ما هو الحق؟ وكيف نعيش فيه؟

ما هو الحق؟ وكيف نعيش فيه؟[1]
ما هو الحق؟
سؤال قاله بيلاطس للسيد المسيح أثناء محاكمته “ما هو الحق؟” (يو18: 38). وخرج ولم يسمع اجابته.. ولا يزال هذا السؤال في أذهان الكثيرين حتى الآن…!
كل إنسان يدّعى أنه يعرف الحق، وأن الحق في جانبه!!
وقد يكون على خطأ. وما أصدق قول الكتاب “توجد طريق تبدو الإنسان مستقيمة، وعاقبتها طرق الموت” (أم14: 12) (أم16: 25)..
يتخاصم اثنان داخل الأسرة أو خارجها. وكل منهما: الزوج والزوجة، أو الزوجة وحماتها، أو الأخوة معًا. وكل طرف يقول إنه على حق!
وفي المحكمة: النيابة والدفاع، كل منهما على طرفي نقيض. وكل منهما يظن أنه يقول الحق!! ولكن ما هو الحق؟
والمذاهب تتطاحن. وكل مذهب يقول إنه يمثل الحق!
ما هو الحق إذًا؟ الكلمة واسعة ولها معان عديدة..
الحق هو الله
الحق هو اسم من اسماء الله..
أليس هو القائل “أنا هو الطريق والحق والحياة” (يو14: 6). وقال أيضًا عن نفسه “وتعرفون الحق، والحق يحرركم” (يو8: 32).
إذًا من يبعد عن الحق، إنما يبعد عن الله.
ومن يقاوم الحق يقاوم الله. ومن يرفض الحق يرفض الله.
ولأن الحق هو الله، لذلك روح الله القدوس سمى “روح الحق” (يو14: 17). وقيل “روح الحق الذي من عند الآب ينبثق” (يو15: 26). وقال عنه الرب أيضًا “ومتى جاء ذلك، روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق” (يو16: 13).
الحق هو الصدق
ولذلك تطلب المحكمة من الشاهد أن يقول الحق، كل الحق، ولا شيء غير الحق.. لأن شاهد الزور، الذي لا يقول الحق كاملًا، إنما يضلل المحكمة..
ومن هنا يكون الحق ضد الباطل.
والذي لا يقول الحق يقع في خطايا عديدة:
فالكذب ضد الحق. والمبالغة ضد الحق.
من أمثلة المبالغة أن يرسل لنا أحدهم برقية يقول فيها “شعب مدينة كذا.. يريد”. بينما يكون هذا هو مجرد رأيه الشخصي أو رأي مجموعة قليلة..
وأحيانًا تكون المبالغة في استعمال كلمة(كل) إيجابًا أو سلبًا.. كأن تقول كل الآباء قالوا كذا.. أو لم يحدث أن أحدًا من كل الآباء قال كذا.. بينما صاحب هذا الرأي لم يقرأ كتابات(كل) الآباء…!! إنها مبالغات بعيدة عن الحق بلا شك..
وكثيرون يخرجون عن الحق بإحدى سياستين: إما التهوين أو التهويل.
فالتهوين هو تبسيط الأخطار بطريقة تخرجها عن واقعها.
والتهويل هو تضخيم الأمور بطريقة أخرى تخرجها أيضًا عن حقيقتها.
أما الإنسان الحق، فهو الذي يكون دقيقًا تمامًا في كل ما يقول. بحيث لا ينحرف عن الحق يمنة ولا يسرة.
أنصاف الحقائق
وضد الحق أيضًا من يذكر أنصاف الحقاق.
وأنصاف الحقائق لا تعطي صورة سليمة عن الحقيقة.
فقد يذكر تصرفًا ما لشخص معين يدينه فيه، بينما يكون هذا التصرف هو مجرد رد فعل لتصرف خاطئ جدًا من جانب آخر. ولكنه بطريقة أنصاف الحقائق يذكر رد الفعل كأنه هو الفعل وحده.
فقد تذكر مثلًا عقوبة صادرة ضد إنسان، كأنها قسوة أو سوء معاملة، دون أن يذكر السبب الذي أدّى إلى هذه العقوبة. وقد يذكر أيضًا تجنب شخص لملاقاة إنسان آخر، بينما يكون السبب هو الضرر الجسيم الذي يصيبه من ملاقاة ذلك الإنسان، دون أن يذكره من يروي الخبر..
ما أكثر الناس الذين يضعون أمامهم النتائج، دون أن يضعوا أيضًا الأسباب.
ويكون تجاهل الأسباب عن عمد أو غير عمد، لا يعطي صورة واضحة عن النتيجة. أما إن كان الأمر عن عمد، فتضاف إلى منافاة الحق خطية أخرى..
وحتى في أمور العقيدة وفي اللاهوتيات، نجد مبدأ آخر ضد الحق هو:
خطورة استخدام الآية الواحدة من الكتاب.
فإذا أردنا أن نعرف الحق الإلهي، أو الحق الكتابي، لا يكفي أبدًا مجرد استخدام آية واحد، ربما ذكرت في مناسبة معينة، وإنما يجب تجميع الآيات الخاصة بالموضوع التي توضحه تمامًا من كل ناحية. والواحدة منها تكمل الأخرى. مثال ذلك أن الشيطان قال للسيد المسيح في التجربة على الجبل “لأنه مكتوب..” فأجابه السيد “مكتوب أيضًا..” (مت4: 6، 7).
إذًا الذي يبحث عن الحق، ينبغي أن يبحث عن الحق كاملًا.
وذلك لكي تتضح الحقيقة. فالكتاب مثلًا يقول “أيها الأبناء أطيعوا آباءكم في الرب، لأن هذا حق” (أف6: 1). ويقول بعدها أيضًا “وأنتم أيها الآباء لا تغيظوا أولادكم..” (أف6: 4) ويقول كذلك “أيها الآباء لا تغيظوا أولادكم لئلا يفشلوا” (كو3: 21).
نصف الحقيقة يقول فيها “أيها النساء اخضعن لرجالكن كما للرب” (أف5: 22). والنصف الآخر يقوله بعدها “أيها الرجال أحبوا نساءكم كما أحب المسيح أيضًا الكنيسة وبذل نفسه لأجلها” (أف5: 25).
وهكذا نجد نصف الحقيقة أنه في العالم يكون لنا ضيق. والنصف الآخر أن الله يكون معنا في الضيق، ويعطينا بركاته.
من أنصاف الحقائق، أننا نتحدث أحيانًا عن الحق، دون أن نذكر ما يقابله من واجب أو واجبات.
قد تقول: من حقي أن آخذ في عملي علاوة أو ترقية.
وأيضًا من واجبك أن تسلك في عملك بكل أمانة واخلاص.
أو قد يقول شخص. كيف لا يغفر الآب؟! من حق الابن أن يغفر له أبوه! نقول هذا صحيح. ولكن من واجب الابن أن يتوب لكي يستحق هذه المغفرة..
وما أكثر الذين يتحدثون عن أن السيد المسيح قد غفر للمرأة الخاطئة، دون أن يذكروا من الجانب الآخر توبة تلك الخاطئة، وكيف بللت قدميه بدموعها(لو7).
لو ان كل خطية قوبلت بمغفرة، بدون توبة، يكون البر قد ضاع، والحق أيضًا قد ضاع.
الدفاع عن الحق
ما أصعب أن نجد إنسانًا يدافع بكل حماس وقوة، عن موضوع يظن إنه الحق.. بينما يكون الحق غير ذلك تمامًا!!
ربما دافع عن جهل بالحقيقة، أو يهاجم أيضًا عن جهل بالحقيقة! وما أعمق المثل القائل: الناس أعداء ما جهلوا..
وقد ينكشف الأمر لهذا الإنسان، فيرى أنه كان على ضلال. ويعتذر ويقول “آسف أنا ما كنت أعلم”…! ولكن بعد أن يكون قد حطّم ما حطم.. وثار وأهدر..
ربما كان ضحية لشائعات، أو لدسيسة، أو لمؤامرة، صورت له الأمور تصويرًا زائفًا ضد الحق، وقد صدّق ما قالوه بدون فحص ولا تحقيق، وثار ثورته، وهو يظن أنه يدافع عن الحق.
لذلك في كل مرة تدافع فيها عن الحق، اسال نفسك أولًا: ما هو الحق؟ وأين الحق؟
لذلك فإن من الفضائل البارزة في المسيحية: معرفة الحق.. وهكذا قيل إن الله “يريد أن جميع الناس يخلصون، وإلى معرفة الحق يقبلون” (1تي 2: 4).
إذا افتخر إنسان بأنه يدافع عن الحق، نسأله
هل تدافع عن حق الله من نفسك، كما تدافع عن حق الله من غيرك؟
فإن كنت محبًا للحق فعلًا، خذ حق الله من نفسك أولًا. وهذا ما قصده السيد الرب بقوله “لماذا تنظر القذى الذي في عين اخيك؟ وأما الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها!! أخرج أولًا الخشبة من عينك. وحينئذ تبصر جيدًا أن تخرج القذى من عين أخيك” (مت7: 3، 5). وقد طبق هذا الأمر مع الكتبة والفريسيين الذين طالبوا بتنفيذ ناموس موسى لرجم المرأة المضبوطة في ذات الفعل. فقال لهم الرب “من كان منكم بلا خطية فليرمها أولًا بحجر” (يو8: 7).
الحق هو العدل
فعبارة أحكموا بالحق، تعنى أحكموا بالعدل.
لذلك فالظلم ضد الحق، لأنه يضيع حق الغير.
وزاره العدل عندنا، كان اسمها قديمًا وزارة الحقانية. وكلية القانون عندنا Faculty of Law اسمها كلية الحقوق. لأنه القانون يهدف إلى إعطاء كل ذي حق حقه.
لذلك نجد آية جميلة في الكتاب تقول:
“مبرئ المذنب، مذنّب البريء، كلاهما مكرهة للرب” (أم 17: 15).
ذلك لأن كليهما ضد الحق، والحق هو الله.
مبرئ المذنب غير صادق ومذنب البريء غير صادق. فإن كان الحق أيضًا هو الصدق، يكون كلاهما ضد الحق، فيصيران مكرهة للرب.
ربما يظن البعض أن مذنب البريء من الواضح أنه ظالم، لذلك فهو مكرهة للرب. ولكن ماذا عن مبرئ المذنب؟
قد يظن مبرئ المذنب، أن هذا لون من الحب والعطف والحنان. ولكن الحنان لا يجوز أن يكون ضد الحق. والحب الحقيقي ليس هو أن تبرئ المذنب، إنما أن تقود المذنب إلى التوبة، لكي تخلص روحه في يوم الرب (1كو5: 5).
يمكن أن تقول إنه مخطئ، تحاول أن تخفف من عمق ذنبه من جهة الدوافع النفسية، والعوامل الاجتماعية. ولكن كل هذا لا يمنع أنه مذنب.. ما أكثر الذين برأوا المذنبين، فقادوهم إلى البقاء في الذنب، وأضاعوا أبديتهم…! وهنا نقول:
الدفاع الباطل ضد الحق، كما أن الاتهام الباطل ضد الحق.
بل قد يكون الدفاع الباطل مثيرًا أحيانًا للذين يحبون الحق، أو للذين يقيمون العدل. وقد يحمل الدفاع الباطل عن مذنب إدانة لغيره من الأبرياء، أو إدانة لمن عاقبه من المسئولين.
المحاباة أيضًا ضد الحق، كما أن الظلم أيضًا ضد الحق.
فإذًا كان هناك مدير لعمل، وحابي أقرباءه أو أصدقاءه، وأعطاهم ما لا يستحقون، يكون ضد الحق. كما أنه من الجانب الآخر، لو أنه ظلم أقرباءه أو أصدقاءه، ولم يعينهم في وظائف، أو لم يعطهم ما يستحقونه من حقوق، يكون أيضًا ضد الحق..
مثال ذلك: قبطي يوضع في منصب كبير، فلا يعين أحدًا من الأقباط، أو لا يرقي أحدًا، حتى لا يقال عنه إنه يحابيهم. وبهذا يظلمهم، ويكون ضد الحق.. وتكون ذاته وسمعته هي المسيطرة عليه، أو عامل الخوف هو المسيطر عليه، وليس الحق…!!
أما الإنسان الحقاني فهو الذي يعطي كل ذي حق حقه، ولا يهمه قريبًا كان أو غريبًا، صديقًا كان أو عدوًا، المهم هو الحق…
معان أخرى
كلمة الحق قد تعنى أحيانًا البر، الذي يوافق وصية الله، والسلوك بالروح.. وهكذا يقول القديس يوحنا الرسول “ليس لي فرح أعظم من هذا، أن اسمع عن أولادي، أنهم يسلكون بالحق” (3يو4). وعبارة “يعطي كل ذي حق حقه” أي يعطيه نصيبه الذي يستحقه.
قوة الحق
كلمة الحق لها قوتها، حتى إن صدرت من طفل!
لأن كلمة الحق، قد تكون كلمة الله على فمه. وكلمة الله قوية، ولا ترجع فارغة (أش55: 11).
قد يقول البعض إن الظلم هو السائد على الأرض، كما شكا من ذلك ارمياء النبي وقال: “لماذا تنجح طريق الأشرار. اطمأن كل الغادرين غدرًا؟!” (أر2: 1). ولكنه نجاح مزيف، وإلى حين، ولابد أن الحق سينجح أخيرًا.
وفي ذلك قال القديس أوغسطينوس إن هؤلاء الأشرار كالدخان الذي يرتفع إلى فوق، بينما النار باقية أسفل.. ولكن الدخان فيما يرتفع وينتشر، يتبدد. وتبقي النار في قوتها.
والذي يهتم بالحق وقوته، عليه أن ينتظر.
لقد بدا أن الباطل انتصر على يوسف الصديق، وضاع الحق.. ولكن بعد حين انتصر يوسف.. الباطل ألقي دانيال في جب الأسود، وبدا أنه انتصر. ولكن إلى حين، ثم انقلب الموقف إلى الضد تمامًا (دا6). ونفس الوضع بالنسبة إلى مردخاي وهامان. لقد بدا أن الباطل قد انتصر. وأعد هامان صليبًا ليصلب عليه مردخاي. وتغير الموقف وصلب عليه هامان (إس7: 1).
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة العشرون – (العدادان 33، 34) 28-8-1992م





