الأبوة والسيادة

الأبوة والسيادة1
ليست الأبوة لقبًا رسميًا، بقدر ما هي حالة من الحب والعناية والعطف، يلمسها عمليًا كل من يتصل بالراعي عن قرب أو بعد. فالراعي هو القلب الواسع الكبير، الذي يلجأ إليه الجميع، فيجدون عنده حَلًا لمشاكلهم، أو على الأقل عزاءًا في ضيقاتهم…
الراعي الحقيقي يدخل مدرسة الحب قبل مدرسة الخدمة. يتخذه الناس أبًا عن جدارة لا عن ظيفة. حتى إن قلت مواهبه، تعوضها محبته. ولكن مسكين من يسعى إلى اكتساب السلطة والسيادة بدلًا من محبة الرعية له والتفاف قلوبها حوله.
حورب تلاميذ المسيح بمحبة السيادة هم أيضًا، فقال لهم الرب: “لا يكن فيكم هذا الفكر”. ومع ذلك “مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيمًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِمًا”
“وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ أَوَّلاً فَلْيَكُنْ لَكُمْ عَبْدًا” (مت20: 26، 27).
إنها نفس النصيحة التي ذكرها الكتاب في العهد القديم:
“إِنْ صِرْتَ الْيَوْمَ عَبْدًا لِهذَا الشَّعْبِ وَخَدَمْتَهُمْ وَأَجَبْتَهُمْ وَكَلَّمْتَهُمْ كَلاَمًا حَسَنًا، يَكُونُونَ لَكَ عَبِيدًا كُلَّ الأَيَّامِ” (1مل12: 7).
أن السيادة الحقيقية للراعي هي سيادته على القلوب، بالمحبة، ولا يصح أن تأخذ مظهرًا عالميًا ينحرف بها إلى حب السيادة والتسلط!! أن عمله هو كسب النفوس للرب، وليس كسب طاعتهم وخضوعهم لشخصه!
ما أسهل على الراعي أن يذل الناس لسلطته ويخسرهم، وقد تخسرهم الكنيسة أيضًا بسببه، ويطالبه الله بدمهم في اليوم الأخير…
وما أسهل أن يحاول الراعي تبرير موقفه بأن يقول: “لست أبحث عن كرامتي، وإنما عن كرامة الكهنوت”!! إنه فهم خاطئ لكرامة الكهنوت. فالسيد المسيح لم يفقد كرامته، عندما انحنى وغسل أرجل تلاميذه، بل ازدادت كرامته في أعيننا بخدمته لنا، وازدادت جدًا بقول الكتاب عنه أنه “أخلي ذاته وأخذ شكل العبد”.
فهل يخلي سيدك ذاته، ويأخذ شكل العبد وهو سيد الكل، وتحاول أنت أن تصير سيدًا للعبيد رفقائك…! أتريد أن تختبر نفسك في هذا الأمر؟ هوذا الاختبار:
إن كنت تبيت مسرورا، حينما تخضع غيرك لسلطانك الكهنوتي، وتذله تحت قدميك، إذن فأنت مجرد سيد ولست أبًا. أما إن كنت أبًا بالحقيقة، فلن يغمض لك جفن، أن قهرت ابنك وأذللته، وبت بسببك متعبًا…!
أن الراعي الذي يريد أن يبني ملكوت الله، يضع أمامه خلاص أنفس رعيته، مهما قاسى في سبيل ذلك ومهما احتمل، أما الذي يريد أن يبني نفسه- وفي الحقيقة هو يهدمها- فإنه يضع أمامه باستمرار طاعة الناس وخضوعهم.
ويظن النجاح كل النجاح في أن يطيعوا وأن يخضعوا!! مهما كانت الأوامر مقنعة أو غير مقنعة، نافعة أو ضارة!!
الطاعة والخضوع أمران سهلان، ولكن أهم منهما المحبة والاحترام. الراعي الذي يهمه مجرد الطاعة، يكفيه أن يصدر أمرًا، دون أن يوضح حكمة أمره، ودون أن يشرحه… وإن أراد أحد أن يقتنع ليرتاح ضميره، يعتبر طلب الاقتناع خروجًا عن الأدب والطاعة!
الراعي المحب يقنع أولاده بحكمة أوامره، كما كان الرب يشرح ويفسر. وطريق الاقناع طريق طويل، ولكنه أثبت وانفع. أما طريق السلطة، فقصير ومختصر، ولكنه خطر وغير ثابت. إنه يمكن أن يسير الأمور إلى حين، ولكنه لا يرضي قلب الخاضع، ولا يخلص نفس الآمر!
وقد يكسب الراعي خضوع الناس، دون أن يكسب توقيرهم وتقديرهم. وقد ينال احترامهم لوظيفته، دون شخصه. أما الذين خلدوا في تاريخ الكنيسة، والذين سيخلدون في الملكوت، فهم الذين وقرهم الناس وأحبهم الله، لأشخاصهم، مهما كانت وظائفهم ضئيلة…
شنوده
أسقف المعاهد الدينية والتربية الكنسية
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثانية – العدد الخامس يوليو 1966م



