حول معرفة المستقبل أو معرفة الغيب

حول معرفة المستقبل أو معرفة الغيب[1]
السؤال
في التعليم اللاهوتي لا يعرف المستقبل ولا يعرف الغيب، إلا الله وحده. فماذا نقول عن أشخاص ينبئون عن أشياء تحدث في المستقبل ويصدق قولهم؟! كذلك هل يمكن للشيطان أن يخبر عن أمور تحدث في المستقبل؟ وأيضًا ماذا عن النجم الذي أنبأ المجوس عن مكان المذود حيث وُلد الطفل يسوع (أقصد دلَّهم عليه)؟
الجواب
- 1. لا يعرف الغيب أو المستقبل إلا الله وحده. ولكن البشر قد يعرفون شيئًا، بطريق الاجتهاد وليس اليقين. بواسطة الذكاء أو الفراسة أو العلم.
فعلماء الأرصاد قد ينبئون عن يوم مطير، أو يوم حار. ويحدث هذا فعلًا عن طريق رصدهم – بأجهزتهم – لرياح محمَّلة ببخار الماء، أو رياح قادمة من منطقة حارة جافة.
وقد يقول الطبيب المعالج لمريض في حالة خطرة، إنه لم يعد له في الحياة سوى يومين أو ثلاثة على الأكثر ثم يموت. ويحدث هذا فعلًا، عن طريق متابعته لسير المرض وعدم القدرة على إيقاف نتائجه المتوقعة. هذا علم، وليس نبوءة بالمستقبل أو معرفة الغيب.
كذلك قد يقول مدرس قبل موعد الامتحان بفترة أن تلميذًا ما سيرسب. وذلك لمعرفته بالمستوى الضعيف جدًّا لهذا التلميذ. ويرسب التلميذ فعلًا. ويكون هذا توقعًا لحالة ملموسة، لا بد أن تنتهي إلى هذه النتيجة. ولا تكون تلك نبوءة أو معرفة بالمستقبل.
- إن النبوءة أو المعرفة بالمستقبل تختص بأمور خارجة عن نطاق الفراسة والاستنتاج والذكاء والنتائج العلمية. وتكون بوحي من الله لأحد من أنبياء الله أو من خاصته المقربين.
أما إذا قال أحد خبراء السياسة أن دولة بعينها، إن دخلت الحرب ضد دولة أخرى معينة، فسوف تنهزم.. فلا تكون هذه نبوءة، وإنما دراية سياسية.
كذلك ما يتوقعه رجال العلم من حدوث براكين أو زلازل أو سيول في مناطق معينة، ويحدث ذلك فعلًا، فلا يكون هذا لونًا من معرفة الغيب. لأنه ليس غيبًا بالنسبة إليهم، إنما هو حقيقة علمية معروفة، بناء على دراسات تؤدي إلى نفس النتيجة.
وبنفس المنطق ما يقوله بعض رجال الزراعة عن موعد الإثمار أو النضوج لأشجار أو نباتات معينة، ويتم هذا في حينه، فلا تكون هذه نبوءة، بل هو علم.
- أما الذين يدَّعون معرفة الغيب، كضارب الرمل، أو قارئ الفنجان، أو فاحص الكف، أو عارف المستقبل عن طريق الأبراج والنجوم وما أشبه، فكل ذلك ادِّعاء وليس نبوءة.
وكثير من هؤلاء يتكلمون عن عموميات، أعني أمورًا يمكن أن تصادف أي إنسان، دون تحديد. فإن حدث شيء منها، يكون عن طريق الصدفة. كأن تقول لك (قارئة الفنجان): أمامك شخصان أحدهما طويل والآخر قصير، احترس من أحدهما فهو يريد أن يضرك…!
كذلك من جهة الأبراج يقدمون لملايين الناس من اثني عشر برجًا. أي أن عشرات أو مئات الملايين ينطبق عليها حظ واحد.
ففي مصر مثلًا أكثر من ستين مليونًا. فهل كل خمسة ملايين تقريبًا، لهم حظ واحد في نفس اليوم؟! على الرغم من اختلاف الظروف والعقليات، واختلاف العمر…!
ومن جهة النجوم صَدَق المثل القائل: كذب المنجمون ولو صدقوا.
أما عن النجم الذي قاد المجوس، فلم يكن نجمًا حقيقيًّا.
ولا كان المجوس من المنجمين..
وقد شرح القديس يوحنا ذهبي الفم هذا الأمر بوضوح في تفسيره لإنجيل متى. فقال: “إن نجم المجوس كان قوة مُرسَلَة من الله لهدايتهم، ولم يكن نجمًا طبيعيًّا”؛ ذلك لأن النجم العادي يتحرك من الغرب إلى الشرق. أما نجم المجوس فكان آتيًا من الشرق إلى الغرب، من بلاد الفرس إلى الأراضي المقدسة. كذلك كان نجم المجوس يقف حينًا ويتحرك حينًا آخر حسب سياسة معينة. فقد وقف عند دخولهم أورشليم لأخذ معلومات من هيرودس أو الكتبة والفريسيين، وتحرك لما غادروا أورشليم.
أيضًا وقف النجم حيث كان الصبي. لأنه لو بقي في علوه كسائر النجوم، لما عرفوا موضع المذود، فالكواكب والنجوم نراها فوقنا حيثما كنا دون أن تشير إلى مكان معين.
لذلك فإن الله تبارك اسمه، لما رأى طيبة قلب المجوس وحسن نيتهم، وهم علماء في الفلك، اجتذبهم بقوة من عنده على هيئة نجم عظيم في بهائه، غريب في تحركه، فجذبهم إليه حتى رأوا الرب يسوع. من أجل هذا، فإنه في رجوعهم لم يشأ إرشادهم بنجم، بل في حلم لأن مستواهم الروحي كان قد ارتفع بعد أن أخذوا بركة رؤية المخلص…
- أما عن الشيطان ومعرفته كروح فلنا على ذلك ملاحظات:
أ. هو كروح له شفافية أكثر من البشر، ومعرفة أكثر لا يعوقها ضباب من جسد كما يحدث مع الإنسان. فهو يمكن أن يستنتج من ملامح الإنسان ومن نبرات صوته ومن نظرات عينيه، ما يمكن أن يكون داخله من فكر أو نية، وذلك استنتاج فقط.
ب. كذلك يعرف ما يُدخِله هو في عقل الإنسان من أفكار، بعضها حروب أو إغراءات.. وإن كان القديس بولس الرسول قال عن الشيطان: “لأَنَّنَا لاَ نَجْهَلُ أَفْكَارَهُ”(2كو11:2)، فمن باب أولى هو أيضًا قد لا يجهل أفكارنا. ليس كفاحص للقلوب والأفكار! حاشا. بل هو استنتاج فحسب.
نقطة أخرى نقولها من جهة السؤال عن معرفة الشيطان للمستقبل.
ج. هناك أشياء قد يقولها الشيطان عن المستقبل. ولا تكون بالنسبة إليه في حكم المستقبل، بل في حكم الماضي.
فقد يقول لك: سيصلك خطاب في البريد بعد يومين مثلاً فيه كذا وكذا ويصدق هذا الأمر. ولكن في الحقيقة يكون هو قد رأى هذا الخطاب وقت كتابته وحسب مدة إرساله في البريد وقال إنه سيصل بعد يومين بما فيه من أخبار. وكان ذلك في حكم الماضي بالنسبة إليه..
وقد يقول لك فلان مريض بكذا، وأدخلوه مستشفى كذا، ويكون هذا صدقًا، ولكنه ليس غيبًا، إنما هو واقع رآه. والفرق بينك وبينه في هذه المعرفة، هو أنه روح خفيف (أصله ملاك، يمكن أن يتحرك في لمح البصر – حسب طبيعته – من مكان إلى مكان، ويخبر بأمور آتية، تكون بالنسبة إليه أمورًا ماضية).
وما يدركه الشيطان بهذا الأسلوب، يمكن أن يُوحَى به لبعض البشر (من أعوانه غالبًا، ومن يريد ضمهم إليه) فلا تظن كلامهم نبوة.
بهذا الأسلوب وبغيره، سوف يساعد ضد المسيح الـ Anti-Christ الذي سيأتي في آخر الزمان، ويؤيده “بِكُلِّ قُوَّةٍ، وَبِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ كَاذِبَةٍ، وَبِكُلِّ خَدِيعَةِ الإِثْمِ، فِي الْهَالِكِينَ”(2تس2: 9، 10).. فالشيطان لا يعرف من المستقبل إلا ما يمكنه استنتاجه، أو ما يراه في الماضي القريب آتيًا، ويخبر به أنه سيأتي…
د. ومع ذلك قد لا يصح ما يقوله الشيطان وتكون (معرفته) غير يقينية.
فالخطاب الذي قال إنه سيصل قد لا يصل ويضيع في البريد، والمسافر الذي قال إنه سيأتي، قد تعوقه أسباب عن المجيء بعد أن بدأ إجراءاته.. فإما أن يخجل الشيطان، وإما أن ينبئ بأسباب التعطيل! والخاطئ الذي قال إنه سيذهب إلى الجحيم قد يتوب في آخر يوم في حياته، كاللص اليمين. أما معرفة الأنبياء، فهي بالوحي، وليست بالاستنتاج أو التخمين. كذلك هي معرفة يقينية تتم كما يقولون.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الخامسة والعشرون – العددان 45، 46 (5-12-1997م)



