الرئاسة والأبوة

الرئاسة… والأبوة1
إن الأسقف ولا شك أب للشعب، وهو أيضًا سيد، له الأبوة، وله الرئاسة والسلطة، ولكن أي الصفتين هي الغالبة عليه؟
لكي نجيب على هذا السؤال حسنا، علينا أن ننظر إلى الله نفسه وإلى رسله وأنبيائه.
الله الآب، أبونا
أن الله هو سيد الخليقة كلها. كلها صنعة يديه، وكلها خاضعة لسلطانه. وكثيرًا ما نسمي الله وندعوه ربًا. ولكن الله يفضل أن يكون أبًا. وعندما علمنا مخلصنا الصالح الصلاة الربية، لم يطلب إلينا أن نوجهها إلى سيدنا الخالق الحاكم، وإنما أمرنا أن نقول “أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ…”.
ليس هذا شيئًا جديدًا من تعاليم العهد الجديد، وإنما هو أمر واضح منذ البدء فيه الله يدعو خليقته أبناء ويدعو نفسه أبًا حتى للخطاة منهم. وهكذا يقول في المزمور “هُوَ يَدْعُونِي: أَبِي أَنْتَ، إِلهِي وَصَخْرَةُ خَلاَصِي” (مز89: 26). “أَنَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ آلِهَةٌ وَبَنُو الْعَلِيِّ كُلُّكُمْ” (مز82: 6). “لأَنِّي صِرْتُ لإِسْرَائِيلَ أَبًا، وَأَفْرَايِمُ هُوَ بِكْرِي” (إر31: 9).
وقد أدرك الأنبيا هذه الحقيقة. وهكذا قيل في سفر إشعياء النبي: “فَإِنَّكَ أَنْتَ أَبُونَا وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْنَا إِبْرَاهِيمُ، وَإِنْ لَمْ يَدْرِنَا إِسْرَائِيلُ. أَنْتَ يَا رَبُّ أَبُونَا، وَلِيُّنَا مُنْذُ الأَبَدِ اسْمُكَ” (إش63: 16). “وَالآنَ يَا رَبُّ أَنْتَ أَبُونَا. نَحْنُ الطِّينُ وَأَنْتَ جَابِلُنَا” (إش64: 8). حتى في حالة الخطية لم ينزع الرب أبوته للبشر، فعندما سقط أولاد شيث المختارين من الله في الزنى مع الأشرار، قال الكتاب “أَبْنَاءَ اللهِ رَأَوْا بَنَاتِ النَّاسِ أَنَّهُنَّ حَسَنَاتٌ” (تك 6: 2). والرب نفسه يشكو من خطية البشر فيقول في سفر إرميا النبي (10: 20) “بَنِيَّ خَرَجُوا عَنِّي”، وينصحهم بقوله: “اِرْجِعُوا أَيُّهَا الْبَنُونَ الْعُصَاةُ، يَقُولُ الرَّبُّ” (إرش3: 14). ويقول الرب في سفر أشعياء “رَبَّيْتُ بَنِينَ وَنَشَّأْتُهُمْ، أَمَّا هُمْ فَعَصَوْا عَلَيَّ” (إش1: 2). والابن الضال لم ينزع عنه الآب صفة البنوة فقال “ابْنِي هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ، وَكَانَ ضَالاًّ فَوُجِدَ” (لو15: 24).
وهذا الأمر يتغنى به الرسل أيضًا في العهد الجديد. فيقول بولس الرسول “وَاللهُ نَفْسُهُ أَبُونَا” (1تس3: 11). ويقول السيد المسيح: “لاَ تَخَفْ، أَيُّهَا الْقَطِيعُ الصَّغِيرُ، لأَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ سُرَّ أَنْ يُعْطِيَكُمُ الْمَلَكُوتَ” (لو12: 32).
السيد المسيح، أبونا
دعاه إشعياء النبي “… إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ” (إش9: 6). وربنا يسوع المسيح كان يستخدم هذا اللقب أيضًا: قال للمفلوج “ثِقْ يَا بُنَيَّ. مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ” (مت9: 2). وقال للتلاميذ “يَا بَنِيَّ، مَا أَعْسَرَ دُخُولَ الْمُتَّكِلِينَ عَلَى الأَمْوَالِ” (مر10: 24). وقال للكنعانية: “لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاَب” (مت15: 26).
الأنبياء والرسل، هم آباؤنا
أليشع صرخ وهو يرى إيليا صاعدًا إلى السماء “يَا أَبِي، يَا أَبِي، مَرْكَبَةَ إِسْرَائِيلَ وَفُرْسَانَهَا” (2مل2: 12). وبنفس هذا التعبير تكلم يوآش الملك مع أليشع النبي (2مل13: 14). وبولس الرسول يكلم شعب كورنثوس قائلًا “أَنَا وَلَدْتُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (1كو4: 15). ويرسل إلى تيموثيئوس فيسميه في رسالته الأولى (1: 2). “الابْنِ الصَّرِيحِ فِي الإِيمَانِ”، ويدعوه في الرسالة الثانية (1: 2) “الابن الحبيب”، ويقول له “فَتَقَوَّ أَنْتَ يَا ابْنِي بِالنِّعْمَةِ” (2تي 2: 1)، ويرسل إلى تلميذه تيطس فيدعوه “الابْنِ الصَّرِيحِ” (تي1: 4). وعندما أرسل إلى فليمون من أهل أنسيموس قال له “أَطْلُبُ إِلَيْكَ لأَجْلِ ابْنِي أُنِسِيمُسَ، الَّذِي وَلَدْتُهُ فِي قُيُودِي، فَاقْبَلْهُ، الَّذِي هُوَ أَحْشَائِي” (فل1: 10-12).
ويوحنا الحبيب يكتب إلى المؤمنين فيقول لهم “يَا أَوْلاَدِي، أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هذَا لِكَيْ لاَ تُخْطِئُوا” (1يو2: 1).
الأساقفة آباء
إن كان الله ورسله وأنبياؤه قد اختاروا لأنفسهم لقب الأبوة أكثر من السيادة، فبالأولى الأسقف وكيل الله وخليفة رسله. تقول عنه الدسقولية: أنه “أبوكم بعد الله” (ب 6).
إن الأبوة تحمل معنى الحنو والشفقة والمحبة، وهذه هي الدعامة الأولى في علاقة الأسقف بأولاده. إن داود عندما دعا الله أبًا، تذكر له هذه الصفة فقال: “كَمَا يَتَرَأَّفُ الأَبُ عَلَى الْبَنِينَ يَتَرَأَّفُ الرَّبُّ عَلَى خَائِفِيهِ” (مز 103: 13). وعند ذكر بولس الرسول أبوته لأنسيموس، قال: “الَّذِي هُوَ أَحْشَائِي”.
أن الكنيسة المقدسة تحب هذا اللقب، فعندما تذكر القديسين في المجمع تقول: “آباؤنا القديسون”، “أبونا فلان، وأبونا فلان”. وفي الأواشي تقول: “آباؤنا رؤساء الأساقفة وآباؤنا الأساقفة”. ومن اعتزازها بهذا اللقب، تسمي رئيس الأحبار “البابا”. وتطلق على الأسقف لقب (أنبا) أي “أب”.
الأبوة أعمق وأكثر تأثيرًا من السلطة
مع اعترافنا بأن الأسقف سيد ورئيس وملك وراع، كما تدعوه الدسقولية إلا أننا عندما نقول “أبونا الأسقف” و “أبونا المطران” و “أبونا البطريرك” إنما يتملكنا أحساس قوي بعاطفة أعمق بكثير من رسميات الرئاسة والسلطة. يكفي أن الله ذاته نناديه قائلين “أبانا”، دون أي إنقاص من سلطته علينا.
وأنت يا أبي الأسقف، عندما تنسى أنك رئيس وسيد، وتذكر فقط أنك أب تجمع أولادك في حضنك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، حينئذ ستعيش في جو جميل من المحبة، تربطك بأولادك العاطفة أكثر من القانون، والمحبة أكثر من الخضوع.
الله نفسه أراد أن يرفع الناس من عبودية الناموس، إلى حرية المحبة التي تطرح الخوف إلى خارج.
لك يا أبي سلطان، ومن حقك أن تأمر فتطاع، ولكن حسن أن ننسى سلطانك، وأن يطيعك الكل حبًا فيك لا خوفًا منك، وطلبا لبركاتك ورضاك لا اتقاء لعقوباتك وسلطة كهنوتك.
قد يخضع البعض لأمرك وينفذه، وفي داخله تذمر قد يصعد أحيانًا إلى فمه. أما بالحب فتكسب نوعا آخر من الخضوع، هو خضوع الثقة ورضا القلب.
بالأبوة يفتح لك الناس قلوبهم، ويناقشونك في صراحة، أما مجرد السلطان فيجعلهم ينفرون، لا تجعلم ينظرون إليك كسيد مهاب وإنما كأب محبوب. ولنسمع قول الكتاب:
“إِنْ صِرْتَ الْيَوْمَ عَبْدًا لِهذَا الشَّعْبِ وَخَدَمْتَهُمْ وَأَجَبْتَهُمْ وَكَلَّمْتَهُمْ كَلاَمًا حَسَنًا، يَكُونُونَ لَكَ عَبِيدًا كُلَّ الأَيَّامِ” (1مل12: 7).
هذا الموضوع طويل، هو عماد الرعاية كلها. نكمله في الأعداد القادمة إن أحبت نعمة الرب وعشنا.
شنوده
أسقف المعاهد الدينية والتربية الكنسية
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثانية – العدد الرابع مايو 1966م





