الفِلسين، قال الرب: "إنها دفعت أكثر من جميعهم" (لو21: 3).
الاحتراس من الصغائر: قيل عن اللسان... "هوذا نار قليلة أي وقود تحرق"؟! (يع3: 5).
حبة الخردل صغيرة وبها صلابة: هي صلابة التمسُّك بالمبادئ والقِيَم... وهي سر القوة.
الصغير في عينيّ نفسه عظيمٌ عند الله: الأصغر فيكم جميعًا هو الأكبر... أكبركم فليكن لكم خادمًا...! (مت23: 11).
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ ، 2 يوليو1985م
مثل: الخميرة
الخميرة[1]
"يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ خَمِيرَةً أَخَذَتْهَا امْرَأَةٌ وَخَبَّأَتْهَا فِي ثَلاَثَةِ أَكْيَالِ دَقِيق حَتَّى اخْتَمَرَ الْجَمِيعُ" (مت13: 33).
أولاً: التأثير الباطني
بعض الأمثال التي ذكرها السيد المسيح تتَّضِح فيها علامات النمو الظاهري. وأما مَثَل الخميرة فتتَّضِح فيه علامات النمو الباطني. وأهم مميزاته هنا:
أ- التأثير يستمر في النمو، في هدوء وتدريج واستمرار، حتى يصل إلى الكمال. ولا يتم النمو فجأة...
ب- لكي يتم النمو، تذوب الخميرة، بالامتزاج والاختفاء
وهذا ما تهدف إليه رسالة المسيحية، أن يختلط المؤمنون بالمجتمع، ويؤثرون فيه تأثيرًا صالحًا ممتدًا، كما قال الرَّبُّ يسوع: " لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت5: 16).
"أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ" (مت5: 13). والملح يجب أن يمتزج بالطعام ويذوب فيه، ليعطي الطعام النكهة والمذاق والصلاحية.
+ من خصائص الخميرة، أنها إذا وُضِعت في مادة تختلف عنها، حوَّلتها؛ فتصير مِثلها، وتأخذ كل صفاتها.
وهكذا في محيط العمل الروحي، يمتد التأثير الإلهي من قلب إلى قلب، ومن بيتٍ إلى بيت، ومن مدينةٍ إلى مدينة، حتى تتحول قلوب الناس، وتصير مثل قلب الله... في الطُهر والقداسة..!
ثانيًا: حتى اختمر العجين كله
أ- هذا هو ماضي الكنيسة
بدأت الكرازة باثنى عشر رسولاً، ثم سبعين آخرين. وبدأت الخدمة بخِراف بني إسرائيل الضالة، ثم امتدَّت إلى أقاصي الأرض إلى كل الشعوب.
ب- وهذا هو مستقبل الكنيسة
أن تمتد المبادئ الروحية السليمة، لتشمل العالم كله، من حبٍ، وصفح، ومساواة، وإلغاء للرِق، وعدم التمييز العنصري بسبب اللغة، أو الجنس، أو اللون. لأنه: "لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ" (غل3: 28).
ثالثًا: استعارة الخميرة للخير والشر
أ- فمن ناحية الخير، يُستخدَم الخمير تشبيهًا لملكوت السموات.
ب- ومن ناحية الشر: فطقسيًا مُنِعَت الخميرة أن تدخل في تقدِمات خيمة الاجتماع في العهد القديم. وأدبيًا: ترمز الخميرة إلى النفاق والرياء والخُبث. قال الرب لتلاميذه: "تَحَرَّزُوا مِنْ خَمِيرِ الْفَرِّيسِيِّينَ" (مت16: 6). ويقصد بالخمير: النِفاق (مر8: 15، لو12: 1). وقال الكتاب: "إِذًا نَقُّوا مِنْكُمُ الْخَمِيرَةَ الْعَتِيقَةَ، لِكَيْ تَكُونُوا عَجِينًا جَدِيدًا" (1كو5: 7).
ونخرج من هذا: أن مَثَل الخميرة يُطلَق على قوة التأثير. وقد يكون نافعًا أو ضارًا...
رابعًا: بعض التأملات
عدم الاستهانة بخطيئة واحدة
مهما بدت هذه الخطيئة صغيرة. فقد تُفسِد خطيئة واحدة حياة الإنسان كلها، بأن تمتد وتنمو داخله، وتسيطِر على كل مشاعره. وكثيرون هلكوا، ولم يُذكر عنهم سوى خطيئة واحدة: "وخَمِيرَةً صَغِيرَةً تُخَمِّرُ الْعَجِينَ كُلَّهُ" (1كو5: 6).
2- خطر المعاشرات الرديئة
لأنها تؤثر في الإنسان تأثيرًا ضارًا وتحوِّله إلى شخص آخر مختلف تمامًا، والكتاب يقول: "الْمُعَاشَرَاتِ الرَّدِيَّةَ تُفْسِدُ الأَخْلاَقَ الْجَيِّدَةَ" (1كو15: 33).
3- خميرة خبَّأتها امرأة
لكي ينجح التأثير يلزم أن نعمل الخير في الخفاء "فَلاَ تُعَرِّفْ شِمَالَكَ مَا تَفْعَلُ يَمِينُكَ" (مت6: 3).
4- في ثلاثة أكيال
مقدار العجينة العادية عند العبرانيين، وتسمى (الإيفة) ويُرمَز بالمرأة إلى الكنيسة، والثلاثة أكيال ثلاثة عصور مرت بها الكنيسة: عصر الآباء قديمًا البطاركي، وعصر الأنبياء، والعصر المسيحي.
5- عملية التأثير والنمو شرطها الاستمرار وعدم التوقف
أما مصادر التأثير فتكون بالقدوة الصالحة والإيحاء، واتِّخاذ المثل الأعلى من كلمة الله، وأقوال الآباء، وسير القديسين.
6- اختمر العجين كله
القلب كله والحياة كلها تكون للرب – لا يوجد فراغ يشغله حبٌ آخر...؟!
وهكذا انتهت الخميرة إلى (الفناء)... الفناء في حب الله...!! لم توجد وعاشت آثارها.
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ ، 9 يوليو1985م
مثل: كنزٌ مُخفى
كنزٌ مُخفى[1]
"يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ كَنْزًا مُخْفىً فِي حَقْل، وَجَدَهُ إِنْسَانٌ فَأَخْفَاهُ. وَمِنْ فَرَحِهِ مَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَاشْتَرَى ذلِكَ الْحَقْلَ...." (مت13: 44).
كنز مُخفَى
يبيِّن هذا المَثَل قيمة ملكوت السموات بالنسبة لكلِّ مؤمن كمُقتنَى خاص يمتلكه، وقيل أنه كنزٌ باعتبار أنه ثمين وهو كذلك لاعتبارات كثيرة منها:
فيه الغِنى: أي أنه يُغني الإنسان: "الأَشْبَالُ احْتَاجَتْ وَجَاعَتْ، وَأَمَّا طَالِبُو الرَّبِّ فَلاَ يُعْوِزُهُمْ شَيْءٌ مِنَ الْخَيْرِ" (مز34: 10) فالله غني بذاته، وهو يُغني أولاده "الرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ" (مز23: 1).
وهو ثمين لأن فيه رِضى الله وميراث الحياة الأبدية الذي لا يفنى ولا يضمحل...
وفيه الشبع: "كُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هذَا الْمَاءِ يَعْطَشُ أَيْضًا. وَلكِنْ مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الأَبَدِ، بَلِ الْمَاءُ الَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ" (يو4: 13، 14).
وهو كنز لأن المقصود به الرب يسوع ذاته! الْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ (كو2: 3) وهو خبز الحياة... مَن يُقبِل إليه لا يجوع ومن يؤمن به لن يعطش... فطوبى لمن يمتلك هذا الكنز!
مُخفَى في حقل
كان من عادة الأغنياء قديمًا أن يخفوا أموالهم وكنوزهم في الحقول خوفًا عليها من الأخطار التي تتهدَّدهم، وما زال الأغنياء إلى يومنا الحاضر، يخفون ثرواتهم بطرقٍ شتى، زيادة في الحِرص والتخفّي، وبدافع حب المال والرغبة في اقتنائه.
والكنوز الروحية مُخفاه عن أهل هذا العالم لأن "... الإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ لاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ اللهِ لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ، وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَهُ لأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهِ رُوحِيًّا" (1كو2: 14). ويقول الكتاب: "إِلهُ هذَا الدَّهْرِ قَدْ أَعْمَى أَذْهَانَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ" (2كو4: 4).
والمقصود بمن أخفاه أن مَن يملك ملكوت السموات يحرِص عليه حتى لا يفقده، أو يغريه العالم ويشدّه إليه فيضيع منه، فهو يخفيه عن حسد الشياطين: "هموم هذا العالم وغرور الغنى وشهوات سائر الأشياء تدخل وتخنِق الكلمة فتصير بلا ثمر..." (مر 4: 19).
وليس معنى هذا أن نُخفي الملكوت عن غيرنا.. بل نسعى أن يعرفه ويتمتع به الجميع.. ومشاركة الجميع لنا في أفراح السماء مما يزيد سرورنا.. أندراوس دعا فيلبس.. وفيلبس اجتذب نثنائيل.. وهكذا (يو1: 45).
باع ما كان له
هذا يتفق مع قول بطرس الرسول: "هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ" (مت19: 27)، وقول بولس الرسول: "خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ" (في3: 8) وقول الرب يسوع: "مَنْ وَجَدَ حَيَاتَهُ يُضِيعُهَا، وَمَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا" (مت10: 39).
تأمُّلات روحية
ترك صاحب الكنز كل ما له ليقتنيه: وعلى الخاطئ أن يترك خطاياه، والطامع في الدنيا أن يترك مطامعه، وعلى صاحب الشهوات أن يترك شهواته، والمتردِّد يترك تردُّده... ليقتني الرب نصيبًا له...
باع كل ما كان له واشتراه: وهذا معناه أننا لا نستطيع أن نجمع بين حب العالم... والله! الدنيا والآخرة... لأنه عليه أن يحب الواحد ويُبغِض الآخر... ومحبة المال أصل لكل الشرور (1تي6: 10).
الذي اقتنى الكنز كان مقتنعًا تمامًا بقيمته فلم يضيِّع الفرصة، وهنا تظهر قيمة الفرصة فقد تذهب ولا تعود... "وَالْمُسْتَعِدَّاتُ دَخَلْنَ مَعَهُ إِلَى الْعُرْسِ، وَأُغْلِقَ الْبَابُ..." (مت25: 10).
هذا الكنز وجدَته السامرية في شخص الرب يسوع... "هَلُمُّوا انْظُرُوا إِنْسَانًا قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ" (يو4: 29) ووجدته نازفة الدم، فشُفِيَت في الحال، وكل من التقى بالرب يقول: "أَمْسَكْتُهُ وَلَمْ أَرْخِهِ"... (نش3: 4).
يلزم ألاَّ نكتفي بأننا نعرف الرب، بل علينا أن نمتلكه "نَصِيبِي هُوَ الرَّبُّ، قَالَتْ نَفْسِي" (مرا3: 24).
مع الله نشعر بالغِنى باعتباره كنزًا... ونشعر بالفرحة: "من فرحه مضى واشتراه"، ويقول الكتاب: "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا" (في4: 4) فحياة المؤمنين فرحٌ دائم.
باع كل ما كان له.. هذا معناه التجرُّد.. التجرُّد من حِطام الدنيا لنمتلك الواحد .. الكل!
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ ، 16 يوليو1985م
مثل: لؤلؤة كثيرة الثمن
لؤلؤة كثيرة الثمن[1]
"يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَانًا تَاجِرًا يَطْلُبُ لآلِئَ حَسَنَةً، فَلَمَّا وَجَدَ لُؤْلُؤَةً وَاحِدَةً كَثِيرَةَ الثَّمَنِ، مَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَاشْتَرَاهَا" (مت13: 45، 46).
يطلب لآلئ
يُستخرج اللؤلؤ من الصدف في البحار ويكثُر في بحار الهند، وهو دليل الغِنى والشرف، ويتهافت الملوك على اقتنائه، وتُرصَّع به التيجان، وتتحلَّى به النساء، وهذه نصيحة بولس الرسول: "وَكَذلِكَ أَنَّ النِّسَاءَ يُزَيِّنَّ ذَوَاتِهِنَّ بِلِبَاسِ الْحِشْمَةِ .. لاَ بِضَفَائِرَ أَوْ ذَهَبٍ أَوْ لآلِئَ" (1تي2: 9).
أوجُه شبه وأوجُه خلاف بين مَثَليّ كنز مُخفى، ومثل لؤلؤة كثيرة الثمن
أما أوجُه الشبه فهي
- عِظم القيمة والقدر
لأن المقصود بكل منهما ملكوت السموات، والأمجاد التي وصفها الكتاب بقوله: "فِي يَمِينِهَا طُولُ أَيَّامٍ، وَفِي يَسَارِهَا الْغِنَى وَالْمَجْدُ... وَكُلُّ جَوَاهِرِكَ لاَ تُسَاوِيهَا" (أم3: 16، 17)، ويكفي أن الأبدية لا نهاية لها في طول الأيام، والمجد، والسعادة!
أن تكون مِلكًا لمَن يقتنيها، فهي ميراثٌ أبديّ لا يفنَى ولا يضمحل...
من يقتنيها يلزم أن يبيع كل شيء ليحصل عليها: سأل الشاب الغني ماذا أفعل لأرِث الحياة الأبدية؟ قال له الرب: "اِذْهَبْ بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ" (مت19: 21).
أما أوجُه الاختلاف فهي
الكنز المُخفى وُجِد اتفاقًا... فذُكِر أن التاجر فرح لعنصر المفاجأة... مثل السامرية التي التقت بالرب يسوع، دون قصد أو تدبير، فتغيَّرت حياتها. وشاول الطرسوسي الذي التقى بالرب في طريقه إلى دمشق (أع9: 3) فتحوَّل إلى بولس الرسول.
أما مَثَل لؤلؤة كثيرة الثمن
فالتاجر وجدها بعد بحثٍ وتنقيب، وهذا ما يحدث في حياتنا، فقد يُشرِق علينا نور الله فجأة، فيصحو الضمير، وتلتهب المشاعر الروحية، وقد نلتقي بالله بعد رحلة طويلة... من فشل، وعناء، وجري وراء الدنيا، ومشاكل، وهم كثير، فنفيق ونقول مع المولود أعمى بعد أن تتجدَّد حياتنا، حقًا: "كُنْتُ أَعْمَى وَالآنَ أُبْصِرُ" (يو9: 25).
لؤلؤة كثيرة الثمن يُقصَد بها
خلاص النفس: فليس هناك أعظم أو أجَلَّ من أن يتوِّج الإنسان حياته بخلاص نفسه، وينال "إكليل البر" ويخرج الإنسان من هذه الدنيا وقد اقتنى الملكوت: "نَائِلِينَ غَايَةَ إِيمَانِكُمْ خَلاَصَ النُّفُوسِ" (1بط1: 9).
ملكوت السموات: كميراث دائم لا يفنى ولا يزول.. محفوظٌ لنا في السموات: "من يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ الَّتِي فِي وَسَطِ فِرْدَوْسِ اللهِ" (رؤ2: 7).
الالتقاء بالسيد المسيح
الإيمان به ومعرفته والالتصاق به، فيكون أنشودة الروح وهي تتهلَّل: "حَبِيبِي لِي وَأَنَا لَهُ..." ويتحقَّق الوعد: "سَيَلْبَسُ ثِيَابًا بِيضًا، وَلَنْ أَمْحُوَ اسْمَهُ مِنْ سِفْرِ الْحَيَاةِ" (رؤ3: 5).
تأمُّلات روحية
يُخطئ الذين يبحثون عن الخير الأعظم والسعادة، فيبحثون عنها في الجاه والمركز والمال ومظاهر الحياة، كالتاجر الذي يطلب لآلئ حسنة... وفي النهاية يكتشفون أنها: زائفة، وأن باطل الأباطيل الكل باطل وقبض الريح... (جا2: 11).
مع وجود أشجار كثيرة في جنة عدن، حسِنة ومبهِجة، ولكن كانت هناك شجرة واحدة هي "شجرة الحياة"، طُرِدَ آدم من الجنة دون أن يصل إليها... وجاء الرب ليعيدها إلينا: "أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ" (يو10: 10). وشجرة الحياة، المقصود بها لؤلؤة كثيرة الثمن.
رغم أن سليمان الحكيم تزوَّج نساء كثيرات فكان يشتهي الحصول على لؤلؤة كثيرة الثمن واحدة، هي: "اِمْرَأَةٌ فَاضِلَةٌ مَنْ يَجِدُهَا؟ لأَنَّ ثَمَنَهَا يَفُوقُ اللآلِئَ" (أم31: 10).
لؤلؤة كثيرة الثمن وصفها سليمان الحكيم في قوله: "اِقْتَنِ الْحَقَّ وَلاَ تَبِعْهُ، وَالْحِكْمَةَ وَالأَدَبَ وَالْفَهْمَ" (أم23: 23).
ووصفها بولس الرسول في شخص الرب يسوع: "مَا كَانَ لِي رِبْحًا، فَهذَا قَدْ حَسِبْتُهُ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ خَسَارَةً" (في3: 7).
وضع السيد المسيح التلاميذ في موضع الاختيار... أتريدون أن تذهبوا... فقالوا: "إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كَلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ؟" (يو6: 68). والآن عليك أن تختار: أتريد أصدافًا كثيرة... تبدو جنة؟ أم تربح لؤلؤة واحدة كثيرة الثمن... الحياة مع المسيح هي ربح!
إذا حصلت على اللؤلؤة كثيرة الثمن فلا تعُد وتضحي بها من أجل شهوات زائلة: "وَلاَ تَطْرَحُوا دُرَرَكُمْ قُدَّامَ الْخَنَازِيرِ" (مت7: 6).
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ ، 23 يوليو1985م
مثل: شبكة مطروحة في البحر
شبكة مطروحة في البحر[1]
"يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ شَبَكَةً مَطْرُوحَةً فِي الْبَحْرِ، وَجَامِعَة مِنْ كُلِّ نَوْعٍ. فَلَمَّا امْتَلأَتْ أَصْعَدُوهَا عَلَى الشَّاطِئِ، وَجَلَسُوا وَجَمَعُوا الْجِيَادَ إِلَى أَوْعِيَةٍ، وَأَمَّا الأَرْدِيَاءُ فَطَرَحُوهَا خَارِجًا..." (مت13: 47).
يختلف مَثَل الشبكة المطروحة عن مَثَل الزوان
إن هذا المَثَل قيل عن الصيد، بينما مَثَل الزوان قيل عن الفلاحة. ولقد كان أربعة على الأقل من التلاميذ، صيادين. والرب عاد وقال لهم: أنتم "صيادو الناس"... ومهنة الصيد مهنة شاقة، يتعرَّض فيها المرء للأخطار، ويستخدم الصياد الطُعْم ويصبر على اصطياد الأسماك. وهناك تطابُق بين عمل صيّاد السمك وخادم الكلمة من حيث المعاناة والصبر.
شبكة
وهي ذات ثقوب ضيقة تُثقَّل بقطع من الرصاص من أسفل، وتُخفَّف بقِطع من الفلين من أعلى، وتُطرح على شكل دائرة وتُشد من الطرفين.
والمقصود من الشبكة: الكنيسة، والبحر: العالم، لأن من صفاتها أنها:
جامعة رسولية
وطرحها في البحر رمز إلى امتداد الكنيسة في العالم. ولا يُقصد بها جنس دون آخر.
+ والذين يلقون الشبكة هم خُدام الكلمة والرعاة، والمسيحيون بسلوكهم في الحياة.
جامعة من كل نوع
الدعوة عامة لكل جنس ولون ولغة، وتشمل الخطاة والأثمة: "لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى .. لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ" (مت9: 12).
+ وتشمل التعابَى: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ" (مت11: 28).
+ والمرضى والميئوس من شفائهم: "فَأَحْضَرُوا إِلَيْهِ جَمِيعَ السُّقَمَاءِ الْمُصَابِينَ بِأَمْرَاضٍ وَأَوْجَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَالْمَجَانِينَ .. فَشَفَاهُمْ" (مت4: 24) وكل الحزانَى والضُعفاء والذين فقدوا الرجاء والذين ضلّوا: "إِنَّهُ هكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارًّا لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ" (لو15: 7).
لما امتلأت (الشبكة)
المقصود عندما يتم إعداد المختارين، ومن مراحم الله الكثيرة أن الدنيا تظل قائمة، وتتعاقب الفصول في أوقاتها، وتظل الأرض في دورانها، ولا تقوم القيامة: حتى يكمل عدد المُخَلِّصِين والقديسين... كما قيل للذين يلبسون ثيابًا بيضًا أن ينتظروا حَتَّى (يَكْمَلَ) الْعَبِيدُ رُفَقَاؤُهُمْ (رؤ6: 11).
جمعوا الجِياد إلى أوعية
المقصود بالأوعية (المخزن) في عدد3.
المنازل الكثيرة: فِي بَيْتِ أَبِي مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ.. أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا (يو14: 2).
الصيادون والملائكة
يقوم الصيادون بفرز السمك، ويقوم الملائكة بفرز الأبرار والأشرار، ويظهرون علانية خلافًا لما هم عليه الآن. وعن الأشرار قيل: "فَيَجْمَعُونَ مِنْ مَلَكُوتِهِ جَمِيعَ الْمَعَاثِرِ وَفَاعِلِي الإِثْمِ" (مت13: 41).
وعن الأبرار قيل: "فَيَجْمَعُونَ مُخْتَارِيهِ مِنَ الأَرْبَعِ الرِّيَاحِ، مِنْ أَقْصَاءِ السَّمَاوَاتِ إِلَى أَقْصَائِهَا" (مت24: 31).
وعن الفرز قيل: "فَيُمَيِّزُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ كَمَا يُمَيِّزُ الرَّاعِي الْخِرَافَ مِنَ الْجِدَاءِ" (مت25: 32). وعن مصير الأشرار: "فَأَلْقَى الْمَلاَكُ مِنْجَلَهُ إِلَى الأَرْضِ وَقَطَفَ كَرْمَ الأَرْضِ، فَأَلْقَاهُ إِلَى مَعْصَرَةِ غَضَبِ اللهِ الْعَظِيمَةِ" (رؤ14: 19). والذين يظلون أردياء هم الذين ذاقوا النعمة ورفضوها، وهم الذين أصرّوا على الخطيئة فلم يمكن تجديدهم.
التأملات الروحية
أُلقيت شبكة الكرازة يوم الخمسين. فاصطاد بطرس الرسول في عظة واحدة 3000 نفس.
لا عجب أن يوجد داخل الكنيسة ومن بين المؤمنين جِياد وأردياء: "وَإِنْ كَانَ لِي كُلُّ الإِيمَانِ حَتَّى أَنْقُلَ الْجِبَالَ، وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلَسْتُ شَيْئًا" (1كو13: 2). والذين هلكوا وكانوا على اليسار كانوا مؤمنين.
مما يؤسف حقًا: أن نسبة الأردياء هي الأكثر: "لأَنَّ كَثِيرِينَ يُدْعَوْنَ وَقَلِيلِينَ يُنْتَخَبُونَ"! (مت22: 14).
والرب شرح هذه الحقيقة بقوله: "لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَارَبُّ، يَارَبُّ! يَدْخُلُ ملكوت السَّمَاوَاتِ" (مت7: 21).
لنتذكر دائمًا أن (حام) كان داخل الفلك، وأن قايين كان في العائلة الأولى... وأن عيسو كان في عائلة أبينا إسحاق، وأن يهوذا كان بين الاثنى عشر رسولاً، وأن سيمون الساحر كان بين الذين اعتمدوا في السامرة؟!!
ولنتذكَّر أيضًا تحذير الرَّب بهذه المناسبة: "حِينَئِذٍ يَكُونُ اثْنَانِ فِي الْحَقْلِ، يُؤْخَذُ الْوَاحِدُ وَيُتْرَكُ الآخَرُ، اِثْنَتَانِ تَطْحَنَانِ عَلَى الرَّحَى، تُؤْخَذُ الْوَاحِدَةُ وَتُتْرَكُ الأُخْرَى" (مت24: 40، 41).
والقاعدة الروحية العريضة هي هذه: "مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَائِمٌ، فَلْيَنْظُرْ أَنْ لاَ يَسْقُطَ" (1كو10: 12) "والَّذِي يَصْبِرُ إِلَى الْمُنْتَهَى فَهذَا يَخْلُصُ" (مت24: 13).
رغم أن السيد المسيح تحدَّث كثيرًا عن الملكوت، فلم يكُفّ عن التحذير من الدينونة، وعقاب الأثمة والأشرار في جهنم النار: "حيث يكون البكاء وصرير الأسنان، دود لا يموت ونار لا تطفأ"... لينجينا الله، وليرحمنا كعظيم رحمته...!
بقَى أن السيد المسيح أوصى التلاميذ أن يصطادوا الناس، وبقَى أن نعرف أن الشبكة التي نصطاد بها الناس... أن نحبهم؟!!
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 20 أغسطس1985م
مثل: الزارع والزرع
الزارع والزرع[1]
"هُوَذَا الزَّارِعُ قَدْ خَرَجَ لِيَزْرَعَ، وَفِيمَا هُوَ يَزْرَعُ سَقَطَ بَعْضٌ عَلَى الطَّرِيقِ... وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الأَمَاكِنِ الْمُحْجِرَةِ.. وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ جَفَّ... وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الشَّوْكِ، فَطَلَعَ الشَّوْكُ وَخَنَقَهُ. وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الأَرْضِ الْجَيِّدَةِ فَأَعْطَى ثَمَرًا.." (مت13: 3- 8).
أولاً: على الطريق
الذي يسمع كلام الله ولا يصل الكلام إلى قلبه ويتعدَّى أذنيه، شبه الطريق الذي يتصلَّب من كثرة المرور عليه. وتظل التربة فيه عارية.
فيأتي الشرير ويخطف؛ شَبَّه عمل الشيطان بما تفعله الطيور، تخطف، فلا يبقَى شيء في القلب. من هذا النوع، الأربعة الذين دُعوا إلى العرس، فاعتذروا بأعذارٍ واهية.
ثانيًا: على الأماكن المُحجِرة
الرجاء من هؤلاء أكثر، ولكن النتيجة واحدة. مثلهم الذين يسمعون كلمة الله، ويصرخون بها فرحًا وقتيًا، ويُسرّون بمواعيد الله، وينذرون السير في طريق التوبة، دون أن يكملوا الطريق! فإذا قابلهم ضيق أو اضطهاد تراجعوا.
هؤلاء من ذوي الانفعالات السريعة بدون عمق، "فليس لهم أصل". أي ليس لهم مبادئ متأصِّلة مقترنة بحب الله.
وإن كان النوع الأول (الطريق) يمثل (اللامبالاة). فالأرض المُحجِرة تمثِّل (السطحية) "أشرقت الشمس فاحترق": الشمس التي تفيد الزرع في التربة العميقة، تحرق الزرع في التربة السطحية الرقيقة.
ثالثًا: سقط على الشوك
ما هو هذا الشوك؟ إنه:
هموم هذا العالم، اهتماماته: ماذا نأكل وماذا نلبس (مت6: 25).
غرور الغنى: الخطر من اقتناء المال أكثر من فقدانه. شُبِّه بالشوك لأنه يخنق الكلمة "وَأَمَّا الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَكُونُوا أَغْنِيَاءَ، فَيَسْقُطُونَ فِي تَجْرِبَةٍ وَفَخٍّ وَشَهَوَاتٍ كَثِيرَةٍ غَبِيَّةٍ وَمُضِرَّةٍ..." (1تي6: 9).
ومن النادر أن يعتقد الناس ذلك، لأنهم يظنون أن المال مصدر السعادة!
هموم العالم هي تجربة الفقراء. وغرور الغنى تجربة الأغنياء.
رابعًا: الأرض الجيدة
ويقصد بها القلب تُلينه نعمة الله وعمل الروح القدس. والثمر يكون بطاعة الله وحفظ الوصية: "إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فَاحْفَظُوا وَصَايَايَ" (يو14: 15)، "بِهذَا يَتَمَجَّدُ أَبِي أن تَأْتُوا بِثَمَرٍ كثيرٍ.. وَيَدُومَ ثَمَرُكُمْ" (يو15: 8، 16). "كُونُوا عَامِلِينَ بِالْكَلِمَةِ، لاَ سَامِعِينَ فَقَطْ" (يع1: 22).
أما عن الثلاثين والستين والمائة، فتدُل على أن طريق الكمال درجات، ويتوقَّف على النمو الروحي: "انْمُوا فِي النِّعْمَةِ وَفِي مَعْرِفَةِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (2بط3: 18).
تأملات روحية
هذه الأمثال ما أشبهها بنجومٍ متناثرة في ليلةٍ مُقمِرة. وهي تمتاز بالبساطة كما تمتاز بالعمق. فيها المُعلَن وفيها الخفي، وندركه روحيًا.
سأل التلاميذ الرَّب عن معنى المَثَل. فيلزم أن نعرف القصد الإلهي من كل كلمة حتى لا تكون معرفتنا ناقصة. ونجاح الكلمة يتوقف على طريقة فهمها وقبولها.
ما نسمعه من كلام، إما أن يكون شاهدًا لنا، أو شاهدًا علينا. لهذا قال الرب: "انْظُرُوا كَيْفَ تَسْمَعُونَ" (لو8: 18).
شرط التوبة الحقيقية، السير في طريق التوبة إلى النهاية. أما التوبة غير الحقيقية، فقيل عنها في مَثَل الزارع: "إذ لم يكن له أصل جف" "طلع الشوك فخنقه، احترق. حقًا، أجرة الخطية موت.
من عطايا الله المعرفة والاستنارة "أُعْطِيَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا"... ومن مواهب الروح القدس: يرشدكم إلى الحق، يعلِّمكم كل شيء (يو16). وبولس الرسول مدح تلميذه تيموثاوس، لأنه منذ الطفولية يعرف الكتب المقدسة (2تي3: 15). فعلى الوالديْن أن يُربيا ابنهما في طريق الرب، ويزوداه بالمعرفة الدينية منذ الصغر.
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 9 أغسطس1985م
مثل: الابن الضال
الابن الضال[1]
"وَقَالَ: إِنْسَانٌ كَانَ لَهُ ابْنَانِ فَقَالَ أَصْغَرُهُمَا لأَبِيهِ: يَا أَبِي أَعْطِنِي الْقِسْمَ الَّذِي يُصِيبُنِي مِنَ الْمَالِ. فَقَسَمَ لَهُمَا مَعِيشَتَهُ وَبَعْدَ أَيَّامٍ لَيْسَتْ بِكَثِيرَةٍ جَمَعَ الابْنُ الأَصْغَرُ كُلَّ شَيْءٍ وَسَافَرَ إِلَى كُورَةٍ بَعِيدَةٍ، وَهُنَاكَ بَذَّرَ مَالَهُ بِعَيْشٍ مُسْرِفٍ فَلَمَّا أَنْفَقَ كُلَّ شَيْءٍ، حَدَثَ جُوعٌ شَدِيدٌ فِي تِلْكَ الْكُورَةِ، فَابْتَدَأَ يَحْتَاجُ فَمَضَى وَالْتَصَقَ بِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْكُورَةِ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى حُقُولِهِ لِيَرْعَى خَنَازِيرَ.. فَرَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ... وَقَالَ أَقُومُ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي وَأَقُولُ لَهُ: يَا أَبِي، أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ... فَقَامَ وَجَاءَ إِلَى أَبِيهِ".
مَثَل الابن الذي طلب نصيبه من الميراث، وسافر إلى كورة بعيدة، وأخذ يُبذِّر أمواله بعيشٍ مسرف، وبدأ يحتاج، فاشتغل برعي الخنازير. ثم رجع إلى نفسه وندم، وعاد إلى أبيه فاستقبله فرِحًا (لو15: 11- 32).
في هذا المَثَل إظهار رحمة الله الفائقة في قبوله توبة الخطاة، وهي غاية الإنجيل كله. ولهذا يُعتبَر هذا المَثَل تاج الأمثال. وفيه ردّ على المتذِّمرين على قبول السيد المسيح للخطاة.
وتظهر فيه قيمة النفس البشرية. وكانت النسبة واحدة إلى 100 في مَثَل الخروف الضال، ثم واحد إلى عشرة في مَثَل الدرهم المفقود. ثم واحد إلى اثنين في مَثَل الابن الضال.
أعطني نصيبًا من الميراث
هذا غير جائز شرعًا: أن يرث الإنسان أباه في حياته. وتصرفات الخطاة تبدو دائمًا غير معقولة.
وتبدأ الخطوة الأولى في طريق الانحراف، بمحاولة البعد عن الله والتحرر من شريعته. فيكون الإنسان قائدًا لنفسه... أما الخطوة التالية فهي إشباع الميل الطبيعي لإرضاء النزوات والملاذ.
ويبدو الابن الأصغر، وقد ملَّ العيش في بيت أبيه.
جمع كل شيء وسافر إلى كورةٍ بعيدة
من كلمة (بعيدة) نفهَم أن الخطيئة تبدأ (بالبُعدِ) عن الله...
ثم يتبع البعد عن الله نسيان الله.. والمقصود البُعد القلبي، وليس البُعد المكاني... فيكون الله بعيدًا عن الفكر والخاطر والأشواق ومركز الاهتمام... ثم ينتهي بالانفصال الكلي عن الله.
بَذَّرَ الأموال بعيشٍ مسرفٍ
هنا استهان الابن الضال ببركات أبيه لكسر وصية أبيه. كما يُبدِّد الخاطئ المواهب والبركات التي أعطاها له الله - تبارك اسمه - لمجده وخير الناس. وتسيطر الخطيئة على الإنسان فينحدر في مزالق الشر... ويُسرف في الخطيئة.
حَدثَ جوعٌ شديدٌ
إنَّ مَسرَّات العالم وشهواته لا تُشبِع نفس الإنسان. فهي كالآبارِ المشقَّقة لا تضبط ماء. فتظل النفس عطشى، ولا يُشبعها إلاَّ حب الله: "كُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هذَا الْمَاءِ يَعْطَشُ أَيْضًا. وَلكِنْ مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الأَبَدِ" (يو4: 13، 14). وهنا تظهر (تعاسة الخطيئة).. والخاطئ يُحرق شمعة أفراحه من كلا الطرفين، فتتبدَّد سريعًا!
التصقَ بواحدٍ فأرسله ليرعَى الخنازيرَ
وخدمة كهذه كانت محرَّمة وبخسة.. وهكذا انفتح له باب الحرام.
والإنسان بعد أن يجرِّب لذّات العالم ويفشل، يرى في النهاية أن بُعده عن الله... عِلة شقائه.
وهذه المصائب مجتمعة معًا... قادته في النهاية إلى الرجوع إلى أبيه، بعد أن تعلَّم هذا الدرس: "بَاطِلُ الأَبَاطِيلِ.. الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ..". لقد ترك بيت أبيه بسرعة... وأنفق كل شيء بنفس السرعة!
واجتمعت عليه المصائب؛ خلو جيبه، وجوع في المنطقة، فأصبح كقطعة حديد بين المطرقة والسندان.
والتصاقه بواحد... يمثل (عبودية الخطيئة)، وفقدان الإرادة. كما التصق شمشون بدليله فذاق الذُل والهوان.
فرجع إلى نفسه وقال كم من أجير لأبي
وأول خطوة في التوبة.. الرجوع إلى النفس.. وتتمثَّل في يقظة الضمير، وحساب النفس، وتنحية الشهوات جانبًا.. ولعله قارن بين حالته في بيت أبيه، في بيت الحب والطاعة، وحالته الآن. لقد كان حرًا، فصار أجيرًا... ابنًا فصار عبدًا.
أهلِكُ جُوعًا!
البعد عن الله يؤدي إلى الهلاك... وهي نتيجة حتمية لخدمة العالم بدلاً من خدمة الله.
أقوم الآن وأذهب إلى أبي
تبدأ التوبة بحساب النفس.
العزم: أقوم وأذهب...
الاتضاع.. وأقول له: لست مستحقًا...
الثقة في مراحم الله... أذهب إلى أبي...
الاعتراف...
وشرط الاعتراف: الإقرار أمام الكاهن وأخذ الحِل... ثم يأتي الإرشاد الروحي والتدريبات الكنسية. والسير في طريق التوبة إلى النهاية... والقيام بأعمال البر والرحمة.
تأملات روحية
يُمثِّل الابن الأصغر (الضال) العشارين والخطاة. ويمثل الابن الأكبر: الفريسيين الذين اِدَّعوا البر الذاتي... فظل واقفًا خارج الباب، ولم يشترك في أفراح أبيه.
لم يعتذر الابن الضال بجهله.. ولكنه اعترف بذنبه.. وتبرير الخطأ يجعلنا في منأى عن حظيرة التوبة، ويعطل رجوعنا إلى الله.
أعطانا الله العقل والروح والإرادة والحرية أيضًا.. وحدود الحرية ألاَّ نسيء استعمالها.
التائبون يعترفون بخطاياهم، ولا يزالون يحزنون عليها، كلما تذكَّروا حُب الله لهم، وطول أناته عليهم.. وأنه يسعى وراءهم "يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ" (1تي2: 4).
قيمة النفس البشرية، لقد مات السيد المسيح، وسُفِك دمه على الصليب، من أجل كل خاطئ.. وما زال يمد ذراعيه مُرَحِّبًا بكل خاطئ يتوب.. لأنه يريد الكل يخلُصون.
في كل توبة يجب أن تلتقي إرادتان: إرادة الله في خلاص الخاطئ وإرادة الخاطئ في التوبة، لهذا قال الرب موبخًا أورشليم: "كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ .. وَلَمْ تُرِيدُوا!" (مت23: 37).
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 16 أغسطس1985م
مثل الابن الضال: "موقف الأب"
الابن الضال "موقف الأب"[1]
".. وَإِذْ كَانَ لَمْ يَزَلْ بَعِيدًا رَآهُ أَبُوهُ، فَتَحَنَّنَ وَرَكَضَ وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ.. فَقَالَ الأَبُ لِعَبِيدِهِ: أَخْرِجُوا الْحُلَّةَ الأُولَى وَأَلْبِسُوهُ، وَاجْعَلُوا خَاتَمًا فِي يَدِهِ، وَحِذَاءً فِي رِجْلَيْهِ، وَقَدِّمُوا الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ وَاذْبَحُوهُ فَنَأْكُلَ وَنَفْرَحَ، لأَنَّ ابْنِي هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ، وَكَانَ ضَالاًّ فَوُجِدَ. فَابْتَدَأُوا يَفْرَحُونَ..".
محبة الأب
قد تتبخَّر محبة الابن، ولكن محبة الأب تظل ملتهبة على الدوام...!
عين الأب الساهرة
كانت أقوى من عين النسر؛ "وإذ كان لم يزل بعيدًا رآه أبوه من بعيد".
قلب الأب
مُفعَم بالحب، تعبِّر عنه هذه العبارة "تَحَنَّنَ"، وكان مبعث الحنان..
العاطفة الأبوية المتأجِّجة بالحب.
ومن ناحية أخرى تعاسة الابن الذي ضلَّ.
خطوات الأب
كانت ركضًا.. أسرع من الأيائل، أما خطوات الابن فكانت في تثاقل.
لغة الأب: المحبة
وقع على عنقه وقبله، لقد استعاض عن الكلمات... بالقبلات، وعن العبارات... بالعَبَرات. وأعجب ما في هذا أن الابن كان ما زال في قذارته، يلبس أسمالاً بالية... يقف حافيًا!
وفي مقابل هذا
فلقد أحسن الابن الضال بعودته.. رغم أن المسافة بعيدة.. قرر أن يعود! ولا غرو فالعزيمة تذلِّل كل صعب... ورغم أنه كان مرتبطًا بواحدٍ من تلك الكورة، ويرمز به إلى (الشيطان) الذي يلتصق به الخطاة، ويؤجِّرهم لخدمته، ولكي يكونوا رهن إشارته، فلقد قطع صلته به في الحال، دون رجعة... وهنا التقت إرادة الأب المحب بإرادة الابن التائب!
إذ كان لم يزل بعيدًا
لقد أظهر الأب عطفه.. قبل أن يُعلن الابن توبته! وهذا يشير إلى رغبة الله في رجوع الخطاة إليه، ولقد أشفق الأب على ابنه، رغم أن الابن بحماقته، قد جلب الشقاء والعار على نفسه.
وَقَبَّلَهُ
وهذه القُبلة قد ختمت على صَفحِه عنه... ونعجب هنا أن الأب لم يذكر لابنه كلمة توبيخ واحدة.. مثل قُبلة داود لأبشالوم. وهذا معناه أن المحبة لا ترى العيوب، وهذا يُحقِّق أيضًا وعد الله "خطاياكم لا أعود أذكرها" (إش43).
+ والله يغفر الخطيئة مع التوبة الصادقة.. ولا يعود يذكرها، وينساها، وينجِّينا من عقابها!
يا أبي أخطأت
كما نمتدح عطف وحب الأب، نمتدح أيضًا ندامة الابن وتوبته، ولقد نال الابن المغفرة والحب ولم يدعه أبوه يُكمل: "اجعلني كأحد أجرائك"!
عطايا الأب
الحُلة الأولى: الحلة التي كان يلبسها قبل ضلاله، عاد يلبس ثوب البّر بعد توبته.
خاتمًا: يُنقش عليه اسم الأسرة.
+ عاد ينتسب إلى الله: "ابني هذا"... ولم يعد فقيرًا، رغم أنه ضَيَّعَ ثروته.
+ والخاتم علامة السلطان: كما فعل فرعون مع يوسف "وَخَلَعَ فِرْعَوْنُ خَاتِمَهُ مِنْ يَدِهِ وَجَعَلَهُ فِي يَدِ يُوسُفَ" (تك41: 42).
+ وهو عربون الروح: "إِذْ آمَنْتُمْ خُتِمْتُمْ" (أف1: 13). وطقسيًا تلبسه العروس رمز الارتباط (تك41: 42).
جـ - حذاء في قدميه: "حَاذِينَ أَرْجُلَكُمْ بِاسْتِعْدَادِ إِنْجِيلِ السَّلاَمِ" (أف6: 15) وهو استعداد للحياة الجديدة.
د- الوليمة، والعجل المُسَمَّن...
ترمز الوليمة إلى الفرح الدائم... والعجل المُسَمَّن إلى البركات الروحية المُدَّخرة، وإلى التناول من جسد الرب ودمه "مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ" (يو6: 54).
وهنا نذكر أن من فرط فرح الأب لم يؤجِّل الوليمة حتى عودة الابن الأكبر...!
تأملات روحية
أخطأت إلى السماء وقدامك
السماء رمز إلى سمو الله في الأعالي، وقيل عن المتكبِّرين والمتغطرسين إنهم: "جَعَلُوا أَفْوَاهَهُمْ فِي السَّمَاءِ..." (مز73: 9).
ومع هذا، فهذه، هي حماقة المتكبِّرين فإن السهم الذي يصوبونه نحو السماء يرتد إليهم، وهذه حماقة أهل بابل الذين قالوا: "نصنع سلمًا يمسّ رأسه السماء... فبلبل الله ألسنتهم" (تك11: 7).
في بيت الآب خيرٌ يكفي الجميع... والإنسان الذي يعيش في ظلال الله يشعر بالكفاية "الرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ" (مز23: 1). ومن الناحية الطقسية لقد كان خبز التقدمة اثنى عشر رغيفًا تظل دائمًا على المائدة المقدسة: رغيف لكل سبط من أسباط إسرائيل الاثنى عشر...
رغم وجود الضيقات فالله الآب يستخدمها كوسائط نعمة لعودة الخطاة، حيث ينفتح القلب لقبول التعليم وتنفتح الأذن لسماع التأديب... ويرى الإنسان الناس أنهم مُعَزّون متعبون... ولا يبقى غير الرب يسوع يعود إليه، ويُلقي بنفسه في أحضانه.. ولهذا صرخ التلاميذ في السفينة وهم في ضيقٍ شديدٍ: "يَا سَيِّدُ، نَجِّنَا فَإِنَّنَا نَهْلِكُ!" (مت8: 25).
لا يأس من نجاة أشر الخطاة... لأنه طالما كانت هناك حياة، فهناك أيضًا رجاء في مراحم الله... ونعمة الله قادرة أن تُليِّن أقسى القلوب... والكتاب يقول: "أَمَّا الآنَ فَيَثْبُتُ: الإِيمَانُ وَالرَّجَاءُ وَالْمَحَبَّةُ" (1كو13:13).
موقف الأب مَثَل رائع للآباء الذين يتمرد عليهم أبناؤهم جهلاً وانحرافًا، فإذا رجعوا خاضعين تائبين فلا يقسون في عقابهم... بل يلتزمون بالحكمة المُترفِّقة المملوءة رحمة (يع3: 17) "أَيُّهَا الآبَاءُ، لاَ تُغِيظُوا أَوْلاَدَكُمْ لِئَلاَّ يَفْشَلُوا" (كو3: 21).
الشيطان أو صاحب الخنازير... الذي لجأ إليه الابن الضال عندما ابتعد عن أبيه.. يتمِّم المعادلة: بُعد عن الله... قُرب من الشيطان! وبُعد عن الشيطان، اقتراب إلى الله. "لا تستطيعون أن تخدموا سيديْن أو تعبدوا ربَّيْن..!!".
ما زال الابن الضال بعد توبته ابنًا.. "ابني هذا"، وطقسيًا لا تُعيد الكنيسة المعمودية لأبنائها الذين خرجوا عن الإيمان ثم عادوا إليه... لأن صفة البنوَّة هنا دائمة يستردَّها الخاطئ بتوبته ودموعه وتناوله من الأسرار والسير في طريق التوبة.
إن رجوع الخطاة إلى الله وامتداد ملكوت الله على الأرض أمرٌ مُفرح في السماء وعلى الأرض لأنه يتمِّم مقاصد الله... "إننا نَفْرَحُ بِهِ مِنْ أَجْلِكُمْ قُدَّامَ إِلهِنَا" (1تس3: 9)، "وأنتم فرحنا أمام ربنا يسوع المسيح" (1تس2: 9).
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 23 أغسطس 1985م
مثل: الابن الضال "موقف الابن الأكبر"
الابن الضال "موقف الابن الأكبر"[1]
"وَكَانَ ابْنُهُ الأَكْبَرُ فِي الْحَقْلِ. فَلَمَّا جَاءَ وَقَرُبَ مِنَ الْبَيْتِ، سَمِعَ صَوْتَ آلاَتِ طَرَبٍ وَرَقْصًا فَدَعَا وَاحِدًا مِنَ الْغِلْمَانِ وَسَأَلَهُ: مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هذَا؟ فَقَالَ لَهُ: أَخُوكَ جَاءَ فَذَبَحَ أَبُوكَ الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ، لأَنَّهُ قَبِلَهُ سَالِمًا فَغَضِبَ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَدْخُلَ. فَخَرَجَ أَبُوهُ يَطْلُبُ إِلَيْهِ فَأَجَابَ وَقَالَ لأَبِيهِ: هَا أَنَا أَخْدِمُكَ سِنِينَ هذَا عَدَدُهَا، وَقَطُّ لَمْ أَتَجَاوَزْ وَصِيَّتَكَ، وَجَدْيًا لَمْ تُعْطِنِي قَطُّ لأَفْرَحَ مَعَ أَصْدِقَائِي وَلكِنْ لَمَّا جَاءَ ابْنُكَ هذَا الَّذِي أَكَلَ مَعِيشَتَكَ مَعَ الزَّوَانِي، ذَبَحْتَ لَهُ الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ!".
يُقصَد بالابن الأكبر
الكتبة والفريسيون الذين تنازعهم الحقد والحسد والتذمُّر من أجل توبة العشارين والخطاة، وقبول الرَّب يسوع لهم.. كما تذمَّر سمعان الفريسي وحنق على الرَّب لأنه سمح للمرأة الخاطئة التي بكت عند قدميه أن تلمسه، ولم يقصد الرَّبُّ أن يزيد حالتهم سوءًا، بل أشار أنهم ما زالوا يتمتعون بامتيازات الابن الأكبر.
وقد يُقصَد بالابن الأكبر الذين نشأوا نشأة دينية ولم ينحرفوا منذ حداثتهم ويقسون على المنحرفين حتى بعد توبتهم..
غضب جدًا ولم يُرِد أن يدخل
عندما اقترب من البيت وسمع آلات الطرب، وعرف أن أباه أعدَّ وليمة لأخيه الضال وذبح العجل المُسمَّن لأنه قبله سالمًا.
+ ويتكرَّر ما فعله الابن الأكبر في محيط الأسرة عندما يستاء الأبناء من عطف آبائهم على إخوتهم الذين انحرفوا، ثم عادوا تائبين.
+ ويتكرَّر في محيط الكنيسة: فقد يقسو بعض الأبناء الذين حفظتهم العناية الإلهية من الأخطاء الشائعة، على الذين أخطأوا ثم عادوا تائبين... وكان ينبغي أن يفرحوا لعودة إخوتهم.
أخطاء الابن الأكبر
افتخر بنفسه وادَّعى البِر الذاتي، "هَا أَنَا أَخْدِمُكَ سِنِينَ هذَا عَدَدُهَا، وَقَطُّ لَمْ أَتَجَاوَزْ وَصِيَّتَكَ". وهذه فَرِيسيّة، ينطبق عليهم قول الرب: "وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تُغْلِقُونَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ قُدَّامَ النَّاسِ، فَلاَ تَدْخُلُونَ أَنْتُمْ وَلاَ تَدَعُونَ الدَّاخِلِينَ يَدْخُلُونَ" (مت23: 13).
خالَف وصية المحبة: ولم يرحِّب بتوبة أخيه ونَقِمَ نِقمةً شديدةً على أبيه لقبوله لأخيه الأصغر.
كذَب ولم يكن صادقًا عندما قال: "لم أتجاوز قط وصيتك".. والدليل على ذلك موقف العناد.. وعدم استجابته لتوسُّلات أبيه.. ألا يُعدّ كل هذا تجاوزًا؟!
أدان أباه.. ووصف أباه بالجحودِ والتقصير في حقه.. وأنه لم يعطف عليه ولم يعطِه جِديًا (قط) ليفرح به مع أصدقائه.. في ذات الوقت الذي يعيش فيه في بيت أبيه وينعم بخيراته..
"كل مالي فهو لك".. ومن المؤكَّد أنه كاذب أيضًا ولم يطلب (قط) هذا الجدي.. وإلاَّ لكان أبوه قد أعطاه له يقينًا، بل إنه لم يفكر في هذا الأمر، كل ما في الموضوع، أنه أهاجه إكرام أبيه لأخيه، فتحامَل على أبيه بهذا الإدِّعاء!!
"أفرح مع أصدقائي".. كان يرى أفراحه خارج الأسرة.. لقد كان يأكل على مائدة أبيه كل يوم بين أفراد أسرته وإخوته... ولكنه لم يرى في وجوده بين أسرته مصدرًا للفرح والسعادة.
عندما يكون الناس في سورة الغضب[2] يفكرون تفكيرًا سقيمًا، ويخرجون عن جادة الصواب. وينأون عن طريق الحق، لهذا قال الكتاب: "الْمَحَبَّةُ لاَ تَحْتَدُّ، الْمَحَبَّةُ لاَ تَظُنُّ السُّؤَ" (1كو13: 5).
"أخدمك سنين كثيرة" اعتبر علاقته بأبيه ليست علاقة البنوة، بل اعتبر نفسه خادمًا وأجيرًا، وليس ابنًا، ويستحق أجرًا... هو الجدي؟!
لم يُرِد أن يدخل: اشترط لكي يدخل البيت، أن يخرج أخوه الأصغر أولاً منه... فلا يجمعه وأخوه بيتٌ واحد، ولا سقفٌ واحد! وهذا ما يقوله الفريسي: "قِف عندك.. لا تدنُ مِنّي.. لأنني أقدس منك"! وما قاله الفريسي في صلاته: "أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ الْخَاطِفِينَ الظَّالِمِينَ الزُّنَاةِ، وَلاَ مِثْلَ هذَا الْعَشَّارِ" (لو18: 11).
لما جاء ابنك هذا: وفي هذا القول وحده عدة رذائِل:
+ رفض الاعتراف بأخوَّة أخيه وتبرأ منه.
+ العجرفة والتعالي... والكتاب يقول: "قَبْلَ الْكَسْرِ الْكِبْرِيَاءُ، وَقَبْلَ السُّقُوطِ تَشَامُخُ الرُّوحِ" (أم16: 18).
+ توبيخ أبيه وتوجيه اللوم له ولو بطريق خفي.
ابنك الذي أكل معيشتك مع الزواني: وهنا لجأ إلى التشنيع والاِختلاق، فلم يرِد في قصة الابن الضال أنه أكل معيشه أبيه مع الزواني!!
خرج إليه أبوه يطلب إليه
كما خرج الله يحادث قايين: "إِنْ أَحْسَنْتَ أَفَلاَ رَفْعٌ؟ وَإِنْ لَمْ تُحْسِنْ فَعِنْدَ الْبَابِ خَطِيَّةٌ رَابِضَةٌ، وَإِلَيْكَ اشْتِيَاقُهَا وَأَنْتَ تَسُودُ عَلَيْهَا" (تك4: 7). وكما تحدَّث الله إلى يونان النبي المتعصِّب ليهوديته.. فقال اللهُ ليونَان: "هَلِ اغْتَظْتَ بِالصَّوَابِ مِنْ أَجْلِ الْيَقْطِينَةِ؟ .. لَمْ تَتْعَبْ فِيهَا بِنْتَ لَيْلَةٍ كَانَتْ وَبِنْتَ لَيْلَةٍ هَلَكَتْ، أَفَلاَ أَشْفَقُ أَنَا عَلَى نِينَوَى؟" (يو4: 9-11).
أنت معي كل حين، وكل مالي فهو لك
هذه هي سعادة المؤمنين أن يكونوا مع الله.. ويكون الله معهم، "سَأَرَاكُمْ أَيْضًا فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ، وَلاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ" (يو16: 22).
تأمُّلات روحية
كان ينبغي أن نفرح ونُسَر، لم يستعمل الأب سلطانه المطلق، ولكنه قدَّم ما فعله في صيغة الواجب والمعقول.. ليساعده ابنه الأكبر على التفكير والاقتناع.. هنا ما أعظم محبة وحكمة الله.. وما أكبر جهالاتنا؟! وفي هذا درس: كيف يعامل الآباء أبناءهم.
فرقٌ بين أن نتجنب الأشرار الذين تُعدينا أخلاقهم، وأخوة لنا عادوا إلى حظيرة الإيمان تائبين.
ليس لنا أن ننسى علاقتنا بإخوتنا حسب الجسد... فهذا يؤدي إلى إهمالنا لواجباتنا من نحوهم، فنظلمهم، وكأننا نتَّخِذ من هذه القرابة عقابًا لهم! فقد اختار الرَّبُّ هارون لأخيه موسى يتحدث بلسانه، ومن بين تلاميذ السيد المسيح بطرس وأخوه أندراوس، ويوحنا وأخوه يعقوب و..
في معاملة الأب لابنه الأكبر ومحاولة إقناعه درس للرؤساء كيف يترفقون بالمرؤوسين، وللسادة أن يتركوا التهديد والزجر دائمًا.. (أف6: 4).
لنتذكر أن أصحاب الساعة الحادية عشر أخذوا دينارًا أيضًا، والكتاب يقول: "هكَذَا يَكُونُ الآخِرُونَ أَوَّلِينَ وَالأَوَّلُونَ آخِرِينَ!" (مت20: 16) فلنتعلَّم الاتِّضاع.. وننظر إلى الجميع بحبٍ وتقدير.
انتهى فصل الابن الضال.. وقد دخل الابن الضال ينعم بأفراح وظِل الأسرة، وأُسدِل الستار والابن الأكبر واقف "خارج الباب"!
بدلاً من أن نقول: "لم أتجاوز قط وصيتك" لنقُل: "إِنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ، لأَنَّنَا إِنَّمَا عَمِلْنَا مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْنَا" (لو17: 10). فالتواضع رأس الفضائل.
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 30 أغسطس 1985م
[2] شدة الغضب
مثل: الخروف الضال
الخروف الضال[1]
أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ لَهُ مِئَةُ خَرُوفٍ، وَأَضَاعَ وَاحِدًا مِنْهَا، أَلاَ يَتْرُكُ التِّسْعَةَ وَالتِّسْعِينَ فِي الْبَرِّيَّةِ، وَيَذْهَبَ لأَجْلِ الضَّالِّ حَتَّى يَجِدَهُ؟ وَإِذَا وَجَدَهُ يَضَعُهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ فَرِحًا.." (لو15: 3- 7).
اقترب الخطاة والعشارون إلى الرَّبِّ رغبةً في سماع الكلمة، أما الكتبة والفريسيون فكانوا يعتبرونهم نَجِسين لا يستحقون أن يدنوا منهم! وبالتالي اِدَّعى الفريسيون الطُهر واحتقروا الخطاة، وهذا إن دلَّ على شيء فعلى كبرياء النفس.. وتمادوا.. وحكموا على الرَّبِّ يسوع أنه ما دام يقبل الخطاة فهو مُخطئ، وما حسبوه عارًا لهم، كان شرفًا عظيمًا لهؤلاء الخطاة.
+ وردَّ عليهم الرب يسوع بثلاثة أمثلة تثبت رغبة الله في قبول الخطاة.
+ وكتب لوقا الإنجيل للأمم وهو يؤكِّد استعداد الله لقبولهم:
الخروف الضال
هنا المقارنة بين: الخروف الضال والنفس الضالة... أما البرِّية فهي تشير إلى العالم، وهي لفرط اِتِّساعها يمكن أن يتوه فيها الخروف الضال.
والمقارنة أيضًا بين راعي الخراف والسيد المسيح كراعٍ للنفوس الضاله يبحث ويفتش عنها.
يذهب لأجل الضال
الرَّبُّ لم يُرسل ملاكًا ولا رئيس ملائكة لخلاص البشر، ولكنه تجسَّد لأجل خلاصنا، وهذا ما نردده في القداس الإلهي: "لا ملاك، ولا رئيس ملائكة، ولا رئيس آباء، ولا نبيًا، ائتمنتهم على خلاصنا"!
+ عناية الله: تظهر في السعي وراء الخطاة والبحث عنهم حتى يجدهم، ويظل الرَّبُّ يقرع قلوبهم حتى تلين: "هنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ" (رؤ3: 20).
+ والعشارون هم الذين يجمعون الجزية للدولة الرومانية وكان عملهم مكروهًا، وكانوا سَيِّئ السمعة، ومكروهين، واقترن اسمهم بالزواني، والخطاة، واتهم الفريسيون السيد المسيح بأنه: "مُحِبٌ للعشارين والخطاة". واستطاع الرَّبُّ أن يُجدد حياتهم ويقتنصهم للملكوت، قال لهم يسوع: "الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ الْعَشَّارِينَ وَالزَّوَانِيَ يَسْبِقُونَكُمْ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ"! (مت21: 31).
+ وقد يقصد بهم الأمم، لأن الرَّبَّ يسوع كان يبشِّر في هذا الوقت "في عبر الأردن، وفي جليل الأمم".
وإذا وجده يضعه على منكبيه فرحًا
كان الخروف في حالة إعياء، فلم يعاقبه لضلاله، ولكنه أشفق عليه وحمله، وهذا يعبِّر لنا عن عُمق مراحم الله وإشفاقه على الخطاة، الذين يكونون في حاجة إلى الرحمة والإنقاذ أكثر من التأديب والعقاب.
وضياع هذا الخروف تُحمَل على المعاني
ضاع من الله لأنه اتَّخذ له إلهًا آخر يعبده.. "إله هذا الدهر"!
ضاع من القطيع بمعنى أن الكنيسة خسرته، وهذا يعني واجب الكنيسة والراعي في افتقاد الرعية.
وضاع من نفسه، فتاهَ وأخذ يتخبَّط في متاهات، وعرَّض نفسه للهلاك وأصبح عُرضةً أن يبتلعه الشيطان.
وجدتُ خروفي الضال
رغم أنه خروفٌ ضال فهو ما زال ملكًا لله وابنًا له: "خروفي".. كما قال الكتاب: "كُلُّ النُّفُوسِ هِيَ لِي.." (حز18: 4) وإلى جانب أن هذا يؤكد عناية الله، فهو أيضًا يؤكد رحمة الله "بِذِرَاعِهِ يَجْمَعُ الْحُمْلاَنَ، وَفِي حِضْنِهِ يَحْمِلُهَا!!" (إش40: 11). وهو أيضًا يؤكِّد صلاح الله: الله يُبغِض الخطيئة ويفرح بتوبة الخاطئ، وخلاص جنس البشر.. والسماء والملائكة تفرح أيضًا بتوبة الخطاة: لهذا ترنمت الملائكة قائلين: "الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ.." (لو2: 14).
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 6 سبتمبر1985م
مثل: الدِرهم المفقود
الدِرهم المفقود[1]
"أَوْ أَيَّةُ امْرَأَةٍ لَهَا عَشْرَةُ دَرَاهِمَ، إِنْ أَضَاعَتْ دِرْهَمًا وَاحِدًا، أَلاَ تُوقِدُ سِرَاجًا وَتَكْنُسُ الْبَيْتَ وَتُفَتِّشُ بِاجْتِهَادٍ حَتَّى تَجِدَهُ؟" (لو15: 8- 10).
الذي ضاع بنسبة 1: 10، وكان الدرهم يساوي 4,5 قروش في ذلك الوقت، وأخذت المرأة التي أضاعت الدرهم توقد سراجًا، وتكنس البيت وتُفتِّش باجتهاد: الغرض من الإضاءة إنارة زوايا البيت المظلِمة، وهذا يدل على رغبة المرأة واهتمامها في الحصول على الدرهم المفقود، ويعبر هذا أيضًا عن استخدام الله لوسائط النعمة كإنارة القلب والفكر والضمير، حتى يرى الإنسان الله، ويرى نفسه، ويقول في النهاية: "كنت أعمى والآن أبصر".
يدل على قيمة النفس
وكان الدرهم يُصنَع من الفِضة وليس من الحديد أو النحاس، والدرهم اليوناني كان يسمى دراخما، وكان يُنقَش عليه اسم الله! والله قد خلقنا.. وقد نقش اسمه على قلوبنا، والله قد خلقنا له... ولن نجد السعادة والراحة حتى نعود إليه!
تأمُّلات روحية
يكون فرح في السماء: هنا يفرح القديسون والملائكة في السماء برجوع الخطاة، فتشترك الكنيسة المجاهدة والكنيسة المنتصرة في الفرح. ومن الناحية العقائدية: الله يكشف لقديسيه في السماء فيشتركون في الشفاعة والابتهال من أجل الخطاة حتى يتم خلاصهم... وهذا إثبات لشفاعة القديسين.
إن الله يهتم بكل خاطئ واحد، يمثله خروف ضال واحد، ودرهم مفقود واحد: وكأن الله لم يخلق في الوجود غيره!! وكأنه له وحده...
أهمية افتقاد الراعي لرعيته فلا يكفي ازدحام الكنيسة بالمُصلّين، فليكن اهتمام الكاهن بضلال واحد من الشعب، أو تغيُّب أسرة واحدة عن الكنيسة: هو أيضًا موضوع اهتمام!
عَبَّرَ الكتاب عن ضلال الخروف في برية... وعن فقدان الدرهم في الأتربة والأوساخ والأماكن المظلمة حيث يكون مدفونًا فيها... وهو خير وصف للعالم وللضلال.
الذين يميلون دائمًا إلى النقد، لا ينتقدون فقط أسمى الأعمال، بل لا يتورَّعون أيضًا عن نقد أسمى الأشخاص الذين يكونون أيضًا موضع الاحترام والتقديس، ونُدهش أن توجد طائفة تجترئ على مكانة السيدة العذراء وآخرون يتطاولون على تجلي السيدة العذراء، الذي استمر عامًا كاملًا، وشاهده الملايين.. ومثلهم مثل الذين ينكرون الشمس في رابعة النهار! ولا عجب، فالرب يقول عنهم: "لهم عيون ولا يبصرون!".
فرِحت المرأة بوجود الدرهم بعد فَقده.. وفرح الراعي بوجود الخروف بعد ضلاله.. وقد يكون هذا من بركات بعض التجارب التي يسمح بها الله... فنحن نفرح بالصحة بعد فقدها.. وبالنجاح بعد الفشل.. واللقاء بعد الفراق.. ونفرح بالله الذي يُحَوِّل الشر إلى خير.. ونترنم مع الوعد الإلهي: "كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ" (رو8: 28).
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 13 سبتمبر1985م
قصة الغني ولعازر
قصة الغني ولعازر[1]
"كَانَ إِنْسَانٌ غَنِيٌّ وَكَانَ يَلْبَسُ الأَرْجُوانَ وَالْبَزَّ وَهُوَ يَتَنَعَّمُ كُلَّ يَوْمٍ مُتَرَفِّهًا، وَكَانَ مِسْكِينٌ اسْمُهُ لِعَازَرُ، الَّذِي طُرِحَ عِنْدَ بَابِهِ مَضْرُوبًا بِالْقُرُوحِ، وَيَشْتَهِي أَنْ يَشْبَعَ مِنَ الْفُتَاتِ السَّاقِطِ مِنْ مَائِدَةِ الْغَنِيِّ، بَلْ كَانَتِ الْكِلاَبُ تَأْتِي وَتَلْحَسُ قُرُوحَهُ" (لو16: 19- 30).
هذا المَثَل يجعلنا نحتمل الفقر ونكبات الدهر صابرين شاكرين، وفي نفس الوقت يحذِّرنا من الانغماس في الشهوات والملذات التي تُقسّي القلب، وتحرم الإنسان من فعل الخير، ويكشف لنا المَثَل حقائق عن العالم الآخر.
+ يختلف هذا المثل عن باقي الأمثلة، حيث توضح الحقائق بتشبيهات مأخوذة من مجرى الحياة على الأرض، أما في هذا المَثَل فيصف لنا حقائق ثابتة عن العالم الآخر، واختلاف حالتيّ الخير والشر، والمصير في الآخرة.
+ هناك فقراء طيبون وأتقياء يموتون في بؤسهم وينتقلون إلى النعيم، وهناك أغنياء مُترفون وأحرار يعيشون في بذخ، خلَت قلوبهم من كل رحمة، ويذهبون إلى الجحيم...
كان إنسانٌ غَنيٌ يلبس الأرجوان والبَزَّ
لم يُذكر اسم الغني لسببين:
إما لأن الأشرار، يموتون وتُمحَى ذكراهم ولا تُذكر أسماؤهم في سفر الحياة.
وإما منعًا من تجريحه بالنسبة لعارفيه.
+ والبَزَ يلبسه الأغنياء أما الأرجوان فكان لُباس الملوك. وكان هذا الغنى من فرط ثرائه يلبس الأرجوان دائمًا، وليس في المناسبات فحسب... وهنا لا يوجد خطأ كثير إذا أكل إنسان أطعمة ولبس ثيابًا فاخرة، شرط أن يُشرِك أخاه الفقير... ولنا بعض التعليقات:
لا نفهم من هذا أن هذه الثروة والعظمة نتيجة رِضَى الله، فقد تكون للغَني فخًا...
إطلاق العنان للشهوات قد يكون للناس مَهْلَكة، وقد يؤدي في النهاية إلى ضعف الروحيات ونسيان الله.
وكان مسكين اسمه لعازر الذي طُرح على بابه مضروبًا بالقروح
لعازر معناه (عون الله) وطرحه أقرباؤه على باب الغَني، أو حمله بعض ذوي القلوب الرحيمة، ليقع عليه بصر الغَني فيُشفق عليه لسوء حالته... والقروح تُعَّدُ نكبة مع ضعف الجسد، وهي أشد إيلامًا، ومنفِّرة للذين حوله. وهي تذكِّرنا بالقروح التي ابتُليَ بها أيوب، في تجربته. وهذا المرض، جعل لعازر عاجزًا عن الوصول إلى بيوت الأغنياء...
كان يستعطى، فاجتمع المرض والفقر معًا وبلغ من فاقته أنه كان يتلمَّس حتى الفُتات... الذي يسدّ الرَمق... ولم يجده.
+ نفهم من هذا أن لعازر لم تكن له أسرة تعوله، وهذا المثل يكشف لنا ضعف الحالة الروحية في الكنيسة اليهودية، كما يدل على ذلك أيضًا مثل السامري الصالح... حيث اجتاز اللاوي والكاهن أمام الجريح ولم يفعلا خيرًا.
+ الغني لم يطرده، ولكنه أهمله تمامًا واحتقره. وكان من الممكن أن يُدخِله في حظيرة البهائم أو إحدى الغُرف الجانبية. ومن هنا نفهم أنه لا يكفي أننا لا نسيء للفقراء بل الخطيئة أن ننساهم ولا نُعينهم...
+ كانت الكلاب عند الغَني للتسلية، والغَني أطعم الكلاب ونسى الفقير على بابه، وهذا يزيد من جُرمه. وكثيرون ينفقون الكثير على نزواتهم وحماقاتهم ما كان يمكن أن يسد أعواز الفقراء. والبعض يدلِّلون خيولهم، ويُشرِكون جيرانهم في الولائم ونسوا نصيحة الرَّبِّ: إذا أعددت وليمة.. فأدعُ المساكين والجُدع والعُرج والعُمي (لو14: 13).
كانت الكلاب تأتي وتلحس قروحه
كانت قروحه تنزِف دمًا، وهذا ما أغرى الكلاب أن تلحس قروحه كما لحست الكلاب دم نابوت اليزرعيلي (1مل21: 19).. ومما يزيد المأساة... أن الكلاب كانت تهجم عليه وهو عاجز تمامًا عن دفعها! أو طردها، فكان حيًا... ميتًا!
والأعجب من هذا، أنه لم يتقدَّم أحد الخدم ليطردها عنه.. ربما كان في لحس قروحه بعض الراحة لهذا المسكين! ونفهم من هذا أن لعازر كان شبه عار، ولم يكن يملك من الثياب ما يغطّي قدميْه فظهرت قروحه للعيان.
وما يزيد من بشاعة الغَني
أن الفقير كان تحت سمعه وبصره، ولم يعطه، والفتات الذي يشتهيه لعازر لن يؤثر في ثروته، لا قليلاً ولا كثيرًا.. وكان الكلب له اعتبار في نظره أزيد من أخيه الإنسان.
تأملات روحية
1- يبِّل أصبعه ماء ويُبَرِّدَ لساني: اللسان هو عضو المذاق، وهو الذي ذاق الملذات، وحرم أخاه الفقير حتى من الفتات..! وتصدر من اللسان شرور كثيرة، لهذا قال الكتاب: "هُوَذَا نَارٌ قَلِيلَةٌ، أَيَّ وُقُودٍ تُحْرِقُ؟!" (يع3: 5).. وقال موبِّخًا ومقرِّرًا: "هُوَ شَرٌّ لاَ يُضْبَطُ، مَمْلُوٌّ سُمًّا مُمِيتًا!" (يع3: 8).. وقال أيضًا: "بِكَلاَمِكَ تَتَبَرَّرُ وَبِكَلاَمِكَ تُدَانُ" (مت12: 37).
2- لم يطلب الغَني أن ينتقل إلى السماء: ذلك لأن الأشرار يكونون في حالة يأس تام... بل طلب نقطة ماء واحدة.
3- أرسِل لعازر: الرأي الأرجح كان يتمنى إذا جاء إليه لعازر أن يعتذر له عما بدر منه... ولكن هيهات! فبعد الموت لا توجد توبة، ولا رحمة.
4- الجزاء من جنس العمل حرم الغني لعازر المسكين من الفتات، وهو أقل شيء، فحُرم من نقطة ماء.. وهي أقل شيء.. وما يزرعه الإنسان إياه يحصد (غل6: 7).
5- يا ابني اذكُر أنك استوفيت خيراتك .. ومن هذا نفهم أنه بعد الموت: تُخَلَّد الذاكرة، فيتذكَّر الإنسان كل ما اقترفه من ذنوب، إذا مات بغير توبة، وتمر حياته أمامه ككتاب مفتوح، لهذا يقول الكتاب عن المنتقلين: "وَأَعْمَالُهُمْ تَتْبَعُهُمْ"! (رؤ14: 13).
6- استوفيت خيراتك لقد أخذ خيرات الله كاملة، ولم يقدِّم منها شيئًا. كان الله كريمًا معه، وكان هو بخيلاً مع غيره، كان "قبرًا" لبركات الله، ولم يكن "حقلاً" تُزرع فيها.. عاش للدنيا فقط، ولم يعمل حسابًا للآخرة.. لقد ارتشف حتى آخر "قطرة" من مراحم الله، وها هو قد ذهب نهار خيراته، وجاء ليل عذابه.. فاحتاج إلى "قطرة" ماء!! يُبرِّد بها لسانه.
وبالمثل "استوفى" لعازر كل البلايا، فانقضَى ظلام ليله، وجاء نهار أبديته..! والنتيجة فاه بها أبونا إبراهيم: "هو يتعزَّى، وأنت تتعذَّب" وهكذا الناس: البعض لهم الدنيا... والبعض الآخرة.
7- بيننا وبينكم هوَّة مثبَّتة وذكر الإنجيل أنه يستحيل عبورها...
ومن الناحية العقائدية: لا يوجد غير مكانيْن بعد الموت، الفردوس مكان انتظار الأبرار، والجحيم مكان انتظار الأشرار. ولا يوجد "مطهر" لأن هذه الفكرة تتعارض مع الفداء، فالنار تُعَذِّب ولا تُطَهِّر... إنما دم يسوع المسيح، له المجد، يُطهِّر من كل خطيئة... والذي يدخل النار لن يخرج منها، ونحن عندما نصلّي صلاة المنتقلين للذين ذهبوا إلى الفردوس إنما نطلب لهم نياحًا، ونصلّي من أجل الهفوات...
8- أن يرسل لعازر لإخوته: نفهم من هذا أنه لم يكن له أولاد؛ وإلا كان قد طلب لأجلهم...
9- عندهم موسى والأنبياء؛ أي أسفار موسى الخمسة والعهد القديم، ويظن الجهلاء أنه لو ذهب إليهم واحد من الأموات يتوبون، ولكن لا توجد طريقة للإقناع... أفضل من كلمة الله، وكلمة الله حيَّة وفعّالة... ولقد أقام الرَّب لعازر من الأموات، وأقام أفتيخوس الذي سقط ميتًا.. وحنق اليهود أكثر وازدادوا عُتوًّا، وقساوة.
10- سوف يأتي اليوم الذي يطلب فيه الأشرار، الذين ماتوا بغير توبة، الرحمة ولا يجدونها! ويقولون مع الذين على اليسار.. يا رب يا رب افتح لنا!!
11- رغم البلايا التي أصابت لعازر فهي مصدر فرح له الآن كما قال بولس الرسول في ( 2كو12: 10): "أُسَرُّ بِالضَّعَفَاتِ وَالشَّتَائِمِ وَالضَّرُورَاتِ وَالاضْطِهَادَاتِ وَالضِّيقَاتِ لأَجْلِ الْمَسِيحِ".
زيادة البراهين على صحة الدين لا تفيد كثيرًا... لأن العِلَّة ليست في ضعف البراهين. ولكن في قساوة القلب. والدليل على ذلك أن الغَني كان متأكِّدًا من سوء حالة لعازر، ولم يُعطه. واعتقد هيرودس أن السيد المسيح هو يوحنا المعمدان قام من الأموات، ولم يستفِد شيئًا...
نجاح الإنسان ماديًا، أو من ناحية المركز، ليس دليلاً على حب الله.. فقد يعطينا الله قليلاً ويبارك. والضيقات ليست دليلاً على تخلّي الله عنّا، فالكتاب يقول: "اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ" (يع1: 2).
النار حقيقية وكذلك العذاب إلى أبد الآبدين، قال الغِني: "لأني معذَّبٌ في هذا اللهيب".. ووُصِفت جهنم بأنها: "الْبُحَيْرَةِ الْمُتَّقِدَةِ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ" (رؤ21: 8).. فليرحمنا الله كعظيم رحمته.
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 27 سبتمبر1985م
مثل: وكيل الظلم
وكيل الظلم[1]
"كَانَ إِنْسَانٌ غَنِيٌّ لَهُ وَكِيلٌ، فَوُشِيَ بِهِ إِلَيْهِ بِأَنَّهُ يُبَذِّرُ أَمْوَالَهُ. فَدَعَاهُ وَقَالَ لَهُ: مَا هذَا الَّذِي أَسْمَعُ عَنْكَ؟ أَعْطِ حِسَابَ وَكَالَتِكَ لأَنَّكَ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَكُونَ وَكِيلاً بَعْدُ. فَقَالَ الْوَكِيلُ فِي نَفْسِهِ: مَاذَا أَفْعَلُ؟... فَدَعَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ مَدْيُونِي سَيِّدِهِ، وَقَالَ.." (لو16: 1- 14).
انفرَد لوقا البشير بذِكر هذا المَثَل، والغرض من أمثال السيد المسيح عامة، هو الحثّ على القيام بالواجبات الإلهية، وممارسة الإحسان، وعمل الخير... وشرح الحقائق الإلهية.
+ القاعدة الروحية: أن الأموال التي في أيدينا هي نِعم إلهية أسبغها الله علينا ونحن (وكلاء الله) في التصرُّف فيها، وكلاء على نِعم الله المتنوعة.. (1بط4: 10).
+ ولكن في حالات كثيرة نظهر وكأننا غير أمناء... وإذا كان أهل العالم يستخدمون ثرواتهم بأحسن الطرق لتؤول إلى خيرٍ زمني، ولكسب المزيد من الأصدقاء، فعلينا أن تستخدم ثرواتنا في أعمال الرحمة والتقوى...
+ ما أشبه العالم ببيت، والسماء سقفه، والنجوم أنواره، والأرض بثمارها... مائدة مبسوطة... ورب البيت هو الله، والإنسان وكيله! إن تصرف حسنًا وإلا عُزِل من وكالته..!
وكيل وُشيَ به إليه أنه يُبذر أمواله
إما أنه سرقها وإما عَرَّضَها للتلف والضياع... بسبب إهماله، وإما أنه أنفقها على لذَّاته، ونحن مُعرَّضون دائمًا لهذا الاتهام، ولكن الكتاب يقول: "ليس خفي إلا ويظهر"..
فدعاه سيده وقال: ما هذا الذي أسمع عنك؟
حزن السيد لخيبة أمله فيه واضطراره لعزله، ولم يستطع الوكيل الإنكار لأن التُهمة ثابتة عليه فأسرع بمراجعة حساباته.. ليقرِّر مصيره... ومراجعة النفس في حدِّ ذاتها واجبة.
أعطِ حساب وكالتك
وهنا تكون "الدينونة".. ومن الحكمة أن نفكِّر في هذا الموقف الصعب دائمًا، ونضعه نِصبَ أعيننا، وحساب النفس أولاً بأوَّل، ولا تُلهينا الأيام.. وخِدعة الشيطان بطول العمر!
ماذا أفعل؟
أما إنذارات الله... يجب علينا أن نفكِّر من الآن، ولا يجيء التفكير متأخِّرًا بعد فوات الفرصة، حيث لا ينفع الندم... وهذه العبارة صاغها شاب بنفس الكلمات ونفس المعنى وقال: "ماذا أفعل" لأرث الحياة الأبدية؟!
لا أستطيع أن أُنقِّب وأستحي أن أستعطي
المشكلة هنا ليس أنه "لا يستطيع" بل أنه (لا يريد)..
+ ومن رحمة سيد هذا الوكيل أنه لم يعزِله في الحال، بل ترك له فرصة التدبُّر.. وهذه الفرصة كافية للتوبة. لقد وجد هذا الوكيل عيبًا أن يستعطي... ولكنه لم يجد عيبًا أن يسرِق، وأن يرتشي، وأن يخون الأمانة!! وقد ثبت أنه ظل خائنًا إلى النهاية، ومحتالاً... حيث لجأ إلى تخفيض ديون سيده، البعض إلى النصف، والبعض إلى الخُمس، وخفَّض للمديونين بقدر ما توقَّع أن ينال منهم فيما بعد!
إجلس عاجلاً واكتب
"عاجلاً" يقصد حتى لا ينكشف أمره! لم يُسرع هذا الوكيل إلى التوبة بل (أسرع) إلى الغش.. خفَّض مائة بثِّ زيت إلى خمسين، مائة كُرَّ قمح إلى ثمانين. والبثّ يساوي 4/3, 22 أقة والكُرَّ يساوي 140 أقة.
فمدح السيد وكيل الظلم لأنه بحكمة فعل
وسبب مدح سيد وكيل الظلم لوكيله، ووجه الحكمة:
أ- أنه تصرَّف بحكمة مع نفسه.
ب- أعدَّ المستقبل له.
جـ- لأنه كان قد غالى قبلاً في تقدير الإيجارات فعجزوا عن الدفع وصاروا مهدَّدين بالخراب فصنع رحمة، ليس بإنقاذهم من جزء من الدين فحسب، بل بتخفيض الإيجار مستقبلاً... فأصبح جميع المديونين، مديونين له، وإن كان وجه خطأ أنه تصرَّف في مال غير ماله وليس من حقه التصرُّف فيه، وأن هدفه كان أن يستفيد ماديًا بما فعل، وأنه استخدم أسلوب الغش والخداع.
تأمُّلات روحية
لا بد أن نُعزَل من وكالتنا من هذا العالم بالموت، ونرى في النهاية أن تمتُّعنا بثروات هذا العالم باطلة وزائلة.
أعطِ حساب وكالتك: لا بد أن نقف أمام كرسي المسيح يومًا.. لنقدم حسابًا، "وَهَا أَنَا آتِي سَرِيعًا وَأُجْرَتِي مَعِي لأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ" (رؤ22: 12).
الخيانة لا تنفع، وما يخفيه الإنسان يُظهِره الله. وفرقٌ بين حكمة أبناء الله وهدفها الخير المطلق، وحكمة أهل العالم المبنية على الغش والخداع، لتحقيق غنم مادي.
هذا المَثَل يُظهِر لنا خطأ أصحاب الأموال والأعمال الذين يتركون إدارة شئونهم لآخرين، ويركنون إلى الاطمئنان إليهم، ولا يباشرونها بأنفسهم، ويغمضون العين عنهم، رغم تحذيرات الناس لهم.
على الرغم من أننا نعلم أننا سوف نُعزل من وكالتنا من هذا العالم، نتصرَّف أحيانًا كأنَّنا خالدون أبدًا ونعيش بنفس الأخطاء ونهمل الاستعداد وإصلاح الخطأ، والإسراع إلى التوبة.
أسرَع وكيل الظلم إلى الغش، وقد يسرع السائق فيجلب على نفسه وغيره كارثة، وقد يسرع الخاطئ في اجتناء الملذات، ويسرع المتهوِّر في اقتراف الحماقات، وبالتالي قد يسرع التائب في الالتجاء إلى الله! "أَقُومُ الآن وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي" (لو15: 18)، ففي أي طريق ينبغي أن تسرع الآن؟!!
أبناء هذا الدهر أحكم من أبناء النور في جيلهم
أبناء العالم أحكم في استخدام الوسائط واستنباط الحيل التي تحقق أغراضهم الدنيوية: والدليل على ذلك أن الكثيرين من المؤمنين يتصرَّفون ويعيشون في نفس الأخطاء وكأنهم سيبقون في هذا العالم خالدين أبدًا، ويُهمِلون الاستعداد للأبدية!
فاصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم
يُقصَد بالأصدقاء هنا الفقراء والأيتام والأرامل وذوي الحاجة.. مقابل الأصدقاء الذين صنعهم وكيل الظلم غِشًا وخِداعًا، والاختلاف هنا في الوسيلة، لأن المؤمِن يستخدم وسيلة صالحة ويُحسِن إلى الفقراء من مال حلال.. وليس من مالٍ حرام.
+ أهل العالم يستخدمون أموالهم للحصول على فوائد مستقبَلة حيث ترتفع الأسعار ويجنون أرباحًا طائلة، أما المؤمِن فيجني (بركة) صُنع الخير، ويحس بالسعادة والسرور. فهو يصنع الخير للخير... لهذا يقول الكتاب: "الْمُعْطِيَ الْمَسْرُورَ يُحِبُّهُ اللهُ" (2كو9: 7)، "اِرْمِ خُبْزَكَ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ فَإِنَّكَ تَجِدُهُ بَعْدَ أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ" (جا11: 1).
مال الظُلم
هو المال الذي في أيدينا، حتى لو جاء من طريقٍ شريف...، وسُمِّيَ هكذا لأن الإنسان:
أ- يظلم نفسه
إذا أحبَّ المال وتعبَّد له، فمحبة المال عداوة لله..! ومحبة المال أصلٌ لكل الشرور.
ب- يظلم غيره
فهو يحبِس المال عن الفقير، وإلا فلنسأل من أين جاء غَني وفقير؟ والله خلق الناس أسرة واحدة.. وإن ظُلم الغني أوجد الفقير.. ولو تراحَم الناس ما كان بينهم غَني وفقير.. ووجود الفقراء هو ظُلم اجتماعي!
جـ- يظلم إلهه
فيمتنع عن فعل الخير، ودفع العشور، وهي الحد الأدنى في الديانة المسيحية لأنها شريعة يهودية.. ولهذا يقول الرَّبُّ: "هاتوا العشور.. وجربوني يقول الرب"! (ملا3: 10).
د- وسُميَّ مال الظُلم لأنه: يُجمع ظُلمًا.. ويُحبَس بُخلًا.. ويُنفَق فسادًا وشرًا!!
وفوق هذا وذاك فقد نُعِتَ المال بعدة صفات.. في مَثَل وكيل الظلم...
أ- سُميَّ مال الظلم: لمقابلته بمال الحق.
ب- سُميَّ القليل: لمقابلته بالكثير، الأمينُ في القليل أمينٌ أيضًا في الكثير.
جـ- وسُميَّ ما للغير: "إن لم تكونوا أمناء في ما للغير"، لمقابلته "بما هو لكم". هذا لأن المال ينتقل من يدٍ إلى يد، وهو عارية ليس له بقاء ولا دوام.. وليس أدل على ذلك من أن الإنسان يولد عُريانًا "عُرْيَانًا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَعُرْيَانًا أَعُودُ إِلَى هُنَاكَ" (أي1: 21).
وهكذا قابل الكتاب المال (البائد) (بالباقي)؟! للحياة الأبدية..
حتى إذا فنيْتم يقبلونكم في المظال الأبدية
المقصود بالفناء الموت والانتقال من هذا العالم، والموت يأتي على جميع الناس، فلا يبقى غير الله، وبالموت تنتهي صِلة الإنسان بكلِّ خيرات الأرض، وسُمِّيت المظال الأبدية.
أ- لأنها غير مصنوعة بأيدٍ "إِنْ نُقِضَ بَيْتُ خَيْمَتِنَا الأَرْضِيُّ، فَلَنَا فِي السَّمَاوَاتِ بِنَاءٌ مِنَ اللهِ، بَيْتٌ غَيْرُ مَصْنُوعٍ بِيَدٍ، أَبَدِيٌّ" (2كو5: 1).
ب- المظال الأبدية: رمزٌ إلى الراحةِ من وهَجِ الشمسِ، والراحة والسعادة في السماءِ بعد تعب الحياة.
وكان الفريسيون يسمعون هذا وهم مٌحبّون للمال فاستهزأوا به
وهذا معناه أن أهل العالم ليس فقط لا يُقَدِّرون المبادئ السماوية بل أيضًا يسخرون منها... لأن نصيبهم في هذه الدنيا. وعلى الخادم الأمين أن يستهين بالخِزي إذا جاء من الخارجين على الإيمان... (عب12: 2).
ولقد اعتمد الفريسيون على مدح الناس لهم، وهذا أيضًا باطل؛ فقال لهم الرب: "أنتم الذين تبرِّرون أنفسكم قدام الناس، ولكن الله يعرف قلوبكم"!
كان الناموس والأنبياء إلى يوحنا ومن ذلك الوقت يبشَّر بملكوت الله...
هذه الآية رد على اعتراض الفريسيين بأنه كان في العهد القديم أغنياء ومنهم أنبياء ورجال صالحون أمثال إبراهيم وأيوب وداود وسليمان... فقال لهم أما العهد الجديد فيقول: "طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" (مت5: 3).
كل واحد يغصِب نفسه إليه
يغصِب نفسه أي يدفع نفسه دفعًا نحو الملكوت، حتى لا يفقده...
كل مَن يُطلق امرأته ويتزوَّج بأخرى يزني
هنا يقابِل السيد المسيح العهد القديم بالعهد الجديد... وأثبت للفريسيين أنهم خالفوا ناموس العهد القديم الذي يتمسكون به ويعتمدون عليه، وأثبت لهم أنهم خالفوه في موضوع الطلاق الذي ليس هو من الله، لأن الله منذ البدء خلق الإنسان ذكرًا وأنثى، وأن موسى أعطاهم الطلاق لقساوة قلوبهم.
تأمُّلات روحية
1- إن المُستعلي رجسٌ عند الرب
الله لا يحب التعالي على الآخرين كما فعل الفريسيون الذين يتظاهرون بالبر واستعلوا على الناس... فوصفهم الرَّبُّ: "بالقبورِ المُبيَّضةِ" وأحبوا المال وكانوا يرون هذا حسنًا عند الله..! بينما سُمِّيَ في رسالة كورنثوس: "أنه عبادة أوثان"...
2- هناك طريقٌ آخر للغِنى
فالغِنى هو غِنى النفس: "وَأَنْ يَكُونُوا أَغْنِيَاءَ فِي أَعْمَال صَالِحَةٍ، وَأَنْ يَكُونُوا أَسْخِيَاءَ فِي الْعَطَاءِ، مُدَّخِرِينَ لأَنْفُسِهِمْ أَسَاسًا حَسَنًا لِلْمُسْتَقْبَلِ" (1تي6: 18، 19).
3- لم يستفِد الفريسيون من توبيخِ الرَّبِّ لهم، لأنهم برَّروا أنفسهم، (وتبرير الإنسان لنفسه) كثيرًا ما يكون سبب دينونة، حيث يُخفي الإنسان أخطاءه ويخدع نفسه، لهذا يقول الرب: "إذا فعلتم كلَّ البر فقولوا نحن عبيد بطالون"..!
4- سُميَّ المال ما للغير
أ- لأنه غير دائم فلا يبقى في يد واحدة، وينتقل من الإنسان إلى غيره.
ب- لأنه مِلك الله ونحن وكلاء الله فيه.. لنا حق الانتفاع فقط.
جـ- أنه مال الغيرِ أي من حقِّ الفقراء، ولهم نصيب فيه.
5- من الحماقة أن يُحكَم على الأمور بحسب رأي الناس فيها
فلقد كان رأي الناس في الفريسيين بخلاف رأي الله فيهم، وأنهم مستعلون.. وهذا رجس عند الله. وأنهم منافقون: يأكلون بيوت الأرامل ولِعلَّة يُطيلون صلواتهم... ولكن إذا استطاع الإنسان أن يخدع الناس، فهل تُخفَى على الله خافية؟!
6- ما هو لكم
يُقصد به الميراث السماوي الذي: "لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ" (1بط1: 4)، وهو الذي أشار إليه الرَّب بقوله: "بَلِ اكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاءِ، حَيْثُ لاَ يُفْسِدُ سُوسٌ وَلاَ صَدَأٌ، وَحَيْثُ لاَ يَنْقُبُ سَارِقُونَ وَلاَ يَسْرِقُونَ" (مت6: 20).
[1] مقالان للقمص بطرس جيد روفائيل، نشرا في مجلة الكرازة، بتاريخ 18 أكتوبر1985م و1نوفمبر1985م
مثل: السامري الصالح
السامري الصالح[1]
"وَإِذَا نَامُوسِيٌّ قَامَ يُجَرِّبُهُ قَائِلاً: يَا مُعَلِّمُ، مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟ فَقَالَ لَهُ: مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي النَّامُوسِ. كَيْفَ تَقْرَأُ؟ فأجاب وقال: تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ.. وَقَرِيبَكَ مِثْلَ نَفْسِكَ.. وَأَمَّا هُوَ فَإِذْ أَرَادَ أَنْ يُبَرِّرَ نَفْسَهُ، قَاَلَ لِيَسُوعَ: وَمَنْ هُوَ قَرِيبِي؟ فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ: إِنْسَانٌ كَانَ نَازِلاً مِنْ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَرِيحَا، فَوَقَعَ بَيْنَ لُصُوصٍ، فَعَرَّوْهُ وَجَرَّحُوهُ... ومر كاهن... ولاوي واجتاز مقابله.. وَلكِنَّ سَامِرِيًّا لَمَّا رَآهُ تَحَنَّنَ" (لو10: 25- 37).
إنسان كان نازلاً من أورشليم إلى أريحا
+ ذِكر الأسماء والأماكن يدل على أن الأمر جرَى حقيقة وليس مجرَّد مَثَل.. وانفرد لوقا البشير بذِكر هذا المَثَل.. والسؤال: "ماذا أفعل لأرث الحياة الأبدية؟" سأله رئيس في (لو18: 18) وسأله شاب: ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟ قال له الرَّب: "اِذْهَبْ بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ" (مر10: 21). فتكرَّر ذِكر هذا السؤال في مناسبات أخرى.
وقع بين لصوص
يُحتمل أن يكونوا من البدو، أو الجنود الرومان. أو من أشرار أفَّاقين، ولقد كان اللصوص متوحِّشين وقُساة القلوب فسلبوا المسافر نقوده، وضربوه وعرّوه وجرحوه.. حتى لا يستطيع اللحاق بهم، ولكي يعجز أيضًا عن المقاومة.. والمسافة بين أورشليم وأريحا حوالي سبع ساعات.. ولكثرة الحوادث قرب أريحا سُمِّيَت المدينة الدموية أو "المدينة الحمراء"!!
عرَض أن كاهنًا رآه وجاز مقابله
الكهنة من نسل هارون، وبلغ عددهم في عهد السيد المسيح (12000) ومرور الكاهن مقابله دون الالتفات إليه لأسباب:
أ- حتى لا يعوِّقه ويعطِّله عن مهام انتواها.
ب- حتى لا يكبِّده نفقات العلاج.
ج- حتى لا يحتاج خدمات طقسية إذا ساءت حالته، ولفظ أنفاسه ومات بين يديه:
+ وهذا الكاهن خالف الشريعة الخاصة بالمحبة: أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً (هو 6:6) وخالف الشريعة في سفر الخروج التي أوصت بالشفقة على العدو، وردَّ بهائمه وإقامتها (خر33: 4، 5). فإذا كانت الوصية توصي بالعدو، فما أكثر حاجة هذا الرجل وهو يهودي؟! من شعب الله ومن إخوته..؟!
وكذلك لاوي نظر.. وجاز مقابله
اللاويون يخدمون الهيكل، ويساعدون بني هارون، وهم موقوفون على الخدمة ومطالبون بالشفقة على الناس.. وهنا خالف اللاوي الشريعة الطبيعية والإنسانية، لأن هذا المسافر لكثرة ما نزف من دمه.. كان معرضًا حتمًا للموت والضياع.. في أية لحظة.
وأيضًا الفريسي الذي أراد أن يبرر نفسه بأن حفظ الناموس "هذه حفظتها منذ حداثتي" وسأل مَن هو القريب...؟
أ- وهو أولاً لم يحفظ وصية المحبة.
ب- وحَفِظَ الناموس شكلاً ولم يحفظه عملاً وتطبيقًا.
ج- فسَّر الناموسيون القريب بأنه اليهودي، وأما الوثني أو السامري فليس اليهودي مطالب بحُبِّهما! ولهذا قدَّم الرَّبُّ هذا المَثَل والمعتدَى عليه فيه (يهودي)!! وأخطأ الكاهن واللاوي.. وهنا لدينا ثلاثة أخطأوا.
ولكن سامريًا مسافرًا جاء إليه، ولما رآه تحنَّن
ومظاهر العناية:
1- صَبَّ زيتًا وخمرًا: الخمر لتطهير الجراحات والزيت لتطييبها، وقام بالإسعافات الضرورية... ولا يُستبعَد أنه قطع من ثيابه وضمَّد جراحه.
2- أركَبه على دابته وسار هو على قدميه بجواره، يسنده طول الطريق..!
3- أتى به إلى الفندق؛ وهذا معناه أنه غَيَّرَ طريقه وعطَّل مصالحه. وقضى الليلة معه ساهرًا عليه...
4- أخرج ديناريْن وقدَّمهما لصاحب الفندق... ووعد أن يدفع المزيد. والديناران أجر عامليْن (مت20: 2، 9). وهما ثمن طعام يكفي 50 نفسًا (مر6: 36، 37).
+ فوق كل هذا تعرَّض السامري للأخطار: ربما يقع في يد اللصوص... ربما اتُّهِم بقتله إذا مات هذا المسافر.
اذهب أنت واصنع هكذا
هذا موجَّه للفريسي صاحب السؤال: إن التزم طرفٌ بالقيام بالواجب لا يُسمَح أن يتحلَّل منه الطرف الآخر: فما دام (السامري) أدى الواجب والتزم بشريعة "المحبة" فعلى اليهودي: الفريسي أن يعمل بها أيضًا...
فأي هؤلاء الثلاثة صار قريبًا للذي وقع بين اللصوص؟
الكاهن أم اللاوي أم السامري؟! سؤال في حاجة إلى جواب. أظهر الحقد الذي يملأ قلب الفريسي، والذي لم يُرِد أن ينطق باسم السامري بلسانه، فأجاب إجابة ملتوية: "أظن الذي صنع معه المعروف"!!
تأمُّلات روحية
1- افتخر الناموسي بحفظ الناموس، وظن أنه يُحرِج السيد المسيح بقوله مَن هو قريبي؟ فأرسله الرب إلى (المدرسة الابتدائية) ليتعلَّم أول درس في القراءة.. في الحب والمعاملة!
2- للأسف أن يحتل كل من الكاهن واللاوي مركزًا دينيًا مرموقًا، وهو موضع احترام من جميع الناس، ومن المُحزن أن نرى الذين هم أمثلة للرحمة يصيرون بلا رحمة، والذين يفتحون أحشاء الرحمة بالنسبة للآخرين، يغلقون هم أحشاءهم!
3- مدح الرب الفريسي لأنه حفظ الوصية منذ حداثته... وأراد الرَّبُّ أن ينقله للخطوة التالية الأهم من مجرد القول إلى العمل والتطبيق.. افعل هذا فتحيا... وما أسوأ إنسانًا يقول ولا يعمل! ولهذا يقول الرسول: "لاَ نُحِبَّ بِالْكَلاَمِ وَلاَ بِاللِّسَانِ، بَلْ بِالْعَمَلِ وَالْحَقِّ!" (1يو3: 18).
4- حقَّقت الكنيسة مبادئ الرحمة في العالم.. علينا أن ننشر الحب في كل مكان، فنُحب الوطن، ونُخلِص له.. ونُحب الناس جميعًا حتى الأعداء "أحبّوا أعداءكم"، فالعالم أسرة واحدة: الناس من جهة الأصل كلهم سواء: أبوهم آدم والأم حواء.
5- بمقارنة السامري الصالح بالكاهن واللاوي: نرى أن الدين ليس مجرد فروض وأقوال.. ولكن في جوهره أعمال: "لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت5: 16).
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 25أكتوبر1985م
مثل: الفعلة والكرم
الفعلة والكرم[1]
فَإِنَّ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ يُشْبِهُ رَجُلاً رَبَّ بَيْتٍ خَرَجَ مَعَ الصُّبْحِ لِيَسْتَأْجِرَ فَعَلَةً لِكَرْمِهِ، فَاتَّفَقَ مَعَ الْفَعَلَةِ عَلَى دِينَارٍ... ثُمَّ خَرَجَ نَحْوَ السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ.. وَخَرَجَ أَيْضًا نَحْوَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ وَالتَّاسِعَةِ... ثُمَّ نَحْوَ السَّاعَةِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ. فَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ قَالَ صَاحِبُ الْكَرْمِ لِوَكِيلِهِ: ادْعُ الْفَعَلَةَ وَأَعْطِهِمُ الأُجْرَةَ.. فَجَاءَ أَصْحَابُ السَّاعَةِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ وَأَخَذُوا دِينَارًا دِينَارًا. فالباقون تذمروا... هكَذَا يَكُونُ الآخِرُونَ أَوَّلِينَ وَالأَوَّلُونَ آخِرِينَ" (مت20: 1- 16).
كان الغرض من مثل السامري الصالح: أن السامري الصالح يرمز إلى السيد المسيح، والإنسان المسافر الذي وقع بين لصوصٍ بالغوا في إيذائه... رمز إلى البشرية المعذَّبة، والكاهن واللاوي اللذان اجتازا مقابله ولم يعتنيا به رمزٌ لفشل الكهنوت والناموس الموسوي... أما صَبَّ السامري للزيت والخمر، ففي مقابلهما سكب المسيح دمه.. لخلاص جنس البشر.
أما الفندق فرمز لعناية الكنيسة بالخطاة... أما الوعد بعودة السامري... فرمز لمجيء السيد المسيح الثاني.
+ وفي مَثَل الفعلة والكرامين أراد السيد المسيح أن يقول مقولة أخرى: "هكَذَا يَكُونُ الآخِرُونَ أَوَّلِينَ وَالأَوَّلُونَ آخِرِينَ" (مت20: 16). لأن اليهود اعتقدوا أنهم أول الشعوب إيمانًا بالله... فهم أصحاب النعيم... وهم المفضَّلون لأنهم أبناء إبراهيم... وهم السابقون.
+ وفي القول: أولون آخرون: يُظهِر قيمة التواضع، لأن من اتَّضع ارتفع ومن أراد أن يفتخر فليفتخر بالرب...
+ لقد انتقلت الكنيسة من يد اليهود الذين يدَّعون أنهم أولون.. إلى الأمم، الذين اعتبرهم اليهود آخرين..! إذ أن اليهود أهملوا الكَرْم، فانتقل إلى أمة أخرى تُعطي ثماره...
+ أما قول التلاميذ: "هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ" (مت19: 27) فلقد أجابهم الرَّب... أن عطية الله: "مائة ضعف في هذا العالم" بمعنى البركة، وفي العالم الآتي الحياة الأبدية.. لا على سبيل الأجر بل على سبيل الفضل والمكافأة.
يشبه ملكوت السموات رجلاً رب بيت.. خرج يستأجر فعلة لكرمه، فبدأ بالصباح الباكر واتَّفق مع الفَعَلة على دينار أجرًا، ودعا فَعَلة آخرين في الساعة الثالثة حيث وجد عمالاً بطّالين، وتكرَّرت الدعوة في الساعة السادسة والتاسعة والحادية عشر... حيث وجد فَعَلة بطّالين لم يستأجرهم أحد فأرسلهم لكرمه.
+ منذ بدء الخليقة والله قد دعا الإنسان لكي يعمل.. والسيد المسيح يقول: "أَلَيْسَتْ سَاعَاتُ النَّهَارِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ؟ اعملوا.. ما دام نهار" (يو11: 9)، وقال أيضًا: "أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ" (يو5: 17) والله قد خلق الكون وما زال يعتني به، ولو تخلَّى الله عن العالم لحيظة واحدة... لتردَّى العالم في هوَّة العدم!
+ والله دعا الكثير من الشعوب، وما زالت شعوب أخرى في حاجة إلى الدعوة، وإلى الخُدّام في جنوب شرق آسيا حيث تنتشر الوثنية في إفريقيا... ودعا الله البعض في سِني الصبا كما دعا صموئيل النبي، والبعض في سن الشيخوخة... والبعض لخدمة طويلة مثل يوحنا الرسول... والبعض لخدمة قصيرة مثل يوحنا المعمدان... والبعض دُعيَّ متأخرًا؛ مثل اللص اليمين على عود الصليب.
+ الدعوة الإلهية نِعمة من نِعم الله... ولهذا قال الرَّب: "لَيْسَ أَنْتُمُ اخْتَرْتُمُونِي بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ" (يو15: 16)، ومن الناحية الطقسية: يتم اختيار الكاهن حسب دعوة خاصة من الله "الْمَدْعُوُّ مِنَ اللهِ، كَمَا هَارُونُ أَيْضًا" (عب5: 4)، وقد تكون الدعوة منذ الولادة "من البطن.. أَحْبَبْتُ يَعْقُوبَ وَأَبْغَضْتُ عِيسُوَ" (رو9: 13). ولما كان المساء قال صاحب الكرم لوكيله ادعُ الفعلة.. واعطهم الأجرة...
الوكيل
يُقصَد به هنا السيد المسيح لأننا سوف نقف أمام كرسي المسيح ونقدِّم حسابًا... وهو الذي يدين العالم.
الأجر
النعيم الدائم في ملكوت السموات: "مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ" (1كو2: 9).
وفي المساء
يقصد به غروب الشمس وهو وقت توزيع الأجور حسب شريعة موسى (لا 19: 13).
يقصد به يوم الدينونة حيث يُثاب الإنسان عن عمله، خيرًا كان أو شرًا.
يقصد به نهاية العمر حيث تنتقل الروح مباشرةً إما إلى النعيم وإما إلى الجحيم.
فأخذوا دينارًا دينارًا
المقصود بالدينار دخول ملكوت السموات. ومن الناحية العقائدية تُعلِّمنا الكنيسة أن النعيم في السماء درجات، والعذاب درجات.. وأن نِجمًا يمتاز عن نِجم في المجد (1كو15: 41)، أما "أخذوا دينارًا": فالمقصود به في المَثَل... هو دخول الملكوت... وخلاص النفس.
فجاء أصحاب الحادية عشرة وأخذوا دينارًا
فتذمَّر الذين اشتغلوا من أول النهار لمساواتهم بهم في الأجر.. وهذا التذمُّر يشير إلى تذمُّر اليهود لقبول السيد المسيح للخطاة والسامرة والعشارين والأثمة وقبول الأمم في حظيرة الإيمان! فقال لهم الرب: "لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى. لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ" (مر2: 17). وهنا قال صاحب الكرم في المَثَل.. إنه لم يظلِمهم وأعطاهم الأجر المتَّفَق عليه. وكأني به يقول لكل واحد منهم: لماذا تكون أنت حسودًا.. إذا كنت أنا كريمًا؟!
تأمُّلات روحية
1- ليس المقصود بهذا المَثَل أن المؤمنين في الآخرة يتشاجرون أو يحسد بعضهم بعضًا.. إنما هذه العبارة تصوير لحالة ونفسية اليهود... الذين يعتقدون أن الفردوس وُجِد لهم وحدهم دون شعوب العالم. لأنهم وحدهم دون شعوب العالم قد اختارهم الله ليكونوا: "شعب الله المختار"! أما المسيحية فجاءت لتدعو كل الشعوب من كل جنس ولغة، وقالت: "إن كلَّ من يَصْنَعُ الْبِرَّ مَقْبُولٌ عِنْدَهُ" (أع10: 34).
2- كثيرون يحسبهم الناس آخرين وهم أولون! في نظر الله.. لأنه ليس كما ينظر الإنسان ينظر الرَّب فالله يعرف ما في القلوب ويقرأ الأفكار والنيّات، بينما الناس يحكمون حسب الظاهر.
3- بدعة تأخير التوبة لساعة الموت "الساعة الحادية عشرة".. ضلال... حقًا إن الكنيسة من الوجهة العقائدية تقول: إن التوبة مقبولة في كلِّ وقت إذا كانت صادقة... ولكن لا تنسى أيضًا أن توبة الخوف ليست توبة، وفي تأخير التوبة خطرٌ ومجازفة: "إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ" (لو 13: 3، 5).
4- التواضع تاج الفضائل فهو الذي يحوِّل الآخرين إلى أوَّلين: "والله أنزل الأعزاء عن الكراسي ورفع المتضعين" (لو1: 52).
5- الذي دعاهم صاحب الكرم في: "باكر، والساعة الثالثة، والسادسة، والتاسعة والحادية عشر.."، أليست هذه هي الساعات التي رتَّبتها الكنيسة للصلاة في الأجبية. أليس معنى هذا أن العمل المثمر تسانده الصلاة ويباركه الرب؟!!
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 8 نوفمبر1985م
مثل: عشر عذارى
عشر عذارى[1]
"حِينَئِذٍ يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ عَشْرَ عَذَارَى، أَخَذْنَ مَصَابِيحَهُنَّ وَخَرَجْنَ لِلِقَاءِ الْعَرِيسِ وَكَانَ خَمْسٌ مِنْهُنَّ حَكِيمَاتٍ، وَخَمْسٌ جَاهِلاَتٍ. أَمَّا الْجَاهِلاَتُ فَأَخَذْنَ مَصَابِيحَهُنَّ وَلَمْ يَأْخُذْنَ مَعَهُنَّ زَيْتًا، وَأَمَّا الْحَكِيمَاتُ فَأَخَذْنَ زَيْتًا .. فَفِي نِصْفِ اللَّيْلِ صَارَ صُرَاخٌ: هُوَذَا الْعَرِيسُ مُقْبِلٌ.. وَالْمُسْتَعِدَّاتُ دَخَلْنَ مَعَهُ إِلَى الْعُرْسِ، وَأُغْلِقَ الْبَابُ" (مت25: 1).
هذا المثل يدور حول وُجوب السهر والاستعداد لملاقاة الرَّب يسوع...
وملكوت السموات
أ- يُقصد به الملكوت الذي أقامه الرَّب على الأرض. والمقصود به الكنيسة المنظورة.
ب- كما يُقصد به قلب الإنسان، حيث يسكن الرَّب فتكون أشواق الإنسان وعواطفه وحبه تدور حول حب الله وحب الآخرين... وفي هذا يقول الكتاب: "أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ، وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُفْسِدُ هَيْكَلَ اللهِ فَسَيُفْسِدُهُ اللهُ.." (1كو3: 16، 17).
جـ- ويُقصد به أيضًا السماء، حيث ينعم المؤمنون بما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر، "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ" (رؤ2: 7).
عشرُ عذارى أخذن مصابيحهن
ولزوم المصابيح في المثل، لأن العُرس كان ليلاً... فالمصابيح للإضاءة والزينة وللاستعداد... وهذا يتَّفِق مع قول الكتاب: "لِتَكُنْ أَحْقَاؤُكُمْ مُمَنْطَقَةً وَسُرُجُكُمْ مُوقَدَةً. وَأَنْتُمْ مِثْلُ أُنَاسٍ يَنْتَظِرُونَ سَيِّدَهُمْ" (لو12: 35).
والعذارى
رمز إلى ارتباط النفس بالله. والعذارى لم ترتبط برجل آخر... أما العريس فهو الرَّب يسوع، والعذراء هي الروح الطاهرة العفيفة التي لم تتدنَّس بأقذار العالم ومطامع الدنيا. وفي هذا يقول الكتاب: "لِكَيْ يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ كَنِيسَةً مَجِيدَةً، لاَ دَنَسَ فِيهَا وَلاَ غَضْنَ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مِثْلِ ذلِكَ، بَلْ تَكُونُ مُقَدَّسَةً وَبِلاَ عَيْبٍ" (أف5: 27)، ويقول أيضًا: "خَطَبْتُكُمْ لِرَجُل وَاحِدٍ، لأُقَدِّمَ عَذْرَاءَ عَفِيفَةً لِلْمَسِيحِ" (2كو11: 2). ولهذا تلبس العروس طقسيًا الخاتم رمز الارتباط.
خمس حكيمات وخمس جاهلات
أ- أما الحكمة فوصفها الكتاب بقوله: "رَأْسُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ الرَّبِّ" (مز111: 10) وقال الرَّب يسوع: "مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هذِهِ وَيَعْمَلُ بِهَا، أُشَبِّهُهُ بِرَجُل عَاقِل، بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الصَّخْرِ" (مت7: 24).
ب- والحكمة في هذا المثل كانت بوضع الزيت في المصباح، والاستعداد للقاء العريس. ولما كانت العذارى جميعًا مؤمنات، فالزيت يُشير إلى النعمةِ المقترنة بالأعمال الصالحة... فالجاهلات اكتفين بالمصابيح أي مجرد الإيمان، والحكيمات أضفن إلى الإيمان أنهن أثمرن في حياتهن بالمحبة والأعمال الصالحة "الإِيمَانَ بِدُونِ أَعْمَال مَيِّتٌ" (يع2: 20)، وخطأ الجاهلات أنهن اكتفين بالمظهر.
وفيما أبطأ العريس
المدة بين انتقال الإنسان من هذا العالم، ومجيء السيد المسيح الثاني للدينونة والجزاء. أو المدة بين مجيء السيد المسيح الأول والثاني، قد دخل العالم حتى الآن في 20 قرنًا...
نِمن جميعًا
ويقصد بالنوم الموت. ونِمن جميعًا، لأن الموت يأتي على جميع الناس صالحين وغير صالحين...
+ ولا عيب في الموت فهذا حقٌ علينا، لمَن أدَّى واجبه، وأرضى ربه... وكما يستريح النائم من تعب النهار، يستريح المؤمن من تعب وأثقال الحياة "طُوبَى لِلأَمْوَاتِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ فِي الرَّبِّ مُنْذُ الآنَ.. لِكَيْ يَسْتَرِيحُوا مِنْ أَتْعَابِهِمْ، وَأَعْمَالُهُمْ تَتْبَعُهُمْ" (رؤ14: 13)!
وفي نصف الليل
هنا تكمُن الخطورة عندما يجيء الرَّبُّ، وينقضي العمر، والناس في غفلة ساهون وعن عمل الخير غافلون! حيث لا تنفع توبة ولا ندم ولا شفاعة... بعد الموت. وفي المَثَل نصف الليل يشير إلى اشتداد الحاجة لاستخدام المصابيح، ويكتشف الأشرار أن مصابيحهم خالية من الزيت، وأن قلوبهم خاوية وحياتهم فارغة، فلا خير قدموه.. ولا خير فعلوه! وهيهات أن ينفع الندم.
صار صراخ: العريس مقبل
وهذا الصراخ يشير إلى ضجيج القيامة... حيث تنحل العناصر الملتهبة معًا وحيث تتزعزع الأركان. ويقول الأشرار للجبال: "اسْقُطِي عَلَيْنَا وَأَخْفِينَا عَنْ وَجْهِ الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ" (رؤ6: 16).
فقامت جميع العذارى
يقوم جميع الموتى والذين رقدوا في القبور منذ تأسيس الكنيسة. ويشمل الموت: الأحياء وقت المجيء، ويا لها من لحظة رهيبة! يواجه كل إنسان نفسه ويلتقي بالله الديان العادل!
وهنا ظهرت حماقة الجاهلات
فطلبن زيتًا من المستعدات اللائي أصلحن مصابيحهن. ونفهم من هذا:
1- أن كل إنسان يحاسَب عن نفسه.
2- وقت الدينونة لا مجال للحصول على النعمة والتوبة.
3- لا ينفع أحد غيره.. فكل إنسان له زيته، لا يكفيه ويزيد منه لغيره! وهذا ما قالته الحكيمات: "إن الزيت لا يكفي لنا ولكُنَّ.. ولكن اذهبن وابتعن"!! ولكن هل بقى مجال للبيع والشراء؟
وأُغلِق الباب
والمقصود أُغلِق باب الرحمة، وباب التوبة.. بعد الموت..!
وجاء العريس
والرَّب قادم ليأخذ عروسه لا ريب في هذا. الخطوبة هنا والعرس والإكليل في السماء لتكون عروسه معه دائمًا، كما يقول الرَّب يسوع: "آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا" (يو 14: 3).
+ وفي هذا تعويضٌ لكلِّ المتاعب التي مر بها الإنسان في حياته من أجل الرَّب.. وحيث لا يكون حزن ولا وجع.. لأن الأمور الأولى قد مضت!
تأمُّلات
1- أُغلِق الباب بعد الدخول إلى فُلك نوح... ويُقال أن رئيس الملائكة ميخائيل قد أغلق الباب. وجميع الذين خارج الفلك هلكوا... ولأن العريس جاء في نصف الليل، تُرتِّب الكنيسة صلاة نصف الليل.
2- هذا هو أمل المؤمنين الصالحين "وَلكِنَّنَا بِحَسَبِ وَعْدِهِ نَنْتَظِرُ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً، وَأَرْضًا جَدِيدَةً، يَسْكُنُ فِيهَا الْبِرُّ" (2بط3: 13) "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأَجْعَلُهُ عَمُودًا فِي هَيْكَلِ إِلهِي، وَلاَ يَعُودُ يَخْرُجُ إِلَى خَارِجٍ" (رؤ3: 12).
3- أُغلِق الباب، فلا يدخل هَم ولا حزن، ولا إبليس المجرِّب، ولا خطيئة، ولا موت!
4- أُغلِق الباب، ليمنع دخول غير المُخَلَّصِين إلى النعيم..! وأُغلِق باب الرحمة فلا توبة، ولا شفاعة، وهذا الباب مفتوحٌ الآن أمام كل إنسان إلى آخر لحظة من العمر، مفتوحٌ لكلِّ العالم حتى مجيء السيد المسيح الثاني.
5- لن يدخل مَن جَدَّفَ على الروح القدس: أي من مات بغير توبة، وقاوم عمل الروح القدس فيه.
6- الرَّب يسوع وحده له سلطان عليه، فهو يُغلِق ولا يستطيع أحد أن يفتح، ويفتح ولا يستطيع أحد أن يُغلِق...
لا أعرفكن
قيلت هذه العبارة للعذارى الجاهلات.. ويُقال للذين على اليسار الذين لم يفعلوا خيرًا.. وتتَّفق مع قول الرب في موضع آخر: "وَأَعْرِفُ خَاصَّتِي وَخَاصَّتِي تَعْرِفُنِي" (يو10: 14).
7- هذا المَثَل يعطينا هذه الحقيقة: أن الناس صنفان لا ثالث لهما.. البعض مُخلَّصون والبعض منافقون، ونحن لا نميِّز بين الاثنيْن، لأن الجميع يحملون المصابيح، ولا نعرف ما بداخلهم.. والله يعرفهم.
8- بقيَت أهم حقيقة: ما دام الباب لم يُغلَق حتى الآن... وما دام في العمر بقية.. حاسِب نفسك واصلِح ذاتك ومصباحك.. وتُب توبة حقيقية.. وادخُل الآن قبل أن يُغلَق الباب؟!!
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 15 نوفمبر1985م
مثل: العشاء العظيم
العشاء العظيم[1]
"فَلَمَّا سَمِعَ ذلِكَ وَاحِدٌ مِنَ الْمُتَّكِئِينَ قَالَ لَهُ: طُوبَى لِمَنْ يَأْكُلُ خُبْزًا فِي مَلَكُوتِ اللهِ. فَقَالَ لَهُ: إِنْسَانٌ صَنَعَ عَشَاءً عَظِيمًا وَدَعَا كَثِيرِينَ، فابتدأ الجميع يعتذرون. قال واحد: اشتريت حقلًا.. وقال آخر: اشتريت خمسة أزواج بقر. وقال آخر: إني تزوجت.. فقال (رب البيت) لعبده: أَدْخِلْ إِلَى هُنَا الْمَسَاكِينَ وَالْجُدْعَ وَالْعُرْجَ وَالْعُمْيَ... وَأَلْزِمْهُمْ بِالدُّخُولِ حَتَّى يَمْتَلِئَ بَيْتِي" (لو14: 15- 25).
هناك ضيافة فريسي للفريسيين، وغَني للأغنياء.. ضيافة تقابلها ضيافة أخرى، أما إضافة النعمة فهي ضيافة الرَّب "للمساكين والجُدع والعُرج والعُمي". وهذه مكافأتها الطوبَى في قيامة الأبرار.
+ في ضيافة الفريسي اتَّخذ المدعوون (المُتَّكأ الأول). ونصح الرَّبُّ باِتخاذ المُتَّكأ الأخير!
لأن الإنسان الوديع لا يطلب الكرامة لنفسه، بل الله يعطيها له ويعطيها له الآخرون: "لأن من اتَّضع ارتفع"... وقال يعقوب الرسول: "وَلْيَفْتَخِرِ الأَخُ الْمُتَّضِعُ بِارْتِفَاعِهِ، وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَبِاتِّضَاعِهِ، لأَنَّهُ كَزَهْرِ الْعُشْبِ يَزُولُ" (يع1: 9، 10)، وأيضًا: "اللهَ يُقَاوِمُ الْمُسْتَكْبِرِينَ، وَأَمَّا الْمُتَوَاضِعُونَ فَيُعْطِيهِمْ نِعْمَةً" (1بط5:5).
+ في هذه الوليمة وبهذا المثل: خلق الرب جوًا روحيًا.. وهذه طريقة مُثلَى تدفعنا لخلق أحاديث روحية في تيار أحاديث الحياة العامة.. وإذ كان السيد المسيح وَبَّخَ ربّ البيت والضيوف، صاح ربّ البيت بهذه العبارة: "طُوبَى لِمَنْ يَأْكُلُ خُبْزًا فِي مَلَكُوتِ اللهِ".
أ- أراد رب البيت أن يُحَوِّل الحديث، حتى لا يختلّ توازن الوليمة...
ب- ربما كان رب البيت متأثرًا بالمبادئ السامية التي نادى بها الرب يسوع، ويخلو منها العالم الفاسد، فاشتاق إلى "ملكوت الله"، حيث توجد هذه المبادئ.
جـ- هذه العبارة كانت تجري على ألسنة الربيين ومعلمي اليهود...
د- قالها رب البيت وهو مِثل باقي اليهود الذين يتوقعون مجيء السيد المسيح مُلكًا زمنيًا، فتولَم الولائم، وكانت هنا أفكاره مادية جسدية. ولم يسأل نفسه... هل يقبل الدعوة التي جاء بها الرب؟ وهو يسمع الحديث عن ثواب الأبرار في قيامة الأبرار.
إنسان صنع عشاءً عظيمًا
+ هذا العشاء يُقصد به الخلاص. وسُميَّ (بالعشاء) لأنه غذاء الروح... وهو يُشبِعها، وترك للناس حرية قبوله أو رفضه.
+ سُميَّ (عشاء) حيث ينتهي عمل النهار، فيكون وجبة رئيسية. والله صاحب الدعوة. وقُدِّمت الدعوة لليهود على مرِّ العصور.
ودعا كثيرين وأرسل عبيده ساعة العشاء
يمثِّل العبد كل الأنبياء والرسل والمبشرين: والمقصود بهذا العبد في هذا المَثَل (يوحنا المعمدان) الذي قيل عنه: "هَا أَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلاَكِي، الَّذِي يُهَيِّئُ طَرِيقَكَ قُدَّامَكَ" (مر1: 2) فجاء سابقًا للسيد المسيح.
ليقول كل شيء قد أُعِدَّ
كل شيء قد أُعِدَّ، ليموت السيد المسيح على الصليب، لخلاص وفداء جنس البشر " لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يو3: 15). وجاء الخلاص جامعًا لكل جنس البشر، فلم يترك أحدًا من الأمم دون دعوة.
رفض الدعوة وتَلَمُّس الأعذار
أ- اعتذر واحدٌ بأنه اشترى حقلاً يريد أن ينظُره.
ب- واعتذر آخر أنه اشترى خمسة أزواج من البقر يريد أن يمتحنها: (هذا حيواني جسداني) بينما الأول (أرضي).. وهو يمثل اليهود. كانوا يريدون المسيح مَلِكًا أرضيًا يُمَلِّكَهُم العالم.
جـ- قال الثالث: إنه تزوَّج (هذا حيواني عبد لذَّاتُه).. وكانت الشريعة تُعفي المتزوِّج: أن يعتذر عن نزول الحرب في السنة الأولى لزواجه... ولكن لا تُعفيه من حضور الولائم.
فأتى ذلك العبد وأخبر سيده
على الخادم الذي يقوم بالخدمة الدينية أن يلجأ إلى الله، ويقدم تقريرًا عن خدمته... ويطلب من الله المعونة.. ليُنجِح الخدمة ويباركها...وإذا لقى مقاومة.. الرب يذللها. وهكذا فعل الرسل: "وَلَمَّا رَجَعَ الرُّسُلُ أَخْبَرُوهُ بِجَمِيعِ مَا فَعَلُوا" (لو9: 10).
+ وقيل عن عمل الخدام: "لأَنَّهُمْ يَسْهَرُونَ لأَجْلِ نُفُوسِكُمْ كَأَنَّهُمْ سَوْفَ يُعْطُونَ حِسَابًا..." (عب13: 17).
ليس أحد من المدعوين يذوق عشائي
أ) هل يُقصد بهذا المدعوون في وليمة الفريسي من الفريسيين المنافقين أو:
بـ) الذين يرفضون الدعوة عمومًا.. لا شك إن المقصود هما الاثنان؟! أو المعنيان.
ادخِلوا المساكين والجدع والعرج والعمي
هؤلاء الأربعة يمثِّلون المدعوين من العالم كله من الجهات الأربع، الشرق والغرب والشمال والجنوب، وهم الذين قبِلوا الدعوة.. وهؤلاء سبق الله وعَيَّنَهُم.. "الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ" (رو8: 29). فالمعرفة الإلهية تسبق التعيين.. وهذا لا يتعارض مع حرية الإنسان.. بل تلتقي الحرية مع التعيين.
من الطرق والسياجات
السياجات خارج المدينة. والمدعوون خارج شعب اليهود: "الذين اعتبروا أنفسهم الأوَّلين" فصاروا آخرين...
تأمُّلات روحية
1- رغم وضوح الأمثلة التي ضربها السيد المسيح، كان اليهود يسمعون الكلام وهو يخصَّهم.. ولكنهم كانوا ينظرون نظرًا ولا يبصرون، ويسمعون سمعًا ولا يفهمون، لأن الشيطان أعمى عيونهم.. وسَدَّ آذانهم!!
2- رغم أن المناسبة كانت تناوُل الطعام، فقد حوَّلها السيد المسيح للتحليق في عالم السماويات والروحيات. فعلينا أن ننتهز كل مناسبة لنحوِّل النظر إلى هبات ونِعم الله السماوية، بدلاً من الحديث فيما لا ينفع ولا يفيد.
3- اخرُج إلى الطرق والسياجات وألزِمهم بالدخول: لا تكون الدعوة بالقسوة والقهر، إنما الإلزام هنا أدبي. ويُقصد به الإقناع والإلحاح... كما قال الرسول: "فَإِذْ نَحْنُ عَالِمُونَ مَخَافَةَ الرَّبِّ نُقْنِعُ النَّاسَ" (2كو5: 11).
4- حتى يمتلئ بيتي: تُشير هذه العبارة إلى كثرة الذين خلصوا ونالوا النعمة، ودخلوا إلى حظيرة الإيمان. كما أوصى الرَّبُّ التلاميذ: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ" (مت28: 19).
5- لاحظ السيد المسيح طريقة جلوس الفريسيين في الوليمة، واِتِّخاذهم المُتَّكأ الأول، صِلفًا وكبرياءً، فلفت نظرهم وعلَّمهم أن يتَّخذوا "المُتَّكأ الأخير".. فلم يترك السيد المسيح مجالاً.. شاردة أو واردة.. إلا وقَدَّمَ تعليمًا نافعًا.. فمدح الاتِّضاع وذمَّ الكبرياء. وتعتبر الكبرياء أم الرذائل، لهذا يقول الكتاب: "قَبْلَ الْكَسْرِ الْكِبْرِيَاءُ" (أم16: 18)، والتواضع تاج الفضائل وقال: "وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ" (مت11: 29).
6- في اليوم الأخير حيث الدينونة.. لا يُقبَل أي اعتذار، وخير عبارة قالها الكتاب: "يَسْتَدَّ كُلُّ فَمٍ" (رو3: 19) وهو يسمع قضاء الله العادل... ويُصدِر القرار النهائي والحكم الإلهي.. للذين على اليمين: "اُدْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِكَ" (مت25: 21).
وللذين على اليسار: "اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاَعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ" (مت25: 41). فلنتَّخِذ من هذا المَثَل دعوة...وإنذارًا! وليتداركنا الرَّب بعظيم رحمته.
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 22 نوفمبر1985م
الصديق اللجوج
الصديق اللجوج[1]
"مَنْ مِنْكُمْ يَكُونُ لَهُ صَدِيقٌ، وَيَمْضِي إِلَيْهِ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُولُ لَهُ يَا صَدِيقُ، أَقْرِضْنِي ثَلاَثَةَ أَرْغِفَةٍ، لأَنَّ صَدِيقًا لِي جَاءَنِي مِنْ سَفَرٍ، وَلَيْسَ لِي مَا أُقَدِّمُ لَهُ.، وليس لي ما أقدمه له: فَيُجِيبَ... لاَ تُزْعِجْنِي! اَلْبَابُ مُغْلَقٌ الآنَ، وَأَوْلاَدِي مَعِي فِي الْفِرَاشِ.. أَقُولُ لَكُمْ: وَإِنْ كَانَ لاَ يَقُومُ وَيُعْطِيهِ لِكَوْنِهِ صَدِيقَهُ، فَإِنَّهُ مِنْ أَجْلِ لَجَاجَتِهِ يَقُومُ وَيُعْطِيهِ اسْأَلُوا تُعْطَوْا، اُطْلُبُوا تَجِدُوا، اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ. فَمَنْ مِنْكُمْ، وَهُوَ أَبٌ، يَسْأَلُهُ ابْنُهُ خُبْزًا، أَفَيُعْطِيهِ حَجَرًا؟ أَوْ سَمَكَةً، أَفَيُعْطِيهِ حَيَّةً بَدَلَ السَّمَكَةِ؟ (لو11: 5- 11).
هذا المثل: انفرد به إنجيل لوقا
ويهدف إلى شرح كيفية الصلاة العدد (1- 4)، وفاعلية الصلاة من العدد (5- 13)، ويفترِض هذا المَثَل: أن إنسانًا جاءه صديق في وقتٍ متأخِّرٍ من الليل. وكان هذا الصديق أنانيًا وكسولاً.. لا يريد مغادرة فراشه، فأخذ يتعلَّل بأسباب كثيرة: منها أن أولاده معه في الفراش، ويخشى إذا قام يزعجهم، والباب مغلق، ورغم كل هذا ظل الصديق يقرع الباب ولم يفقد الأمل.
نصف الليل
جاء الضيف في هذه الساعة، لأن السفر ليلاً كان خيرًا من السفر بالنهار. ورغم الوقت الذي جاء فيه الضيف صمَّم صديقه أن يقوم بواجب الضيافة.
أقرضني ثلاثة أرغفة
ما يكفي الرجل، رغيف للضيف، رغيف آخر للمضيف، ورغيف ثالث لملاك المائدة كما جاء في التلمود.
الثلاثة أصدقاء
إذا أردنا أن نحلِّل شخصياتهم، نجدها على الصورة التالية:
أ- الضيف القادم: جاء في وقت غير مناسب، ولم يعرف حدود الضيافة، ولم يُحسِن الوقت الذي يجيء فيه، حيث جاء من سفر في وقت متأخِّر من الليل، وقصدَ صديقًا له فقيرًا. فلم يكن في البيت شيء من الطعام، والحوانيت قد أُغلقت أبوابها، وقد اضطره أن يذهب إلى صديق آخر في منتصف الليل ليقرع بابه.
ب- الصديق الثاني: أناني وكسول، وهو أيضًا فقير، فليس عنده خادم يفتح له الباب، وليس له غير فراش واحد يجمعه هو وأولاده، وكان ردَّه ردًا جافًا: "لا تزعجني، الباب مغلق، وأولادي معي في الفراش..." وكان في نيته ألاَّ يعطيه.
جـ- الصديق الثالث هو أفضل الثلاثة؛ فلم يردّ طلب الأول، وأسرع في شهامة يلبِّي طلب الضيف، ولم يعتذر له بأنه لا يملك في البيت شيئًا يقدِّمه. ويظلّ يقرع باب صديقه، رغم ما في ذلك من حرج، وما تعرَّض له من رفض وجفاف في الرد. إنه إنسانٌ محبٌ للخير وخدوم.
المقابلة والتطبيق
إذا كان من أجل لجاجة الصديق الذي أخذ يقرع على الباب. قام صديقه من فراشه وأعطاه.. فكم تكون جدوى استجابة الصلاة، واللجاجة في الطلب، والقاعدة (التشبيه مع الفارق).
1- فليس معنى هذا أن الله يمكن التأثير عليه بالإلحاح، أو أننا بالإلحاح يمكن أن نغيِّر مقاصد الله.
2- قد ننجح مع الناس إذا ألححنا وضايقناهم في الطلب.. ولكننا ننجح مع الله لأنه عظيم الرحمة، جزيل العطاء، مُحب.. قال لنا: "اِسْأَلُوا تُعْطَوْا. اُطْلُبُوا تَجِدُوا. اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ" (مت7:7).
ولهذا نذهب إليه في جسارة، واثقين من محبته كأبناء له...
3- ولكن علينا أن نُحسِن الطلب، فنطلب أولاً ملكوت الله وبره.. الروحيات قبل الجسديات.
4- لا نطلب من أجل أنفسنا فقط، فهذه هي الأنانية بعينها، بل علينا أن نطلب من أجل الآخرين، من أجل المتألِّمين، المجرَّبين، والمعوَزين، والضالّين.
وفي المثل "الصديق اللجوج" لم يطلب لنفسه، بل طلب من أجل صديقه.
5- وعلى سبيل المثال: أيوب صلَّى لأجل أصحابه.. الذين أغضبوا الرَّب بكلامهم (أي42: 10). وإبراهيم صلَّى لأجل مالك "مَلِك جرار" عند حمو غضب الله عليه. والخلاصة: علينا أن نخرج من الذات للغير.
6- الكنيسة في كل قداس تصلِّي من أجل المرضى والراقدين، ومن أجل الزرع والعشب ونبات الحقل والنيل، ومن أجل الرؤساء والحاكمين، وأن ينجِّي الله البلاد من الغلاء والوباء وسيف الأعداء.
7- علينا أن نستمر في الصلاة بإلحاح حتى يستجيب الرَّب لنا، كما فعل مع زكريا الكاهن الذي ظل يُصلِّي.
8- علينا أن نُدعم صلواتنا.. بالقيام بواجباتنا ومجهوداتنا الشخصية في حدود طاقتنا، فالله لا يبارك الكسلان.. ويد الله مع الجماعة، فقد تكون الصلوات انفرادية أو جماعية.
9- علينا أن نشعر بحقارتنا في الصلاة. فالله يستجيب الصلاة رحمة منه وفضلاً وليس لاستحقاقنا "هذَا الْمِسْكِينُ صَرَخَ، وَالرَّبُّ اسْتَمَعَهُ" (مز34: 6).
تأمُّلات روحية
1- فمن منكم يسأله ابنه خبزًا أفيعطيه حجرًا، أو سمكةً أفيعطيه حيَّةً؟!
ويدخل في المقارنة الفرق الكبير بين حب الله كأب سماوي، وحب البشر الذين يعطون أولادهم عطايا جيدة. فكم بالحري الله الذي يعطي الروح القدس.
+ مما يشجعنا على الطلب والصلاة، علاقتنا بالله كأبناء.. وهنا رفعت المسيحية العلاقة بين الإنسان والله إلى درجة (البنوة) ونحن نصلي ونقول: "أبانا الذي في السموات"! وفي طلب الروح القدس.. أو روح الله الذي يسكن في قلوبنا، كل الخيرات.. فهو ينشئ فينا الحياة الروحية ويملأ قلوبنا بالفداء والرجاء، ويمُدُّنا بالقوة، وينير القلب ويبكِّتنا على خطيئة.
2- راجع (متى7: 7- 11، وإنجيل لوقا11: 5- 8). نجد أن المَثَل ذُكِر مرتين، على صورتيْن. "يعطيه حجرًا"، وفي لوقا "يعطيه عقربًا".. وهذا معناه أن المَثَل قيل مرتيْن. ذكرَه متى بصورة، وذكرَه لوقا بصورة أخرى.
3- إذا أبطأ الله في استجابة الصلاة، يكون هذا لامتحان إيماننا.. وتقوية الرجاء فينا...
- قد يكون معناه، أننا غير مستحقّين لنوال البركة التي نطلبها، لأنه لم يرافقها التواضع اللائق.
- وقد يكون لأن الوقت المناسب لم يَحِن بعد.
- قد يكون لأن ما نطلبه خطأ، والله عندما يستجيب لنا، يعطينا ما هو أصلح، ويكون الله، تبارك اسمه، في هذه الحالة: لم يرفض استجابة الصلاة؛ ولكنه صحَّحها!!
4- الصديق الذي يذهب يقرع باب صديقه: يقول له يا "صديق"، والثاني يرُد "لا تزعجني" ولم ينطق بكلمة صديق!! فالأغنياء يذهب إليهم المحتاجون والفقراء ويعتبرونهم أصدقاء لهم، بينما الأغنياء.. لا يخلعون عليهم هذه الصفة؟! ويتهرَّبون منهم "لا تزعجني"..
5- يوجد فرق بين تكرار الكلام باطلاً، وإطالة الصلاة دون عمق روحي.. وبين اللجاجة. واللجاجة يصاحبها الإيمان برحمة الله، والشعور الحي، والثقة في محبة الله.. وما أبعد الفرق بين الاثنيْن.
6- ذكر المثل هنا: البحث عن الصديق في ظلام الليل.. فهل نبحث عن الله في ظلام الخطيئة؟! ونقرع بابه: "كُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ حِينَمَا تُصَلُّونَ، فَآمِنُوا أَنْ تَنَالُوهُ، فَيَكُونَ لَكُمْ"!! (مر11: 24).
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 29نوفمبر1985م
المديونان
المديونان[1]
"وَسَأَلَهُ وَاحِدٌ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ الْفَرِّيسِيِّ وَاتَّكَأَ... وَإِذَا امْرَأَةٌ فِي الْمَدِينَةِ كَانَتْ خَاطِئَةً.. وَوَقَفَتْ عِنْدَ قَدَمَيْهِ مِنْ وَرَائِهِ بَاكِيَةً، وَابْتَدَأَتْ تَبُلُّ قَدَمَيْهِ بِالدُّمُوعِ، وَكَانَتْ تَمْسَحُهُمَا بِشَعْرِ رَأْسِهَا، وَتُقَبِّلُ قَدَمَيْهِ وَتَدْهَنُهُمَا بِالطِّيبِ. فَلَمَّا رَأَى الْفَرِّيسِيُّ الَّذِي دَعَاهُ ذلِكَ، تَكَلَّمَ فِي نَفْسِهِ قِائِلاً: لَوْ كَانَ هذَا نَبِيًّا، لَعَلِمَ مَنْ هذِهِ الامَرْأَةُ الَّتِي تَلْمِسُهُ وَمَا هِيَ! إِنَّهَا خَاطِئَةٌ. فقال يسوع: كَانَ لِمُدَايِنٍ مَدْيُونَانِ. عَلَى الْوَاحِدِ خَمْسُمِئَةِ دِينَارٍ وَعَلَى الآخَرِ خَمْسُونَ وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَا يُوفِيَانِ سَامَحَهُمَا جَمِيعًا. فَقُلْ: أَيُّهُمَا يَكُونُ أَكْثَرَ حُبًّا لَهُ؟" (لو7: 36- 50).
لعل هذا المَثَل يكون ردًا على القائلين إن السيد المسيح له المجد: مُحبٌ للعشارين والخطاة، والسيد المسيح أعلن مرارًا أنه جاء يطلب ويخلِّص ما قد هلك، وأنه لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى.
+ لعل مَثَل المديونَين يكون تفسيرًا لقول الرب: "وَالْحِكْمَةُ تَبَرَّرَتْ مِنْ بَنِيهَا" (مت11: 19).
وسأله واحد من الفريسيين أن يأكل معه
أ- ربما لأن زيارة الرب له تُضفي عليه شرفًا وسُمعة حسنة.
ب- هذه الوليمة أنفق عليها الفريسي الكثير من ماله، ولم يُظهِر شيئًا من عواطفه لأن غرضه كان تكريم نفسه أكثر من تكريم ضيفه! ولعله أراد أن يُبهِج بهذه الزيارة أيضًا أسرته.
جـ- لم يؤمن به الفريسي تمامًا، لأنه قال في نفسه: "لو كان هذا نبيًا لعرِف من هذه المرأة إنها خاطئة".
د- حضر السيد المسيح إلى الوليمة، واتَّكأ مع الحاضرين كما اتَّكأ في الوليمة التي دعاه إليها متى العشار.. وكانت هذه فرصة يناقش فيها الفريسيين في آرائهم الخاطئة.
ه- فرقٌ بين وليمة العشارين تَحفُّها عيون المحبين، ووليمة الفريسيين والأشراف تَحفُّها عيون الناقدين الحاقدين! والسيد المسيح قبِل كل دعوة توجَّه إليه.. رغم أن وليمة الفريسيين كانت وليمة عقيمة، وأطعِمتها سقيمة!
وإذا امرأة في المدينة كانت خاطئة
كانت هذه المرأة معروفة بسوء السمعة، وإذ تجددَّت حياتها ببشارة الرب، جاءت تعترف أنها مديونة بحبِّها له. واختلفت الآراء في شخصية هذه المرأة؟!
ويهمنا في هذه المرأة: جرأتها، حيث تجرّأت ودخلت بيت الفريسي. وتوبتها تعبِّر عنها دموعها، وانسحاقها حيث مسحت بشعر رأسها قدميه، وتضحيتها حيث تكبَّدت ثمن طيب كثير الثمن، ومحبَّتها "هذه المرأة أحبت كثيرًا".
وقفت عند قدميه باكية: وكانت طريقة الاتِّكاء أن تكون قدما الجالس خلفه، فجاءت من ورائه باكية، خجلَى من ذنوبها، وكأنّي بها تقول: كيف أسمح لعينيه الطاهرتين أن تنظرا وجهي، وقد لطَّخته المعاصي والآثام؟ وعبَّرت عن انسحاقها بأن قامت بما تقوم به الخادمة من غسل أرجل الضيوف!
يا إلهي! كيف تغيَّرت حياتها بالتوبة الصادقة، وكيف تقدَّست روحيًا وجسديًا؟ كانت عيناها منافذ الخطيئة... فصارتا ينبوع دموع دافقة، أما وجهها فابتلّ بالدموع، بعد أن تلطَّخ سابقًا بالأصباغ... أما شعرها الذي كان يُجدَل ويُضفَر ويُضَمَّخ بالعطور، أصبح الآن منشفة!
وهكذا يليق بالتائبين كلما اقتربوا من الرَّب أن تصفو الرؤية ويتذكروا خطاياهم فتتجدَّد أحزانهم "خَطِيَّتِي أَمَامِي في كل حين" (مز3:51).
وهنا قال الفريسي في قلبه: "لو كان هذا نبيًا لعرِف من هذه المرأة التي تلمسه وما هي، إنها خاطئة".
كانت عثرة للفريسي كيف يسمح نبي لامرأة خاطئة أن تلمَسه!! ونسى الفريسي أن الشمس إذا دخلت مكانًا طهَّرته.. وأن الطبيب إذا لمس مريضًا، بحث عن علة الداء وقدَّم الدواء. وكان رد السيد المسيح بعد أن قرأ أفكاره، ما أثبت له أنه أكثر من نبي، إذ قال له الرب: أترى هذه المرأة؟؟ وهنا شعر الفريسي بالمهانة والصِغر والاحتقار، كيف يقارن بينه وهو العظيم بهذه المرأة الساقطة؟! وكانت المُحصِّلة أن المرأة نالت الغفران: والحب والغفران ثمرتان من شجرة واحدة، وفرعان من نهر واحد... ونهران من منبع واحد! أحبت كثيرًا فيُغفَر لها كثير. وقد بلور الرب هذا في:
أ- إعلان: مغفورة لكِ خطاياكِ.
ب- وضمان: إيمانكِ خلَّصكِ.
جـ- أعظم عطية: اذهبي بسلام.
وهذا تكرار لوعد الله لكل من يُقبِل إليه: "سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ" (يو14: 27).
كان لإنسان مديونان
المَثَل مديونان: كان على واحد 50 دينارًا، وعلى الآخر 500 دينار... وإذ لم يكن لهما ما يوفيان، فإن سيدهما سامحهما... فأي واحد منهما يكون أكثر حبًا له؟ الذي سامحه بالأكثر- ظن الفريسي أنه المديون بالأقل، لأنه أكثر صلاحًا، والمديونة بالأكثر المرأة الخاطئة. وهذا خطأ.
تأمُّلات روحية
1- المرأة الخاطئة كانت مديونة بالأكثر، ولكن بعد توبتها لم تعُد مديونة على الإطلاق! وبقَى الفريسي الذي إدَّعىَ الصلاح هو المديون وحده!! لم يعد هناك "مديونان" بل "مديون" واحد!
2- إذ لم يكن لهما ما يوفيان: هذا ينطبق على جنس البشر. فالكل أخطأوا وزاغوا وأعوزهم مجد الله. وعجز الناس جميعًا عن الإيفاء. فجاء السيد المسيح وحمل عنا خطايانا، كما قال عنه يوحنا المعمدان: "هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ!" (يو1: 29).
3- الخطيئة دين. ونحن جميعًا مديونون لله بعدم الطاعة، ولم نُحسِن الوكالة في أموال الله.
4- شجاعة الرَّب في قول الحق: فلقد وبَّخ الفريسي في بيته، رغم أنه أكرمه. وكلمة الحق يجب أن تُقال. "فَكُلُّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِي قُدَّامَ النَّاسِ أَعْتَرِفُ أَنَا أَيْضًا بِهِ قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. وَلكِنْ مَنْ يُنْكِرُني قُدَّامَ النَّاسِ أُنْكِرُهُ أَنَا أَيْضًا قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت10: 32، 33).
5- ومع هذا فهناك ذنوب كثيرة... كالذي يُخطئ علنًا.. وينشر على الملأ إنكاره، أو يُخطئ رغم ما لديه من معرفة. والكتاب يقول: "الذين يعطون كثيرًا، يطالبون بالأكثر" (لو12: 48).. وعلى العموم فعقوبة المسيحي على خطيئة تكون أشد، لأنه أخذ وسائط النعمة ورفضها!
6- لم تكن محبة المرأة الخاطئة بسبب الغفران فحسب.. بل أنها أحبَّت كثيرًا فنالت الغفران. فالغفران جاء نتيجة ومكافأة لحبها. ونحن بالتالي نفعل الخير، لا طمعًا في جزاء، ولا خوفًا من عقاب، بل نحب الخير للخير، حبًا في الله، الذي هو الخير الأعظم.
7- وقفت المرأة من وراء الرَّب خجلَى.. عندما أخطأت فقدت الخجل، أخذه منها الشيطان. وعندما تابت استردَّت الخجل.. ونحن أيضًا نسترِّد الخجل في (سر الاعتراف)؟! فنسترِّد ما أخذه الشيطان.
8- إنجيل المسيح لا يُضعِف شعور الإنسان بثِقل خطاياه، بل بعمقه فيه. وينقله من هوة اليأس إلى صخرة الرجاء.. ويقتاده إلى التوبة والخلاص: "طُوبَى لِلَّذِي غُفِرَ إِثْمُهُ وَسُتِرَتْ خَطِيَّتُهُ" (مز32: 1).
9- تحامُل الفريسي على المرأة الخاطئة، وعدم مغفرته لها، لأنها تجرَّأت ودخلَت بيته ولمست الرب يسوع.
والذي لا يغفِر للآخرين لا يُغفَر له، وهذه هي القاعدة المسيحية: "اِغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ" (لو6: 37). وبهذا الترتيب نغفِر أولاً.. ثم نطلب الغفران...
فالغفران يناله من صَفَت نفوسهم من الأحقاد.
10- ما أكثر الفريسيين والحاقدين! وما أقل التائبين المستغفرين!
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 6 ديسمبر1985م
التينة غير المثمرة
التينة غير المثمرة[1]
"كَانَتْ لِوَاحِدٍ شَجَرَةُ تِينٍ مَغْرُوسَةٌ فِي كَرْمِهِ، فَأَتَى يَطْلُبُ فِيهَا ثَمَرًا وَلَمْ يَجِدْ.. فَقَالَ لِلْكَرَّامِ: هُوَذَا ثَلاَثُ سِنِينَ آتِي أَطْلُبُ ثَمَرًا فِي هذِهِ التِّينَةِ وَلَمْ أَجِدْ. اِقْطَعْهَا! لِمَاذَا تُبَطِّلُ الأَرْضَ أَيْضًا؟ فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُ: يَا سَيِّدُ، اتْرُكْهَا هذِهِ السَّنَةَ أَيْضًا، حَتَّى أَنْقُبَ حَوْلَهَا وَأَضَعَ زِبْلاً.. فَإِنْ صَنَعَتْ ثَمَرًا، وَإِلاَّ فَفِيمَا بَعْدُ تَقْطَعُهَا" (لو13: 6- 9).
1- الغرض من هذا المَثَل هو التحذير، وهذا يتفق مع قول الرب: "بَلْ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ" (لو13: 3،5).
كان لواحدٍ كرْم
الواحد هو الله، والكرْم هو: ملكوت الله على الأرض، أو الكنيسة.
التينة: هي شعب إسرائيل أو شعب الله المختار. الكرَّام الذي شفع في إرجاء قطع التينة هو: السيد المسيح الذي شفع فينا بدمه.
وأتى يطلب ثمرًا فلم يجد: السيد المسيح جاء بنفسه متجسدًا فلم يقبله اليهود: "إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ" (يو1: 11). لقد آمن به كثيرون، ولكن الأمة اليهودية في جملتها لم تقبله، فكان لا بد من القطع الذي تم بعد قيامة الرَّب وصعوده، بعد أربعين عامًا (70م)- حيث خربت أورشليم وتشتَّت الشعب اليهودي في أرجاء الأرض، وتم فيهم قول الكتاب: "قَدْ وُضِعَتِ الْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ، فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّار" (مت3: 10).
امتيازات شجرة التين
في هذا المَثَل: شجرة التين مغروسة داخل الكرْم، ولم تكن مغروسة في الطريق العام، فنالت أعظم عناية، وهكذا تمتَّع اليهود بامتيازات شعب الله المختار، وأرسل الله إليهم الرسل والأنبياء وأعطاهم الشريعة على يد موسى، و(نحن الأشجار) الذين غُرسنا في الكرم أو الكنيسة بالمعمودية.
أتى: أتى الله بنفسه متجسدًا، وتأنس وظهر في جنس البشر كإنسان، وتؤخذ هذه الآية بمعنى روحي، ففي تيار الحياة العادية يأتي إلينا يفحص قلوبنا، ويرى إن كنا نعمل بالإنجيل ووسائط النعمة المعطاة لنا؛ وللأسف في مراتٍ كثيرة، يجد أننا نُخرِج أوراقًا (ونكتفي بمجرد الظاهر) كما قال الكتاب: "يقتربُ إليَّ هذَا الشَّعْبُ بِفَمِهِ، وَيُكْرِمُني بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا" (مت15: 8).
هوذا ثلاث سنوات انتظر
يقصد بالثمار: ثمار تليق بالتوبة كما يقول إشعياء: "انْتَظَرْتُ أَنْ يَصْنَعَ عِنَبًا، صَنَعَ عِنَبًا رَدِيئًا" (إش5: 2، 4). ويقصد بالثلاث سنوات..
1- ثلاثة مراحل:
أ- مرحلة ما قبل السبي.
ب- مرحلة ما بعد السبي.
جـ- مرحلة كرازة يوحنا المعمدان.
2- في الأصل يقصد بالثلاث سنوات في المَثَل: المدة الكافية لنمو التينة ونُضجها حتى تثمر.
3- قد تشير ثلاث سنوات إلى خدمة السيد المسيح على الأرض، وعندما قيل هذا المَثَل كانت توشكُ على الانقضاء، فما أعجب هذه الحكمة؛ لقد فُصِّلَ المَثَل على اليهود تفصيلاً.
4- قد تشير إلى عصر القضاة، الملوك، الكهنة.
5- قد تشير إلى عصر موسى والأنبياء وعصر السيد المسيح.
6- تشير عمومًا إلى طول أناة الله وصبره على الخطاة، والله طويل الروح يغفر الذنب والسيئة. وصبر الله كثيرًا ما يُساء فهمه، وينتهي الأمر بغضب الله.
اقطعها لماذا تبطل الأرض؟
إن التينة تشغل مكانًا، فإذا لم تُثمر عطَّلت مكانها، وسقطت عصارة كان من الممكن أن تنفع غيرها، وفي الحياة العامة الذين لا يثمرون يُثبِطون همة الآخرين، وهكذا نخرج بهذه القاعدة الروحية: من لا يفعل خيرًا يفعل شرًا...
أما القَطع فيكون بعدة صور..
1- بالموت الطبيعي فتنتهي حياة الإنسان على الأرض، ويُقطع الإنسان من مدينة الأحياء.
2- القَطع الأدبي بفساد الإنسان أخلاقيًا، ولا شركة للنور مع الظلام. وانفصال الروح عن الله.
3- القَطع الأبدي أو الهلاك الأبدي في جهنم النار: والقَطع يتم بعد الدينونة، فيذهب الذين صنعوا الصالحات إلى قيامة الأحياء، والذين صنعوا السيئات إلى قيامة الدينونة.
يا سيد اتركها هذه السنة أيضًا
هذا هو صوت الشفاعة
شفاعة السيد المسيح الكفّارية بسفك دمه على عود الصليب، ولا يشاركه فيها أحد، والشفاعة التوسُّلية: شفاعة القديسين والخُدّام الذين يكرزون لكي تُثمر كلمة الله.
تأمُّلات روحية
1- اقطعها: يُمثِّل صوت العدالة الإلهية، واتركها هذه السنة يُمثِّل صوت الرحمة، ورحمة الله واسعة، فقد أعطى الله فرصة 120 عامًا قبل أن يأتي الطوفان، ومَن رَفَضَ الرحمة أخذته العدالة ولولا رحمة الله الواسعة التي تحققت بالفداء لهلَك الجنس البشري كله حسب قول الرَّب لآدم: "مَوْتًا تَمُوتُ" (تك2: 17)، "بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ" (رو5: 12).
2- ويلاحَظ في هذا المَثَل أن الرحمة وإرجاء القِصاص مرهونٌ بفترةٍ محدودة "اتركها هذه السنة" والأشرار الذين يتمادون في الشر كأنهم يطلبون رحمة بغير توبة... أو رحمة بغير حدود؟
3- وإرجاء القصاص يتم بشفاعة القديسين، ولهذا ومن الوجهة الطقسية نرفع البخور فيشير إلى ارتفاع صلوات القديسين، ونقول في القداس الإلهي: "بركاتهم المقدسة، فلتكن معنا جميعًا آمين".
4- أنقِّب حولها وأضع زبلاً: يُقصَد بهذا عمل الروح القدس، الذي يُفتِّش مخادع النفس، وإلى عوامل النعمة الإلهية التي تلين قلب الإنسان، كما تُشير إلى عمل الخُدّام في إيقاظ الضمائر وجذب النفوس إلى معرفة الله.
5- كلما طال انتظار الله على الشجرة التي لا تُثمر، زاد العقاب الإلهي لها، لأنها لم تستفد من الرحمة، واستهانت بها، "أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ؟" (رو2: 4).
6- عملية القَطع تتِّم دائمًا دون مسرَّة الله... "الَّذِي يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ" (1تي2: 4).
7- عدم الإتيان بثمر يتساوى دائمًا مع الإتيان بثمرٍ رديء... فَمَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ (يع4: 17).
8- المُهلة ثلاث سنوات قد تكون من الوجهة الروحية فترة طويلة أو قصيرة.. قد تكون ثلاث ساعات، وقد تكون ثلاث دقائق، أو أربعين عامًا تم فيها خراب أورشليم.. وقد تكون أعوامًا، كما قد تكون لحظات معدودات: لأننا لا نعرف متى ينقضي العمر، والكتاب يقول: "لأَنَّهُ مَا هِيَ حَيَاتُكُمْ؟ إِنَّهَا بُخَارٌ، يَظْهَرُ قَلِيلاً ثُمَّ يَضْمَحِلُّ" (يع4: 14).
9- ولنتأمَّل في الختام: إننا مديونون لله بطول أناته وإمهاله ورحمته وصبره علينا ولُطفه بنا.. فلنشكره من أعماقنا.. ولنأخذ عظة قبل أن تنتهي المهلة التي حدَّدتها عناية الله وصبره.
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 20 ديسمبر1985م
دروسٌ مُستفادة من مَثَل التينة العقيمة
دروسٌ مُستفادة من مَثَل التينة العقيمة[1]
مناسبة المَثَل
جاء مَثَل التينة العقيمة في أعقاب حديث مهَّد به الرَّب للتحدُّث عن (التوبة) ودار الحديث حول الجليليين الذي خلط بيلاطس الحاكم دمهم بذبائحهم التي كانوا يقدمونها للهيكل، فنكَّل بهم دون أن يعمل حسابًا لقدسية الهيكل، وهؤلاء كانوا تابعين لحُكم هيرودس، لهذا حدثت قطيعة بين بيلاطس وهيرودس، واصطلحا عند محاكمة الرب يسوع..
وعلى أثرِ ذلك قام اليهود بثورةٍ تزعَّمها يهوذا الجليلي (أع5: 37) وقيل، اشترك (باراباس) في الفتنة فأُلقيَ به في السجن.. وعند الصليب.. خَيَّر اليهود: هل يطلق لهم يسوع أم باراباس؟!
والحادثة الثانية سقوط (بُرج سلوام) على 18 شخصًا قتلهم جميعًا، وقيل كان البرج قرب بركة حسدا، حيث شفى الرب مريضًا منذ 38 سنة وكانت به أروقة للاستشفاء.
والرب يسوع اتَّخذ من الحادثتين موضوعًا لعظة عن (التوبة) فقال للسامعين: "إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ" (لو13: 3،5).
تصحيح بعض المفاهيم
1- ظَنَّ البعض أن الذين هلكوا كانوا أكثر شرًا.. وهذا مفهومٌ خاطئ.
2- إن الذين عوقبوا يستحقّون العقاب، والسامعون أيضًا خطاة يستحقّون العقاب مثلهم، وعُرضة للعقاب في أي وقت.
3- كل ما يجري حولنا من أحداث ونوازل وكوارث. كلها إنذارات ومُنبِّهات للتوبة.
4- بدلاً من أن ندين الآخرين بقسوة، كالذين سقط عليهم البرج فإن لدينا الكثير لندين أنفسنا. ولدينا الأكثر لنشكر الله، لإمهاله وطول أناته علينا.
† كان لواحد: الواحد هو الله الواحد الأحد.
† شجرة تين في كرمه: يُقصَد بشجرة التين (الأمة اليهودية)، فقد اتخذهم الله شعبًا مختارًا وأعطاهم أفضل الوسائل ليُثمروا لمجد الله.
† وكان لهذه التينة امتيازات كثيرة، فهي مغروسة في كرم، ولم تكن مغروسة على الطريق ونالت عناية أفضل. وهكذا كان لليهود الشريعة والأنبياء.
† أتى بنفسه "عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ" (1تي3: 16)، بعد أن أرسل الأنبياء.
† أخيرًا جاء بنفسه إلى العالم متجسدًا، ولقد ظل الله يطلب ثمرًا من اليهود على مر الأجيال... ولكن اليهود كانوا شعبًا صلب الرقبة، وصفهم الرب بقوله: "جِيلٌ شِرِّيرٌ وَفَاسِقٌ" (مت12: 39).
† يطلب ثمرًا ولم يجد: هذا دليل على العُقم، كانت الشجرة تُخرِج أوراقًا، ولكنها لم تُخرِج ثمارًا، كان اليهود متمسِّكين بتقاليد من صنع الناس وليس من صنع الله.. كغسل الأيدي قبل الأكل، وحرفية حفظ السبت. فاعترضوا على الرب لأنه صنع خيرًا في يوم الرب!! وعشَّروا النعناع والشبث.. وتركوا الرحمة والحق..!
هوذا ثلاث سنين أطلبُ ثمرًا
تُشير الثلاث سنوات إلى تأمُّلات وحقائق تستحق التفكير.
- 3 سنوات: تُشير إلى المدة التي أمضاها الرب في الخدمة على الأرض، يطلب ويخلِّص ما قد هلك.
- 3 سنوات: تمثِّل 3 عصور، مرَّ بها اليهود (عصر القضاة، عصر الملوك، عصر الكهنة).
- 3 سنوات: تمثِّل عصر شريعة موسى، عصر الأنبياء، عصر السيد المسيح.
- 3 سنوات: تمثِّل الشريعة الطبيعية في عصر الآباء، الشريعة المكتوبة عصر موسى، عصر النعمة والخلاص.
- 3 سنوات: تمثِّل حِقبة قبل السبي، وبعده، وكرازة يوحنا المعمدان.
اِقطعها لماذا تعطل الأرض؟
هذا هو صوت العدل الإلهي. (والله كُلِّي العدالة كما أنه كُلِّي الرحمة).
ولولا رحمة الله لقَطع العالم كلِّه بسبب خطيئة آدم وحواء.
إرجاء القصاص يكون لفترةٍ محدودة (اتركها هذه السنة..).
تعطِّل الأرض: إن بقاء شجرة التين بدون إثمار فيه ضرر، فهو يعطِّل الأرض. وهكذا كانت أمُة اليهود عثَرةً لغيرِها من الأمم: "أَخَذْتُمْ مِفْتَاحَ الْمَعْرِفَةِ. مَا دَخَلْتُمْ أَنْتُمْ، وَالدَّاخِلُونَ مَنَعْتُمُوهُمْ" (لو11: 52).
† نفهم من هذا أن عدم الإتيان بثمر، يتساوى مع الإتيان بثمر رديء! والذين لا يفعلون خيرًا.. يفعلون شرًا!
ويقول الكتاب عن الكرْم الرديء: "فَانْتَظَرَ أَنْ يَصْنَعَ عِنَبًا فَصَنَعَ عِنَبًا رَدِيئًا" (إش5: 2) وعن العقاب: "أَنْزِعُ سِيَاجَهُ فَيَصِيرُ لِلرَّعْيِ. أَهْدِمُ جُدْرَانَهُ فَيَصِيرُ لِلدَّوْسِ" (إش5: 5).
اتركها هذه السنة
+ هذا هو صوت (الشفاعة).. دمُّ يسوع الذي يشفع في الخطاة (شفاعة كفَّارية)، لا يشاركه فيها أحدٌ من البشر، ودمُّ يسوع يطهِّرنا من كلِّ خطية.
† وشفاعة القديسين والملائكة وهي شفاعة توسُّلية، تشترك فيها الكنيسة المنتصرة، وتطلب من أجل الكنيسة المجاهدة.
† والصلوات التي تُصعِدها الكنيسة في كلِّ مكانٍ على الأرض.. تتَّحد كلها في صوتٍ واحد (اتركها هذه السنة أيضًا).
† هذه السنة نسميها (سنة العفو) أو الفرصة التي يتمثَّل فيها إمهال الله وطول أناته.. والكنيسة مطالَبة أن تقدِّم ثِمار الروح القدس، وتُنير الطريق للعالم.. وهناك خطرٌ شديد على الذين يأخذون النعمة، بركة الأسرار، وكل وسائط النعمة ولا يمجِّدون الله في حياتهم.. والله يقدِّم لكلٍّ مِنّا (سنة العفو).. اتركها هذه السنة أيضًا.
† (وسنة العفو) إن وراءها ما وراءها.. وراءها انتقام، وقِصاص أَعدَّ له الله لأنه يقول: "اتْرُكْهَا هذِهِ السَّنَةَ أَيْضًا... وَإِلاَّ فَفِيمَا بَعْدُ تَقْطَعُهَا".
† الذين لا ينالهم عقاب الله سريعًا.. يُعفوْنَ منه عفوًا (مؤقتًا). وليس عفوًا شاملاً.
† قد يغترّ بعض الناس الذين يعيشون موفَّقين، في حياتهم الدنيوية وتكثُر لديهم الخيرات الأرضية فيظنون أن الله غافلٌ عنهم.. أو أنهم بمنجَى عن يدِ العدالة.. فيفاجئهم الموت بغتة، كالمُخاض للحُبلى، فلا ينجون.
ماذا يجب أن نفعله في هذه (السنة)؟
قد تمثِّل هذه (السنة) العمرَ كلَّه، فالعمر كله يُرمَزُ له بعام. فعلينا أن نستغل الفرصة ولا نضيِّعها. "هُوَذَا الآنَ وَقْتٌ مَقْبُولٌ. هُوَذَا الآنَ يَوْمُ خَلاَصٍ" (2كو6: 2).
إذا أثمرت الشجرة زال العقاب، وتمَّت مسرَّة الله، "الَّذِي يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ" (1تي2: 4). الله يريد أن تُثمِر الشجرة 30، 60، 100.
خطورة قطع الشجرة.. أو ضياع (سنة الأمان)
فالفرصة إذا ذهبت لا تعود. وقطعُ الشجرة معناه انقطاع الأمل والرجاء. والذين قُطِعوا من هذا العالم وماتوا دون توبة. لن تنفعهم صلاة ولا شفاعة بعد الموت. ولن تكون هناك فرصة. حيث يكون قد "أُغْلِقَ الْبَابُ" (مت25: 10).
"جَاهِدْ جِهَادَ الإِيمَانِ الْحَسَنَ، وَأَمْسِكْ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتِي إِلَيْهَا دُعِيتَ أَيْضًا" (1تي6: 12).
وإلاَّ نقطعها: هذه إشارة إلى خراب أورشليم وتشتُّت اليهود، حيث هُدِمت المدينة ولم يبقَ فيها حجَرٌ على حجَر لم يُنقَض، وهذا يرمز إلى هلاك الأشرار أيضًا.
أنقِّب حولها وأضع زِبلاً
1- هنا تظهر أهمية وسائط النعمة كوسيلة للإثمار بعد العُقم وهناك أمل أمام كل شجرة غير مثمرة أن تُثمر. وتتنقَّى. لأنه إذا أثمرت زال عنها العقاب وتمَّت مسرة الله.. وهكذا تصير شجرة مغروسة في فردوس النعيم.
2- تظهر هنا أهمية عمل الخادم، الذي يسعى وراء الشجرة غير المثمرة فيضع حولها زِبلاً.. وينقِّب حولها.. ويوفِّر لها الافتقاد والغذاء الروحي.
3- فإن صنَعَت ثمرًا وإلاّ فيما بعد نقطعها.
إن زيادة وسائط النعمة تحمِل في طيّاتها عقابًا للذين لا ينتفعون بها، فعلى قدرِ ما نأخذ من نور، يزداد ظلام الدينونة. وعلى قدرِ المعرفة، يكون الجزاء. والكتاب نفسه يقول: "مَنْ أَكَلَ هذَا الْخُبْزَ، أَوْ شَرِبَ كَأْسَ الرَّبِّ، بِدُونِ اسْتِحْقَاق، يَكُونُ مُجْرِمًا فِي جَسَدِ الرَّبِّ وَدَمِهِ" (1كو11: 27).
4- وقد امتدَّت هذه السنة (40 عامًا) بالنسبة للأمة اليهودية، وهي الفُرصة التي تركَها الرب للأمُّة اليهودية بين الصعود وخراب أورشليم حيث لم تنتفِع بسنة الأمان، فنالها الطُغيان. وهدَم كلَّ ما فيها من أركان.
5- حادثة موت الجليليين، سقوط برج بابل، خراب أورشليم كلها أحداث تؤكِّد لنا قول الرب: "بَلْ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ" (لو13: 3 و5).
فحديث التينة العقيمة. أو حديث التوبة.. موجَّه لكلِّ الخطاة.
6- يُضيف إنجيل متى (21: 19) أن الشجرة أخرجَت أوراقًا، والمعروف في فلسطين أن شجر التين يورِق مع الإثمار، فلعَنها الرب فيبست في الحال: لأن هذه الشجرة تمثِّل (المنافِق)، ويبسُ الشجرة رمزٌ لخراب أورشليم وهلاك الأشرار.
- وصنع الرب آيات كثيرة أظهر فيها الرحمة، وهنا أظهر القضاء والعدل فهو رحيمٌ وعادل، ورحمته لا تلغي عدله..
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 3 يونيو1977م

