القديس مار أوغريس

القديس مار أوغريس1
أحد قادة الفكر الرهباني في الكنيسة
St. Evagrius
هذا القديس – كالقديس مار إفرام – يعتبر من آباء البرية
النساك، وأيضاً يعتبر من أبطال الايمان المدافعين عنه. كذلك فإنه
يمكن أن ينضم إلى قديسي التوبة
انه يمثل حياة توبة، حياة إنسان عاش مع الله، ثم انتكس وأخطأ، ثم رجع إلي الله مرة أخرى، وقادته في هذه التوبة إحدى الأمهات القديسات.
نشأته:
ولد في بلاد البنطس، وتعرف بثلاثة من القديسين العظماء تربطهم رابطة واحدة وهم القديس باسيليوس الكبير، وأخوه القديس أغريغوريوس أسقف نيصص، وصديقهما القديس غريغوريوس الثيئولوغوس. وقد أعجب به القديس باسيليوس ورسمه أغنسطسًا، وبعد نياحة القديس باسيليوس رقاه القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات فرسمه شماسًا، وقيل إنه إصطحبه معه إلى مجمع القسطنطينية سنة 381م. قد نال شهرة كبيرة هناك، فأعجبوا به بفصاحته وعلمه اللاهوتي، وردوده على الهراطقة، حتى أحبه الكل وأحبه أيضًا القديس نكتاريوس رئيس أساقفة القسطنطينية، واستبقاه معه هناك.
الشيطان يجربه بالخطية:
وفي القسطنطينية حسده الشيطان على محبه الناس له، وعلى براعته اللاهوتية، فكان ضمن المعجبين به زوجة أحد النبلاء، فوقع في محبة هذه المرأة، وصلى إلي الله كثيرًا حتى ينجيه من هذه المحبة، ولما نجاه الله منها، كانت المرأة قد وقعت في محبته، ولم يستطيع أن يتخلص منها لأنها كانت قد أغرقته بكثير من هداياها.
الحلم والعهد:
ولكنه لم يخطئ إليها. وتعب كثيرًا وصلى إلي الله، والله محب البشر أراد أن ينقذه… ففي أحد الأيام حلم حلمًا عجيبًا:
ظهر له ملاك الرب في هيئة جندي مسلح، فأخذه وألقاه في السجن، وفي السجن تعبت نفسيته جدًا، وبخاصة لأنه كان يرى نهاية المسجونين الذين معه الذين كانوا يقدمون للشنق أو للتعذيب، وقال في نفسه لعل النبيل زوج المرأة أدرك العلاقة، فألقاه في السجن، وما أسهل أن يأمر بقتله.
وفي انتظار مصيره المؤلم، ظهر له ملاك الرب بهيئة صديق من أصدقائه، وقال له “ما الذي أتى بك إلى هنا؟” فأجابه أوغريس، لعل أحد الحساد وشى بي فألقوني في السجن ظلمًا، وأنا أخشى أنه – عن طريق رشوة تقدم للقاضي – يمكن أن يأمر بقتلي” فأجابه ذلك الصديق “هل تعاهدني أمام الله: أنك إذا خرجت من السجن تترك هذه المدينة؟ إن عاهدتني أساعدك في الخروج من هذا المأزق” فعاهده أوغريس ويده موضوعة على الإنجيل أنه إن خرج من السجن يترك المدينة. وفعلًا خرج من السجن لأنه قام لتوه من النوم.
ومع أن هذا العهد قطعه على نفسه في حلم، إلا أنه نفذه عندما استيقظ، لأنه كان قد قال في الحلم “إنني لن أبقى في القسطنطينية سوى اليوم الواحد الذي أجمع فيه أمتعتي” وفعلاً غادر المدينة.
يتتلمذ على القديسة ميلانيا:
ذهب القديس مار أوغريس إلى أورشليم وكانت هناك القديسة ميلانيا الكبيرة، وقد أسست ديرًا هناك فأقام معها يتتلمذ عليها وهناك حاربه الشيطان فرجع إلى علاقاته العاطفية، والله الرحوم الحنون لم يتركه فضربه بحمى شديدة لم يستطع أن يشفى منها، وعجز الأطباء عن علاجه واستمر ستة أشهر على فراش المرض.
فأتته القديسة ميلانيا ذات يوم وقالت له “اسمع يا ابني… إني أرى أن مرضك ليس مثل مرض سائر الناس، فأخبرني بحقيقة حالك ومع أنني خاطئة جدًا إلا أنني سأصلي من أجلك لكي يشفيك الرب” فاعترف لها بكل شيء وقص لها كل أمره فقالت له: “هل تعاهدني أنه إذا شفاك الله تذهب إلى الأسقيط وتترهب؟”. فوعدها… فصلت لأجله وشفاه الله.
وبر بوعده وذهب إلى الأسقيط وترهبن هناك. وعاصر السنوات الأخيرة من حياة القديس مقاريوس الكبير الذي تنيح سنة 390م، والقديس مكاريوس الإسكندراني الذي تنيح بعده بسنوات، ورآه القديس بيلاديوس وأعجب به وكتب سيرته.
رهبنته ونسكه:
ذهب أوغريس إلى مصر وقضى سنتين في جبل برنوج، ثم ذهب إلى البرية الداخلية في منطقة القلالي، وعاش 14 سنة هناك وقيل 16 سنة وفي بدء حياته حورب بشيطان الزنى فذهب إلي القديس مكاريوس الكبير وسأله كيف أنجو من هذه الحرب؟ فنصحه القديس بالنسك الشديد، وعاش مار أوغريس في نسك، لم يكن يأكل أبدًا طعامًا مطبوخًا إلا في أواخر حياته عندما أضعفه الهزال، وكان لا يستخدم من الزيت إلا قسطًا صغيرًا كل ثلاثة شهور.
وكان يمنع نفسه عن الماء أيضًا ولا يشرب منه إلا القليل، وكان يبرر هذا العطش بأن الشياطين تعيش في الأماكن التي يوجد فيها ماء، معتمدًا على قول الكتاب في متي 12: 43 “إِذَا خَرَجَ الرُّوحُ النَّجِسُ مِنَ الإِنْسَانِ يَجْتَازُ فِي أَمَاكِنَ لَيْسَ فِيهَا مَاءٌ، يَطْلُبُ رَاحَةً وَلاَ يَجِدُ”.
وكان لا ينام إلا ثلث الليل وإذا أتعبه النعاس بالنهار يتمشى، كان يصلي كل يوم 100 صلاة، وكان يأكل من عمل يديه، وعمل يديه كان النساخة، ولم يكن يأخذ أجرًا على عمله سوى خبز يومه فقط. وقد حاربته الشياطين كثيرًا، حاربه شيطان الزنى، وشيطان التجديف، وفي إحدى المرات ظهر له ثلاثة شياطين في هيئة ثلاثة من كبار الإكليروس يجادلونه في الإيمان: أحدهما من أتباع آريوس، الثاني من أتباع يونوميوس، والثالث من أتباع أبوليناريوس. وقد هزم مار أوغريس هؤلاء الشياطين الثلاثة وأفحمهم بالبراهين والمجادلات، وأحيانًا كان الشياطين يظهرون له ويضربونه ضربًا شديدًا، وقد عرف مار أوغريس حروب الشياطين وقيل عنه إنه قبل 15 سنة أهل للنقاوة الكاملة، وفي إحدى المرات رأى رؤيا وهو يقرأ في نصف الليل وإذا هو قد ارتفع إلى السحاب ورأى كل المسكونة وقيل له من صوت إلهي إذا أردت أن ترتفع هكذا فكن رحيمًا، وكن متضعًا” وقد اتصف مار أوغريس بهذه الصفات فعلًا وكان يعرف الغيب أحيانًا.
موهبة المعرفة:
وقد وهبه الله موهبة المعرفة والفهم وإفراز الأفكار، ومعرفة حروب الشياطين ومعرفة الرد عليها واشتهر كمعلم للفضيلة حتي في حياة القديس مقاريوس الكبير وكان الرهبان يأتون إليه ويعرضون عليه أفكارهم، وبخاصة في يومي السبت والأحد حين كانوا يخرجون من عزلتهم، وكانوا يدينون له بالطاعة كمرشد عميق روحي، وكان الكل يعجبون بحلاوة تعاليمه ويحبونه كثيرًا وكان مار أوغريس يقول للإخوة “الذي منكم يكون له فكر عميق فليعرضه فيما بيني وبينه علي انفراد بعد ذهاب الأخوة، لئلا يهلك الضعيف بفهم القوي وتبتلعه الكآبة، وكان مار أو غريس محبًا للغرباء، يأتون إليه وينتفعون بتعليمه وبنسكه.
كتبه وتوقيره:
قال بلاديوس أن مار أغريس وضع ثلاثة كتب يشرح فيها مكر الشياطين وفخاخهم، وحروبهم وشرح على وجه الخصوص الثمانية أفكار الرئيسية التي تحارب المجاهدين. شرح صورها وأساليبها وأسبابها والرد عليها. وفي كتب مار أوغريس عن محاربة الأفكار أورد أسئلة عديدة عن طريقة الرد بالآيات على الفكر.
وبيلاديوس يتكلم عن مار أوغريس بتوقير شديد. يدعوه بأوغريس الطوباوي ولابس الروح والماهر في اختبار الأفكار، ويقول عليه أيضًا معلمي أوغريس. وقال إن القديسة أدوفن كانت تلميذته وهي التي زارها القديس سرابيون الكبير أو السبايني.
ومار أوغريس شهد له جيروم أيضًا فقال عنه رأينا أيضًا أوغريس وهو رجل ذو قدرة كبيرة وعلم، وعن طريق الخبرة بالأمور التي مرت عليه حصل إفراز الأفكار، وقد أخبرنا بأمور كثيرة عن جهادات النسك وثبت نفوسنا في الإيمان، وقد نزل مرات إلى الإسكندرية وسد أفواه فلاسفة الوثنيين، وقد ترجم له جيروم بعض مقالاته إلى اللاتينية، وقال إن مقالات أوغريس وكتاباته لم يعد يدرسها قراء اللاتينية فقط وإنما الرومان أيضًا،
ونتيجة لهذه الشهرة العجيبة حسده البعض ومنهم أهرون الذي أرسل إلى مار أوغريس يقول له: “كل الذين ينقادون إلى تعاليمك مخدوعون” وكذلك يوكاربوس المتكبر الذي أعلن أن السيد المسيح قد عينه حاكمًا على الأسقيط، وطلب من الرهبان أن يتبعوه ولا يتبعوا أوغريس.
وقد قيل أن البابا ثاؤفيلس البطريرك 23 أراد أن يرسمه أسقفًا علي مدينة تمي فإعتذر مار أوغريس، ويعتبر هذا القديس العظيم من أشهر الآباء في المعرفة النسكية ومعرفة الحروب الروحية، كما أنه يعتبر من أبطال الإيمان والدفاع عنه، وكان مار اسحق من أشد المعجبين بمار أوغريس وقد اقتبس الكثير من أقواله.
حروب الأفكار:
يوجد للقديس مار أوغريس مخطوط في مكتبات الأديرة عن حروب الأفكار يشرح فيه كل ما يطرأ على الراهب من حرب فكرية، وطريقة مواجهة الحرب والرد عليها، ومن الأمثلة البارزة طريقة الرد على كل حرب فكرية بآيات من آيات الكتاب المقدس، تذكرنا بقول داود النبي “لو لم تكن شريعتك هي تلاوتي، لهلكت حينئذ في مذلتي”، وتدل أيضًا على مقدار معرفة هذا القديس بالكتاب وحفظة لنصوصه المقدسة.
“يوجد صورة منارة والسهام موجهة إليها”
سهام كثيرة توجه إلى هذه المنارة، ولسكنها لا تنالها بسوء…
هكذا القلب النقي تهاجمه الأفكار من كل ناحية، ولا تقوى عليه
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الخامسة – العدد الخامس 2-11-1974م




