متى نشأ الضمير؟

متى نشأ الضمير؟[1]
قرأت رأياً لماكنتوش يقول إنه لم يكن للإنسان ضمير قبل السقوط، إذ لم يكن له علم بالشر، لأن الشر إنما عرف بعد السقوط. وأدم لما خلقه الله كان في حالة من الطهارة لا يعرف فيها الشر. إذن الضمير وّجد بالسقوط ومنذ السقوط، وصار للإنسان ضمير يميز بين الخير والشر. وكانت باكورة أثمار الضمير أن آدم أختبأ وراء الأشجار من الخوف.
فهل صحيح أن الإنسان كان بغير ضمير قبل السقوط؟
الجواب
أولاً: ماكنتوش هو من زعماء الأخوة البلاميس.
ولذا، فإن كلامه ينبغي أن يؤخذ بحذر. وكون أن الإنسان لم يعرف الشر إلا بعد السقوط، هذا لا اعتراض لنا عليه. ولكن الضمير له فوائد كثيرة لا تقتصر على معرفة الشر. وسنناقش معاً ما ذكره ماكنتوش.
1– الشر ليس له وجود ذاتي، بقدر ما هو انعدام الخير المقابل له:
فالكذب هو عدم الصدق. والزنا هو انعدام العفة. والقسوة انعدام الرحمة والشفقة. والكراهية هي عدم الحب. فالشر كله سلبيات. والإنسان الأول لم يكن دراية بهذه السلبيات.
2- لكن الإنسان كان على الأقل يعرف أن كلام الحية عكس كلام الله.
فالله يمنع الأكل من الشجرة قائلاً ” وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها.. ” (تك 2: 17). بينما الحية تغرى بالأكل من الشجرة. الله يقول ” يوم تأكل منها موتاً تموت ” (تك 2: 17). والحية تقول ” لن تموتا ” (تك 3: 4).
إذن واضح أن هناك تناقضاً بين كلام الحية وكلام الله. وأن ما تدعو إليه الحية هو ضد كلام الله ومخالفة له.
أياً كان اسم هذه المخالفة مما لم يكن يعرفه آدم وحواء، ولكنه على أية الحالات مخالفة. صحيح أن آدم وحواء ما كانا يعرفان كل تفاصيل الشر الذي في الدنيا، ولكنهما على الأقل كانا يعرفان أن الله نهى عن الأكل من الشجرة، بل إن حواء رددت الوصية بتفصيل أكثر فقالت ” قال الله لا تأكلا منه (ولا تمساه) لئلاً تموتا. إذن كانت تعرف أن الأكل من تلك الشجرة عصيان لله.
3- وهنا أحب أن أبدى ملاحظتين:
أ- لو كان الإنسان لا يميز إطلاقاً بين أمر الله وغواية الحية. ما كان قد عاقبه الله.
فعقوبة الله لآدم وحواء تدل على أنهما كانا يعرفان. وواضح هذا في قول الرب لآدم “لأنك أكلت من الشجرة التي أوصيتك قائلاً لا تأكل منها … ” (تك 3: 17). إذن هو يعاقبه هنا لأنه عصى أمره. إذن آدم كان يعرف أنه لم يطع الله وأنه تعرض كعقوبته.
ب- لو كان الإنسان الأول لا يميز إطلاقاً، لقلنا إنه لم يكن له عقل.
وهذا غير مقبول إطلاقاً، لأنه كان على صورة الله ومنها العقل. والعقل أحد عناصر الضمير الذي به يميز. ولو كان بدون عقل، ما كان أيضاً قد عوقب. وفاقد التمييز لا يعاقب. وواضح عقل آدم وتمييزه من قوله بعد خلق حواء ” هذه الآن عظم من عظامي، ولحم من لحمى. هذه تدعى امرأة، لأنها من إمرءٍ أخذت ” (تك 2: 23).
بالعقل إذن كان الإنسان يميز أن الأكل من الشجرة هو عدم طاعة الله.
ومادام له عقل، إذن له فهم، إذن له تمييز.
وهو في كلامه مع الله، لم يقل: ما كنت أعرف، لأنه كان يعرف.
وعندما اختبأ، لم يكن ذلك لأن ضميره قد وُلد وقت ذلك، فأدرك أنه قد أخطأ!! كلا، وإنما قال “لأني عريان فاختبأت ” (تك 3: 10) وكيف عرف أنه عريان؟!
بأكله من الشجرة، هبط من المستوى الروحي إلى المستوى المادي والجسدي، فعرف أنه عريان.
وبأكله من الشجرة وعصيانه لله فقد الصورة الإلهية التي خلق على شبهها، فعرف أنه عريان. أو فلنقل إن الطبيعة البشرية، إذ دخلتها الخطية، بدأت تفسد، وهكذا فقد بساطته الأولى، فعرف أنه عريان.
إذن فمعرفته أنه عريان، ليست دليلاً على مولد الضمير، إنما هي دليل على بدء فساد الطبيعة البشرية.
والدليل على هذا الفساد، أنه من الناحية النفسية، بدأ يخاف، ومن الناحية الجسدية بدأ يعرف أنه عريان. كذلك فإنه من الناحية الروحية، بدأ يهرب من الله …
أما عن الضمير الذي يميز، فمن قبل الخطيئة كان يستطيع أن يميز أن الأكل من الشجرة هو ضد وصية الله. ولابد أنه كان يعرف أن سماعه لصوت امرأته في ذلك هو أيضاً ضد الوصية الإلهية، لذلك بدأ الله عقوبته له بعبارة ” لأنك سمعت لقول امرأتك وأكلت … ” (تك 3: 17).
كان إذن له ضمير يميز. ولكن دائرة ذلك الضمير كانت ضيقة، لقلة المعرفة.
الإنسان حالياً يعرف شروراً لا تحصى. أما آدم فما كان يعرف شيئاً منها. وأيضاً الآن يعرف الإنسان شروراً عن طريق العمل والممارسة والخبرة، وآدم لم تكن له هذه المعرفة إطلاقاً، لأنه كان نقياً وبسيطاً. كل ما كان يعرفه هو وصية الله بعدم الأكل من الشجرة.
الضمير البشرى حالياً اتسعت دائرته جداً، بازدياد معرفته.
وأصبح يمارس خصائص في التمييز على نطاق كبير. وكذلك خصائص في التوبيخ والعقاب. ولا شك أن تأنيب الضمير لم يكن موجوداً عند آدم قبل السقوط، لأنه لم تكن له خطيئة يبكته عليها ضميره. كذلك الضمير يحث على الخير. والإنسان الأول كان يفعل الخير تلقائياً بسبب قداسته. فلما سقط بدأ الضمير يمارس مهمته في الحث على الخير.
كان للإنسان ضمير، وخواص كامنة فيه، استخدمت حينما دعت الحاجة إليها.
ومثال ذلك الطفل، يولد بطبيعة بشرية كاملة. ولكنها تنمو في المعرفة، وتتسع فيها بالوقت دائرة العقل والضمير. ولها خواص لا يستخدمها الطفل إلا حينما يكبر، أو تدعو الحاجة إليها ….
إن وجود الضمير شيء، واستخدامه على نطاق واسع شيء آخر.
وكلما تزداد أنواع الخطية في العالم، تتسع تبعاً لذلك الدائرة التي يعمل فيها الضمير، وكذلك كلما تزداد المعرفة بألوان جديدة من الخير. واستخدام الضمير عند البالغ، أوسع من استخدامه عند الطفل. ولكن الضمير هو الضمير. أما كونه يقوى في عمله أو يضعف، يضيق عمله أو يتسع، فهذا شيء آخر. ومهما ضاق عمله، فهذا لا يمنع وجوده. وكذلك كثير من طاقات الإنسان.
وفى ذلك كله، لا نستطيع إن نقول إن الإنسان قد خُلق بغير ضمير.
التعبير نفسه ثقيل على السمع
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الحادية والعشرون – العددان 45، 46 (26-11-1993م)




