مفهــوم الحــق

مفهــوم الحــق[1]
* أول مفهوم للحق أنه الصدق Truth:
وكثيرًا ما كان السيد المسيح يبدأ كلامه بقوله “الحق أقول لكم” (مت5: 18) (مت6: 2- 5- 16) (مت8: 10) وأحيانًا كان يكرر كلمة الحق، فيقول “الحق الحق أقول لكم” (يو5: 19- 24- 25) (يو8: 34- 51- 58).
وفي المحاكم يقسم الشاهد قائلًا “أقول الحق، كل الحق، ولا شيء غير الحق” … ذلك لأن هناك قاعدة هامة وهي:
“أنصاف الحقائق ليست كلها حقائق”.
أو كما يقال “أنصاف الحقائق ليست إنصافًا للحقائق”…
فقد تأتي امرأة تشكو زوجها، وتشرح كيف أنه ضربها أو أهانها.. وتترك النصف الآخر من الحقيقة وهي إغاظتها له بطريقة أثارته، فخرج عن وعيه أو فقد أعصابه، فضربها.. وهكذا تذكر ما حدث لها كأنه تصرف من الزوج، وليس مجرد رد فعل لتصرفها. أو يذكر إنسان أن الكنيسة قد عاقبته، أو أن إدارة عمله قد فصلته، دون أن يذكر السبب الذي من أجله قد عوقب أو فصل.
المهم أن كلامه لا يعطي صورة حقيقية عما حدث.
لذلك في القضايا يحدث تحقيق. والمقصود به الوصول إلى الحقيقة.
وتتكامل الحقيقة حينما يبحث الأمر من جميع جوانبه. ويسمع الر
أي، والرأي الآخر. ويبحث السبب والنتيجة، وأيهما الفعل وأيهما رد الفعل… أما الذي يسمع من جانب واحد، فلا تتضح له الصورة الحقيقية. ولهذا يلجأ المحقق إلى المواجهة، أي يقف كل جانب في مواجهة الآخر.
في كل قضية تعرض عليك، يمكنك أن تسأل: لماذا؟
وعلى رأي المثل ” إذا عُرف السبب، بطل العجب “. فإن قال لك شخص مثلًا ” أب اعترافي منعني أن أكلم فلانًا “.. لا تقل في نفسك ” عجبًا، هل أب الاعتراف يدعو إلى الخصام؟!”.. ربما لو أدركت السبب، لعرفت مثلًا أن هذا الشخص عثرة له وسبب خطيئة، أو أنه في كل مرة يلتقي به يحدثه عن أمور تتعب ضميره، وتسبب له أفكارًا متعبة … أو أن يثيره ويغضبه. وخلاصة القول إنه ينطبق عليه القول “المعاشرات الرديئة تفسد الأخلاق الجيدة” (1كو15: 33) أو تنطبق عليه عبارة “اعزلوا الخبيث من وسطكم”
(1كو5: 13) أو “طوبى للرجل الذي … في طريق الخطاة لا يقف، وفي مجلس المستهزئين لا يجلس” (مز1).
أنصاف الحقائق التي ليست هي حقائق، تنطبق أيضًا في اللاهوتيات.
مثال ذلك من يستخدم آية واحدة، ويترك باقي الآيات المتعلقة بالموضوع، والتي بها يتكامل فهم العقيدة. كأن يتكلم إنسان عن الإيمان وحده فيقول لك: مكتوب “آمن بالرب يسوع، فتخلص أنت وأهل بيتك” (أع16: 31). مثل هذا نقول له: ضع إلى جوارها قول الرب “من آمن واعتمد خلص” (مر16:16). وأيضًا قول القديس بطرس الرسول لليهود الذين آمنوا في يوم الخمسين “توبوا، وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا، فتقبلوا عطية الروح القدس” (أع2: 38).
نعم، إن قال لك أحد: مكتوب، قل له “مكتوب أيضًا”.
فهكذا فعل السيد الرب في التجربة على الجبل، مقدمًا الطريقة المثلى للحوار، وللرد على الأفكار … وهكذا يكون الحق معناه الحقيقة كاملة. فإخفاء شيء منها، قد يعطي فهمًا خاطئًا …
* معنى الحق أيضًا هو حقوق الإنسان his rights:
ومن هنا جاء المثل “اعطِ لكل ذي حق حقه”. ومن هنا جاءت أيضًا عبارة “حقوق الإنسان Human Rights”. وهكذا كانت وزارة العدل تسمى قديمًا “وزارة الحقانية”. وكلية القانون تسمى “كلية الحقوق”. أي التي تدرس فيها القوانين الخاصة بحقوق الناس، مالهم وما عليهم.
هنا كلمة حق ليست بمعنى صدق. وليس عكسها الكذب أو شهادة الزور. وإنما عكسها هنا هو الظلم الذي تضيع فيه الحقوق.
ولعل من اشتقاقها هنا عبارة يستحق أو لا يستحق.
أي من حقه كذا، أو ليس من حقه. وبنفس المعنى وبخ اللص اليمين على الصليب زميله اللص الآخر قائلًا “أما نحن فبعدل جوزينا، لأننا ننال استحقاق ما فعلنا” (لو23: 41).
ومن هنا أيضًا تأتي عبارة “يتناول باستحقاق من الأسرار المقدسة” أو يتناول بغير استحقاق (1كو 11: 27)، أي ليس من حقه أن يتناول. فمناولة الأسرار تأخذ حقها من التوبة ونقاوة القلب.
لعله بنفس المعنى قال الابن الضال لأبيه “لست مستحقًا أن أدعي لك ابنًا” (لو15: 21). وقيل أيضًا “الفاعل مستحق أجرته” (مت10: 10) (لو10: 7).
* معنى آخر للحق، وهو أنه ضد الزيف أو ضد الباطل.
فالذهب الحقيقي غير الذهب الزائف. والزواج الحقيقي (أي الشرعي) عكس الزواج الباطل أي غير الشرعي. وهكذا يقال عن السيد المسيح إنه ” النور الحقيقي” (يو1: 9). وقيل عن يوحنا المعمدان “لم يكن هو النور، بل ليشهد للنور” (يو1: 8).
قال السيد المسيح عن نفسه “أنا هو نور العالم. من يتبعني لا يسلك في الظلمة” (يو8: 12). وقال لنا “أنتم نور العالم” (مت5: 14). ولكنه هو النور الحقيقي، لأنه نور في ذاته. أما نحن، فلسنا كذلك، إنما بنوره نعاين النور.
نور الشمس نور حقيقي. أما نور القمر فليس كذلك، بل هو مجرد انعكاس نور الشمس عليه، وبدون نورها يصبح مظلمًا.
هكذا بالنسبة إلى الله، هو الإله الحقيقي وحده (يو17: 3). لأن كثيرين دعوا آلهة، كمجرد لقب، ولم يكونوا آلهة بالحقيقة. كما ورد في المزمور “الله قائم في مجمع الله. في وسط الآلهة يقضي” (مز82: 1) وأيضًا “ألم أقل إنكم آلهة، وبني العلي تدعون. ولكنكم مثل البشر تموتون، وكأحد الرؤساء تسقطون” (مز82: 6- 7).
قال الرب لموسى “جعلتك إلهًا لفرعون” (خر7: 1). ولكن بمعنى “سيد” وليس بمعنى خالق، أو كلي القدرة، أو موجود في كل مكان. وقيل أيضًا إن آلهة الأمم شياطين [أو أصنام] (مز96: 5).
هنا الفرق بين الحق والزيف.
وبنفس الوضع تكلم بولس الرسول عن الأرامل.
فقال “ولا يثقل على الكنيسة، لكي تساعدهن اللواتي هن بالحقيقة أرامل” (1تي5: 16).
وبنفس الوضع أيضًا يمكن التكلم عن المؤمن الحقيقي، وأبناء الله بالحقيقة.
كثيرون لهم اسم أبناء الله، ويصلون قائلين “أبانا الذي في السموات”. ولكنهم ليسوا أبناء بالحقيقة، ولا ينطبق عليهم قول القديس يوحنا الرسول “المولود من الله لا يخطئ والشرير لا يمسه. ولا يستطيع أن يخطئ، لأنه مولود من الله” (1يو3: 9) (1يو5: 18). ولا ينطبق أيضًا عليه قول الرسول عن الرب “إن علمتم أنه بار هو، فاعلموا أن كل من يصنع البر مولود منه” (1يو2: 29).
كذلك من يقول إنه مؤمن، ولا يبرهن على إيمانه بأعماله. يقول القديس يعقوب عنه “هل تريد أن تعلم أيها الإنسان الباطل أن الإيمان بدون أعمال ميت” (يع2: 20).
بل إن القديس بولس الرسول يقول عبارة خطية هي “جربوا أنفسكم هل أنتم في الإيمان. امتحنوا أنفسكم” (2كو13: 5). بل ما أصعب تلك العبارة التي قالها الرب لملاك كنيسة ساردس:
إن لك اسمًا أنك حي، وأنت ميت” (رؤ3: 1).
كلمة حيّ هنا ليست اسمًا حقيقيًا يستحقه ذلك الراعي. لأنه ليس حيًا بالحقيقة، إنما هو ميت روحيًا.
هنا كلمة حق أو حقيقي بمعنى True أوGenuine تدخل في أمور عديدة.
قد يقول شخص إنه ابن في الاعتراف لكاهن معين، ولا يكون ابنًا بالحقيقة لأنه لا يطيعه ولا يستشيره. وقد يقول شخص إنه قد تاب ولا يكون تائبًا بالحقيقة لأنه في كل مرة يترك الخطية، يرجع إليها مرة أخرى. وقد يقول شخص إنه يصلي، وهو ليس مصليًا بالحقيقة. لأنه يكلم الرب بشفتيه، وقلبه مبتعد عنه بعيدًا.
وقد يقول شخص إنه صائم، وليس هو صائم بالحقيقة، إنما هو مجرد إنسان نباتي، يتناول الأطعمة النباتية ويحرص أن تكون شهية. وليس له ضبط نفس أثناء الصوم، ولا تنطبق عليه قواعده الروحية.
إنما يبدأ الحق بالقيم التي يراعيها الإنسان في حياته.
كل ما يتمشى مع القيم الروحية السامية هو حق. وكل ما يتفق والعقائد اللاهوتية السليمة هو حق. وغير ذلك زائف وزائل.
* والحق أيضًا ضد الرياء:
ذلك لأن الرياء ضد الحقيقة. لأن فيه زيفًا، إذ أن الداخل عكس الظاهر من الخارج، ولهذا السبب وبخ السيد المسيح الكتبة والفريسيين المرائين، لأنهم كانوا مثل القبور المبيضة من الخارج وفي الداخل عظام نتنة (مت 23: 27).
فالمرائي يتظاهر بما ليس فيه. يعطي صورة جميلة عن نفسه، وحقيقته غير ذلك تمامًا.
النفاق أيضًا ضد الحق:
لأنه مديح باطل للغير، أو دفاع باطل عنه. بينما الحقيقة غير ذلك. وما يوجد في قلبه عكس ما يقوله بلسانه.
ويضيع الحق أيضًا تحت ستار المجاملة أو (الحب)!
أو تحت ستار الحب الزائف. وقد يدعي إنسان أنه صديق لشخص آخر، بينما يجره معه إلى الهاوية، أو يشجعه على الخطأ، ويكون هذا التشجيع ضد الحق، يجعله يستمر فيما هو فيه من خطأ. وقد يدّعي أنه يحبه، بينما هو بهذا (الحب) الزائف يضيعه تمامًا.
كالأم التي تظن أنها تحب ابنها، فتدلـله تدليلًا يفسده. ولا يكون حبها له حبًا حقيقيًا له القيم الحقيقية للحب.
وقد يدّعي شاب أنه يحب فتاة، بينما تكون علاقته بها شهوة وليست حبًا. وتحت ستار ما يسميه (حبًا) يضيع أخلاقهما وسمعتها ومستقبلها. ولا يمكن أن يكون ما بينهما حبًا بالمعنى الحقيقي للحب، مادام قد خلا من القيم.
وفي هذا المجال، نذكر أيضًا من يدافعون دفاعًا باطلًا عن المخطئين، وينسون قول الكتاب:
مبرئ المذنب، ومذنب البريء، كلاهما مكرهة للرب (أم17: 15).
لماذا؟ لأن كليهما ضد الحق. وقد ينفر البعض من عبارة “مذنب البريء” إذ يرى فيها ظلمًا. ولكن ما أكثر ما يوجد مبرئ المذنب، ظانًا أن هذا لونًا من الإشفاق والرحمة. ولكن هذا الإشفاق ضد الحق من جهة. ومن جهة أخرى أنه ليس إشفاقًا حقيقيًا. فالمشفق الحقيقي هو الذي يقود المذنب إلى التوبة، ومن شروط التوبة الاعتراف بالذنب والإقلاع عنه. أما تبرئة المذنب فإنها تشعره بأنه لم يفعل خطأ، فيستمر فيما هو فيه، ويفقد الندم وانسحاق القلب ويكون من برأه قد أضر به…
وقد يبرئ إنسان شخصًا مذنبًا، ويكون ذلك عن جهل.
ويكون هو أيضًا مكرهة للرب، لأنه لم يبحث عن الحقيقة، أو على الأقل فعل ما هو ضد الحقيقة ولو عن جهل. وربما فيما يكون مبرئًا لشخص مذنب، مذنبًا لشخص آخر برئ، ويكون قد ظلمه بهذا وأساء إليه. وفي كل الحالات هو بعيد عن الحق، أو هو ظالم بالحقيقة … ونصيحتي لمثل هؤلاء:
دافع عن الحق، بدلًا من أن تدافع عن شخص.
وقد يكون دفاعك عنه ضد الحق…
ولكي تدافع عن الحق، ينبغي أن تعرف الحق. وكثيرون ليست لهم هذه المعرفة. وقد يسيرون في جو من الشائعات. وقد يتلقون المعلومات عن أشخاص هم أيضًا ليست لهم المعرفة الحقيقية.
وما أكثر ما نجد أشخاصًا يقول الواحد منهم “أنا ادافع عن الحق” بينما يكون ما يدافع عنه بعيدًا عن الحق تمامًا …
أو قد يوجد إنسان يدافع عن الحق، أو عما يظنه حقًا، بأسلوب بعيد عن الحق تمامًا.
أو قد يتجاوز حقه في الكلام، أو يقول كلامًا ليس من حقه أن يقوله، أو يلجأ إلى طرق التشهير والإدانة والإيذاء وجرح شعور الآخرين، أو نشر معلومات خاطئة. ويكون بذلك قد أساء إلى غيره إساءة كبيرة، ووقع في أخطاء عديدة يدينه الله عليها.
ويبدو أنه يدافع عن (الحق) بطريقة غير حقانية!
ويمكن أن يسأل البعض “وهل من حقك أن تفعل هكذا؟! “.
ويكون الحق قد ضاع في دفاعه عن (الحق)، أو عما يظنه أنه حقًا. إذا أردتم أن تتمسكوا بالحق، ابعدوا عن الشائعات. ولا تصدقوا كل خبر يصل إليكم وتذكروا إن الذي ضد الحق، هو ضد الله نفسه. فلماذا؟
* لأن الله الحق. هو الحق المطلق.
قال السيد المسيح له المجد” تعرفون الحق، والحق يحرركم” (يو8: 32). وقال أيضًا “أنا هو الطريق والحق والحياة” (يو14: 6). فالذي يبعد عن الحق، إنما يبعد عن الله. وهنا الخطورة.
والإنسان الحقاني هو إنسان عادل. وإنسان له قيم في الحياة يسير بموجبها. والإنسان الحقاني فيه روح الله، لأنه روح الحق (يو14: 17) (يو15: 26). إذن البعيد عن الحق، بعيد عن روح الله. الذي ينفصل عن الحق، ينفصل عن الله.
كذلك الإنسان الحقاني لا يكيل بكيلين: لمحبيه بكيل، ولغيرهم بكيل آخر. ويكون في ذلك قد انفصل أيضًا عن الحق.
لما انفصل الشيطان عن عشرة الله، قال عنه الرب إنه كذاب وأب لكل كذاب (يو8: 44). وقال عنه “ذاك كان قتالًا للناس منذ البدء ولم يثبت في الحق، وليس فيه الحق” (يو8: 44).
أنظروا أية عقوبة عوقب بها حنانيا وسفيرا لأنهما لم يقولا الحق.
وقال القديس بطرس لحنانيا “أنت لم تكذب على الناس، بل على الله” (أع5: 4).
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الحادية والعشرون – العددان 45، 46 (26-11-1993م)



