اليقظة الروحية 2

اليقظة الروحية1
2- العاطفة:
من الأسباب التي تجعل الإنسان ينسى نفسه، إنه يكون أحيانًا مخدرًا بعاطفة معينة تشغله، تشغل حياته كلها ووقته ومشاعره، فهو غير متفرغ لله.
مثل طفل نريد أن نبعده عنا، فنعطيه لعبة يتلهى بها… كذلك الشيطان إن رآك بدأت تسلك في الطريق الروحي، يقدم لك عاطفة معينة لتتلهى بها فلا تتفرغ للعمل الروحي.
ويبحث الله عنك فلا يجدك. يناديك فلا تسمعه لإنك مشغول أو مخدر بالعاطفة التي تسربت إلى قلبك، ومثل العتة (القارضة) التي تقرض الملابس، أو السوس الذي يأكل الحبوب… هكذا هذه العاطفة التهمت ما في داخلك من محبة الله.
يوجد كثيرون نحبهم وننشغل بهم. أما الله فقد وضعناه آخر الكل. بينما هو القائل “ مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي” (مت10: 37).
فإن كانت المحبات البريئة لا يصح أن تشغلنا عن محبة الله، فكم بالأولى المحبات الأخرى غير البريئة: العالمية والمادية والجسدية…؟!
لهذا فإن الرهبان القديسين قطعوا أنفسهم حتى من المحبات البريئة المقدسة حتى لا تشغلهم: محبة الأب والأم والأخ والأخت والأقرباء والأصدقاء والمعارف. وكما قال الشيخ الروحاني “محبة الله غربتني عن البشر والبشريات”.
كل واحد منهم سحب نفسه من الانشغال بمحبة الكل، لكي يتفرغ قلبه لله. ويصير الله بالنسبة إليه هو الكل في الكل. ويقول للرب “أنت يا رب بالنسبة إلى هو الأب والأم، والأخ والأخت، والصديق والحبيب، ليس لي سواك. أنت الذي تشغل وقتي، تشغل حياتي، تشغل قلبي وفكري، تشغل إحساساتي ومشاعري. أنت شغلي الشاغل لست أجد وقتًا للانشغال بغيرك. لقد ملأت قلبي كله. قلبي ملآن بك، مبتهج بك، لا يعوزه أحد غيرك.
احترس يا أخي لئلا تكون في دوامة عاطفية. ربما يأتيك ملاك ويسألك: “ترى من الذي يسكن قلبك الآن؟”. فبماذا تجيب؟ ألعلك تقول “لقد طردنا صاحب البيت، وأسكنا أناسًا غرباء”!! يا للعجب على قلبك هذا: الله هو الذي يملكه لأنه خالقك وفاديك ومشتريك من الموت، ومع ذلك لا يجد له مكانًا في قلبك. تصوروا، صاحب بيت لا يمكنه أن يجد فيه غرفة واحدة يسكنها!!
أين الحب القديم؟ أين الوقت الذي كان فيه الله يملأ كل قلبك، ويشغل كل حبك؟ حينما كان قلبك يلتهب التهابًا بهذا الحب الإلهي، وفي شعلة هذه الحرارة الروحية كانت كل محبة أخرى تبدو تافهة في عينيك؟ أين تلك الأيام الحلوة؟ أين هي؟
أما الآن “فعندي عليك أنك تركت محبتك الأولى”…
أحيانًا كثيرة لا تجلس مع الله. وإن جلست، فلا يكون ذلك بنفس الحب، ولا بنفس الالتهاب، ولا بنفس الرغبة الملتهبة… إن محبة أخرى قد دخلت قلبك، مثل الميكروب الذي يقتل كل شيء…
ربما يوجد إنسان آخر محتاج أن يستيقظ، لا بسبب المشغوليات أو العاطفة، وإنما بسبب البيئة.
3- البيئة المنحرفة:
إنسان يعيش في بيئة منحرفة. كلما يستيقظ، تلقيه في غفلة أخرى. ويعاتبه الناس: لماذا هذا التطرف؟ هل اصابتك لوثة في عقلك؟ إن الدين سيقودك إلى الجنون، والمزامير ستجلب لك حروبًا من الشياطين… أترك هذه الأمور كلها، والتفت إلى مستقبلك.
وقد لا تكون هذه البيئة على الدوام مجموعة من الأصحاب الأشرار، إنها قد تكون أحيانًا بعض أفراد الأسرة، وربما الأب والأم والأقارب!! وكما قال الرب ” أَعْدَاءُ الإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِهِ” (مت10: 36) …
إن صام الابن، يهددونه بضياع صحته.
وإن سلك في التواضع يتهمونه بضعف الشخصية…!!
وإن احتشمت البنت يتهمونها بالرجعية ويهددونها بالبوار، وإنها أصبحت “فلاحة”، ولا تجاري العصر!!، ولن يتزوجها أحد!
وهكذا يسلك الإنسان كأهل العالم دون أن يبكته ضميره، ناسيًا قول الكتاب: “لاَ تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ” (رو12: 2)، أي لا تصيروا شكله ومثاله…
إننا لسنا رجعيين، وإنما نقبل من العصر ما يناسب مبادئنا ومثالياتنا، ونترك ما يبعدنا عن الله. ليست المدنية معناها التخلي عن القيم الروحية، وليس التمسك بالمثاليات نوعًا من الرجعية. وإنما هو اِتهام مثير، لكيما يسمعه الضعيف فيتزعزع.
الشخص القوي لا تجرفه البيئة، بل يقاومها إذا انحرفت، أما الضعيف فيساير الجو. إن سمكة صغيرة يمكنها أن تقاوم التيار لأن فيها حياة. بينما جذع شجرة ضخم يجرفه التيار على الرغم من ضخامته، لأنه ليس حيًا. فكونوا أحياء، وقاوموا البيئة إذا انحرفت. ولا تستسلموا لكل جديد أن كان ضد مبادئكم ومثالياتكم.
ما أخطر البيئة على الإنسان الضعيف! كلما تشتعل فيه محبة الله، ترجع البيئة فتطفئها. تضعفه القدوة السيئة، وتزعزعه أفكار الناس، واتهاماتهم، وتهكماتهم، ومبادئهم الخاطئة… وهكذا يلبس شخصيتهم، وكما قال المثل “أرضهم ما دمت في أرضهم، ودارهم ما دمت في دارهم”!! ولا يصحو هذا الإنسان لنفسه إلا إذا أيقظه فكر آخر من غير هذه البيئة، فكر روحي من النعمة، على فم إنسان روحي أقوى من هذه البيئة.
مثل هذا الراقد لا خلاص له إلا بتغيير هذه البيئة، بترك الصحبة الرديئة التي تفسد الأخلاق الجيدة، وبالتدرب على الشخصية القوية التي تقاوم التيار.
وهكذا يخرج من سيطرة البيئة التي تخنقه… كما يخرج من دوامة المشغوليات ومن ضغط العواطف التي تبعده عن الله، ومن العوائق الأخرى التي من بينها:
4- العقل البعيد عن الروح:
أحيانًا يكون العقل سببًا في ضياع الإنسان روحيًا إذا ساء استغلاله.
كثيرًا ما يكون العقل خادمًا مطيعا لرغبات النفس. فإذا انحرفت النفس ما أسهل أن تجذب العقل في صفها ليبرر لها سلوكها الخاطئ…
ما أسهل أن ينحرف العقل، أو يفقد العدل، فينحاز إلى ذاته، ويشحذ كل طاقاته، لإرضاه رغباته، وقد تكون رغبات خاطئة. ولكن يحاول أن يورد آيات من الكتاب، وأقوال للآباء القديسين، بتفسيرات خاطئة، لكي يثبت أنه على صواب في انحرافه… يمكنه أن يبرر كل مسلك، ويحاول أن يخدع الآخرين ويخدع نفسه… كل طريق يسير فيه، يمكنه أن يبرره ببراهين وأدلة وأعذار ومجادلات لا تنتهي: هذه الخطية كانت بغير إرادتي، وهذا الأمر لا أقدر عليه، فوق إمكاني. وهذا الأمر تبرره الظروف، وذاك تبرره النية السليمة، وثالث تبرره الغاية والقصد… إلخ.
في بعض الأوقات لا يكون عقل الإنسان في يد الروح القدس. قد يكون في قبضة العالم، أو تحت نير الشهوة، أو تحت تأثير البيئة والمجتمع والتقاليد، وقد يعمل الإنسان بعقل غيره، لضرر نفسه…
وقد يكون ضرر العقل للإنسان بسبب طياشة تفكيره وسرحانه، وقد يطيش في خطايا أو في تفاهات. وربما هذا اللون من التفكير يثير إحساسات الإنسان ومشاعر إثارة تجذبه إلى أسفل. وفي طياشه تفكيره قد لا يشعر بنفسه كأن حواسه سكرى… إلى أن يستيقظ أخيرًا…
وقد يغريه العقل بأنه سيحقق له أحلامه ورغباته، ويفعل ذلك عن طريق أحلام اليقظة، فيبني له قصورًا من خيال، ويحكي قصصًا تتميز بالخصوبة لا يستطيع أن يتركها من فرط لذاتها. ويبدو للإنسان كأن عقله هو الصديق الصدوق المخلص الذي يحقق له أمانيه… وفي كل ذلك إن أراد أحد أن يوقظه، لا يشاء أن يستيقظ… وربما يستمر في دغدغة هذه الأحلام ساعات أو أيامًا أو سنوات، وقد يقضي عمره كله يحلم ويفكر، ويسعد بهذا الوهم…
ما أكثر مواهب العقل في التأليف، والتخطيط، ورواية القصص والحكايات… وما أكثر ما يستخدم كل هذه في ضرر نفسه… ومشكلة الإنسان في كل هذا: ليس أنه لا يستطيع أن يستيقظ، إنما مشكلته إنه لا يريد… إنه سعيد بأفكاره، وإن تدخلت الروح لإقناعه بأخطائه، يحاول أن يرد بأدلة عقلية… إنها مشكلة العقلانيين… مما يضلل الإنسان- غير العقل- اللذة.
5- اللذة:
لا يوجد أصعب من اللذة، إذ تخدر الإنسان تخديرًا كاملًا بعيدًا عن الله. وكل إنسان له لذة معينة تتبعه، وقد لا يتعب من غيرها…
أنها تستولي على القلب كله، والحس كله، والإدراك كله، وقد تأخذ كل الوقت أيضًا إذا اشتدت. ويصبح الإنسان كله تحت قيادة اللذة وتوجيهها…
الإنسان الروحي لذته في الله. أما الخاطيء فلذته في الخطية. وقد تحاول أن توقظه من غفلة اللذة فيرفض. ويقول لك “أنا مسرور بنومي، لأن أحلام هذا النوم أحلي من واقع اليقظة…”.
هؤلاء الذين لا يريدون أن يستيقظوا، كلما نضغط عليهم يطلبون منك التأجيل. يقولون: لا مانع، ولكن ليس الآن…
فكيف يمكن للإنسان النائم أن يستيقظ؟
كيف استيقظ الخطاة وتحولوا إلى قديسين؟
ما هي الوسائل الذاتية والخارجية ليقظة الإنسان؟
هذا هو موضوع تأملنا في الأسبوع المقبل إن شاء الله.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الخامسة – العدد الثاني 12-10-1974م


