مذكرات كاهن الجزء السادس
| الكتاب | مذكرات كاهن الجزء السادس |
| المؤلف | القمص بطرس جيد روفائيل |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الأولي، 2021م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 16314 / 2021 |
| الترقيم الدولي | 978-977-85702-8-1 |
هذا الكتاب
مقدمة الجزء السادس
نقدّم لك عزيزي القارئ الجزء السادس من سلسلة كتب مذكرات كاهن للمتنيح
وفي هذا الجزء تقرأ مجموعة مذكرات تتنوع موضوعاتها بين الدروس والتأملات الروحية، وأيضًا يحدثنا عن موضوعات نفسية كالغضب أسبابه وعلاجه.. كما أنه يعلّمنا دروسًا مستفادة من كل موقف وتجربة يذكرها، ويمزج أقواله بآيات من الكتاب المقدس.. فمثلاً من بين أقواله:
أنت تفكر.. والرَّب يدبر.. وما عليك إلا أن تسلم للرب طريقك.. اتكل عليه وهو الذي يُجري (مز37).
إن كل لحظة تمر.. يمكن أن تعمل فيها خيرًا. إن الله تبارك اسمه وتمجد، يدبر لنا الفرص.. التي فيها نعمل، فلا يلزم أن ندع الفرصة تفلت من أيدينا. وأقوال وحكم ودروس أخرى تتعلمها وتتعزى بها من خلال قراءتك لهذا الجزء والأجزاء السابقة.
نتمى لك عزيزي القارئ أوقاتًا طيبة، بشفاعة السيدة العذراء والمتنيح أبونا بطرس. وصلوات قداسة البابا تواضروس الثاني.
القمص بطرس بطرس جيد
كاهن كنيسة السيدة العذراء بالزيتون
القمص بطرس جيد في سطور
القمص بطرس جيد في سطور
† من مواليد أسيوط 13 أغسطس 1918م. تأثَّر في بداية حياته بالاستماع لعظات
† كان عظيمًا في حبه للرَّبِّ، وكان قويًا في إيمانه، وكانت خدمته التي امتدت لحوالي 60 عامًا حافلة بالإنجازات في شتَّى المجالات.
† نَذر الذهاب ماشيًا من بنها إلى الكلية الإكليريكية بمهمشة بالقاهرة للبدء في دراسته بها، ولكن لاقته السيدة العذراء في الطريق في صورة سيدة جميلة تستقل سيارة، وأفهمته أنها ستتحمَّل نذره عنه وأوصلته إلى الكلية واختفت عن ناظره بعدها.
† كان من أوائل دفعة الكلية الإكليريكية 1940م. كما حصل على ليسانس آداب قسم فلسفة، وماچستير تربية علم نفس.
† بدأ خدمته بخدمة القرية؛ بقُرى الصعيد بعد عام 1940م، واهتم بإنشاء مدارس أولية قبطية تُعلِّم القراءة، والكتابة، والألحان، واللغة القبطية كتعليم إلزامي في ذلك الوقت.
كما اهتم بحالة المدرسين والطلبة الفقراء في تلك المدارس، ورعاهم روحيًا وماديًا، وكتب مذكراته عن الخدمة والرعاية الروحية والاجتماعية والتعليمية في كتاب نشره في الخمسينات باسم "مذكرات مفتش".
† اهتم بالفن القبطي وتدريب أول مجموعة من الأطفال، طاف بهم المرحوم حبيب بك جورجي ربوع أوروبا ناشرًا فنّهم القبطي كأبناء للفراعنة.
† عمل بالتدريس لفترة وكان يهتم بنفسية الطُلاب، فكان ينشئ عيادات نفسية لهم يستمع إلى مشاكلهم، فانتظم الطلاب بالدراسة وقلَّت المشاجرات بينهم واختفت الكلمات البذيئة التي كانت تُكتب على الجدران سرًا. كما كان يهتم بالعمل الفردي للطلبة ليبعد بهم عن الإلحاد أو الغواية، إلى معرفة الله.
† سيِمَ كاهنًا في 12يوليو1972م، على مذبح السيدة العذراء بالزيتون حسب طلب القمص قسطنطين موسى الذي كان يعرفه منذ أن كان طالبًا بالكلية الإكليريكية، وذلك في وقت خدمة القمص قسطنطين موسى كمسئول عن طلبة الكلية الإكليريكية.
† اهتم بالتعليم وتسليم الإيمان واُعتبِر من وعّاظ الكنيسة القديرين، في وقت ندرَ فيه الوعاظ الدارسين، وكانت عظاته تشدُّ الكثيرين من كل الفئات والمستويات، وتدخل إلى القلوب وتنخس الضمائر وتدعو إلى التوبة، كما كانت تتسم بالسلاسة والسهولة مع العمق الروحي.
كان يفسِّر أصعب الآيات بأسهل العبارات. وكانت له اجتماعات أسبوعية منتظمة بالكنيسة. دُعيَّ لكثير من الإيبارشيات لإلقاء عظاته إلى جانب الاشتراك في النهضات الروحية، وكان أحيانًا يُلقي عظتيْن في كنيستيْن متنوعتيْن في نفس اليوم لامتلاء جدول مواعيده بالعظات.
† رُقِّيَ للقمصية في 14 نوفمبر1975م، للاشتراك في المجلس الإكليريكي للكهنة وللأحوال الشخصية.
† هو أول من أنشأ لجنة البر لرعاية الفقراء الذين أحبهم جدًا، ورعاهم على مبدأ التنمية الموازي للخدمة الاجتماعية، وساعد الفقراء في عمل مشاريع تنموية لرفع مستوى معيشتهم.
كما أسَّس بالكنيسة فكرة المشروعات التي تعمل تحت مظلة الكنيسة، وتضُمّ عدد من أبناء الكنيسة كفرصة للعمل وكمصدر للتدريب على مهن مفيدة مثل مشغل التفصيل، التريكو، أنوال لعمل السجاد اليدوي، مصنع الشمع، والعديد من المشروعات.
† اهتم بالتربية الكنسية وكان يُعلِّم بنفسه في فصول إعداد الخدمة، واهتم بتدريس الطلبة بنفسه لرفع مستواهم التعليمي.
† كُلِّف من قِبل قداسة البابا شنوده الثالث بتسليم طقس الكنيسة القبطية للأساقفة الفرنسيين –الأنبا مرقس (نيح الله نفسه) - والأنبا أثناسيوس – واستمر في متابعتهم لسنوات طويلة وساعده في ذلك الوقت المتنيح القس أنجيلوس ميخائيل كمدرس للغة الفرنسية.
† دَرَّس بالكلية الإكليريكية كأستاذ لعلم الوعظ والدين المقارن والكتاب المقدس واللغة العربية، واشترك بالتدريس في معهد الكتاب المقدس ومعهد الدراسات القبطية. وكان يستخدم في تدريسه أسلوبًا تربويًا شيقًا ويهتم بالتدريب العملي تحت إشرافه.
† قام بكتابة مؤَلَفًا بعنوان "مذكرات كاهن" نُشِرَ بمجلةِ الكرازة؛ وضع فيه خبراته الرعوية لكي تكون فائدة للأجيال من الخدام.
† انتُخب عضوًا في المجلس الملي العام للأقباط الأرثوذكس لعدة دورات. كما مَثَّل الكنيسة القبطية في أحد المؤتمرات المسيحية بقبرص.
† اهتم بخدمة تكريس الشباب والشابات بكنيسة السيدة العذراء بالزيتون، ورسموا كهنة أو مكرسات للخدمة.
† كان أبًا حنونًا لأبناء الجمعيات الخيرية من الأيتام وكان يهتم بالاحتفال بذكرى رسامته كل عام بين هؤلاء الأطفال، ويدعو الشعب إلى تدعيم الأنشطة التي بها هذه الجمعيات. وكانت أعظم أوقاته هي التي يقضيها مع الفقراء. قام برعاية الجمعيات الخيرية بالزيتون وكان يدبِّر أمر اجتماع شهري لهم لحل مشاكلهم.
† اهتم بالتعمير في الكنيسة وكان أبرزها كاتدرائية السيدة العذراء بالزيتون، التي تُعتبر إحدى المزارات الدينية العالمية. وأيضًا إنشاء دُور للمسنين والمسنات، والمغتربين والمغتربات، لخدمة الشعب، ومستشفى العذراء الخيري لعلاج المرضى بأسعار رمزية ومجانًا للفقراء وغير القادرين، كما بنى العديد من مباني الخدمة بالكنيسة.
ووضع مع بعض من الاستشاريين تخطيط لكافة مباني الخدمة الموجودة حاليًا بالكنيسة التي تم بناؤها بعد نياحته بالرسومات التي وضعها قبلها بعدة سنوات.
† كانت له علاقات طيبة برجال الدين من كافة الطوائف، وأيضًا من رجال الدين الإسلامي، ورجال السياسة، والمجتمع المدني.
† تميَّز بالحكمة التي ساعدته في حلِ الكثيرِ من المشاكل الأُسرية والاجتماعية، كما تميَّز باللطف الشديد والمحبة الفائقة لكل من يقابله، وأحبّه الجميع حتى الذي كان يلقاه لأول مرة. ونظرًا لما كان يتمتع به من أبوة حانية، كان أب اعتراف لعدد كبير من أبناء الشعب، ولبعض الآباء الكهنة.
† كان دائم الافتقاد للشعب، عطوفًا على الذين سقطوا ممسكًا بأيديهم حتى يقوموا من سقطتهم.
† اهتمَّ بالافتقاد داخل منطقة الكنيسة وفي أي حي من أحياء القاهرة، كان يلبّي الدعوة لزيارة أبنائه حتى في فترة مرضه في أيامه الأخيرة.
† اهتمَّ بخدمة الأُسر المستورة التي كان يرعاها بنفسه والتي أخرجت العديد من الأطباء والمهندسين، والمهنيين الممتازين في مهنتهم.
† وكان مثالاً في فهمه لرسالة الكهنوت فكان يرفض أخذ أي مقابل لأية خدمة روحية.
† كان مثالاً في وداعته وتواضعه وزهده في الحياة. وكان القريب منه لا يلاحظ أي مظهر من مظاهر تعظُّم المعيشة، ولم يُعرَف عنه أبدًا أنه حاول استغلال قرابته لقداسة البابا شنوده الثالث لتحقيق أي مكاسب خاصة، حتى في مجال الخدمة.
† رقدَ في الرَّبِّ في 20 يوليو 1996م، حضر مراسم الصلاة البابا شنوده الثالث مع العديد من الأساقفة والكهنة، وكبار الشخصيات الرسمية المسيحية والإسلامية، والآلاف من أفراد الشعب المسيحي الذين بكوه تأثُّرًا عند دفن جثمانه بمزار أسفل كاتدرائية السيدة العذراء بالزيتون.
بركة صلاته فلتكن معنا آمين.
عجب عجاب.. يأخذ الألباب
عجب عجاب.. يأخذ الألباب[1]
أعجب موقف هو موقف داود النبي.. مَرضَ ابنه، فلبس المسوح والرماد وانسحق أمام الرب، ولكن ابنه مات، فنهض وغير ثيابه، وطلب طعامًا ليأكل.. تسليمًا بقضاء الله الذي لا مرد له، ولما تحير الذين حوله قال لهم هذه الكلمات: "أَنَا ذَاهِبٌ إِلَيْهِ وَأَمَّا هُوَ فَلاَ يَرْجعُ إِلَيَّ" (2صم 12: 23).
وأعجب حُكم هو حُكم سليمان الحكيم؛ تنازعت امرأتان جارتان على طفل وليد، كانتا قد ولدتا ولدين في يوم واحد، وفقدت إحداهما ابنها، فطمعت في ابن الأخرى فأمر سليمان بإحضار السياف وقال: أشطر هذا الطفل نصفين وأعط كلا منهما شطرًا، أما أمّ الطفل فرضيت أن تترك الطفل كله للأخرى.. أما الثانية فطلبت القسمة! قال سليمان: أعطوه للأولى.. لأنها أمه!! (1مل3).
وأعجب لغز هو لغز شمشون الجبار للفتية، وكان في طريقه قد قتل أسدًا، وفي عودته اشتار من جوفه عسلًا أكل منه. وهذا هو اللغز "مِنَ الآكِلِ خَرَجَ أُكْلٌ، وَمِنَ الْجَافِي خَرَجَتْ حَلاَوَةٌ" (قض14: 14)!
وأعجب رد هو رد المرأة الكنعانية، واشتهر الكنعانيون في تاريخهم بعبادة الأوثان، قال لها الرب: "لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاَب" قالت المرأة: "نَعَمْ، يَا سَيِّدُ! وَالْكِلاَبُ أَيْضًا تَأْكُلُ مِنَ الْفُتَاتِ الَّذِي يَسْقُطُ مِنْ مَائِدَةِ أَرْبَابِهَا" (مت 15: 26، 27)، فشُفيت ابنتها في التو واللحظة.
أما أعجب إيمان هو إيمان قائد المائة، يقول للرب: "لكِنْ قُلْ كَلِمَةً فَيَبْرَأَ غُلاَمِي!" (مت8: 8).
أما أعجب نصيحة قالها أحد الآباء الرهبان لواحد من مريديه طلب منه كلمة منفعة وكان مشغولًا بالعبادة: "يا بني إذا لم تستفد من صمتي لن تستفد من كلامي"!
أغرب طالب
التقيت به بإكليريكية شبين الكوم، وكلما هممت بمغادرة شبين في طريقي إلى القاهرة، استأذن في مرافقتي إلى أحد مدن وجه بحري، وأعجب ما في الأمر أن هذا الطالب لم يتغيب محاضرة واحدة، وهو في بعض الأيام يرجع في ساعة متأخرة من الليل، بعد أن يستمع إلى محاضرات الكلية الإكليريكية، ليقوم في الصباح الباكر، ليؤدي عمله في إحدى الوزارات.
سألته: كيف تدرس المحاضرات؟! قال: اكتب مسودة أثناء إلقاء المحاضرات وتقوم زوجتي، بعد عودتها من عملها، والقيام بشئون المنزل، بإعادة كتابتها مرتبة ومنسقة.. قلت: وهل ينتهي عملها بإعادة كتابة المذكرات؟! قال: لا، بل هي تدرسها معي، نحن ندرس المحاضرات معًا، فزوجتي خادمة في التربية الكنسية، وتجد شغفًا كبيرًا في مواصلة الدراسة الدينية، والاستزادة بالمعلومات وتستخدم البعض منها في إعداد الدروس!
قلت: وما هي أمنية زوجتك؟! قال: تتمنى زوجتي أن تؤدي امتحان آخر العام معي.. ويصمت قليلًا ويقول ولها أمنية أخرى، أن تراني خادمًا متفرغًا، مضحيًا كل جهدي لأجل بنيان الكنيسة وبذل الذات في سبيل الآخرين.
وأسعد كثيرًا بلقاء هذا الطالب النجيب، وأشغل الوقت أثناء الطريق معه بإجابة بعض الأسئلة حول الخدمة والمقرارات، ثم نفترق لنعود ونلتقي وإنني أعجب بشبان يتحملون المشاق في سبيل الدراسة والمعرفة، وفي قلبهم فرحة وعلى وجههم ابتسامة! وتقديرًا للزوجة الخادمة الوفية التي هي عون لزوجها.
أغرب نذر؟!
نَذر في الثلاثينيات أن يدخل الإكليريكية، فأغلق الكتب، وترك أوراق الامتحانات (البكالوريا) بيضاء سنتين متتاليتين، رغم أنه كان متقدمًا طيلة التعليم الثانوي، ثم نذر أن يذهب من بنها إلى القاهرة ماشيًا! ولكي ينفذ خطته أنفق كل ما معه من نقود، وقام في الصباح الباكر يحمل حقيبة ثقيلة مزدحمة بالكتب الدينية.. وتمر ساعاتان وثلاثة وهو يتصبب عرقًا، ويقف متمهلاً يسترد أنفاسه، كلما سار بضع خطوات، ثم يفاجأ بعربة فاخرة لتقف وبداخلها سيدة تُعتَبر مثال لطيبة الأمومة، وكانت الشمس قد أخذت تميل للمغيب! وتبتدره السيدة بقولها: إلى أين أنت ذاهب يا ابني؟! يقول: أقصد القاهرة.. الإكليريكية. تقول: أتدري كم كيلو قطعت طول يومك 4,5 كيلو، وبقى أكثر من 40 كيلو متر! اركب معي يا ابني لأوصلك! لا يا سيدتي: لقد نذرت.. أن أذهب ماشيًا.. نذرك عليَّ يا ابني! ويركب صاحبنا العربة الفاخرة.. ويصل في لحظات.. وا عجبًا كيف مر الوقت سريعًا خاطفًا.. وتودعه السيدة في عطف وحنان.. بابتسامة مشرقة.. يا إلهي مَن تكون هذه السيدة غير العذراء، الأم الحنون إن لم تكن بشخصها، فلتكن بحبها وحنانها.. وكم يمر بنا جائع، وعطشان، وغريب.. فنقدم له، فيكون هذا الفقير هو السيد المسيح!! وإذا لم يكن بشخصه فهو بأحد إخوته.. ويذكرنا الرب بهذا في اليوم الأخير بقوله: كنت جائعًا فأطعمتموني، عطشانًا فسقيتموني، غريبًا فأتيتم إليَّ.. حقًا ما أعجب هذا!!
أغرب تصرف لحكيم
فكر أمير أن يمر ذات ليلة متفقدًا شعبه، فاصطدم صدمة قوية برجل فليسوف حكيم، فاستشاط الأمير غضبًا، وقال للفيلسوف: كيف تسير ليلاً دون أن تحمل مصباحًا؟ أجاب الفليسوف: إنك يا سيدي لم تأمر بذلك! عاد الأمير وأصدر أمرًا إلى رعيته يوجب على كل مَن يسهر ليلاً أن يحمل مصباحًا في يده.
وعندما فكر الأمير أن يفتقد رعيته في اليوم التالي اصطدم به نفس الفيلسوف صدمة قوية، أقوى من الصدمة الأولى. فاشتعلت عينا الأمير غضبًا وحنقًا وقال: أنت أيضًا لماذا لم تنفذ أوامري، وتحمل مصباحًا في يدك؟! فرفع الفيلسوف يده بالمصباح وقال: ها هو يا سيدي!!
عاد الأمير يسأل، لماذا لم تضع فيه شمعة؟ قال الفليسوف بهدوء: لأنك لم تأمر بهذا يا سيدي! عاد الأمير وأصدر أمرًا بأن كل مَن يسير ليلاً، يحمل مصباحًا بداخله شمعة!
عاد الأمير في ثالث يوم يتفقد رعيته، واصطدم بالفيلسوف نفسه، صدمة أقوى من الصدمتين السابقتين، زلزلت كيانه، فمد الأمير يده وأمسك به، وقال وهو ينتفض غضبًا: أتجرؤ أن تعصى أوامري؟! لقد نفذت أوامرك يا مولاي؟ لماذا لا تحمل مصباحًا به شمعة، فرفع يده بالمصباح وبداخله شمعة.. قال الأمير في ذهول: ولكنك لم توقد الشمعة؟! قال الفيلسوف: أنت لم تأمر بذلك يا مولاي! وهنا أفاق الأمير.. وهدأت نفسه.. ونظر إلى الفيلسوف بإمعان.. وفهم الدرس الذي أراد الفيلسوف أن يلقنه له؛ إذا أصدر أمرًا، فليكن متكاملًا وإذا أقدم على مشروع، فليكن به عالمًا وله دارسًا، ولا يترك ثغرة.. ولا يهمل فجوة، فإن معَظم النار، من مستصغر الشرر.
الإقرار بالذنب
أراد حاكم عادل أن يزور المسجونين، ومعه بعض أتباعه، ليدرس حالهم ويقف على أسباب الجريمة، فمر بالمسجونين يسألهم عن السبب الذي قادهم للسجن.. فإذا كل منهم يبتدر الحاكم الأمير بقوله: مظلوم يا مولاي! لقد ألقيت في هذا السجن ظلمًا وعدوانًا.. تهمة اُلصقت بي إلصاقًا.. ويطلب كل منهم العفو الشامل، حتى كاد الأمير أن يعود أدراجه، وهو يسمع نفس الكلام.. وإذا بالأمير يلتقي بأحد المسجونين وهو يتوارى خجلاً، وقد أطرق إلى الأرض. فسأله: وأنت أيضًا مظلوم؟! قال السجين: لا يا مولاي إني مجرم مع إنني من عائلة طيبة، فقد صادقت أهل السوء الذين زينوا لي الشر، فلوثت شرف العائلة، وجلبت على أهلي العار، وصار اسمي مضغة في الأفواه.. إنني لا أستحق الحياة يا سيدي.. إنني أستحق الموت جزاء وفاقًا لما ارتكبت من آثام.. وهنا التفت الأمير إلى رئيس السجن وقال: كيف تسمح ببقاء هذا السجين المجرم في وسط هؤلاء الأبرياء المظلومين.. ثم أمر بإطلاق صراحه، والتفت إلى أتباعه، وقال: إن الاعتراف بالذنب، والندم عليه، دليل على الرجوع منه.
أعجب قصر!
أما أعجب قصر في الوجود، فهو القصر الذي بناه توما الرسول لأحد ملوك الهند وكان قد باع نفسه عبدًا وبشر في بلاد الهند، وحدث أن أحكمت الصلات بينه وبين ملك الهند، ولما عرض عليه أن يبني له قصرًا.. أخذ الأموال ووزعها على الفقراء.. ولما طالبه الملك أن يريه القصر أخذه إلى الخلاء وأشار إلى السماء، وقال له: قصرك هناك، وفهم الملك أن قصره في الهواء فاستشاط غضبًا وعذبه وسلخ جلده.. وتوما على حق فالكتاب يقول: "بَلِ اكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاءِ" (مت 6: 20). ونشر توما الرسول المسيحية في أجزاء من الهند.
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 13 أكتوبر1978م
لجنة البر تقدم أفكارًا ومشروعات جديدة
لجنة البر تقدم أفكارًا ومشروعات جديدة[1]
عندما تمتد يد الله لتبارك عملاً من أعمال الخير، ينمو هذا العمل ويمتد، وخير مَثل لذلك.. البذرة؛ تصير شجرة كبيرة تتآوى طيور السماء تحت أغصانها.
وامتدت يد الله، لتبارك (لجنة البر) بالزيتون "لأن مئات وآلاف.. من المعوزين والأرامل، والأيتام ينعمون بفيئها ويستظلون بظلالها".
ونحن الآن بصدد أفكار ومشروعات جديدة تقوم بها لجنة البر بالزيتون منها:
تكوين لجنة سيدات من 24 سيدة: من فضليات السيدات الخادمات، يجتمعن صباح الأربعاء في شبه دائرة ويدور إعداد السيدات حول أهداف منها:
1- الاستماع إلى كلمة روحية، لصقل النفس والروح في بدء كل اجتماع.
2- توجيه نشاط السيدات نحو خدمة الكنيسة: كالإشراف على الملاجئ ولدينا منها ثلاثة؛ دور الحضانة، ونظافة الكنيسة، الخدمة بالهيكل الجانبي، الإشراف على المشروعات ولدينا منها مشروع مشغل العذراء والسجاد والخزف.
3- تُعرض أمام السيدات من 12 - 15 حالة من حالات الفقراء وتتدارس السيدات كل حالة مع الأب الكاهن رئيس لجنة البر ويبدين من الآراء ما قد يصيب وما قد يخطئ وفي هذا تدريب لهن على الحكم الصحيح وتلامس واقعي مع حالات البؤس والشقاء وذوي الحاجة.
4- انتدبت لجنة البر 4 سيدات للإشراف على أوجه النشاط بإحدى كنائس مصر الجديدة والإعداد لتكوين لجنة بر هناك.
ولجنة البر قد عاد إليها المخاض الآن وسوف تلد ابنة جميلة في مصر الجديدة إن شاء الله.
5- اشتراك 6 رجال مختلفي الثقافة للمعاونة في حل المشاكل واقتراح الحلول، ومعالجة حالات الصلح وإغاثة الفقراء ولدينا الآن: لواء – طبيب – محاسب – أرخن – رجل أعمال.
تعيين سكرتيرة للاستقبال وتصنيف المشاكل وتوزيع الحالات وتحديد المواعيد والزيارات.
ومن الأفكار الجديدة أن يتبرع شخص بمبلغ معين يخصصه لإقامة مشروع لأسرة منكوبة ويتابع المتبرع المشروع بعد أن يلم بتفاصيله من طرف خفي...
والآن هلم نستمع لحديث لجنة البر الطلي ونتابع سردها الشهي..
واحترق الدكان
أصيب الرجل بنكبة حاقت به فاحترق متجره وأتت النار على كل شيء، فأكلت اللحم وأذابت الشحم هاضت وسحقت العظم.
وكان جل ما يصبو إليه الرجل (ماكينة) يبدأ بها حياته من جديد، وبخاصة لأن في البيت أطفالًا وأفواهًا تطلب القوت والرجل حائر بين ضياع رزقه وضياع أولاده.
أسرع أحد الآباء الكهنة بشبرا حيث يقيم الرجل وجمع له 70 سبعين جنيهًا قدمها له كجزء من ثمن الماكينة ثم عاد الكاهن الورع وقدمه بخطاب إلى لجنة البر بالزيتون لتغطي باقي ثمن الماكينة وعندما طالبته لجنة البر بتقديم السبعين جنيهًا لتكملتها كان الرجل قد أنفق أكثرها تحت ظرف الحاجة.. والبطالة.
ونصيحتي في مثل هذه الحالات ألا نقدم مالًا في يد صاحب المشروع بل تقوم الكنيسة بعمل مشروع مرة واحدة وفي أسرع وقت، وتسليمه لصاحبه، خشية أن نسلمه باقي ثمن الماكينة فيفقده ويعود إلى كنيسة شبرا يطلبه من جديد.
وهنا تحضرني قصة رجل مر برجل رقيق الحال يسكن في طريق جبلي وطلب الطعام! وأسرع الرجل يعد الطعام للضيف الذي طرق بابه وكان يملك خبزًا وعدسًا فوضع العدس أمام الضيف وذهب لإحضار الخبز فوجد الضيف قد شرب العدس ووضع أمامه الخبز وذهب ليعد كمية أخرى من العدس فوجده قد التهم الخبز.. ولما سأله عن جلية أمره: قال الضيف إنه يقصد طبيبًا يعالجه لفتح الشهية.. فقال له الرجل: أرجو بعد شفائك.. أن تأخذ طريقًا آخر عند عودتك..!
وتسألني إحدى سيدات لجنة البر عن التوافق العجيب والمذهل وتدبير الله المحكم حيث يعد الله ويرسل ذات المبلغ المطلوب.. ذات الرقم.
وكنا نتدارس حالة هذا الرجل.. الذي التهمت النار دكانه.. والمبلغ المطلوب الباقي وتدخل إحدى السيدات من لجنة البر وتقدم ظرفًا به مبلغ وكلمة تقديم من طبيب مشهور بشبرا.. ونحصي ما بداخل الخطاب فنجد بداخله ذات المبلغ المطلوب لتغطية شراء الماكينة.. لم تمر ساعة على الحديث حتى قدم لنا الله - تبارك اسمه وتمجد - دليلاً جديدًا على رعايته وتدبيره الذي يفوق كل عقل.. دبر الله ذات المبلغ.. ذات الرقم.. المطلوب!! وهذا هو عمل الإيمان؛ الإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى (عب 11: 1).. "وأن غَيْرُ الْمُسْتَطَاعِ عِنْدَ النَّاسِ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللهِ" (لو 18: 27)! لقد احترق الدكان وعَمّره الإيمان.
كارثة وتبرع
يدخل إلى لجنة البر رجل يحمل رقم 2 وترافقه زوجته وقبل أن يسرد الرجل مشكلته سرد فضائل زوجته..! التي أعانته في عطله وعوزه ووقفت بجانبه تقاسمه حلو الحياة ومُرّها.
وتبدأ مأساة الرجل بأنه كان يعمل في شركة بوليتكس وانتابته الأمراض وحلت بساحته العلل فأخذ يتغيب عن عمله حتى انتهى الأمر بفصله من الشركة، وأخذ يبيع متجولًا.. ويحمل بعض الثياب على كتفه واستطاع أن يحصل على بضاعة بالتقسيط ويستفيد من الربح..
ومست الرحمة قلب صاحب البضاعة فقبل أن يفتح له دكانًا ويدفع له الخلو! ويعطيه البضاعة بالتقسيط على أن يقوم بالسداد بالتقسيط المريح...
ويستطرد الرجل الحديث.. ويقول: كان ينقصه الباب فأعطاه له أحد الخيرين. وتسأل لجنة البر: أي خدمة تقدمها لك؟ يقول: بقيت الأرفف.. الدكان الآن بدون أرفف.. وأنا أضع الأقمشة والبضاعة على الأرض.
وتعد لجنة البر باِنتداب الشماس المكرس ونجارًا من الزيتون ليقوم بإعداد الدكان وتقدم موعدًا وتهمس إحدى سيدات لجنة البر: وهل معنا النقود يا أبانا لتغطية المشروع؟ ويجيب الأب الكاهن: تمهلي.. قليلاً.. وانتظري الرب.
ويعود الرجل ويقول مستطردًا: معي 6 أولاد والسيدة والدتهم.. وهو عبء يثقل كاهلي وأنا كل يوم أصلي لأجد قوت الأطفال.. فتطلب إليه لجنة البر.. أن ينتظر قليلاً في الحجرة المجاورة.
ويهم صاحب رقم 3 أن يدخل إلى لجنة البر فيزحمه شخص آخر دخل اللجنة مقتحمًا وهو يقول: معذرة كلمة واحدة، دقيقة واحدة.. إنني على سفر وأطلب البركة والصلاة.. فيقف الأب الكاهن ويصلي من أجله ويدهنه بزيت العذراء.. ويدعو له ويضع الرجل ظرفًا مغلقًا ويسرع في الخروج وهو في عجلة من أمره.
ونفتح المظروف ونجد بداخله ما يغطي تكاليف مشروع الأرفف!! وتعود السيدة الأولى وتقول مبهورة: يا إلهي..! لقد تكررت الحادثة مرتين.. هل يستجيب الله هكذا سريعًا؟!
نعم إنه يستجيب طالبيه.. وإن تأنى يستجيب.. إننا لا نستطيع أن نعمل شيئًا ما لم تكن يد الله في أيدينا.. فيه نوجد ونتحرك ونحيا. ألم يقل لنا: بدوني لا تستطيعون أن تعملوا شيئًا؟!
فتاة جامعية فاضلة
وتدخل فتاة جامعية تخرجت في الجامعة حديثًا قامت لجنة البر بالإنفاق عليها طيلة مدة الدراسة وعائلتها مقيدة بلجنة البر تأخذ معونة شهرية.
تقول الفتاة: أشكر الله وأشكر لجنة البر لقد أتممت تعليمي الجامعي وأمامي فسحة من الوقت حتى يتم تعييني.. وأعثر على وظيفة مناسبة.. ربما يطول الأمر إلى سنتين أو ثلاث.. وأريد أن أساعد أسرتي وأعول أمي وإخوتي الصغار!
حسنًا أي خدمة نقدمها لكِ؛ لقد أمضيت الإجازة الصيفية في تعلم الخياطة والتفصيل.. وأنا أطلب الآن طلبًا واحدًا.. ماكينة خياطة أعمل عليها وليس في العمل غضاضة.. وفي مقابل هذا أطلب أن تقطع لجنة البر المعونة الشهرية التي تقدمها لأسرتي.. لأنني سأتكفل بها! صاحت سيدات لجنة البر.. حسنًا نسلمها الماكينة ونقطع عنها الإعانة الشهرية من الآن.. يعود الأب الكاهن ويقول: مهلاً لا بد من التأكد من أمرين: أولًا نرسلها إلى المشغل لاختبارها في الخياطة.. وقبل أن ينتهي اليوم جاء تقرير من مشغل العذراء يحمل درجة امتياز.. صاحت السيدات: نشتري لها الماكينة ونقطع الإعانة.
ويعود الأب الكاهن ويقول مهلاً: بقى الأمر الثاني ليس حقًا أن تقطع الإعانة في الحال.. نترك لها مهلة 6 شهور حتى تتمكن أن تتعرف على العملاء وتقف على قدميها.
وتهنئة حارة لهذه الفتاة النبيلة التي نزلت إلى ميدان العمل ولم تجد غضاضة أن تشتغل بالخياطة وهي خريجة إحدى الجامعات.. ليس العمل عيبًا أو عارًا إنما العيب أن يأكل الإنسان خبز الكسل. ولقد جعل الله في الحركة.. بركة.. وفي العمل شرفًا وحياة وكرامة.
وأسجل بهذه المناسبة وبالفخار قصة شاب أعرفه من أسرة معدمة، منذ سنوات طويلة نصحته أن يكمل دراسته فحصل على الثانوية العامة وأكمل التعليم الجامعي، وكان يخرج من الجامعة ويغير ملابسه ويلبس (العفريتة) ويشتغل في مصنع ثم يعود ويغتسل ويدرس طول الليل.
وقد لاقى أهوالًا وأعصارًا وأيامًا عجافًا ثم مرت الأزمة.. وكلل الله جهوده بالنجاح وهو الآن مدير مساعد بإحدى الشركات في الدرجة المالية الثانية واستطاع بالتالي أن يربي إخوته ويعول والديه ويشق طريقه في الحياة. هذا هو المفهوم الجديد الذي نريد أن نلقنه لأبنائنا في هذا الجيل.. لا نلقي العبء كله على الأسرة.
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 20 أكتوبر1978م
متى نقول.. لا
متى نقول.. لا[1]
ونحن الآن نستعيد بعض المواقف التي قال فيها الرب يسوع: "لا.." وهو قائد إيماننا.. الذي رسم لنا طريق الحياة!
قال الرب يسوع: لا.. للشيطان عند التجربة على الجبل، عندما عرض الشيطان جميع ممالك العالم ومجدها، وقال: "أُعْطِيكَ هذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي"، حينئذ قال له يسوع: "اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ" (مت 4: 9-10).
قال الرب يسوع لا.. لقومٍ طلبوا آية، وقلوبهم مغلقة. فقال لهم: "جِيلٌ شِرِّيرٌ فَاسِقٌ يَلْتَمِسُ آيَةً، وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةَ يُونَانَ النَّبِيِّ" (مت 16: 4). فالمعجزة تعطى لخير.. ولضرورة.
قال لا.. لليهود الشامتين حول الصليب، عندما قالوا: "خَلِّصْ نَفْسَكَ وَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ!" (مر 15: 30) لأن خلاص الجنس البشري كله، متوقف على الصلب والفداء.
وقال لا.. لتلميذين طلبا أن تنزل نار من السماء وتحرق المعاندين.. فقال لهما: "لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مِنْ أَيِّ رُوحٍ أَنْتُمَا!" (لو 9: 55).. إن ابن الإنسان قد جاء يطلب ويخلص ما قد هلك (لو19: 10)!
وقالها لبطرس.. عندما حَدَث الرب تلاميذه عن الصلب.. فانبرى بطرس يقول له: "حَاشَاكَ يَا رَبُّ! لاَ يَكُونُ لَكَ هذَا! فَالْتَفَتَ وَقَالَ لِبُطْرُسَ: اذْهَبْ عَنِّي يَاشَيْطَانُ! لأَنَّكَ لاَ تَهْتَمُّ بِمَا للهِ لكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ".. (مت 16: 22، 23).
وقالها لواحد دعاه لكي يتبعه، فاعتذر بانشغاله بدفن أحد أقربائه.. فقال له: "اتْبَعْنِي، وَدَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ" (مت 8: 22).
وقالها لواحد طلب أن يقسم لهم الميراث.. ولآخر فقال: "يَا سَيِّدُ، أَتْبَعُكَ أَيْنَمَا تَمْضِي" (لو 9: 57) ولليهود يطلبون آية بعد معجزة خمس الخبزات.. ويقولها لمن يحاول أن يجمع بين الدين والدنيا، الله والمال "لا يستطيع أحد أن يعبد ربين الله والمال!". فمتى نقول نحن: لا.. لا؟!
من أرشيف الحياة
أرملة مات زوجها، وكان مثال الوفاء والإخلاص، وعندما حضرته الوفاة، اغرورقت عيناه بالدموع، وقال لزوجته: في عنقك أطفالنا الصغار تربيهم في مخافة الرب.. فقالت له: وقد سالت دموعها مدرارًا[2].. اطمئن سأظل وفيّة على العهد.. إلى النهاية.
ثم تدور الأيام دورتها، ويوجه شاب اهتمامه إلى الأرملة، يزورها في بيتها، بحجة الاطمئنان عليها وعلى بناتها، وقضاء ما يلزمها من حاجيات، ويظهر مروءة.. شهامة، ثم تتحول عاطفته نحو الأرملة ذاتها، وهو يصغرها بعدة سنوات.. ويقصد الجميع المجلس الإكليريكي، فيحيلهما على أب كاهن وقور، كمرشد روحي لهما، إن المجلس الإكليريكي لا يقول: لا.. ولكن الأب المرشد الروحي يقول: لا... إن الشاب طامع في ثروة الزوج المتوفى، وتردد الشاب على الأرملة في حضور البنات، وفي غيابهن، معثرة، تثير الأقاويل.. والشاب ليس متدينًا بالقدر الذي يمكن الاطمئنان إليه.. لا يتردد على الكنيسة.. كثيرًا.. فكيف يمكن الاطمئنان عليه من أجل البنات؟! من يضمن ألا يسيء معاملة الزوجة وبناتها؟! وفارق السن والثقافة لهما اعتبار.. أليس من الأفضل أن تتوافر الزوجة على تربية بناتها.. هذا أشرف وأكرم.. "أَكْرِمِ الأَرَامِلَ اللَّوَاتِي هُنَّ بِالْحَقِيقَةِ أَرَامِلُ.. وَلكِنَّ الَّتِي هِيَ بِالْحَقِيقَةِ أَرْمَلَةٌ وَوَحِيدَةٌ، فَقَدْ أَلْقَتْ رَجَاءَهَا عَلَى اللهِ، وَهِيَ تُواظِبُ الطِّلِبَاتِ وَالصَّلَوَاتِ لَيْلاً وَنَهَارًا، والصلوات ليلًا ونهارًا، وَأَمَّا الْمُتَنَعِّمَةُ فَقَدْ مَاتَتْ وَهِيَ حَيَّةٌ" (1تي 5: 3 - 6).
يا سيدتي الأرملة، أقول لكِ ولأمثالك: لا.. توافري على تربية أولادك؛ يذكرون لكِ هذا الجميل طول حياتهم.. ويكفي أن تستمعي إلى مدح الكتاب عن المرأة الفاضلة التي تهتم بتربية أبنائها وتتوافر على خدمتهم. يقول الكتاب عنها أنها: "وَتَشْتَغِلُ بِيَدَيْنِ رَاضِيَتَيْنِ.. تَجْلِبُ طَعَامَهَا مِنْ بَعِيدٍ.. تَفْتَحُ فَمَهَا بِالْحِكْمَةِ، وَفِي لِسَانِهَا سُنَّةُ الْمَعْرُوفِ.. يَقُومُ أَوْلاَدُهَا وَيُطَوِّبُونَهَا... أَعْطُوهَا مِنْ ثَمَرِ يَدَيْهَا، وَلْتَمْدَحْهَا أَعْمَالُهَا فِي الأَبْوَابِ" (أم 31: 13 و15 و27و31).
من أرشيف المجلس الإكليريكي
هذه حالات يقول فيها المجلس الإكليريكي للأحوال الشخصية.. لا.. لا.
أسرد بعض الحالات التي تتكرر كثيرًا بالعشرات والمئات للتبصرة، والاستنارة، لأن الكتاب يقول: "هَلَكَ شَعْبِي مِنْ عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ" (هو 4: 6)
1- إذا أراد شخص أن يتخلص من زوجته، وغالبًا يكون قد ألقى شباكه حول فتاة أخرى، فسرعان ما يلقنه الشيطان وسيلة رديئة للتخلص من زوجته التي يجمعه وإياها الرباط المقدس.. فحاول هذا الزوج الافتراء على الزوجة، وهذه أسهل تهمة يلوكها بوحي من إبليس.. إنه اكتشف أن الزوجة (ثيب) وليست عذراء.. والغريب في هذه التهمة النكراء أن يتقدم بها بعد سنوات من زواجه، وفي حالات كثيرة، يكون قد أنجب أولادًا.. وإذا وجه إليه هذا السؤال: ولماذا قبلتها طيلة هذه المدة، وقبلت معاشرتها؟ لماذا لم تعترض بعض الزواج مباشرة؟!
فيكون الرد الوحيد الذي يكرره أمثال هؤلاء.. أردت أن أستر عليها، وأغفر لها.
وما دمت غفرت لها، وقبلتها، فلماذا تشكوها الآن، في أمر قبلته وصفحت عنه.. وهنا يقع في التناقض، ويتخبط خبط عشواء – والقانون لا يجيز أن يعترض الزوج بعد مدة طويلة.
والمجلس الإكليريكي يقول في مثل هذه الحالات: لا.. لا.. ما دمت قد فعلت خيرًا، لا تندم عليه، وقد سقط ادعاؤك بفوات المدة... وأصبح لا محل له وأسوأ ما في هذه القضية أنها تسيء إلى سمعة الأولاد.. والبنات منهم بالذات.
حجة البابا ديمتريوس الكرام
ويتعاهد اثنان على الزواج، وعلى تكريس الأولاد لخدمة الرب والكنيسة، ويحدث حوار بين الزوجين، إذا أعطانا الله ولدًا ماذا نسميه؟ وإذا كانت بنتًا فماذا نسميها؟ ويقدم كل منهما بعض أسماء القديسين اللامعة وباباوات الكنيسة، والرهبان والسواح والمتوحدين.
ثم يختلف الزوجان، ويتقدمان إلى المجلس الإكليريكي في أغرب مشكلة.. فهل كان الاختلاف على تسمية الأولاد؟ لا.. كان الاختلاف أنه لا يوجد أبناء يسمونهم.. ولن يوجد.
يقدم الزوج حجة يدفع بها عقوق الزوجة، ويقول إنه عاهد الزوجة أن يعيش الاثنان كما عاش القديس ديمتريوس الكرام، الذي عاهد زوجته أن يعيش الاثنان كأخوة منفصلين دائمًا. وتتضح الحقيقة، أن الشاب أصيب بمرض.. والزوجة ظلت سنوات عذراء، فأراد أن يخفي هذا العجز بقصة المعيشة بتوليين.
وفي هذه الأحوال لا تعطي الكنيسة طلاقًا، بل (بطلان زواج) ما دامت الزوجة معترضة، ثم أن الزواج فقد أحد أركانه ما دام العلاج مستحيلًا... والفتاة عذراء بعد الزواج.
الجهل بالقانون
وهذه قصة من أرشيف المجلس الإكليريكي الخاص بالكهنوت، وفيها تحذير للآباء الكهنة.
يتقدم رجل له قدره، وشأنه، يخطب ود الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وتقدم إلى كاهن حديث العهد بالكهنوت يبدي رغبته في الانضمام إلى أحضان الكنيسة القبطية الأرثوذكسية الأم.. وقال إن هذه الرغبة تلح عليه منذ سنوات.. وشاء الله أن تخرج إلى حيز التنفيذ في هذه الأيام بالذات.. فقابله الكاهن هاشًا باشًا.. وبارك فكرته، ولكي يطمئن الكاهن قدم له شهادة من اثنين موظفين، ويحملان بطاقات شخصية، بأنه يخلو من الموانع، وكان هذا الرجل بروتستانتيًا.
فأسرع الكاهن يجهز جرن المعمودية، وعمده، وضمه إلى رحاب الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، فأسرع الرجل المعمد إلى القضاء في اليوم التالي يطلب تطليق زوجته البروتستانتية، بسبب اختلاف الملة، وحكمت محكمة الأحوال الشخصية بالطلاق، وقُدم الكاهن للمحاكمة أمام الكنيسة... وكان الأجدر به أن يأخذ إذنًا بالضم، فيتأكد من عدم زواج الرجل أولًا، ومن صدق إيمانه بالأرثوذكسية أو أن تضم زوجته وتعمد معه.
متى تقول الكنيسة: لا؟!
تقول الكنيسة لا.. في حالة زواج زوجة الأخ، وفي حالة زواج أخت الزوجة.
نقول لا.. لمن يعقدون الزواج في هيلتون، شيراتون، شبرد.. وغيرها من الفنادق: إن الزواج سر، يعقد داخل الكنيسة، ليأخذ بركتها.
نقول لا.. لأبنائنا في المهجر، الذين لا يحلو لهم، الزواج إلا في أيام الصيام، وخاصة الصوم الكبير. الأفضل أن يرتبوا أنفسهم، بدلًا من الإخلال بقانون الكنيسة.
ونقول لا لمن يحددون أيامًا معينة يصومونها، بحجة أن الأصوام طويلة!
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 27 أكتوبر 1978م
[2] مدرارًا: أي غزيرًا مُـتـتابعًا
ذكريات عن آيات
ذكريات عن آيات[1]
التذكر عملية عقلية، يستدعي بها الإنسان مختلف الذكريات والصور التي مرت بحياته، ونحن بالتذكر نربط الماضي بالحاضر، فيصير الماضي حاضرًا أيضًا!
والوعي والنسيان وجهان لعملة واحدة.. فالاحتفاظ بالصور، والعواطف، والانفعالات، في الذاكرة يسمّى وعيًا، واختفاء المعلومات يسمّى نسيانًا.
ويقول علم النفس: إنه من بين الأسباب التي تجعل الإنسان يحتفظ بالمعلومات في ذهنه، بحيث يسهل عليه استدعاءها (قانون الشدة). وكلما كان الأثر عميقًا في النفس، ظلت المعلومات، محفورة في الذاكرة، لا تغيب عن البال.
وعلى هذا القياس... هناك آيات من الكتاب المقدس، أذكرها ولن أنساها، لما تركته من أثر... إنها آيات تحمل ذكريات.. فكلما تذكرت الآيات، مرت أمام خاطري الذكريات، وكلما مرت بخاطري الذكريات.. تذكرت الآيات!
وليس النسيان كله شرًا! فلو شغل الإنسان باله، واهتمامه، بكل المعلومات صغيرها، وكبيرها، حتى التوافه منها لانفجر العقل..! والموضوعات حسب أهميتها ووضوحها، تتحول إلى (شكل، أرضية) والموضوع الأكثر أهمية يبرز إلى الشكل، بينما الأقل أهمية يتحول إلى الأرضية.
ومما يؤسف له.. أن ينشغل الإنسان بالتوافه، والماديات، والشهوات. فتبرز إلى (الشكل) وتكون موضوعًا للاهتمام والكتاب المقدس يضع أمامنا هذه القاعدة المثلى: "أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ!" (في 3: 13) ويقول: "نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ الإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يَسُوعَ" (عب 12: 2) فالرب يسوع في حياة المؤمن تتجه إليه الأبصار والأنظار والخواطر والأفكار.. فتكون محبة الله موضع التذكر دائمًا.
ويتحول النسيان إلى فضيلة حينما تنسى الخير الذي فعلته.. وتنسى الإساءة وتمحوها من ذهنك محوًا.
+ وحديثي إليك أيها القارئ العزيز عن آيات، لن أنساها، ولن تمحوها الأيام من صفحة الفكر والوجدان، ألقيتها في مؤتمر الخدام العام بالإسكندرية، الذي شرفه بالحضور قداسة البابا المعظم الأنبا شنوده الثالث وحضره أكثر من 4000 خادم.
عام 1933م
هذا العام أيضًا، لن يُنسى من بين الأعوام.. في هذا العام، كان الواعظ (إسكندر حنا) يجوب البلاد، خادمًا للكلمة، مكرسًا حياته لها، فضحى بالوظيفة، حتى لا تعوقه، وأخذ يلقي الشباك، هنا وهناك.. وكان يستخدم أسلوبًا بسيطًا جذابًا، مملوءًا تقوى وحرارة.
وقف إسكندر حنا، واعتلى المنبر، وأخذ يكرر الآية "هَلُمَّ وَرَائِي" (مت4: 19).. اِتبعني الآن، لا تتردد، ولا تتأخر، الرب يدعوك، كما دعا بطرس وأندراوس، وكانا أخوين يعملان صيادين.. وللحال تركا الشباك وأباهما وتبعاه.
عاد إسكندر حنا يكرر الآية ويقول: اتبعني.. ولا تنظر إلى الوراء، ولا تحزن على العالم.. الآن.. الرب يسوع يقول: الآن!! وكان يوجه حديثه إلى كل واحد من المستمعين، وكأنه يوجه إليه الدعوة بالذات.
وكان بين الحاضرين شقيقان.. أما أكبرهما سنًا، فمسّت هذه الآية شغاف قلبه، ووجد نفسه مشدودًا تمامًا إلى الكلمة، واعتبر أن الله يدعوه في هذا اليوم لكي يترك كل شيء ويتبعه.. وكأن هذه العظة، له هو بالذات.. ولما عاد إلى بيته، كان قد عقد العزم، ألا يفتح كتابًا من كتب الدراسة.. ونذر أن يدخل الإكليريكية، ونذر أن يذهب إليها ماشيًا.. من المدينة حيث كان يقطن، وكانت تبعد عن القاهرة 48 كيلو مترًا.
ولما ألحوا عليه، ترك أوراق امتحانه في (البكالوريا) بيضاء لمدة سنتين.. والتحق بالإكليريكية عام 1935م، وتكَرّس تكريسًا كليًا لله.. والعجيب أنه بعد أن تخرج.. عاد يكمل تعليمه الجامعي.
أما الأخ الأصغر.. فقد رتبت العناية الإلهية، أن يتمم تعليمه، ثم تفتح له أبواب الدير، وكان يعتقد عندما ترك العالم ودخل الدير، أنه لن يعود إليه أبدًا.. وأنه سيقضي حياته في التعبد والصلاة.. والخلوة مع الله.. أما الله فقد رتب له دورًا قياديًا، عامًا بالغ الخطورة، باركته السماء.. هل عرفته؟! والآن هل كان يظن إسكندر حنا، وهو يتحدث عن صيادين أخوين تركا الشباك وتبعا الرب يسوع، أن عظته كانت شبكة اصطادت أيضًا أخوين تكرّسا للرب.
مَن يستطيع أن يحصي الذين تأثروا بهذه الآية وتكرسوا أيضًا.. من ذا الذي يحصي الأثر الذي تتركه آية واحدة في النفوس؟ إن كلمة الرب لا ترجع فارغة (إش 55: 11). ويقول الكتاب: "لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ" (عب 4: 12).
الحصاد كثير والفعلة قليلون
هذه آية أيضًا لن أنساها.. ويجب ألا ينساها كل خادم.. يعمل في كرم الرب.. وتتضمن هذه الآية حقيقتين؛ الحقيقة الأولى: كثرة العمل المطلوب، والخدمات، التي تحتاج إليها الكنيسة في كل عصر، والحقيقة الثانية: قلة الخدام الأمناء، الذين يشتعلون غيرة، ينفِقُون، وينفَقُون في سبيل الخدمة.. وشعرت بقيمة هذه الآية، ونحن نخدم في الأربعينيات، عندما قام الأقباط ينشئون مدارس قبطية، يجمعون الأولاد.. من شتات القرى، ويعلمونهم مبادئ الدين، حركة عظيمة سرت في طول البلاد وعرضها.. وأذكر أنه بنعمة الله استطعنا في سنوات قليلة أن ننشئ 60 ستين مدرسة!
وأنت تقول: هذا عدد كبير، والحقيقة غير ذلك، لقد كانت كل قرية في حاجة إلى مدرسة، وكل مدرسة في حاجة إلى المعلم الصالح.. الذي يأخذ بيد الأولاد، ويعلمهم بالقدوة، قبل أن يعلمهم بالدروس.
وما زلنا نفتقد المدرس الأمين الصالح الذي يعد الدرس، ويفتقد الأولاد، ويقدم ذاته ذبيحة في ميدان البذل والعطاء.
ونستطيع أن نفهم عمق هذه الآية إذا عرفت أن الله يطالبنا بمائة خروف من مائة.. فالراعي الصالح يترك 99 خروفًا على الجبال ويبحث عن خروف واحد ضال.. حتى يجده، هل الذين يترددون على الكنائس يمثلون المائة أم جزءًا صغيرًا من المائة؟! هذا هو موضع الحساب.
وما دام الحصاد كثيرًا، فالمسئولية أيضًا كبيرة، والحساب عسيرًا.. ومن يعطونه كثيرًا.. يطالبونه بأكثر.
أستطيع كل شيء
"أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي" (في 4: 13).
كم من بركات جلبتها هذه الآية، وكم من نعم.. أفاضتها على كثيرين من المستضعفين، الذين تهاووا تحت مطرقة الحياة! وكم من آمال أنعشت بها نفوسًا دب فيها اليأس، والتردد، والخور، وفقدان العزيمة. بل كم من بسمات، ولحظات سعادة، سكبتها في قلوب ملآها الحزن والشجن.. أذكر بهذه المناسبة واقعة من أحداث الحياة.
أما الاختبار الأول، فكان مع شاب، أغلق الكتب، واستسلم لليأس والقنوط وركبه هم قاتل.. وأخذ يردد (لا فائدة.. لا فائدة) كان الشاب في الثانوية العامة، وقد استحال يأسه تهورًا، فأخذ يحطم أثاث المنزل، ويشعل في الدار النيران. ولما جلست أتحدث إليه.. قال إن أقصى ما يحققه، بأقصى مجهود يبذله 60% ثم انثنى يقول: مفيش فايدة.. مفيش فايدة.. سعد زغلول قال: مفيش فايدة!
قلت له يا ابني: ثق بالرب، وجعلته يردد معي الآية "أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي". وقد أضاءت إشراقة الأمل قلبه.. وفعلًا حقق الرب لهذا الشاب كل ما يصبو إليه من آمال عراض!
لن نفشل
يقول بولس الرسول في رسالته إلى تلميذه تيموثاوس: "لأَنَّ اللهَ لَمْ يُعْطِنَا رُوحَ الْفَشَلِ" (2تي 1: 7).
وهذه الآية لها ذكريات ترجع إلى عام 1940م، كنت في السنة النهائية بالكلية الإكليريكية للحصول على بكالوريوس في اللاهوت.. وكانت المنافسة حامية الوطيس[2] في هذا العام ولم تشهد الكلية الإكليريكية منافسة على التفوق بمثل هذا المقدار، وأخذ بعض الطلبة يتذكرون المقررات منذ الإجازة الصيفية، وقبل بدء العام.. أما أنا فقد مضيت الإجازة الصيفية برمتها في خدمة القرية..
وعندما بدأت الدراسة في العام الجديد، وفي منتصف العام، أرسل الرب لي ابنًا من أسرة معدمة، أعطيه درسًا بالمجان، وكان مستقبل الأسرة يقوم على نجاح هذا الولد وتشغيله، وكانت الأسرة تقترض ثمن الخبز!
هذه مفاجأة، أما المفاجأة الثانية، لقد كان عقل الولد، لا يلتقط شيئًا أبدًا، ولا يقبل أن يهضم شيئًا، فإذا ما أعدت الشرح، طلب إليَّ في توسل أن أعيد ثانية.. وثالثة.. وكنت أصاب بصداع حاد، وهكذا يضيع اليوم.. وهكذا وجدت نفسي بين أمرين، أحلاهما مُرّ... إما أن أتخلى عن الولد والأسرة.. وإما أن أتخلى عن التفوق.. وتذهب بدّدًا كل ما بنيته من آمال.. ولقد تغلب الرأي الثاني.. ونجح الولد، وتوظف.. ووقفت الأسرة على قدميها.
ثم دخلت الامتحان، لكي أؤدي امتحانًا اعتبرته أسوأ امتحان في نظري.. رغم أني كنت محتفظًا بترتيب الأول في الأعوام السابقة.
أما النتيجة فكانت مذهلة.. لقد حصلت على مجموع، هو الدرجات النهائية في جميع المواد.. الأمر الذي قيل لي، أنه لم يحدث من قبل بالكلية الإكليريكية منذ إنشائها.
وما زلت أعتقد أن ما حدث بركة من الرب.. بركة فعل الخير! والرب يعمل بالقليل.. ولقد وعدنا بمائة ضعف في هذا العالم، وفي العالم الآتي الحياة الأبدية.
فهل نكرر هذه الآية بعمق، إن الله لم يعطنا روح الفشل.. وأننا لن نفشل ما دمنا نفعل الخير.
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 3 نوفمبر 1978م
[2] الوطيس: عنيف- صاخب
آيات... لن أنساها
آيات... لن أنساها[1]
يقدم لنا الكتاب المقدس قصة شابين، طبقت شهرتهما الآفاق شمشون ويوسف، ولكن ما أبعد الشقة بين مصيريهما!
شمشون، أوصى الرب "وَلاَ يَعْلُ مُوسَى رَأْسَهُ، لأَنَّ الصَّبِيَّ يَكُونُ نَذِيرًا ِللهِ مِنَ الْبَطْنِ" (قض 13: 5) وهو يخلص شعبه من أعدائهم، وتعرف شمشون بامرأة ساقطة (دليلة)؛ وعلى ركبتي دليلة نسى وصية الله.. فقلعوا عينيه وجَرّ الطاحون.
ويوسف، شاب، حفظ الوصية، وأبى أن يتنجس، وقال لامرأة سيده: "فَكَيْفَ أَصْنَعُ هذَا الشَّرَّ الْعَظِيمَ وَأُخْطِئُ إِلَى اللهِ؟" (تك 39: 9). ويصف لنا الكتاب يوسف الذي حفظ الوصية "وكان يوسف ناجحًا... وكان الرب معه.. وَرَأَى سَيِّدُهُ أَنَّ الرَّبَّ مَعَهُ، وَأَنَّ كُلَّ مَا يَصْنَعُ كَانَ الرَّبُّ يُنْجِحُهُ بِيَدِهِ.." (تك 39: 2، 3).
ويوصي الكتاب بحفظ الوصية بقوله: "احفظ الوصايا.. فَإِنَّهَا تَزِيدُكَ طُولَ أَيَّامٍ، وَسِنِي حَيَاةٍ وَسَلاَمَةً" (أم 3: 1، 2).
ويرى الكتاب أن حفظ الوصية والعمل بها هو تمام الطاعة "فَلْنَسْمَعْ خِتَامَ الأَمْرِ كُلِّهِ: اتَّقِ اللهَ وَاحْفَظْ وَصَايَاهُ، لأَنَّ هذَا هُوَ الإِنْسَانُ كُلُّهُ، لأَنَّ اللهَ يُحْضِرُ كُلَّ عَمَل إِلَى الدَّيْنُونَةِ، عَلَى كُلِّ خَفِيٍّ، إِنْ كَانَ خَيْرًا أَوْ شَرًّا" (جا 12: 13، 14).
وحفظ الوصية، هو عين العقل، ونسيانها هو عين الجهل "فَكُلُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هذِهِ وَيَعْمَلُ بِهَا، أُشَبِّهُهُ بِرَجُل عَاقِل، بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الصَّخْرِ" (مت 7: 24).
والوصية تفتح الأبواب الموصدة "قَدْ جَعَلْتُ أَمَامَكَ بَابًا مَفْتُوحًا وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُغْلِقَهُ، لأَنَّ لَكَ قُوَّةً يَسِيرَةً، وَقَدْ حَفِظْتَ كَلِمَتِي وَلَمْ تُنْكِرِ اسْمِي" (رؤ 3: 8). وأحدثك اليوم عن آيات ووصايا لن أنساها.
رب الولد في طريق الرب
هذه الآية يلزم أن يحفظها كل أب وأم، فيقبل كل منهما على تربية أولاده في الرب، منذ نعومة أظفارهم. ولا شك أن الطفل الذي يتلقى تعليمًا دينيًا منذ الصغر. يكبر على طاعة الله ومخافته، فيكون مصدر بهجة لوالديه، ولا غرو[2] فالابن العاقل يسر أباه.
وتمر بخاطري أفواجًا متراصة من الذكريات.. اذكر الراحل الكريم حبيب بك جورجي، وكان فنانًا ملهمًا، أدخَل نظريات حديثة في التعليم، ما زالت تأخذ بها مصر إلى يومنا هذا. وفوق هذا كان متدينًا، لا تفوته الصلاة، حتى في دخوله منزله وخروجه منه، وعندما سألته في هذا قال: رحمها الله.. إنها أمي، كانت تشدني إلى الصلاة معها وأنا طفل في سن الرابعة، ولم أكن أدري أو أعي شيئًا مما تقول، ورغم هذا انطبعت الصلاة في نفسي، فإذا حدث وزحمتني مشاغل الحياة، ونسيت يومًا الصلاة.. أحس بيدين تشداني إلى الصلاة... هما يدا أمي المتوفاة!
وقرأت عن طفل صغير في التربية الكنسية، كتب خطابًا إلى الرب يسوع، وكتب العنوان على الظرف هكذا: إلى ملكوت السموات.. حضرة الرب يسوع الذي هو في السماء. وبداخل الخطاب.. كتب إلى الرب يسوع يخبره أن العيد مقبل.. وهو في حاجة إلى جنيهين يشتري حذاء جديدًا، بدلًا من القديم الذي تمزق.
ويقرأ حامل البريد، ويتأثر، ويفتش في جيبه فيجد جنيهًا واحدًا يرسله له بالعنوان المذكور في الخطاب.
ويعود الطفل في براءة الطفولة وثقة البنين، يكتب خطابًا ثانيًا: إلى ملكوت السموات، حضرة الرب يسوع الذي هو في السماء.. ويكتب داخل الخطاب.. طلبت جنيهين، فوصلني خطاب فيه جنيه واحد.. أرجو أن ترسل لي جنيهًا بدلًا من الذي فُقد.. مع وافر الشكر.
وما زلت أذكر طفلًا صغيرًا، شد يدي، وكان لا يعدو الخامسة من عمره وكنت أقوم بالتفتيش على المدارس.. وحدث أن انصرف التلاميذ في هذا اليوم ونسوا أن يصلوا.. أما الطفل الصغير فلم ينس.. شد يدي وقال: "نحن لم نُصل".. وقرأت في عينيه حيرة.. وفي قلبه لهفة.. كان صوته يتهدج بالانفعال.. ولا شك أن هذا أثر التعليم الديني في الصغر.
ويلجأ الآباء والأمهات في الدول المتحضرة إلى تزويد أولادهم بثقافات ويكون هذا عن طريق كتب تشرح لهم موضوعات معينة.
وقرأت عن أم قدمت لابنها كتابًا يعالج موضوعًا شبابيًا.. فإذا بالابن يقول لأمه نادمًا.. آسف يا أماه لقد تأخرتِ 6 ستة شهور!
من له يعطى ويزداد
"كُلَّ مَنْ لَهُ يُعْطَى فَيَزْدَادُ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ فَالَّذِي عِنْدَهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ" (مت 25: 29)؛ آية لن تمحوها الأيام، لأنها ترتبط بأحداث غريبة.. ولقد حدث في الأربعينيات، أن قمت بخدمة في إيبارشية المنيا.. كان الهدف منها إنشاء مدارس، تعلم الأطفال الدين.. وإعداد المدرسين لهذه المهمة.. وعندما تقابلت مع نيافة المطران، قال لي أمام رهط[3] من أعضاء الجمعيات كانوا مجتمعين عند نيافته.. هناك آية أختبرك فيها فإذا أجبت الصواب قبلت تعيينك، وإذا فشلت عليك أن تعود للقاهرة في أول قطار! وكانت الآية موضوع الاختبار هي الآية السابقة...
وما زلت أذكر الرد أيضًا، حيث قلت له: "من له (إيمان + أعمال صالحة) يعطى ويزداد (المقصود يزداد نعمة فوق نعمة) ومن ليس له (الأعمال الصالحة) فالذي عنده (المقصود الإيمان) يؤخذ منه (أن الإيمان ينطفئ شيئًا فشيئًا.. وهذا يتفق مع القول الإلهي إيمان بدون أعمال ميت. فسر نيافة المطران من الإجابة، وقال مبتسمًا: ما دمت قد أعطيت إجابة صحيحة، فأنا أعطيك الوظيفة!
وقرأت بهذه المناسبة عن ملك وافر المعرفة، كان يهوى العلوم والفلسفة، أحضر ذات يوم راهبًا مسيحيًا، وسأله سؤالًا، وهدده بالقضاء على حياته إذا أخطأ الرد..
قال الملك للراهب: أثبت لي وجود الله في كل مكان.. في الحال.. وبدليل قاطع..
فطلب الراهب من الملك كوب ماء، وقطعة سكر! ثم وضع الراهب قطعة السكر في الماء حتى ذابت وتحللت.. وسأل الراهب الملك قائلًا: والآن يا جلالة الملك: أين السكر..؟! قال الملك في الماء.
عاد الراهب يسأل: في أي جزء من الماء؟! قال الملك: في كل جزء..
قال الراهب: والله أيضًا في كل مكان.. وفي كل جزء.. وفي كل ذرة.
اكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاءِ
حَيْثُ لاَ يُفْسِدُ سُوسٌ وَلاَ صَدَأٌ، وَحَيْثُ لاَ يَنْقُبُ سَارِقُونَ وَلاَ يَسْرِقُونَ (مت 6: 20).
وهذه الآية ترتبط أيضًا بذكريات لا تنسى.. وأحيانًا تتدخل عناية الله وتدبيره، لتعليمنا.. والله لا يريد منا أن نتعلق بالعالم ولا ننشغل به عن الله.. لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ..
أعرف شخصًا في الأربعينيات، كان يشتغل بالتعليم، وكان يدخل جيبه مئات الجنيهات شهريًا، فاعتزم مرة أن يقتصد كل شهر.. فإذا تجمع مبلغ مناسب 500 جنيه مثلًا اشترى أرضًا، 500 جنيه أخرى بدأ في البناء، حتى تصير لديه عمارة.. يعيش منها. ويخدم الكنيسة مجانًا.
فكرة راودته.. وسرعان ما عزم على تنفيذها وفي شهرين أو ثلاثة تجمع لديه 500 جنيه ثمن الأرض، وبينما هو يعبر أحد الشوارع الرئيسية صدمته سيارة مسرعة أصابته بشرخ في قدميه، فانفق صاحبنا الـ 500 جنيه في العلاج... وأضحى لا يملك شيئًا.
فعاد من جديد، يعد العدة لتنفيذ الفكرة، واقتصد 500 جنيه أخرى وقال: هلم نسرع في شراء الأرض، وهو في طريقه لتنفيذ الفكرة، استقل سيارة عامة ونزل منها.. فاكتشف أن نشالًا اصطاد الـ 500 جنيه، ولم يتم شراء الأرض.. ولا بناء العمارة!
فعاد من جديد يعد العدة لاقتصاد 500 جنيه ثالثة، وقال الآن لنسرع في شراء الأرض.. وبناء العمارة.. والخدمة مجانًا.. وهو في طريقه بلغه عن مرض صديق عزيز لديه.. لم يره منذ عشر سنوات، قال: اليوم الزيارة وغدًا شراء الأرض.. وعندما زاره وعاد إلى بيته لم يستطع الخروج في اليوم التالي لقد التقط ميكروب (بارا تيفود) وعندما شفي انتكس. وظل في المرض ثلاثة أشهر وعندما انتهى من العلاج.. كان قد انتهى آخر قرش من الـ 500 جنيه الثالثة.
ففهم أن الله ليس له إرادة في هذا الأمر.
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 10 نوفمبر 1978م
[2] لا غَروَ: أي لا عجب
[3] رهط: أي الجماعة من ثلاثة أو سبعة إلى عشرة، أو ما دون العشرة
خف.. ولا تخف
خف.. ولا تخف[1]
المؤمن الحقيقي يغمره شعور الاطمئنان، فالمحبة تطرح الخوف إلى خارج.. ومع هذا قد يتنازعه شعور الخوف المبني على الحب أيضًا، كالابن يخاف أن يغضب أباه أو يجرح شعوره.. فمتى يلزم أن تخاف ومتى يلزم ألاَّ تخاف؟ خف من خمسة ولا تخف من خمسة!
خف أن تقع في يد الله متلبسًا، بعد أن استنفدت كل وسائط الرحمة والإمهال، وطول الأناة "مُخِيفٌ هُوَ الْوُقُوعُ فِي يَدَيِ اللهِ الْحَيِّ!" (عب 10: 31).
خف أن تؤجل التوبة، لأنك لا تضمن العمر، والكتاب يحذر ويقول: "بَلْ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ" (لو 13: 3)، "تُوبُوا لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ" (مت4: 17).
خف من جهنم.. فلا تدخلها برجليك فالعذاب حقيقي.. ووصفت جهنم بأنها بحيرة متقدة بالنار والكبريت. حيث الدود لا يموت.. والنار لا تطفأ.
خف أن تضيع الفرصة.. فالفرصة إذا ولت لا تعود "هنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي.." (رؤ 3: 20).
خف أن تخسر نفسك.. في خضم هذا العالم.. "مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟" (مر8: 36).
وعليك ألاَّ تخف من خمسة...
لا تخف من الناس "لاَ تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ.." (مت 10: 28).
ولا تخف من الغد ولا تعمل له حسابًا "فَلاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ، لأَنَّ الْغَدَ يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ" (مت 6: 34).
ولا تخش الأخطار "اَلرَّبُّ نُورِي وَخَلاَصِي، مِمَّنْ أَخَافُ؟ الرَّبُّ حِصْنُ حَيَاتِي، مِمَّنْ أَرْتَعِبُ؟" (مز 27: 1).
لا تخش الموت.. "أَيْضًا إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرًّا، لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي" (مز23: 4).
لا تخف من عدوٍ ما دام الله معك "أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ" (مت 28: 20).
وهنا أحدثك أيها القارئ العزيز، وأتناول موضوع الخوف من منبعه فأحدثك عن الخوف عند الأطفال، فترد على تساؤل كثيرين من الآباء والأمهات...
الخوف عامل بناء وهدم
يعتبر الخوف من أكثر الانفعالات شيوعًا عند الأطفال، وتثيره مواقف وعوامل شتى وهو يتدرج من الخوف العادي، مجرد الحذر إلى الرعب والانفعال.. ويهرع الكثيرون من الأمهات والآباء إلى أب الاعتراف يشكون من مخاوف الأطفال، وكيف يجدون لها علاجًا.
ويلازم الخوف الإنسان من المهد إلى اللحد وقد يكون الخوف عامل بناء أو عامل هدم عندما يؤدي إلى تشتيت الطاقة الفعلية، وعدم التركيز، كما يكون عامل بناء الشخصية المتكاملة، فيخشى الطفل أن يقترب من النار، أو يلقي نفسه من شاهق، أو يعصي الوالدين..
وكثيرون من الآباء لا يفهمون مخاوف الأطفال، ويعتبرونها نوعًا من الحمق، والقصور فى الإدراك، وما هذا إلا لعجزهم أن يضعوا أنفسهم موضع الأطفال الصغار، ويفكروا تفكيرهم، قال فيكتور هوجو: "إن ما يقال في الصغر ولو مرة واحدة، يرسب في العقل، ويصدم الذهن، وهكذا تعيش في صدر الطفولة كثير من الأمور المغلقة"، وتترسب في اللاشعور.
أنواع الخوف
الخوف نوعان: (1) خوف موضوعي (2) خوف ذاتي.
1- الخوف الموضوعي أكثر شيوعًا، وتحديد مصدره ليس عسيرًا، لهذا من الممكن التغلب عليه، كالخوف من الحيوانات، والشرطة، والأطباء، والبرق، والرعد، وطلقات المدافع، والأماكن العالية، والمظلمة، خاصة إذا ارتبط بهذه الصور انفعال مكدر، أو سماع قصة تثير انفعالًا بالخوف، كالخوف من الغريب الذي لا يألفه.
2- الخوف الذاتي؛ من الأشياء التي تعرض الطفل للخطر مدفوعًا بغريزة حب البقاء، والخوف هنا يدفع إلى الحذر من الكلاب العابرة، ومن حوادث السيارات، الوقوع من الشرفة (البلكون) الاحتراق بالنار. وهذا الخوف يدفع إلى السلوك السوي وتكوين الشخصية.
أسباب الخوف
1- التقليد: فالأم التي تذعر وتخاف خوفًا واضحًا من الحيوانات والخيالات، والأماكن المظلمة وتصرخ هلعًا، ينتقل هذا الشعور بالتالي للأطفال، لا عن طريق الوراثة.. بل عن طريق نموذج من السلوك يحاكيه الطفل ويقلده.
2- تخويف الأطفال: بقصد حملهم على الطاعة والامتثال والتهديد بالضرب والكي بالنار، وسلخ جلده، وربطه في عمود السرير، وهكذا ينشأ الطفل الجبان، لا ينشأ في ميدان القتال، ومعترك الحياة، بل في أحضان أمه.
3- وهناك أشكال من الخوف ليست فطرية ولكنها تكتسب من الطفولة المبكرة وهي من النوع البنّاء الذي يدخل في تكوين الشخصية مثل الخوف أن تحزن الله، الذي هو أب رحيم بنا شفيق علينا، الخوف من أن نكذب أو نشتم لذات السبب.. لكي يحبنا الله.
4- الإيحاء دائمًا بالخوف: واحتمال تعرضه للأخطار، وإلا عقره الكلب، أو خطفه العسكري، أو أخذه (أبو رجل مسلوخة) أو عذبه عفريت أو جن.. أو أخذته أمنا الغولة، وهكذا يعيش الطفل في رعب دائم. وتطارده الأحلام المزعجة، وقد يمتد هذا الأثر فيكون شعورًا غامضًا، يجعله يتهرب من المسئولية، ومواجهة الموقف...
5- تعتبر بعض الأمهات والآباء أن التخويف أسهل طريقة تؤدي إلى أسرع النتائج بأقل جهد ممكن، وهنا يكمن الخطر، فبدلًا من أن نفهمه أن الضوضاء تعطل إخوته عن المذاكرة، وتزعج أمه الحبيبة، يقال له إذا أحدثت ضوضاء توضع في (حجرة الفئران). أو تحبس في (حجرة مظلمة).. وهكذا ينشأ الطفل ولديه إحساس بالظلم الصارخ وأنه يعيش بين قوم أكبر وأقوى منه، يحرمونه من متع الحياة، ثم يفقد ثقته فيهم إذا كبر، واكتشف مع الخبرة أن الخداع والتهديد ليس إلا دليلًا على الكذب والتمويه وضعف الشخصية وقلة الحيلة، ونتيجة لكل هذا تهتز أمامه صور الحياة فيفزع من الشرطي والطبيب وكان الأولى أن يرى في الأول حارسًا له، وفي الثاني معالجًا ومداويًا، يسهر الأول على أمنه والثاني على صحته، وأن كلّ الّذين حوله يحبونه، ويعملون على راحته وإسعاده.
6- هناك مخاوف مبعثها خيال الطفل، وهناك مخاوف مبعثها أمور غير محسوسة، كالخوف من الموت مثلًا، والطفل يظن أن الموت معناه، أن يلقى في حفرة، ويهال عليه التراب أو تغلق عليه الأبواب، ولعله رأى جدته يفعلون بها هكذا.. أما الخوف من الظلام فمبعثه ما يمكن أن يحدث في الظلام من خيالات..
7- القصص الخرافية عن الجن – العفاريت – الغولة – وروح الميت تلف حول البيت، والأسد الذي افترس رجلًا. تلعب دورًا ما، في حياة الطفل إذا أوى إلى فراشه فينشط خياله ويجمح وتعود هذه الصور إلى مخيلته، وتبرز صور يجسمها الخيال فتظهر في أبشع صورة، وكل منها يريد أن يلتهمه.
8- عند الكبار يتخذ الخوف صورًا أخرى: كالخوف من المستقبل، والخوف من عقاب الخطيئة (أجرة الخطية الموت) ومما يدبره الأعداء، والخوف من الأمراض وأحيانًا يدفع الخوف من المستقبل كثيرين إلى جمع المال وتكويمه، فيقترون على أنفسهم: وهكذا فالناس من خوف الفقر في الفقر..
علاج مشاكل الخوف
1- الطفل أن يتحدث عن مخاوفه دون أن نسخر منه، لأنه كلما تحدث عن التجربة ظهرت أقل غرابة، ومن الخطأ أن نقول للطفل الخائف: "فكر في شيء آخر واِنس هذا الموضوع، ففي هذه الحالة تترسب هذه المخاوف في اللاشعور وتصير عقدة نفسية..
مثال: فتاة شاهدت حصانًا يجر عربة ألبان، تملكه الذعر، فاندفع بكل قوته يعدو عدوًا جنونيًا، فانقلبت العربة وتحطمت زجاجات الألبان واصطدم الحصان بسور فأخذ يرفس ويخرج أصواتًا مخيفة، فرجعت الطفلة إلى بيتها وقد شحب لونها، وصارت تخاف أن تدخل حجرتها لتنام، وكانت تتوقع أن تدخل الخيل حجرتها، وتحطمها فأخذها ذووها لزيارة بعض الخيول، وأخذت تقدم لها الطعام بيديها... وهكذا زال كل ما بها.
2- تعميق الشعور الديني وإيمان الطفل بالله الذي يتولى حراستنا ويحيطنا بالملائكة القديسين "مَلاَكُ الرَّبِّ حَالٌّ حَوْلَ خَائِفِيهِ، وَيُنَجِّيهِمْ" (مز 34: 7).
وهنا تحضرني قصة رجل تعود السرقة وحدثته نفسه أن يصطحب ذات يوم ابنه ويقطع شجرة ويأخذ ثمارها، وكان ابنه يحضر دروس التربية الكنسية، وقال الأب لابنه وهو يهم بصعود الشجرة، إذا رأيت يا بني أحدًا مقبلًا فأدعني.. وحالما صعد الرجل وأخذ يقطع الثمار..
صاح الطفل بأعلى صوته.. أبي.. أبي، حذار يوجد من يراك!
فأسرع الرجل بالنزول وقال لابنه: مَن يا بني؟! فاتجه الطفل بنظره للسماء.. وقال منفعلًا: الله يا أبي يراك من السماء!! فاضطرب الرجل واستيقظ ضميره وامتنع عن السرقة...
وفي أحداث الموت يخدمنا الشعور الديني، فنحدث الطفل عن أحبائنا الذين ذهبوا إلى يسوع.. في السماء.. لينعموا، وسوف نلحق بهم.
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 24 نوفمبر1978م
يا لها من مفاجآت
يا لها من مفاجآت[1]
تزخر الحياة بالمفاجآت.. وبعض هذه المفاجآت سارة تزخر بالخير، علينا أن نقدم من أجلها الشكر، وبعض هذه المفاجآت لا تخلو من كدر.. علينا أن نعالجها بالصبر والامتثال... والشكر أيضًا!
والمؤمن المتمسك بالله، يبارك الله دائمًا، ويتمثل بقول أيوب البار: "الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ، فليكن اسم الرب مباركًا..." (أي 22:1).
وفي عمق الإيمان، كلما اتجهنا إلى الله.. لا نرى غير الخير، أما الشر، فالله قادر أن يحوله أيضًا إلى خير، والله يؤكد لنا هذه الحقيقة ويقول لنا: "أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ..." (رو8: 28).
ومَن يدري ربما كان ما نظنه شرًا، هو خير وما نظنه خيرًا، قد يكون شرًا. فالخير فينا يختاره الله.. ليس كما نريد ونبغى ونشتهي، بل كما يريده الله لنا، وما يختار.. نحن لمشيئته خاضعون، ولحكمته ممتثلون!
ومن المفاجآت السارة، يوم سمع يعقوب، أن ابنه يوسف الذي عاش على وهم أنه وحش افترسه.. هو حي ويملك في أرض مصر. وعندما بلغته هذه المفاجأة المفرحة... يقول لنا الكتاب: "جمد قلب يعقوب"! (تك 26:45).
ومن المفاجآت السارة، عندما توجه ملك بابل إلى جب الأسود حيث وضع دانيال.. ونادى بصوت أسيف: دانيال.. دانيال، هل أرسل الله وخلصك؟ وإذا بدانيال يرد على الملك، بصوت أفعمه الفرح.. "يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ، عِشْ إِلَى الأَبَدِ! إِلهِي أَرْسَلَ مَلاَكَهُ وَسَدَّ أَفْوَاهَ الأُسُودِ فَلَمْ تَضُرَّنِي" (دا 6: 21، 22).
أما أعظم مفاجأة، فتكمن في أعجب (مشنقة)! حينما التفت أغصان الأشجار، حول أبشالوم الابن العاق، الذي خرج عن طاعة أبيه الملك داود، ومات معلقًا في الهواء. وهكذا يحيق المكر السيء بأهله، والشرير تأخذه ذنوبه.. وأقدم لك أيها القارئ العزيز مفاجآت.. من ملف لجنة البر بالزيتون!
سداد دين
تجمع لديه إيجار متأخر 117 مائة وسبعة عشر جنيهًا، موظف بسيط راتبه أربعة عشر جنيهًا في الشهر، يعول أمه، وزوجته، وثلاثة أولاد!
كان يسكن في شقة من ثلاث حجرات، إيجارها أربعة جنيهات، فقدم تظلمًا وانضم إليه ساكن آخر. فجاءت اللجنة وقدرت إيجار الشقة ستة جنيهات ونصف جنيه.. فكان كالمستجير من الرمضاء بالنار! وهنا تمسكت صاحبة البيت بالتقدير الجديد ووقع الموظف البسيط في هوة اليأس، فعجز عن الدفع، وتجمع عليه إيجار متأخر، 18 شهرًا، ورفعت صاحبة البيت الأمر للقضاء، وحصلت على أمر طرد وبقى أن تحصل على أمر بالتنفيذ.
جاء الموظف، ومعه زوجته، وأمه، وأولاده.. جميعًا إلى كنيسة العذراء بالزيتون وهرعوا إلى لجنة البر، حضروا الأربعاء، وكان التنفيذ يوم الخميس، بقى يوم واحد ويلقى وعائلته على قارعة الطريق!
وفي قداس يوم الأربعاء، سلمني رئيس الفراشين خطابات الأسبوع.. أضفت إليها خطابًا تسلمته من على المذبح، وقرأت جميع الخطابات، وكتبت على كل ظرف عبارة استعدادًا للرد. وأبقيت خطاب المذبح ولم يكن يحمل الظرف غير اسم الكاهن. وعندما جَنَّ الليل[2]، توجهت برفقة أحد أعضاء لجنة البر إلى صاحبة المنزل، حيث يسكن الموظف البسيط المهدد بالطرد..
وفوجئت بأن ألتقي بصاحبة البيت، إذا بها سيدة فاضلة مسيحية، فوجئت بزيارتي لها واعتبرت أنها للسؤال والبركة، وهذه السيدة تربي أولادها من ريع هذا البيت، حيث أن زوجها عامل لا معاش له، أقعده المرض عن العمل، وقالت إن الموظف المشار إليه، بدأها بالعدوان. وحرض السكان على الشكوى. وقالت إن الموظف أراد بها شرًا، فحاقه ما صنع.. حفر حفرة وسقط فيها.. وأبدت أسفها.. لما حدث.
قلت لها حسنًا.. هل تسمعين للأب الكاهن.. أم تسمعين إلى لجنة تقدير الإيجارات؟!
قالت بكل تأكيد للأب الكاهن؟! قلت يعود الإيجار كما كان 4 أربعة جنيهات، ويضاف عليها جنيه من لجنة البر للبركة، وتأخذين المتأخر في 18 شهرًا = 117 جنيهًا.. في الحال.
وخرجت السيدة، لبضع دقائق، وفي هذه اللحظة وضعت يدي في جيبي.. لقد نسيت تمامًا، أنني حضرت إلى السيدة، ولم أحمل معي نقود كافية. وأحصيت ما معي فلم أجد غير 20 عشرين جنيهًا، والخطاب الذي أخذته من المذبح، فماذا أفعل والليل قد اقترب من منتصفه، وأنا أريد أن أحصل على مخالصة من السيدة، ولا بد أن أدفع المتأخر؟! في الحال.. فتحت الخطاب لأشغل نفسي قليلاً عن التفكير، حتى تعود السيدة، وأخذت أردد بعض آيات من المزمور91، وعندما فتحت الخطاب فوجئت بقصاصة ورق صغيرة دون أي اسم مكتوب عليها عبارة واحدة "اذكر يا أبي ابنتي في صلاتك على مذبح العذراء"!
ومع قصاصة الورق وجدت أوراقًا مالية من فئة عشر الجنيهات، فتحتها فكانت مائة جنيهات. أضفت عليها العشرين جنيهًا وكتبنا المخالصة، وتنازلت السيدة في المخالصة عن القضية، وحضر الموظف وأمه وزوجته، وتعانق الجميع، وتمت المخالصة.. وتمت أيضًا المصالحة! وقبل أن أغادر المنزل، وقفنا استعدادًا للصلاة، وقبل الصلاة طرحت هذا السؤال للمرة الثانية. موجهًا الحديث إلى السيدة، صاحبة المنزل.. والآن: هل تنفذين أمر الأب الكاهن.. أم أمر لجنة تقدير الإيجارات؟ قالت: صلِّ يا أبانا.. اخترنا أمر الأب الكاهن.. البركة لا قلتها! وعاد الإيجار كما كان!
وما زلت أعجب لماذا وضعت الخطابات جميعًا بمكتب الكنيسة، ولماذا بقى خطاب المذبح في جيبي بدون أن أشعر به.. لماذا جاء هذا الوقت.. بالذات أليست كلها مفاجآت؟!
ماذا يعنى هذا.. إنه يعني أن اليد التي امتدت لتقدمه هي يد الله.. وعدت إلى المذبح في اليوم التالي.. ابتهل الله بشفاعة السيدة العذراء. وفي يدي قصاصة من ورق تقول: "اشف يا رب ابنتي المريضة"، "وطوبي لمن يتعطف على الْمَسْكِينِ. فِي يَوْمِ الشَّرِّ يُنَجِّيهِ الرَّبُّ" (مز41: 1).
رجل طاعن في السن
اكتمل عدد سيدات لجنة البر، وحضرت 24 سيدة حضرن جميعًا لخدمة "أخوة يسوع"، وبدأ المعوزون يدخلون واحدًا واحدًا.. وجلس الكاهن بينهن ليقود الاجتماع.. وادخلت الأخصائية رجلاً عجوزًا طاعنًا في السن.. ترتعش يداه. تظهر عليه الفاقة.. ويلبس رداء الفقر.. يلهث طالبًا الغوث.
فتأثرت السيدات الفضليات.. وتحدثن البعض بالإنجليزية، والبعض بالفرنسية، يطلبن زيادة المعونة.. وبعض السيدات الباقيات، استخدمن الإشارة، تغني عن العبارة.
وعندما قدمنا له المال، ازدادت يديه ارتعاشًا، ولكنه قبض على المال بيد من حديد وخرج محدودب[3] الظهر، لاهث الأنفاس.. يشكو همه.. وهو يبتلع ريقه.
ثم دخلت سيدة زوجة بواب في عمارة. تقول إنها تسكن في حجرة في (البدروم) ولها خمسة أولاد ضاقت الحجرة بهم، وشهدت الأخصائية الاجتماعية، بأنها قامت بزيارة ميدانية، واكتشفت أن الحجرة في منتهى الصغر، وأنهم يحشرون حشرًا، ويعجز البنات عن المذاكرة.
وأرجعت السيدة زوجة البواب، أن صاحب العمارة، عرض عليها حجرة فوق السطوح وأنه بعد إلحاح قَبل خلوًا مائة جنيه وأمهلها يومًا.. وقال صاحب العمارة لها، إنه تقديرًا لظروفها، سيعطيها لها، رغم أنه عُرض عليه ضعف هذه القيمة.
وهنا اقترحت بعض السيدات، دعوة صاحب العمارة إلى لجنة البر لتسليمه المبلغ يدًا بيد، ونكتب العقد. ولكن السيدة زوجة البواب.. صاحت إن المشكلة قد حلت. فصاحب العمارة، رأته خارجًا من لجنه البر، حينما دخلت هي وأنها اتفقت معه على الحضور للكنيسة!
فاستولى علينا العجب، من وقع المفاجأة. هذا الرجل الذي تصنع الخبال والشلل واستدر عطف السيدات، وأخذ المعونة، وخرج محدودب الظهر.. لم يكن هو غير صاحب العمارة!
وقيل إنه بنى العمارة من التسول! وفعلاً بحثنا عنه، فلم نقف له على أثر.. وأغرب ما في المفاجأة. أنه سبق السيدة ليتمم الإتفاق ويأخذ الخلو.. فغلبه طبعه.. وأخذ المعونة.. وأدعى البؤس.. والحقيقة إنه بائس فعلاً.. يشقى دهره. ويحرم نفسه.. ويعبد قرشه!
بسرعة.. بسرعة!
أخذت تردد السيدة المتدينة هذه العبارة، على مسمع من زوجها.. الذي أخذه الذهول وهو يرى زوجته تسابق الأيام عدوًا، وركضًا! كانت تملك أرضًا.. فأخذت تقول: بسرعة بسرعة! ولم تهدأ حتى أوقفت هذه الأرض حيث وافقت أول من قابلها في طريقها للكاتدرائية، وأقنعها بأن توقفها على إحدى الكنائس في الأقاليم.. وشعرت أنها تخلصت من عبء ثقيل!
ثم جمعت كل ما تدخر.. وهي تقول بسرعة، أقابل قداسة البابا ليوجهني إلى طريق من طرق البر.. أريد أن أدخر هذه الأموال في السماء، قبل أن تعدو عليها الأيام..
وبعد أن أوقفت كل ما تملك من أرض، وتبرعت بكل ما تملك من أموال... وتم كل هذا بسرعة..
في ذات اليوم نامت مستريحة وقت الظهر لم يرها زوجها سعيدة، كما رآها في هذا اليوم، وعندما طال نومها أراد زوجها أن يوقظها، فلم تقم أبدًا.. أدت رسالتها وذهبت بسرعة.. بسرعة!
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 1 ديسمبر 1978م
[2]جنَّ الليل: أَظْلَمَ، اِشْتَدَّ ظَلاَمُهُ
[3]محدودب؛ مُقَوَّسُ الظَّهْرِ، مُعْوَجُّهُ
اللقاء اليومي مع أفراد الشعب
اللقاء اليومي مع أفراد الشعب[1]
مع كل شروق شمس ومع كل غروب ومع تباشير كل يوم، يلتقي الكاهن بعديد من الأفراد، يسعى هو إليهم، أو يسعون هم إليه.. على اختلاف مشاربهم، وحاجاتهم، وتنوع مشاكلهم ومقاصدهم.
وإذا نظرنا إلى الرب يسوع، شمس البر، لوجدنا كثيرين يسعون إليه، وينطرحون تحت قدميه، وكثيرًا، وكثيرًا ما سعى هو إليهم "تَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ، إِذْ كَانُوا مُنْزَعِجِينَ وَمُنْطَرِحِينَ كَغَنَمٍ لاَ رَاعِيَ لَهَا" (مت 9: 36).
وفي اللقاء اليومي أحدثك عن أشخاص التقوا بالرب يسوع:
التقى به قائد مائة.. وقال له: "لست مستحقًا أن تدخل تحت سقف بيتي، قُلْ كَلِمَةً فَيَبْرَأَ غُلاَمِي.. فشفي غلامه من تلك الساعة" (لو 7: 6، 7).
التقت به نازفة دم منذ اثنتي عشرة سنة، أنفقت كل ما تملك ولم تستفد شيئًا قالت: "إِنْ مَسَسْتُ ثَوْبَهُ فَقَطْ شُفِيتُ" ولكن السيد المسيح بعد أن أوقف النزيف في الحال، وهبها أيضًا شفاء الروح.. اذهبي بسلام (مت9: 21).
والتقى به المولود من بطن أمه أعمى، فتفل وصنع من التفل طينًا، وطلى عيني المولود أعمى فأبصر.. لقد خلق له عينين (يو9: 1).
لقد التقى بالرب كل صنوف الناس فلم ينس من رحمته أحدًا: الميت قام، والحزين نال العزاء، والمريض نال البر والشفاء.
وعندما تلتقي النفس به تقول: "وجدت حبيبي الذي تحبه نفسي أمسكته ولم أرخه" (نش3: 4) وإليك أيها القارئ العزيز حديثًا عن اللقاء اليومي بالناس من ملف لجنة البر بالزيتون.
تطلب معونة
دخلت إلى لجنة البر سيدة تطلب معونة، ورغم أنها أخذت رقمًا، حسب التنظيم الجديد، إلا أنها اقتحمت الصفوف: والذين يطلبون المعونة صنوف شتى من الناس.. منهم المحتاج فعلاً، وهذا تراه وقد أثخنته الأيام بالجراح. تطل الفاقة[2] من عينيه ومن سماء وجهه، يلبس رداء الانكسار وسرعان ما نطيب خاطره.
ومنهم من يجيد التمثيل، ويسند كلامه بحسن التعليل، وسرعان ما ينكشف أمره عند مناقشته، وثوب الرياء يشَفُّ عما تحته!
ولهذا عندما اندفعت السيدة في عنفٍ وأخذت تتحدث في قوة، توقعت أن وراء الأكمة ما وراءها.. لقد طلبت السيدة مبلغًا كبيرًا من المال، كدفعة أولى، ثم معونة شهرية.
وأخذت تدلل بكثرة ما لديها من أولاد وبمرض زوجها، وهنا فاجأتها بسؤال مفاجئ تقولين زوجك موظف، ففي أي درجة؟ قالت: الدرجة الخامسة. قلت: حسنًا يا سيدتي، نحن نساعد الأيتام والأرامل، وزوجك يستطيع أن يستبدل جنيهًا أو جنيهين من مرتبه.. ثم شرحت لها عدة طرق تمنع الحاجة.
فظلت تعترض وعبثًا حاولت إقناع هذه السيدة، التي اقتحمت علينا لجنة البر ثلاث مرات متوالية.. وعبثًا حاولت 24 سيدة من سيدات لجنة البر إقناعها وكان صوتها يدوي وخرجت غضبى!
وشاء الله أن يكشف ما أستتر، فيدخل شاب مثقف يبدو عليه الحياء، ويقول عفوًا: لا أطلب قرضًا أو مالاً "إن المعوزين أحقُّ به"، ولكنني أريد من أبينا أن يتدخل بيني وبين شقيقتي وأخذ يسرد قصتها.. زوجها في الدرجة الثانية، ولديها عمارة، تؤجر الدور الأرضي محلات تجارية، وقد ابتنت حديثًا طابقًا جديدًا، يريد أن يحجز شقة، لأنه مقدم على الزواج، ولكن شقيقته تبالغ في قيمة الخلو.
ويقول متألمًا، إنني الأخ الوحيد لشقيقتي، وهي عندها رابطة المال أقوى من الإخوة، ورابطة الدم!!
ونكشف أن شقيقته هي التي خرجت غضبى! وهي صاحبة العمارة!!
وكم من مفاجآت تمر علينا بلجنة البر.. وما أكثر الطامعين الحاذقين في عبادة المال! وقد علمتنا التجارب أن نفرق بين المحتاج والمحتال! بين الطامع في المال.. والفقير المعدم (صاحب العيال).
مفاجأة في سبت
اتصلت بي سيدة متقدمة في السن، أشرفت على السبعين، فوعدتها بالزيارة ولم أستطع زيارتها لكثرة الارتباطات.. فعادت تلحف في الرجاء فتوجهت إليها.. قالت إن السن قد تقدم بها، وتخشى أن يفاجأها الموت، وفي عنقها دين لله.. تريد الوفاء به، وأرشدتها إلى جهة معينة من جهات البر..
ثم طلبت ميعادًا ثانيًا، في اليوم التالي، وأصرت أن أكون بمفردي برفقتها، ثم توجهت إلى أحد البنوك، وبعد عشر دقائق خرجت وفي يدها سلة (سبت) ألقته بداخل العربة! وقالت الحمدلله أحضرت الدين، المال الذي في عنقي للرب وصمتت.
فاحترمت صمتها ولكنها عادت تومئ إلى (السبت) وقالت وضعت ما أملك في هذا السبت.. ثمنه عشر قروش.. وبداخله ما أملك من المال، وانطلقت بنا العربة إلى إحدى جهات البر، ولم تسترح السيدة العجوز حتى سلمت المال بيديها وأوفت نذرها واستراحت نفسها..
ثم عادت تقص مأساتها.. مات زوجها وأنجبت ابنة وحيدة تزوجت دون معرفتها، وتركتها ولا تعرف طريقها.. أخذت السيدة تمسح دموعها، وتقول ضع اسم ابنتي على مذبح السيدة العذراء.
ثم قالت: إن لي أمنية أرجو أن تتحقق قبل أن أرحل من هذا العالم، أن أرى ابنتي.. أراها تعود إليَّ وإلى الكنيسة.. فنتناول معًا في كنيسة العذراء بالزيتون، أحضر معها قداسًا واحدًا وأموت.
قلت لها: دعينا نصلي ولا نقطع الرجاء.. هل يحس الأبناء بلوعة الأمهات والآباء.. وهل يقدر أن نقسو على أم.. على أعتاب الأبدية وفي دور الفناء؟!
مفاجأة عند الباب
تقوم الأخصائية الاجتماعية بمتابعة الحالات، وتقديم التقارير، وتكون النتيجة أن هناك حالات تستدعي الزيارة، وحالات صلح حالها فلا تستحق المعونة.
وقد لفت نظرنا رجل مديد القامة، يلبس أسمالاً بالية.. سعى سعيًا حثيثًا لكي تقرر لجنة البر معونة شهرية ثابتة. وكان يقول: أن الكل تخلوا عنه، وأنه يعيش وحيدًا في هذا العالم.
وقد حاولت لجنة البر أن تقدم له ثيابًا جديدة مستوردة، ولكن الرجل أبى، وقال ربما كان الطلبة في الجامعة أكثر حاجة إلى هذه الثياب وأظهر اكتفاءه بثيابه.. فأكبرنا فيه هذه الناحية.
ولكن الأمر الذي أصررنا عليه هو العنوان ولاحظنا أنه قدم لنا أكثر من عنوان فلم نجده أثناء الافتقاد، وأخيرًا قدم لنا عنوانًا، وحدث أن الأخصائية الجديدة التي عينت بكنيسة السيدة العذراء بالزيتون فاجأته بالزيارة.. ولم يكن محترسًا فخرج إليها بثوب فاخر! وظهر أنه يقطن فيلا أنيقة باسمه، مغطاة بأفخر الفراش والرياش، بدا كل ذلك من عتبة الباب.
إنه مصاب بداء التسول والثياب التي يأتي بها إلى الكنيسة هي (عدة الشغل) ولهذا رفض الحصول على ثياب جديدة. وعندما واجهناه بهذه الحقائق انقطع عن الحضور إلى الكنيسة..
وبعد فالسرقة مرض، ولها أسباب نفسية سوف نعالجها في مقال خاص.. ونبحث جذورها من الوجهة السيكولوجية.
مغبوط هو العطاء
تعودت سيدات لجنة البر، أن يضعن صندوقًا مغلقًا أثناء الاجتماع؛ تضع فيه كل سيدة وفي الخفاء ما تجود به، ثم يفتحن الصندوق في نهاية الاجتماع ويحصين ما فيه.. وهذا العمل تقوم به السيدات من تلقاء أنفسهن.. وأصررن عليه.
وحدث أن فتاة جامعية من أسرة فقيرة همست تقول: إنها لا تملك ساعة وفي مسيس الحاجة إليها لضبط مواعيد الجامعة والخروج صباحًا.. وفي نهاية اجتماع لجنة البر، وجدنا ساعتين فاخرتين خلعتهما السيدات من أيديهن، دون أن يحس أحد بهن.. وما أجمل أن نقدم للرب يسوع الذي قدم ذاته لأجلنا.
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 8 ديسمبر 1978م
[2] الفاقة: الفقر والحاجة
صور من الحياة عن.. الوفاء
صور من الحياة عن.. الوفاء[1]
كلمة (الوفاء) في الأصل اللغوي، يقصد بها التمام، وأوفاه حقه، أي أعطاه حقه كاملاً، ونقول استوفى حقه.. ومات الرجل عن (وفاء) أي ترك ما لا يفي بما عليه ويتم.. وفي الاستخدام العام تقصد بالوفاء (الإخلاص) على الوجه الأتم.
ونسبة الوفاء كما يراها سليمان الحكيم، بين الرجال، لا تعد واحدًا من الألف 1/1000.. إذ يقول: "رَجُلاً وَاحِدًا بَيْنَ أَلْفٍ وَجَدْتُ"! (جا 7: 28).
وذكر لنا الإنجيل في معجزة شفاء عشرة برص.. إن نسبة الوفاء لم تزد عن عشرة في المائة 1/10 فبعد أن شفى السيد المسيح عشرة برص، لم يعد ليقدم الشكر لله غير واحد، سامري، غريب الجنس.. وترى الرب يسوع يسأل: "أَيْنَ التِّسْعَةُ؟" (لو 17:17)
ويعبر بولس الرسول عن هذه الحقيقة، في مرارة، ويقول: "لأَنَّ دِيمَاسَ قَدْ تَرَكَنِي إِذْ أَحَبَّ الْعَالَمَ الْحَاضِرَ" (2تي 10:4).
ومن بين الرسل الاثني عشر، الذين اختارهم الرب بنفسه، وجد واحدًا خائنًا وهو يهوذا الإسخريوطي الذي خان الأمانة. وباع سيده بثلاثين من الفضة، وقيل عنه: "كَانَ خَيْرًا لِذلِكَ الرَّجُلِ لَوْ لَمْ يُولَدْ!" (مر 21:14).
ويعبر الشاعر عن هذه الحقيقة بقوله:
وما أكثر الإخوان حين تعدهم |
| لكنهم في النائبات قليل..! |
والوفاء أو الإخلاص: يلزم أن يكون قبل كل شيء، موجهًا لله المتفضل علينا، الذي خلقنا وجبلنا وأعطانا نسمة الحياة. وهو الذي يرعانا ويدبر أمورنا، ويأخذ بيدينا.. ثم للكنيسة الأم، التي ولدتنا بالمعمودية، وحملت لنا العقيدة والإيمان، عبر العصور.. ثم يكون الوفاء لجميع الناس.. حتى للذين أساءوا منهم.
والوفاء نسمة تعطر الأرجاء، وتلطف من قيظ الحياة.. وتعطي للحياة مذاقًا ومعنى.
والحياة بغير وفاء: صحراء جرداء.. لا نبات ولا ماء... جسد بغير روح.. شجرة بغير ثمر.. عبوس بغير ابتسام.. حياة بدون وئام.. دولة بغير انتظام.. وإليك أيها القارئ العزيز صورًا من واقع الحياة..
الذكرى الثلاثون!
رفعت سماعة التليفون، ووجدته يلح في طلب قداس خاص، ذكرى انتقال زوجته الراحلة.. وقال في التليفون: إنها الذكرى الثلاثون! هذا الرجل الوفي؛ الباقي على العهد.. ظل يذكر زوجته الراحلة ثلاثين عامًا متصلة. ثم عاد يرجو أن يشترك معنا في الصلاة الأسقفان الفرنسيان. وقد حضر معهما اثنان، منهم واحد باسم القديس (أنطونيوس) وقد بلغني أن أحد أجداده.. كان من ملوك فرنسا..! لقد منحه قداسة البابا شنوده نعمة الكهنوت.. وكم من بركات اشتملها عهد قداسة البابا شنوده الزاخر!
وبعد انتهاء القداس، التأم الشمل في منزل إحدى بنات الداعي الثمانية، والتفوا حول الأب الوفي. وحضر معهن أزواجهن وأولادهن وأخذ المنزل يموج بمن فيه. والتف الأحفاد حول الجد الوفي. في شبه باقة.. جميلة.. وزاد من بهجة الذكرى وجود الضيوف الكرام.
لقد عرفت أن الزوجة ماتت شابة وتركت لزوجها ثماني بنات.. بعضهن في سن الطفولة، فوهب الرجل حياته لبناته، وتوافر على خدمتهن، فكان يعد لهن الطعام والثياب ويقوم بكل لوازمهن.. وكان يقوم بتدريسهن.. ولم يترك خدمتهن لأي أحد كان هو في البيت: (الأب، والأم، والخادم، والمربي، والصديق، والرفيق).
وعندما كبرت البنات.. قام بتزويجهن. الواحدة بعد الأخرى.. وقد فرح في حياته ثماني مرات.. بتزويج ثماني بنات! ولم يقف الوفاء بالأب إلى هذا الحد..
لقد ابتنى الأب لبناته الثمانية بضع عمارات منها عمارة رائعة على شاطئ البحر المتوسط، مكونة من ثماني شقق لكل ابنة شقة تقوم بتأجيرها كمصيف.. وتدر كل شقة مبلغًا خياليًا كل عام. هذا هو جانب من وفاء الأب، فكيف تجلى وفاء البنات.؟!
وهل جزاء الوفاء.. إلا الوفاء!
ولقد تعاهدت البنات الثمانية، أن يقمن بخدمة الأب.. كل ابنة تخدم أباها شهرًا فتنتقل إلى سكنه هي وزوجها، وأولادها.
ويفرح الأب كل شهر مرة بإقامة إحدى بناته معه، وتوافرها على خدمته.. ويحظى الأحفاد بقبلات الجد.. ثم تنتهي نوبة ابنته بإنهاء الشهر.. ليأتي دور الابنة التالية، حسب جدول زمني، الأخوات قمن بإعداده فيما بينهن.
وقد خرج الحب والوفاء من دائرة الأسرة إلى دائرة أعم وأشمل، هي دائرة الكنيسة.. وبعد، فعندما جاء دور الترحيم في القداس الخاص بانتقال الأم الشابة، وكان يقف في الهيكل الجانبي للبنات الثمانية في ثيابهن السوداء وحولهن بناتهن.. وفي الهيكل الجانبي الآخر الأب وحوله أزواج بناته ومعه الأحفاد، اكتملت أمامي صورة الوفاء، لذكرى ثلاثين عامًا مضت، يا لها من صورة لا تنمحي.. صورة الحب النادر.. ولم أستطع أن أكمل الترحيم فأكملته سرًا.. لقد خنقتني العبرات.
صورة أخرى من الوفاء
التقيت به بكنيسة السيدة العذراء بجاردن سيتي، حيث أصلي قداس الأحد الأول من كل شهر.. في كل مرة يطلب مني أن أذكر ابنه وابنته.. قال لي: هما كل أسرته، أعز من له في الوجود.
وهنا سألته عن أم الولدين؟ فصمت في حزن بالغ.. قال رحلت في ربيع العمر.. وتركت لي هذين الطفلين وكانا صغيرين.. فعزفت عن الزواج وقمت بتربيتهما، وهما الآن يدرسان بالجامعة، وعلى وشك التخرج..
قلت له: ما الذي جعلك تتخذ هذا القرار.. وتعزف عن الزواج ثانية، رغم أنك كنت وقت رحيل زوجتك شابًا، وفي حاجة لمن يخدمك أنت والأطفال؟!
قال: لقد أثرت فيَّ عبارة قالها لي ابني ذات يوم وكان غلامًا صغيرًا: "لا أريد يا أبي أن تكون هناك زوجة أخرى تأخذ مكان أمي!".
عاد الرجل يكمل حديثه.. فقال: اعتبرت هذا الصوت من الله.. ووجدت السعادة في تربية ابني وابنتي، إننا من يومها لم نفترق أبدًا.. ولم يفرقنا أحد.. وهذه هي السعادة الحقيقة. قلت له: ما صلتك بأولادك؟!
وهنا ابتسم وقالي: إننا أصدقاء.. وأحباء.. لا ينقصنا شيء من أسباب السعادة.. ونتعاون معًا في مواجهة أعباء الحياة. قلت له: ما هي السعادة في نظرك؟!
قال: السعادة.. نحس بها عندما نخرج عن ذواتنا لنسعد غيرنا.. ثم عاد وقال: السعادة في الرضا بالواقع، والإحساس بوجود الله معنا وفي حياتنا.
الوفاء بين الأصدقاء
تعودت أن ألقي عظات بالمنصورة، ومنذ فترة ذكرني بعض الإخوة الأحباء هناك، بانقضاء 25 عامًا لم أنقطع فيها عامًا واحدًا.. ثم تذكرنا الأصدقاء، وافتقدنا أحد الأخوة، وكان من المتمسكين.. إلى حد المغالاة.. بالعقيدة والإيمان وسرعان ما عادت إلى ذاكرتي قصة أخرى من الوفاء النادر.
كان هذا الأخ العميق المتمسك بالكنيسة، يقطن منزلاً متهدمًا، بالطابق الثاني، يحملك إليه سلم خشبي متداع، وقد صرحت البلدية بأن المنزل، قد آل للسقوط.. فماذا يفعل هذا الأخ وأزمة المساكن مستحكمة، وهو لا يملك شيئًا من حطام هذه الدنيا الفانية؟
يشاء الله، وأن يصدر قرار بنقل صديق آخر، من المنصورة إلى القاهرة.. وسرعان ما عرض البعض عليه مبلغًا من أصفار كخلو شقته، وهي من ست حجرات في عمارة فاخرة.. لم يقبل خلوًا، بل أخرج من جيبه 25 جنيهًا قدمها لبواب العمارة ليسمح بدخول أثاث زميله الذي يسكن في الشقة المتداعية... ولم يهدأ حتى أحله في مسكنه.
وعندما نوقش في هذا قال: خيرت بين الصداقة والمال.. فاخترت الصداقة والمال يذهب.. ويبقى الحب!
وفاء... ولا وفاء
قدمت لك أيها القارئ العزيز الصورة المشرقة من الحياة حيث يسود الوفاء بين الناس، فتستحيل الحياة إلى نعيم.
والآن أقدم لك الصورة المضادة، فالحياة فيها الخير والشر، فيها الوفاء، وفيها الغدر لكي تتضح الصورة، ولهذا قيل: بضدها تتغير الأشياء.
قال لي محدثي.. والقصة من الواقع القريب.. إنه شقيق وحيد لأربع أخوات بنات، رغم ثرائه، كان يستلم إيجارات الأراضي الزراعية.. ويأخذ نصيب الأسد، ويقدم لأخواته ما تيسر.. وما فاض عن حاجته. ومرة باع القطن بعدة آلاف من الجنيهات، ورفض أن يعطي أخواته جزءًا من نصيبهن، ولما طلبن في استحياء.. رفض.
وحدث أن سيدة واجهته بهذه العبارة: كيف تهرب من وجه الله.؟!
قال: حلني! وكانت صحته مضرب الأمثال في القوة. وتقول القصة لم تمر أربع وعشرون ساعة.. حتى مات.. وقبل أن يوضع الصندوق أخرجوا من جيبه 8000 جنيه ثمن القطن!
قال: حلني.. ولمن لم يمهله الموت ولم يحله..!
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 15 ديسمبر1978م
كان مساء.. وكان صباح.. يومًا واحدًا
كان مساء.. وكان صباح.. يومًا واحدًا[1]
يهرع الناس إلى الكنيسة.. وإلى كنيسة السيدة العذراء بالزيتون بالذات، التي أضحت مزارًا، بعد أن تبارك المكان بتجلي السيدة العذراء على قباب الكنيسة لمدة عام كامل يتلمسون الشفاعة، ويطلبون البركات!
وعندما يلجأ الإنسان إلى الكنيسة يحظى ببركات كثيرة، أذكر منها أنه يوجد في حضرة الله.. "حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ.." (مت 20:18). ويشعر الجالس في الكنيسة بقول أبينا يعقوب: "مَا أَرْهَبَ هذَا الْمَكَانَ!" (تك 28: 17).
ويحظى الإنسان أيضًا بالوجود في حضن الكنيسة الأم.. وكم يتمنى الإنسان لو عاد طفلاً صغيرًا، وألقى بنفسه في أحضان أمه.. وفي أحضان الأم تذوب مشاكل الإنسان، حيث يجد الرعاية الكاملة والحب الخالص.. وهل هناك حب يفوق حب الأم أو حنان يفوق حنان الأم؟
وفي وجودنا داخل الكنيسة. ننفصل ولو مؤقتًا عن شواغل الدنيا، وهموم وأكدار الحياة، حيث تلتقي الروح مع الله. وهنا يقول القديس أغسطينوس: "خلقتنا يا رب لك، ولن تطمئن نفوسنا إلا بالحياة معك".
ما أشبه الكنيسة بــ(فلك نوح) الذين دخلوا الفلك خلصوا ونجوا. والذين هم من خارج غرقوا. وما أشبه العالم ببحر خضم.. وبهذا المعنى يترنم صاحب المزمور "مَساكِنُكَ مَحْبوبةٌ يا رَبُّ إلَهَ القُوّات" (مز 1:84)، "فَرِحْتُ بِالْقَائِلِينَ لِي إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ نَذْهَبُ" (مز 1:122).
تعال معي أيها القارئ العزيز إلى رحاب الكنيسة لترى جموع الناس رائحين وغادين، لا ينقطع سيل الوافدين ليلاً ونهارًا.. ودعنا نمضي يومًا مع لجنة البر.. مع متاعب الفقراء.. ومشاكل الناس فإذا اكتمل اليوم نتذكر الآية.. كان مساء، وكان صباح يومًا واحدًا.
خادم غلام
توجهت إلى مطرانية إحدى مدن وجه قبلي للالتقاء بنيافة المطران قبل إلقاء العظة، فلم أسعد بلقاء نيافة المطران لسفره ومضيت وقتًا بالمطرانية، التقيت فيه ببعض الأفراد وبموظفي المطرانية. ولفت نظري غلام حديث العهد بالخدمة، ووجدت الفرصة سانحة لأجاذبه الحديث. وقدمت له بعض الأسئلة. ومنها عرفت أنه يعمل بالمطرانية منذ شهر واحد، وأنه كان يعمل قبلاً بكنيسة في إحدى المدن التابعة للأيبارشية.. وسألته عن والده؟
قال إنه عليل وملازم للفراش، وهو يشتغل نجارًا. ولكنه لا يزاول المهنة الآن بسبب المرض الذي أقعده عن العمل وعرفت من الغلام أن أباه مرض بسبب نزق أخيه الأكبر وطيشه الذي شرد من الكنيسة. وركب رأسه. وجلب المتاعب والنكد لأبيه وأفراد أسرته.. فعدت أسأله: كيف تعيش الأسرة؟ أجاب الغلام من فيض الله.. ومما يجود به نيافة المطران. ثم قال بصوت خفيض الشكر والحمد الله..
سألته: ألم يتدخل كاهن البلدة لإصلاح حال أخيك؟ قال: تدخل الكاهن وحدث شغب بسبب أخي العاق، ثم عاد وقال: كاد أخي أن يتسبب في الاعتداء على حياة الأب الكاهن.
وعلمت من حديثي مع الغلام أنه يخدم ليعول أسرته، وأنه يرسل أجره لأبيه في مطلع كل شهر. ولما سألته: هل يعرف القراءة.. والكتابة؟ قال: لا.. إن أبي رقيق الحال، ولم أذهب إلى المدرسة لأنني أخدم منذ حداثتي لمعاونة أبي. فعجبت من أخوين شقيقين على طرفي نقيض: أكبرهما جلب الهم والعار على أبيه وأصغرهما يشتغل كادحًا، لينفق عرق جبينه على أبيه وأمه رغم أنه غض الأهاب[2]..
وسرحت ببصري قليلاً من حكمة الله وتدبيره.. لو لم يتغيب نيافة المطران.. ربما لم تتح لي فرصة التحدث مع هذا الغلام والوقوف على جلية حاله: ومأساة أسرته.
لقد أثرت فيَّ كثيرًا صراحة الغلام وبراءته.. وأكبرت فيه حبه لوالديه. هذا هو الغلام الذي قال عنه الكتاب: "جَيِّدٌ لِلرَّجُلِ أَنْ يَحْمِلَ النِّيرَ فِي صِبَاهُ" (مراثي 27:3).
وعندما قفلت راجعًا، حملت خبر هذا الغلام إلى لجنة البر بالزيتون، وقلت: ماذا نفعل لإغاثة أسرة، نكبها الدهر في ابن عاق؟
صاحت السيدات: نساعد الأسرة، ونمد الأب العليل بالمساعدة حتى يبل من مرضه، فإذا تم شفاؤه، نعاونه في فتح دكان النجارة من جديد.
قلت حسنًا.. ولكن هل نترك الغلام الصغير يذهب ضحية؟ إن أفضل شيء أن يتزود الغلام بصنعة.. وصنعة في اليد تغني عن الفقر. والأفضل أن يقف في دكان أبيه.. بعد شفائه.. يعاونه من ناحية.. ويلقط الصنعة من ناحية أخرى، وعلينا أن نساعده كي يلتحق بمدرسة لمحو الأمية.. في ذات الوقت.
جندي مجهول آخر
فاتني أن أقول، إنني عندما توجهت إلى المدينة بالوجه القبلي لإلقاء العظة، وجدت رجلاً طيبًا سمع عفوًا بقدومي إلى المدينة من إعلان، فأسرع في انتظاري قبل قدوم القطار وألح أن أزور بيته قبل التوجه للمطرانية، وأصلي من أجل أسرته.. قال لي: يا أبي أرجو أن تزور (بيت عنيا) يقصد بيته.
هذا الرجل الطيب عاش محرومًا من النسل فترة، ونذر إذا أعطاه الله ولدًا يسميه لعازر.. والغريب أن الله وهبه ولدًا فأسماه لعازر، ثم وهبه بنتين فأسماهما مريم ومرثا.
قالت لي زوجته: يا أبانا.. ما رأيك في هذا المثل.. (الزيت الذي يحتاج له البيت يحرم على الكنيسة).
قلت لها: إن الأمثال الشعبية تمثل مستوى أخلاق الذين قالوها.. وليس من الضروري أن تكون مُثلاً عليا، أو مبادئ مسيحية. وعمومًا الكتاب قد غبط المرأة التي قدمت من (أعوازها) ولم تكن تملك غير فلسين.. فقدمتهما للخزانة..
وعلينا أن نقدم لله من ضروريات الحياة لا من الفضلات.. علينا أن نقدم له أعز ما نملك، ليكون هو الأعز... ولهذا بارك الله أرملة صرفة، لأنها قدمت الخبز الوحيد الذي تملك، لأول طارق يسألها طعامًا.. وحلت البركة في كور الدقيق. وقليل الزيت، عادت الزوجة تقول: إن زوجها زار أحد الأديرة فوجد الدير في حاجة ماسة إلى مكبر الصوت، فعاد لتوه من الدير وأعده لهم. ودفع ثمنًا له مصروفات الأولاد بالمدارس، ثم لجأ إلى الاستدانة من الناس.
وفي اجتماع لجنة البر بالزيتون، عرضنا موضوع (بيت عنيا) وقررنا أن نساهم، إما بثمن المكبر، وإما بمصروفات المدارس لهذا الرجل ذي المروءة، الذي فضل حاجة الدير على بيته وأولاده..
وهنا أتوقف قليلاً.. وأتأمل في تدبير الله.. لقد سافرت لألقي عظة.. فتغيب الذين كانوا في انتظاري.. ثم ذهبت إلى المطرانية فتغيب نيافة الأسقف. فأعد الله الفرصة للتعرف بشخصين.. في مسيس الحاجة إلى مشروعين من مشروعات لجنة البر!
وهكذا اكتشفت أن كل لحظة تمر.. يمكن أن تعمل فيها خيرًا؟ إن الله تبارك اسمه وتمجد، يدبر لنا الفرص.. التي فيها نعمل، فلا يلزم أن ندع الفرصة تفلت من أيدينا.. والكتاب يعود ويقول لنا: "الحصاد كثير.. والفعلة قليلون"..
الشيء بالشيء يذكر
كنا نبحث عن حجرة لتسكنها سيدة تعولها لجنة البر، طردها صاحب البيت وتمكن أحد الفراشين بالكنيسة أن يجمع لها سكنًا.. وتقول السيدة إن صاحب البيت يصر على أخذ 50 جنيهًا مقدمًا.. فاعتمدت لجنة البر الخمسين جنيهًا في الحال. وهنا صاحت الأخصائية الاجتماعية: ماكينات الخياطة نفذت عن آخرها.. فعادت لجنة البر تقرر شراء 10 عشر ماكينات للخياطة في الحال لتقدم بها عشر مشروعات للأسر المنتجة. وهنا أضطر لمغادرة لجنة البر لبضع دقائق، لارتباطي بموعد داخل الكنيسة.
فلا أجد صاحب الموعد، بل أجد في طريقي سيدة طيبة متقدمة في السن برفقة ابنها وابنتها، توقفني وتقول: قرأت في الكرازة عن مشروعات لجنة البر، فخلعت الأسورة من يدي وبعتها، وجئت لأقدم ثمنها إلى لجنة البر تعمل مشروعات.. وقدمت المبلغ دون موعد سابق وهنا غاب صاحب الموعد، لتأتي السيدة الطيبة على غير موعد.. عندما رجعت إلى لجنة البر كان معي من المال ما يفي بمشروعات هذا اليوم.
أردنا أن نعطي فأسرع الرب وأعطى.. وقبل أن نُقدم.. قدم الرب. إن الذين يفعلون الخير، يلتقون بالله وجهًا لوجه.. لأن الله هو الخير الأسمى، وهو مصدر كل خير.. "كُلُّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ هِيَ مِنْ فَوْقُ، نَازِلَةٌ مِنْ عِنْدِ أَبِي الأَنْوَارِ - الَّذِي يُعْطِي الْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ وَلاَ يُعَيِّرُ" (يع 1: 5-17).
وينتهي اليوم والناس يجلسون في رحاب الكنيسة.. البعض يطلب كلمة عزاء.. والبعض معلق بخيط من رجاء.. وكان مساء وكان صباح يومًا واحدًا.
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 22 ديسمبر1978م
[2] غض الأهاب: صغير السّن
غضب الإنسان.. لا يصنع بر الله
غضب الإنسان.. لا يصنع بر الله[1]
الحب.. والكراهية، تدخل في باب العاطفة.. أما الغضب والخوف والحسد والقلق.. تدخل في باب الانفعال.
والغضب من الوجهة الدينية: غضب مقدس يكون لمجد الله وإحقاق الحقّ، ويمثله غضب الرب يسوع، عندما دخل الهيكل وطرد الباعة، وقال: "بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ!" (مت21: 13).
وغضب داود عندما سمع جليات يعير صفوف الله الحي.. (1صم 17: 26).
وغضب إيليا النبي على أنبياء البعل الذين أضلوا الشعب، وعلى آخاب الملك الذي قتل نابوت اليزرعيلي.
وغضب يوحنا المعمدان على هيرودس "لاَ يَحِلُّ أَنْ تَكُونَ لَكَ امْرَأَةُ أَخِيكَ" (مر 6: 18).
ونحن نغضب أيضًا إذا مُسَّت عقيدتنا وهي أغلى عندنا من حياتنا...
وهناك غضب غير مقدس عبر عنه الكتاب بقوله: "لأَنَّ غَضَبَ الإِنْسَانِ لاَ يَصْنَعُ بِرَّ اللهِ" (يع1: 20).
مثل غضب قايين على أخيه، فقام وقتله وأهدر دمه، وغضب عيسو على أخيه يعقوب.
وغضب شمعون ولاوي: وقال عنهما أبوهما يعقوب "شِمْعُونُ وَلاَوِي أَخَوَانِ. آلاَتُ ظُلْمٍ سُيُوفُهُمَا.. مَلْعُونٌ غَضَبُهُمَا فَإِنَّهُ شَدِيدٌ، وَسَخَطُهُمَا فَإِنَّهُ قَاسٍ.. فِي مَجْلِسِهِمَا لاَ تَدْخُلُ نَفْسِي" (تك 49: 5-7). وتكمن وراء الغضب معظم الجرائم التي تغطي وجه الأرض.
ولهذا صرح الرب يسوع بقوله: "كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ.." (مت5: 22).
وهذه نصائح الكتاب.. "اَلْجَوَابُ اللَّيِّنُ يَصْرِفُ الْغَضَبَ.." (أم 15: 1)، ليكن كل إنسان "مُبْطِئًا فِي التَّكَلُّمِ، مُبْطِئًا فِي الْغَضَبِ" (يع 1: 19). "لاَ تُسْرِعْ بِرُوحِكَ إِلَى الْغَضَبِ" (جا 7: 9).
وفي هذا المقال نتناول مشكلة الغضب عند الأطفال، نذكر أسبابه، وعلاجه مدعمًا بقصص من واقع الحياة.
أسباب الغضب
كثيرًا ما يكون الغضب مدمرًا، والشخصية المتزنة هي التي تجمع مزيجًا من التوافق وضبط النفس، والتسامي بالغرائز، والاتجاه وجهة الخير. فلا يصدر من الشخص ما يسيء إلى غيره، في المنزل أو في المجتمع محيط العمل.
1- الطفل يكبت غضبه يومًا بعد يوم، خوفًا من العقاب. ويتحول غضبه إلى انفعال حبيبس يتراكم ويشتد.. ثم ينفجر دون سابق إنذار فيحطم كل شيء.. ولهذا فالطفل الذي تساعده على التعبير عن رغبته، يكون أقل جنوحًا إلى الغضب.
2- يغضب الطفل ويثور، إذا سُدت أمامه السبل، وعطلت أية رغبة ملحة من رغباته وميوله. وقد يصب جام غضبه على القطع الخشبية الجامدة، القابعة في مكانها لا تتحرك، كذلك إذا لم يتحرك قطاره الصغير وكف عن المسير! أو إذا عجز عن إعادة تركيبه... وكذلك يغضب الكبير إذا وقفت في طريقه عقبة، وإذا أحس بجرح كرامته.
3- الخوف قد يتحول إلى غضب جامح. والحيوان إذا سدت في وجهه سبل الهرب تملكه الغضب.
4- نوبات الطبع: وهي انفجار يدفعه بأن يصيح، ويلقي نفسه على الأرض، يصرخ ويرفس.. وقد يؤدي كل هذا به إلى الهم.. (والانطواء) فكلما منع عن شيء ألقى بنفسه على الأرض.
5- قد يكون سبب الغضب عند الأطفال، جذب الانتباه، أو إصراره على رأيه، أو توقعه الحصول على (رشوة) لإسكاته أو ترضيته.. ويرى أن أهله وقد رأوا استحقاقه وانكروا عليه رغائبه، يعودون يستسلمون ويقبلون شروطه، وهو يستخدم من خنوع أهله وسيلة لإظهار غضبه عند اللزوم ويتعلم كيف يسيطر على الذين حوله.
ويستخدم هذا الأسلوب للتخلص من أي موقف.. وقد يتمادى لمجرد أن قدمت له (مصاصة) حمراء، وكان يريدها خضراء!
6- قد يكون سبب الغضب المعاناة من سرعة الوالدين وثورتهما لأمور تافهة.
7- الثرثرة أمام الجيران. فيقول الأبوان أن ابنهما (فظيع) لا يطاق.. وكذلك سخرية الآباء به.. بينما الطفل يسعى ليحتل مكانة مرموقة في الأسرة.
8- مقارنته بغيره من الأولاد، وشدة المبالغة في إظهار إخفاقه وخيبته.
9- مدح أحد الأبناء وإهمال الآخر كأنه من سقط المتاع.
بعض الحقائق
1- الغضب إذا كان متساويًا مع المثير، وكان قصير الأمد يعتبر سلوكًا سويًا، وبالتالي فالطفل الذي لا يغضب أبدًا ولا يبالي، يعتبر سلوكه غير عادي.
2- قد يلجأ الطفل إلى البكاء، فإذا لم تُجدِ هذه الطريقة، لجأ إلى الصراخ فيلقي بنفسه على الأرض يرفس.. ويضرب أي شيء يعترضه أو يخدش جسمه، وينقطع عن التنفس.. فيسرع الأهل يلتفون حوله ويلبون طلبه.
علاج الغضب
يقول الكتاب: "أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي الرَّبِّ.." (أف6: 1) "أَيُّهَا الآبَاءُ، لاَ تُغِيظُوا أَوْلاَدَكُمْ لِئَلاَّ يَفْشَلُوا" (كو3: 21)!!
2- علينا أن نساعد الطفل على (ضبط النفس)، وعلى أن تكون سيطرته على نفسه صادرة من داخل نفسه، لا مفروضة عليه من الخارج.
3- تعمل التربية الدينية عملها منذ الصغر، فهي التي تصقل الطفل فيستقيم عوده.
4- علينا أن ندرس الأسباب التي أثارت الطفل وأدت إلى حنقه.. ربما كان السبب غيرة أو شعورًا بالظلم، كأن يعاقب عقابًا صارمًا لا يستحقه، وقد يكون السبب الشعور بالنقص.
5- ليس الصياح في وجه الطفل وتهديده، وفرض الطاعة عليه علاجًا.. بل هذا يجعله أعسر قيادًا...
6- قد تكون هذه النوبات في الطفل دليلاً على عدم الاستقرار النفسي، وكثيرًا ما يصاحبها اضطراب في النوم، وعزوف عن الأكل، وتلمس الأخطاء التافهة.. وهنا يكون الطفل في حاجه إلى الراحة، ويحسن أن نهيئ فرصًا أوفر للعب مع أصحابه وللنزهة البريئة وعدم حجزه دائمًا بالمنزل، حتى لا يتمركز تفكيره حول الذات.
7- يلزم أن لا نجره جرًا إلى مكان لا يرغب فيه، ولا إلى طعام لا يحب أن يتذوقه.
8- عند بحث الحالات التي يثور فيها الطفل علينا أن نفرق بين موقف الطفل إذا كان احتجاجًا لا شعوريًا على نوع من المعادلة أو إهانة لحقته أو إعاقة، وبين ما إذا كانت طريقة ساذجة للحصول على ما يريد وهنا نقف معه موقفًا حازمًا.
9- بحث حالة الطفل الصحية ومدى قابليته للطعام لئلا تكون حالة مرضية وعلينا أن ندرس مشكلاته، وما مصدر همومه؟ وعلى الآباء أن يشيعوا السعادة في حياة أبنائهم، ومكافأتهم وتشجيعهم كلما أحسنوا..
10- كن عادلاً مع طفلك.. كن حازمًا في تعليماتك. كن واضحًا فسر له المطلوب القيام به ليكون في حدود طاقته.. كن لطيفًا معه يتخذك أبًا ورفيقًا وصديقًا ودعه يحدثك عن خبيئة نفسه.
قصص من الحياة
1- من بستان الرهبان: قيل عن الأنبا موسى الأسود، إن البابا ثاؤفيلس عندما دعاه لسيامته كاهنًا أراد أن يختبره فقال: إذا دخل اطردوه لنسمع ما يقول، فلما طردوا الأنبا موسى لم يغضب بل قال: حقًا ما عملوا بك يا أسود الجلد. ولما أرجعوه رجع بلا غضب.
2- مات فليسوف وترك ابنًا في وصاية صديق فليسوف.. فأراد الوصي أن يعلم ابن صديقه الحكمة، وضبط النفس، فأرسله إلى أحد الأديرة ثلاث سنوات.. ولما عاد قال له الوصي: ارجع ثانية وأعط أجرًا لمن يشتمك، وبعد سنوات أخرى أرسله إلى أثينا فمر عليه رجل شيخ شتمه.. فضحك، فسأله لماذا تضحك؟ قال: لي ثلاث سنوات أقدم أجرًا لمن شتمني وأنت الآن تشتمني مجانًا..!
3- غضب اثنان إلى حد القطيعة.. وشاء الله أن يذهب الاثنان في العيد إلى البابا البطريرك لأخذ بركته.. فجمعهما وقبل الانصراف قال لهما نصلي.. أبانا الذي في السموات وأكمل حتى بلغ عبارة اغفر لنا ذنوبنا.. قالها قداسة البابا هكذا: "ولا تغفر لنا ذنوبنا لأننا لم نغفر لمن أساء إلينا"!! وعندما سأل الاثنان البابا في ذلك، قال وهل نكذب على الله يا أولادي في الصلاة ونقول اغفر لنا كما نغفر نحن.. فاصطلحا على يديه.
4- حدثني رجل شيخ عن حادثة وقعت له في شبابه، وكان حديث العهد بالزواج وأصيب بالحمى واشتدت عليه العلة، وحدث أن طلب شيئًا من زوجته وتأخرت قليلاً في إعداده فاشتط في غضبه، فأسرعت تقبله وتعتذر له... قال محدثي: من يومها قدرت زوجتي ودربت نفسي ألا أغضب وأتمالك النفس.
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 29 ديسمبر 1978م
كيف ننشئ لجنة بر
كيف ننشئ لجنة بر[1]
في مناسبة سعيدة، في ذكرى الاحتفال بعيد جلوس البابا بالإسكندرية التقيت ببعض سيدات ألحفن أن أحدثهن: كيف ننشئ لجنة بر؟!
وعندما عدت إلى القاهرة، وبعد القداس الذي تعودت أن أقوم به الأحد الأول من كل شهر بكنيسة السيدة العذراء بجاردن سيتي، التفت حولي بعض السيدات الفضليات، وأخذن يلحفن في الرجاء: حدثنا يا أبانا كيف ننشئ لجنة بر؟!
ودُعيت منذ أكثر من عام إلى المعادي وفوجئت بأكثر من 40 سيدة يجتمعن ومعهن أعضاء الجمعيات، وأخذ السؤال الهام يفرض نفسه.. كيف ننشئ لجنة بر؟! وتنقضي السهرة إلى ساعة متأخرة من الليل في حديث شهي حول هذا الموضوع وفعلًا شهدت هذه الليلة مولد لجنة بر بالمعادي، أرجو لها النماء والازدهار.
ودُعيت من قبل إلى الفيوم حيث تم إنشاء لجنة بر، سرعان ما نمت وترعرعت، وتعهدها كثيرون من الغيورين تحت رعاية نيافة الأنبا أبرام، وبركة أبينا أبرام قديس القرن العشرين...
وذهبت إلى الزقازيق والسويس..لإلقاء عظات وإلى سمالوط وشبين، وفي كل مرة كنت أمتع البصر بمولد لجنة بر.. ما زالت تحبو في المهد!
وفي صباح الأربعاء 25ديسمبر1978م حضرت سيدات لجنة البر بكنيسة العذراء بجاردن سيتي إلى كنيسة العذراء بالزيتون والتقين بسيدات لجنة البر بالزيتون، ومضين سحابة اليوم في ظلال السيدة العذراء الأم الحنون.. حيث قمنا باستقبال الحالات.. ودخل ذوو الحاجات، وأخذت السيدات يبدين الملاحظات، ويستمعن إلى التوجيهات، وإتخاذ القرارات على الطبيعة.. وفي المقال أعرض أمام القراء والمهتمين بعض التوجيهات لتكون موضع دراسة، ولعلني أرد على هذا السؤال، وفي عجالة حسبما يسمح المجال.. كيف ننشئ لجنة بر؟! ويقيني أن كل كنيسة.. وكل منطقة في حاجة ملحة وعاجلة.. إلى لجنة بر "إِنْ لَمْ يَبْنِ الرَّبُّ الْبَيْتَ، فَبَاطِلًا يَتْعَبُ الْبَنَّاؤُونَ" (مز 127: 1).
سر إنشاء لجنة بر
في أول عهدي بالكهنوت نما إلى مسمعي إلغاء معونة 50 عائلة مقيدة بالكنيسة بدعوى عدم الاستحقاق وإلغاء 50 عائلة أخرى بدعوى تحويلها إلى مناطق قريبة من سكنها.
وبالبحث تأكد لي أنهم في مسيس الحاجة إلى المعونة، فقررت صرف الإعانة لهم، دون الالتجاء للكنيسة.
ودارت هذه المناقشة بيني وبين المختص: نحن نخدم في حدود النظام والميزانية والأرقام.
قلت: وأنا لا أعترف بالأرقام ولا بالميزانية المحددة.. كل فقير محتاج أن يأخذ! قال: إذًا أنت تريد أن تسير بنا على طريقة الأنبا أبرام؟!
قلت: نعم تمامًا.
قال: إذًا اختلفنا.. قلت: إذًا اتفقنا وقدم المختص استقالته.
وكان هذا مولد لجنة البر بالزيتون على طريقة الأنبا أبرام تنفق كل ما معك.. يرسل لك الله في اللحظة التالية مباشرة!
بعض الاقتراحات
يلزم وجود أخصائية اجتماعية مدربة.. ولدينا بالزيتون اثنتين تحمل كل منهما بكالوريوس خدمة اجتماعية، وتقوم خدمة الأخصائية بفحص الحالات، وتبويبها وإعداد دوسيه لكل حالة، ودوسيه عام تبين فيه أوجه الإنفاق من معونة.. وتعليم وعلاج.. وغذاء وكساء.. ومشروعات.
يلزم أن تقوم الأخصائية بزيارة مفاجئة للمتابعة، والتأكد من صدق الحالة.
في حالة عمل مشروع، لا تسلم النقود في يد صاحب المشروع، بل تنتدب (لجنة مشتريات).
يلزم عمل مشروعات عامة لتشغيل الفتيات من الأسر المحتاجة داخل نطاق الكنيسة. ولدينا مشروع (مشغل العذراء) وبه جميع أقسام الخياطة. وأشغال الإبرة، والتريكو.. وهنا أذكر حادثة جزع لها المشرفون على مشروع المشغل وطربت لها أيما طرب!
بعد افتتاح قسم (التريكو)، وتعليم عدد وافر من الفتيات، أخذ القسم يدر أرباحًا طائلة، ثم فوجئنا بخروج جميع الفتيات، فأغلق قسم التريكو أبوابه.. والسبب (أ) بعض الفتيات اشتغلن في مصانع بأرباح خيالية. (ب) البعض حصلن على ماكينة تريكو وأخذن يشتغلن في منازلهن لحسابهن.
قالت المشرفة: بنات خائنات.. تطعمهن، يتمردن على لقمة العيش!
قلت للمشرفة: لست معك.. الآن فقط نجحنا! إن الغرض أن نعد هؤلاء للحياة ونجاحهن هو نجاح للمشروع وللكنيسة وليس الهدف أن ينجح المشروع ماديًا.. بل أن ينجح في إعداد الفتيات للحياة العامة.. وقمنا بمحاولة ثانية، وأعددنا عددًا آخر من الفتيات ونجح قسم التريكو وأغلق ثم عاد ليفتح من جديد في محاولة ثالثة.
ولا أقول: أخفقنا مرتين.. بل أقول نجحنا مرتين!! ولدينا مشروع للسجاد تعمل به حاليًا عشرون فتاة.. تمثل20 أسرة محتاجة ولدينا مصنع براويز، يعمل فيه أولاد. ونعد العدة لافتتاح مصنع الخزف قريبًا إن شاء الله.
مشروع آخر يلحق بمشروع مشغل العذراء، وهو تعليم الفتيات الخياطة.. ويتخرج في قسم التعليم كل سنة 50 خمسون فتاة تحمل كل منهن (دبلومًا) في التفصيل وتديره سيدة متطوعة وتخرج منه حتى الآن 200 فتاة سرعان ما التقطهن السوق.
ماكينة خياطة هدية لكل فتاة تعمل بالمشغل وتقدم على الزواج فوق مساهمة لجنة البر في تجهيزها، وفي تكاليف الزواج.
عظة روحية للأسر المقيدة بلجنة البر: مرتين كل أسبوع: يومي الإثنين والأربعاء لأنه كما أننا نهتم بغذاء الجسد يلزم أن نهتم بغذاء الروح.. وتحضر هذه العظات 400 عائلة مقيدة: تحضر السيدات ومعهن أزواجهن وأولادهن، فيتحول الاجتماع إلى مهرجان كبير!
الإنفاق على الفقراء بجميع مراحل التعليم: التعليم بالمدارس الخاصة والجامعات، ونعد لطلبة الجامعات ثيابًا خاصة تليق بهم، وقد تخرج منهم كثيرون.
البحث عن سكن ودفع ما يلزم.. ودفع الإيجارات المتأخرة للعائلات المعدمة وتبني القضايا في المحاكم والإنفاق عليها.
إيواء بعض الفتيات بمساكن الطالبات والإنفاق عليهن إنفاقًا كاملًا لوقوعهن تحت ظروف ضاغطة..
التنجيد وتقديم الفراش الملائم والأسرة (سرير): لعائلات تبيت على الطوى تفترش الغبراء[2] وتلتحف السماء.
أكلة كل شهر على أكثر تقدير تعد إعدادًا جيدًا وتسمى (مشروع غذاء الفقير) وتقوم عضوات لجنة البر من السيدات بخدمة الفقراء بأيديهن، وتتبارى سيدات كثيرات بالتبرع لإطعام الفقراء.. ويحدث دائمًا أن تفيض لدينا كميات هائلة من المأكولات نوزعها على ثلاثة ملاجئ بالزيتون.
إعادة تقييم الحالات كل عام.. لتغيير الظروف.. ولتخرج بعض الأبناء واشتغالهم.
الإنفاق على (العائلات المستورة) وهؤلاء تصلهم حاجاتهم من إنفاق وتعليم وعلاج وكساء، دون أن يحس بهم أحد إطلاقًا.. ولا يعرفهم إلا الأب الكاهن منعًا من خدش شعورهم.. وقد طلب مني كثيرون أن يحتضنوا بعض عائلات.. ولما أخذت رأيهم رفضوا رفضًا باتًا أن تعرف أسمائهم.. وأخذوا يلحون في رجاء ألا يعلم طريقهم أحد من الناس.
الاحتراس من أدعياء الفقر والمحترفين والمحتالين الذين يأخذون من التردد على الكنائس حرفة مربحة، ومن حين لآخر ننشر في الكرازة طرفًا من حيلهم ونعترف أننا من حين لآخر نقع في أحبولة ينصبها واحد منهم ولكننا مع المران أصبحنا أكثر دربة ومرانًا.
الاهتمام بالفتيات الشاردات. وعلى سبيل المثال التقيت بفتاة في الكنيسة أسرتها تعاني فقرًا مدقعًا وقالت إنها تسعى للحصول على المال من أي طريق. فأمرت الأخصائية أن تصرف لها معونة كلما مرت بالكنيسة. وكانت تمر مرتين وثلاثة مرات في الأسبوع، بلغ ما كانت تحصله من لجنة البر بين 30، 40 جنيهًا في الشهر! حتى ضجت الأخصائية فأمرت باستمرار الصرف. إن النفس غالية لأن الرب يسوع مات من أجلها. وفي الشهر الأول قالت لي الفتاة إنها ما زالت تمارس الحرام بحكم العادة، فلم أفقد الأمل. ولكنها ظلت تواظب على الاعتراف حتى تخلصت بعد شهور كثيرة من هذا الداء الوبيل وعادت إلى الله! وحصلت على دبلوم وأمكن تدبير عمل لها تعيش منه عيشًا شريفًا! إن الخدمة تحتاج إلى صبر وإلى نفس طويل.
الاهتمام بالفتيات الشاردات عن الدين. وسمعت عن فتاة سيعقد قرانها بعد أيام فذهبت إليها وقرعت الباب فلم تفتح لي! فظللت أقرع حينًا وانتظر حينًا وكان معي الشماس المكرس فنفذ صبره.. وأخيرًا فتحت لي وكانت الساعة الثانية عشرة عند منتصف الليل وذكرت بعد ذلك أنني (صعبت عليها)! وما جلست معها غير قليل.. حتى ركعت وانخرطت في بكاءٍ ونحيب تذرف دموعًا سخينة. وقالت لي بالحرف الواحد.. لن أبيع السيد المسيح بكل كنوز العالم! ومسحت هذه الكلمات كل ما عانيت من مشقة في هذا اليوم!
تحتاج لجنة البر إلى الأب الكاهن الذي هو موضوع ثقة الشعب وتقديره، يتعفف عن الماديات. يعطي ولا يأخذ وحذار أن تقوم لجنة بر من غير أب كاهن يبارك ويوجه ويقود.
فكرة لجنة البر تقوم على تقديم مشروعات بدلًا من تقديم مساعدات مالية. وتحويل العاطلين إلى عاملين.. عملاً بالقول الإلهي: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَغِلَ فَلاَ يَأْكُلْ أَيْضًا" (2تس3: 10)، وقد جربنا فوجدنا مشروع قدرة الفول تدر جنيهين يوميًا على الأقل، ومعها قدرة بليلة تدر 100 مائة جنيه في الشهر، ورأس مال المشروع قليل.
وهنا أحذر من شيطان الرصيد..! وضرورة تحويل الهبات إلى مشروعات.
أقترح تخصيص صندوق بمدخل الكنيسة في الشهور الأولى لدخول المدارس، يفتح بلجنة...
أقترح تبادل الخبرات والزيارات على الطبيعة، والاستفادة من الأخطاء.
اقترح نظام (الكوبون) كوبون خاص لمخبز.. كوبون لصيدلية.. كوبون لتاجر أقمشة.
نظام لجنة البر في الزيتون على فترتين: صباحًا تمثله 24 سيدة يقمن برعاية الفقراء.. مساء قوامه 7 رجال على درجة ثقافية وروحية عالية. والسيدات اللائي يملكن عربات يساعدن الأخصائيتين في الافتقاد.
26- لا ننسى يد الله في كل عمل... وفي كل مشروع وفي كل خدمة وأننا بدونه لا نستطيع أن نعمل شيئًا، نحن مجرد آلات، وأصفار في يد الله الذي يبارك.
27- روح الخدمة.. وما فيها من بذل وإيمان وأساسها "اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَسْقُطُ أَبَدًا" (1كو13: 8). وأضرب في الختم مثلاً: كيف تأتي المشروعات؟
جائني رجل مسن وعرض أن يقدم 5000 جنيه في مقابل إنشاء دار إيواء للعجزة قال إن معه مسنًا ثانيًا وثالثًا معهما أيضًا 10000. وعرضت الأمر على قداسة البابا، ولما كنا نملك الأرض، فالمشروع دور التنفيذ.. ورصيده قبل البدء 15000 جنيه وهنا أسجل شكري لأبنائنا في الخارج في المهجر، في أوروبا، أمريكا، أستراليا، الرب يعوضهم.
وليكن هذا شكرًا خاصًا لكل واحد منهم وليتمجد ويتبارك الله فينا وبنا.
الفقراء إخوتنا علينا أن نذهب ونفتش عليهم ولا ننتظر أن يأتوا هم إلينا.
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 5 يناير 1979م
[2] الغبراء: الأرض
كيف نستقبل عيد الميلاد المجيد
كيف نستقبل عيد الميلاد المجيد[1]
استقبله قديمًا المجوس وهم أصلاً طغمة من الكهنة بين مادي فارس، عكفوا على دراسة الفلك والعلوم والطب، وأخذوا يتتبعون نجمًا كان يتقدمهم، حتى جاء ووقف. حيث كان الصبي.. وفتحوا كنوزهم وقدموا.. ذهبًا ولبانًا ومرًا.. إن النجم الذي قاد المجوس إلى الرب كان يضيء.. كذلك كل شخص يقود النفوس للسيد المسيح يضيء.. "وَالْفَاهِمُونَ يَضِيئُونَ كَضِيَاءِ الْجَلَدِ، وَالَّذِينَ رَدُّوا كَثِيرِينَ إِلَى الْبِرِّ كَالْكَوَاكِبِ إِلَى أَبَدِ الدُّهُورِ"(دا 12: 3).
استقبلته ملائكة السماء، حيث ظهر جمهور من الجند السماوي، مسبحين الله قائلين: "الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ" (لو14:2). وميلاد الرَّب هو موضوع بهجة اشترك فيه السمائيون والأرضيون!
واستقبل البشارة رعاة متبدون يحرسون حراسات الليل.. لقد كانوا يعملون وهذه أول رسالة، فالذين يبتهجون بميلاد الرب هم الذين يؤدون واجباتهم بأمانة!
وكانوا ساهرين غير غافلين يحرسون حراسات الليل على رعيتهم، وكان طبيعيًا أن يبشر الرعاة، بمولد راعي الرعاة الأعظم "أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ" (يو10: 11). والعجيب أنهم بعد أن شاهدوه، رجعوا إلى رعيتهم واستمروا يواصلون الجهاد. إن الساعات التي نقضيها مع الرب، يجب أن تشحذ همتنا فنواصل الدأب والكفاح...!
لقد قدم المجوس في هذا اللقاء ذهبًا، ولبانًا ومرًا.. ذهبًا إشارة إلى أنه الملك، ولبانًا إشارة إلى أنه الكاهن، ومُرًا إشارة إلى آلامه على الصليب.. وقدم الرعاة شكرًا وعبادة.. وقدم الملائكة سبحًا.. فماذا نقدم نحن؟!
لقد جاء السيد المسيح إلى العالم، ليتمم رسالة السلام، والخير، والرحمة.. وفي رأيي أن خير ما نقدم في عيد الميلاد: صفحًا وخيرًا ورحمة.
ويقول الكتاب: "لاَ تَنْسَوْا فِعْلَ الْخَيْرِ وَالتَّوْزِيعَ" (عب16:13). و"هكَذَا هِيَ مَشِيئَةُ اللهِ: أَنْ تَفْعَلُوا الْخَيْرَ" (1بط2: 15). "لاَ تَمْنَعِ الْخَيْرَ عَنْ أَهْلِهِ، حِينَ يَكُونُ فِي طَاقَةِ يَدِكَ أَنْ تَفْعَلَهُ" (أم 3: 27).
والمؤمن الحقيقي لا يكتفي بفعل الخير، بل يعيش فيه: "نَفْسُهُ فِي الْخَيْرِ تَبِيتُ" (مز25: 13).
راهب وثوب وإنجيل
في طريق الأب سرابيون إلى الإسكندرية لقى إنسانًا عريانًا في السوق.. فوقف متأملاً، وقال في نفسه. كيف يقال عني أني راهب، وأنا ألبس ثوبًا وهذا يقف عريانًا؟ حقًا هذا هو المسيح. والبرد يؤلمه سرعان ما تعرى من ثوبه وألبس المسكين العريان.
ومر والإنجيل في يده بأحد الأثرياء فقال له: ما الذي عراك يا أنبا سرابيون؟ فأشار إلى الإنجيل وقال هذا! كان يقصد الآية "وَمَنْ أَخَذَ رِدَاءَكَ فَلاَ تَمْنَعْهُ ثَوْبَكَ أَيْضًا" (لو6: 29) فأعطاه الثري ثوبًا.
ومر الأنبا سرابيون في طريقه بإنسان مدين، يمسك به الدائن، ولأنه لم يكن يملك شيئًا، أسرع وباع الإنجيل، ودفع بثمنه للدائن.. وفك لدين عن المدين.. وفي طريقه إلى البرية، لاقاه إنسان محتاج وطلب صدقة، فعاد وخلع الثوب وأعطاه وعاد عريانًا مرة أخرى.
ولما دخل قلايته وأبصره تلميذه: قال له يا معلم أين ثوبك؟! قال له: قدمته يا ولدي لمن يحتاجه. عاد تلميذه، قال له: وأين الإنجيل يا أبي الذي كنا دائمًا نتعزى به؟! قال: لقد كان يقول لي دائمًا.. "بِيعُوا مَا لَكُمْ وَأَعْطُوا صَدَقَةً" (لو12: 33).
متى تبسط الموائد؟!
قال أحد الآباء إنه طرق قلاية الأب تادرس وكان بصحبته أحد الرهبان فقال لهما، لقد أضاع الرهبان اليوم سيرة الشيوخ القدامى.. صدقوني يا أولادي بأن الأغابي (أي موائد المحبة) التي كانت تقدم في الكنائس قديمًا، وما زالت لليوم، كانت عظيمة للغاية، ولقد لحقت شيوخًا لا يذوقون طعامًا، ما دام لا يطرق بابهم طارق محتاج!
وقال: وكنت أذهب إلى شيخ اسمه أمونيوس لنأكل طعامًا معًا... وكانت هذه عادة الشيوخ: أنه كلما طرق بابهم طارق، وقدموا له طعامًا، يصلون جميعًا ثم تبسط الموائد!!
وأبصر أبونا إبراهيم قديمًا ثلاثة رجال.. فأسرع وقال لواحد منهم: "يَا سَيِّدُ، إِنْ كُنْتُ قَدْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ فَلاَ تَتَجَاوَزْ عَبْدَكَ لِيُؤْخَذْ قَلِيلُ مَاءٍ وَاغْسِلُوا أَرْجُلَكُمْ وَاتَّكِئُوا تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَآخُذَ كِسْرَةَ خُبْزٍ، فَتُسْنِدُونَ قُلُوبَكُمْ ثُمَّ تَجْتَازُونَ" (تك 18: 3-5).
مائة ضعف!
قرأت عن أحد الآباء وكان محبًا للفقراء، أنه كان يعطي بسخاء وذات يوم زارته سيدة أرملة فقيرة تجر وراءها أولادها. وكانت في ضائقة، فاستدعى تلميذه وأمره أن يسلم الأرملة كل ما في الخزانة. وكان بها خمسة عشر دينارًا.. غير أن التلميذ استكثر أن يقدم كل المال الموجود ويترك الخزانة خاوية.. فقدم للأرملة 5 دنانير، أخذتها وانصرفت شاكرة.
وبعد ساعات قليلة جاءت سيدة ثرية من بلاد نائية، تزور الأسقف بالدير وفتحت حقيبتها لتقدم خيرًا.. ووقفت مشدوهة! قالت: كنت قد عزمت أن أدفع 1500 دينار، فكيف أنني لم أحضر معي غير500 دينار.. فصرفها الأسقف ودعا لها.
وبعد انصرافها دعا الأسقف تلميذه: وقال له كم دينارًا كان بالخزينة؟ قال: 15 دينارًا. قال: كم قدمت للأرملة المسكينة؟ قال تلميذه مرتبكًا متلعثمًا! 5 دنانير. قال الأسقف: قدمت 5 دنانير... أحضرت السيدة الثرية 500 دينار ولو قدمت للأرملة 15 دينارًا، لتذكرت السيدة الثرية وأحضرت 1500 دينار؟!
ألم أقل لك يا بني: إن الله يرد الدينار.. مائة دينار؟!
وهذه القصة تؤكد قول الكتاب: "يَأْخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ وَيَرِثُ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ" (مت19: 29)، وليس من الضروري أن يكون الضعف ماديًا، فإنه تكفي البركة. وبَرَكَةُ الرَّبِّ هِيَ تُغْنِي، وَلاَ يَزِيدُ مَعَهَا تَعَبًا (أم10: 22).
عدد الخطوات
عن الأنبا أغاثون، إنه ذهب ذات يوم إلى المدينة ليبيع عمل يديه فوجد في طريقه إنسانًا مريضًا مجذومًا، قد ثقل عليه المرض، فقال المجذوم للأنبا أغاثون: إلى أين أنت ذاهب يا سيدي؟ قال له: إلى المدينة.. قال له المجذوم اصنع محبة وخذني معك.. فحمله الأنبا أغاثون على كتفيه وسار به إلى المدينة.. عاد المجذوم وسأله أن يأخذه إلى حيث يبيع عمله... فأخذه وحمله دون ضجر.
ولما باع الأنبا أغاثون ما عمله، طلب منه المجذوم شبكة وثيابًا وطعامًا استنفد كل ما باعه، ولم يبق معه شيء!
أراد الأنبا أغاثون أن يعود إلى الدير فأشار عليه المجذوم أن يحمله ويأخذه معه فعاد وحمله إلى الموضع الذي أخذه منه قبلًا.. قال له المجذوم: مبارك أنت من السماء لقد حملتني- (كذا) خطوة، وذكر له عدد الخطوات التي حمله فيها! وكل خطوة لها أجر عند الرب. وتلفت الأنبا أغاثون فلم يجده، كان ملاك الرب أرسله ليمتحن محبته واحتماله!
فهل تعلم أيها القارئ العزيز، أن الله يعد الخطوات التي تخطوها في سبيل الخير؟! ويعطيك عن كل خطوة أجرًا وبركة ونعمة؟
وعليه فلا تضجر.. كلما زادت الخطوات، زاد ثوابك. فلا تطلب الطريق السهل القصير، فبقدر احتمالك يكون جزاؤك.. والكتاب يقول: إن الله لا ينسي تعب المحبة.
قصة 3 خبزات
شيخ كان يكثر من الرحمة وعمل الخير، ابتليت البلاد في هذا الوقت بغلاء عظيم، لم يحدث له مثيل.. فلم يفتر عن عمل الرحمة.. وأخيرًا نفذ كل شيء معه، وبقيت معه 3 خبزات.
أراد أن يأكل: وهنا طرق فقير الباب، فأسرع واستقبله فرحًا.. وقال لنفسه جيدًا أن أجوع ولا أردّ أخًا للسيد المسيح خائبًا! وأراد أن يفضله على نفسه فقدم له 2 خبزتين وأبقى لنفسه واحدة، وقام وصلى وجلس ليأكل.
وهنا طرق الباب سائل آخر، فضايقته الأفكار من ألم الجوع، ولكنه وثب بشجاعة وأخذ الخبزة الباقية وقدمها للسائل الجائع بفرح.
وقال في نفسه: إنني أؤمن أنني إذا أطعمت الجائع المسكين في مثل هذه الأحوال، فإن الله يطعمني من خيراته.. ولا يحرمني بركاته.
ثم رقد جائعًا، ومرت عليه ثلاثة أيام، لم يذق فيها طعامًا، وظلَّ يشكر ويسبح الله. ولما كان يقوم بالخدمة وغفلت عيناه، راح في إغفاءة، وسمع في الرؤيا صوتًا يقول: لأجل أنك أكملت وصية الرحمة، وغفلت عن نفسك، وأطعمت أخاك الجائع، لن تكون مجاعة وغلاء أيامك في الأرض كلها!
وعندما أشرق نور الصباح، وجد على الباب جمالًا محملة بكل الخيرات "أَعْطُوا تُعْطَوْا، كَيْلاً جَيِّدًا مُلَبَّدًا مَهْزُوزًا فَائِضًا يُعْطُونَ فِي أَحْضَانِكُمْ. لأَنَّهُ بِنَفْسِ الْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ" (لو6: 38).
من الواقع القريب
أعرف رجلًا طيب القلب، عندما اشتدت أزمة المساكن واستحكمت.. أخلى الشقة التي يسكن فيها آمنًا، وقدمها لكاهن البلدة، باعتباره أنه لا حاجة له بها. واختار لنفسه حجرة فوق السطوح. وشعر بالسعادة لأنه أكرم أباه الكاهن!
والتقيت في أحد المدن بعد إلقاء العظة برجل طيب القلب، رقيق الحال، جاهد وكافح حتى بنى الطابق الثاني، وقدمه للكنيسة ليكون قاعة اجتماعات.. وعندما سألته في هذا قال: أتمنى أن يقوم مكان البيت كله كنيسة.. بهذا تتم سعادتي. حقًا إن الغنى هو غنى النفس!
إن الله خير.. واسمع نصيحة الرب يسوع في الختام: "اذهب واصنع خيرًا". بهذا نستقبل عيد الميلاد المجيد.. بالحب والصفح وعمل الخير.
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 13 يناير 1979م
أحقيقة هي أم هي خيال
أحقيقة هي أم هي خيال[1]
أمام الأحداث الخاصة بعناية الله العجيبة ويده القادرة، يقف المؤمنون خاضعين، أما الأضعف إيمانًا فيتساءلون: هل هي حقيقـــــة أم خيال؟ وهل هذه الأحداث مأخوذة من ذات الواقع أو يمتزج بها الخيال؟ وقد يقرأون هذه المذكرات.. ويرددون ذات السؤال: وهم الأقلية.
وتعال معي إلى بحر عجاج مترامي الأطراف.. يضربه موسى بعصا باسم الرّب: فينفلق البحر نصفين، ويجوز فيه الشعب والماء سور لهم على اليمين وعلى اليسار، فيسيرون إلى البرية، وسحابة تظللهم من وهج الشمس!
وفي الهزيع الرابع من الليل والسفينة معذبة، والتلاميذ على شفا الموت غرقًا، وإذا بالسيد المسيح يأتيهم ماشيًا على الماء فلما رأوه ظنوه خيالاً فصرخوا.. وقال: "..أَنَا هُوَ. لاَ تَخَافُوا" (مت 14: 25-27).
وتعودنا، كلما اكفهرت السماء، وتلبدت بالغيوم، أن نرى السماء تمطر مطرًا رذاذًا أو ثلجًا.. ولكن الكتاب يخبرنا أن السماء مرة أمطرت نارًا وكبريتًا، وأحرقت القوم الظالمين! (تك 24:19).
ويتقدم جليات الجبار، رجل يحمل سيفه ستة رجال.. لمحاربة داود الغلام، ويمد داود يده بالمقلاع، وينطلق من مقلاعه حصاة لتصيب العملاق في مقتل وهكذا انتصر المقلاع، والغلام على الجبار(1صم 49:17).
ويطلب اليهود الجزية من الرَّب.. مع أنها تؤخذ من الأجانب وليس من البنين، فيقول الرب لبطرس، أن يرمي الشبكة فتخرج سمكة يفتح فاها يجد إستارًا يدفعه عنهما.. وهكذا أخذت الضريبة من فم سمكة! (مت 17: 27).
لا شيء غير ممكن لدى الرب.. وغير المستطاع عند الناس مستطاع عند الله (لو1: 37).
وفي هذا المقال أعرض أمامك أيها القارئ العزيز، بعض الأحداث وهي حقائق، من صميم الواقع وإن كانت تبدو لقصار النظر خيالاً، وأذكر لك الحكمة المستخلصة في كل حالة.
يسعى ورائي
وأدخل من باب المعمودية، أقصد الهيكل، لفرش المذبح في القداس الثاني وكان الوقت لا يسمح بالتأخير، بعد أن استمعت إلى بعض المشكلات.. ويقف رجل في طريقي.. ويقول دقيقة واحدة. فأعتذر لضيق الوقت.. فيحاورني ويسد أمامي الطريق. ويقول: المسألة لن تأخذ وقتًا.. خذ هذا الظرف ثم ينفلت ذاهبًا وأضع الظرف على المذبح بين أوراق كثيرة. لدينا عائلات مستورة (لا تستطيع السؤال).. تصلها معونات شهرية يدًا بيد.. وأقبل أول الشهر، ولم أكن أملك شيئًا أقدمه لهم.. فماذا أنا فاعل؟ وأخيرًا قلت في نفسي.. الرب يدبر. نبحث هذا الأمر بعد القداس.. وبينما هذا الأمر يحيرني، يعترض طريقي هذا الرجل.. ويسد أمامي الطريق.. إن هذا اليوم مشحون بالمتاعب والمثيرات.. هكذا قلت في نفسي.
وبعد القداس أعبث بالظرف وأفضه وأجد بداخله المبلغ المطلوب تمامًا للأسر المستورة بالجنيه والقرش.. وهذا سر لا يعلم به أحد إطلاقًا. وأتذكر الرجل وهو يقدم لي الظرف وينفلت ذاهبًا في غمضة عين.. هذه حقيقة وليست خيالاً، ولكن كيف؟ لست أدري ولا أحد يدري.. الحكمة المستخلصة من هذه الواقعة.. عظم تدبير الله.. أنت تفكر.. والرب يدبر.. وما عليك إلا أن تسلم للرب طريقك.. اتكل عليه وهو الذي يجري (مز37).
قيمة المطلوب بالتمام
نفكر في مشروع السجاد، ولدينا الآن 7 سبعة أنوال تعمل عليها عشرون فتاة كل فتاة تعول أسرة.. قيل لي إن ثمن الأنوال السبعة 600 ستمائة جنيه، تنازل صاحبها عن 100 جنيه إكرامًا لأم النور العذراء مريم وطلب 500 جنيه وعرفت أنني لو تأخرت أسبوعًا لضاعت الأنوال، لأنها مطلوبة، وأعقد العزم أن أطلب من الشعب قيمة الأنوال، بعد إلقاء العظة الأحد مساء.
إن فكرة لجنة البر أن يشترك الشعب في عمل المشروعات.. وأنا منهمك في أخذ الاعترافات قبل صلاة العشية.. وإذا بشاب يقتحم الهيكل الأوسط فأرده، لأن الهيكل الأوسط يدخله الكاهن والشماس الخادم فقط.. فيعود الشاب ويقتحم الهيكل ثانية، فأذهب إليه لأعرف ما به.. فإذا به يضع في يدي ظرفًا به 500 جنيه، ويقول هذا المبلغ للمشروع. ثم ينفلت الشاب، لا يلوي على شيء ويذهب في لمح البصر.
كنت في حاجة إلى 500 جنيه. فقدم الشاب 500 جنيه ذات المبلغ المطلوب، وفي ذات اللحظة التي أردت أن أتقدم فيها للسؤال.
والحكمة المستخلصة: يريد الله أن تسأله أولاً قبل أن تسأل الناس، ولهذا لما طلب يوسف من رئيس السقاة أن يذكره أمام فرعون، يقول الكتاب: "وَلكِنْ لَمْ يَذْكُرْ رَئِيسُ السُّقَاةِ يُوسُفَ بَلْ نَسِيَهُ" (تك 40: 23). ولهذا يقول الكتاب أيضًا: "وَادْعُنِي فِي يَوْمِ الضِّيقِ أُنْقِذْكَ فَتُمَجِّدَنِي" (مز 15:50).
عملية إلهية
وتسمع عن عمليات كثيرة أجراها جراحون حاذقون، ولكن أعجب عملية تمت فوق (مرتبة) والذي أجراها هو الله تبارك وتمجد.
والقصة تدور حول شاب عاش يائسًا محطمًا تمامًا... فقد أمه وكان شديد التعلق بها فاسودت الحياة في عينيه. وزين له الشيطان أن الحل الوحيد لمأساته أن يتخلص من حياته.. حاول الانتحار أكثر من مرة: وفي كل مرة كانت تتدخل عناية الله لإنقاذه.. وكان هو بدلاً من أن يشكر الله على حبه ورعايته يفسر ما حدث له بهذه العبارة القاتمة (عمر الشقي بقي).. وأخيرًا ذهب إلى المستشفى القبطي وصحت عزيمته على الانتحار.. فصعد إلى أعلى طابق وألقى بنفسه نحو السلالم الرخامية عند مدخل المستشفى ليموت محطمًا مهشمًا. والذي حدث... أغرب من الخيال.. رغم أنه حقيقة واقعة: في اللحظة التي ألقى بنفسه فيها، دبر الله عربة فوقها المرتبة تمر في ذات اللحظة وتدبير الله لا يخلف أبدًا، ولو جزء من مليون من الثانية.. وسمع أصدقاؤه بنبأ انتحاره. فإذا بمدير المستشفى يقدم لهم أغرب مفاجأة..
كان هذا الشاب مصابًا بخلل في عقله وأي عملية نسبة النجاح فيها لا تعدو واحدًا من ألف فلما سقط من العلو على المرتبة، تعرض عقله لحركة مضادة.. فاعتدل عقله.. وصار سليمًا معافى.. ويضيف مدير المستشفى يقول لقد نجحت العملية مائة في المائة.. لأن الذي أجراها هو الله ذاته.
ونستخلص من هذه القصة: أن مراحم الله تسع الكون كله، ولا يسعها الكون كله وأنه ليس كما ينظر الإنسان ينظر الرب لقد قسا الناس على هذا الشاب ولكن الله رحمه.. أليس هو القائل "وإن نسيت الأم رضيعها لا أنساكم أنا – يقول الرب" (إش 15:49).
نعم ولا..
قال لمدير عام المنطقة التعليمية: إنني مدرس مخضرم، أمضيت في التدريس 25 عامًا، ولي ابن متفوق حصــــــــــل على مجموع 90% (ما عدا ربع في المائة) وسنه 10 سنوات وثلاثة أشهر، والقانون يسمح لأبناء المعلمين أن يدخلوا الإعدادي 10 سنوات وستة أشهر فهناك استثناء في السن والمجموع. وإذا بمدير المنطقة يثور ثورة عارمة ويقول: تُدرس أولاد الناس 25 عامًا ولا يجد ابنك مكانًا في التعليم.. فليحترق هذا القانون، وليكن مصير أي قانون يحرم أبناء المدرسين الإلغاء التام.. وهنا قدم المدرس الطلب فأمضاه المدير.
ولهذا المدرس صديق يعمل مفتشًا في وزارة التربية، ابنه ينقصه ثلث في المائة في المجموع، أي له مشكلة واحدة بدلاً من مشكلتين: نصح المدرس صديقه المفتش أن يذهب إلى المدير العام ويقول له: مفتش مخضرم.. أمضى في التعليم 30 عامًا.. ولكن الذي حدث، هو أن المدير ثار على المفتش ثورة عارمة، وقال له كيف تريد مني أن أكسر القانون؟ وهنا سأل المدرس زميله المفتش هل صليت قبل أن تدخل على المدير؟ قال: لا.. قال له: هذا سر ما حدث.. والدرس المستخلص: (الصلاة تقتدر كثيرًا في فعلها).
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 19 يناير 1979م
حقائق أغرب من الخيال
حقائق أغرب من الخيال[1]
إذا أردنا أن نوضح العلاقة بين العقل الذي يدرك الحقيقة والإيمان الذي هو الإيقان بأمور لا ترى.. فلنتصور إنسانًا ضعيف البصر لا يكاد يرى إلا على بعد خطوات معدودات؛ يلبس نظارة طبية فيرى من بعيد!
النظارة الطبية يلبسها الشخص على عينيه، فهي لا تلغي العينين، والإيمان لا يلغي العقل، ولكنه يجعل الإنسان يرى ما لا يرى بالعين المجردة!
العقل يقف عند حد لا يتعداه.. والإيمان يقول لنا: كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لِلْمُؤْمِنِ، غَيْرُ الْمُسْتَطَاعِ عِنْدَ النَّاسِ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللهِ! (مر9: 23) (لو18: 27).
العقل يقول: "وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ"؟! (رو7: 24).
الإيمان يقول: "تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لأَنَّ قُوَّتِي فِي الضَّعْفِ تُكْمَلُ" (2كو12 :9).
العقل يقول: "إن مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ" (أف6 :12).
الإيمان يقول: "حَامِلِينَ فَوْقَ الْكُلِّ تُرْسَ الإِيمَانِ، الَّذِي بِهِ تَقْدِرُونَ أَنْ تُطْفِئُوا جَمِيعَ سِهَامِ الشِّرِّيرِ الْمُلْتَهِبَةِ" (أف 16:6). ويقول أيضًا: "قَاوِمُوا إِبْلِيسَ فَيَهْرُبَ مِنْكُمْ" (يع4: 7).
ولكل من كانت على عيونهم غشاوة، وفي قلوبهم قساوة، ولكل من يضعف إيمانهم بقدرة الله، وخلاصه العجيب، نقول مع أليشع النبي، "افتح يا رب عيني الغلام" (2مل17:6).
مع الأنبا أبرام
أنبا أبرام هو قديس القرن العشرين، ما زالت سيرته عطرة. ينتشر أريجها فتعطر الأرجاء، ولا عجب فالكتاب المقدس يقول: "وَإِنْ مَاتَ، يَتَكَلَّمْ بَعْدُ!!" (عب11: 4). وكنيستنا تزخر بسير القديسين، التي تعتبر ذخيرة لنا في رحلة هذه الحياة.. وتتوافر عن الأنبا أبرام معجزات كثيرة متنوعة، أجتزئ منها هذه الواقعة..
يزور أحد الإخوة الأحباء، من غير المسيحيين، الأنبا أبرام، وكانت زوجته عاقرًا، ولجأ إلى الأطباء دون جدوى، فلم يجد – وقد سدت في وجهه الأبواب غير باب مراحم الله فجاء يقرعه- وحدثوه عن الأنبا أبرام.. فلجأ إليه.
وكان الرجل مكثرًا من عمل الخير.. ورحب به الأنبا أبرام، وجلس معه في صحن دير العزب وقتًا غير قليل.. وألحف[2] الرجل في الرجاء أن يذكره الأنبا أبرام عند الله ليرزقه نسلاً..
وقال له الأنبا أبرام: في مثل هذا اليوم من السنة القادمة يمن الله بولد؛ يثلج قلبك.. وأوصاه بفعل الخير..
ويمر العام.. وفي ذات اليوم الذي التقى فيه الرجل بالأنبا أبرام؛ وكان الرجل من كبار الضباط يرزق بولد.. وتقام لمولده الأفراح. ويتذكر الرجل كل ذلك؛ ويصمم على زيارة الأنبا أبرام.
ولكنه يفضل الانتظار حتى يحبو الولد.. ويحبو الولد؛ فيفضل الانتظار حتى يمشي الولد. ويمشي الولد.. فيفضل الرجل أن يشب قليلاً عن الطوق. ثم يجمع ثروته من مال في صره؛ ويأخذ الولد معه ويقصد الأنبا أبرام. ويلتقي به في نفس المكان؛ الذي التقى به منذ سنوات.. ويرحب به الأنبا أبرام.
ويجلس معه أكثر من ساعتين: يأخذ رأيه في بعض الأمور التي تهمه.. ثم يطلب بركة للغلام الصغير؛ وهنا يقدم الرجل الصرة بما فيها من النقود ولكن الأنبا أبرام يمتنع عن أخذها. وعندما ألحف الرجل في الطلب؛ أخبره الأنبا أن يوزعها على المحتاجين؛ وانصرف الرجل والأنبا أبرام يدعو له.. ولابنه الصغير! ويلجأ إلى المطرانية.. ليسلمهم النقود لتوزيعها بمعرفتهم. ويقول لهم: "لقد كنت مع الأنبا أبرام مدة ساعتين أتحدث إليه". وهنا تجحظ عيون السامعين دهشة واستغرابًا..
ويعود الضابط إلى تكملة الحديث... ولكن السامعين يقاطعونه وهم في دهشة بالغة.. ويقولون له: إن الأنبا أبرام قد انتقل منذ عامين... وتكون المفاجأة التي عقدت الألسنة دهشة: أن الأنبا أبرام قد ظهر له بعد موته؛ وتحدث معه ساعتين كاملتين! فما أعجب هذا... لهذا نكرر دائمًا في صلاة المنتقلين (ليس موت لعبيدك بل هو انتقال!).
ثمار الطاعة
ونقرأ عن القديس يوحنا القصير، وكان قد تتلمذ على يدِ أب شيخ يدعى أنبا بموا، وهذا كان يقيم في البرية.. وذات يوم دفع إليه معلمه بعصا.. وأمره أن يغرسها ويسقيها.. كل يوم وكان الماء بعيدًا.. وعلى مدى ثلاث سنوات؛ كان القديس يوحنا القصير يذهب كل عشية ويعود في الغد.. لم يناقش ولم يعترض لكنه أطاع.. وبعد ثلاث سنوات، إذا بالفرع اليابس يزهر، ويخضر، ثم يعطي ثمرًا.. فيأخذ القديس يوحنا القصير من الثمار، ويسرع بها إلى الكنيسة.. ويقول للإخوة "خذوا كلوا من ثمار الطاعة"!
وهناك قصة أخرى لا تقل غرابة؛ وتظهر أيضًا طاعة هذا القديس لأبيه الشيخ... كان يوجد في تلك الأماكن مقابر.. وهذه الأماكن الموحشة كانت تقيم ضبعة ضارية متوحشة. وذات يوم طلب الأب الشيخ من تلميذه يوحنا القصير أن يذهب إلى المقابر ويحضر له قلة.. فقال القديس يوحنا: وماذا أفعل بالضبعة يا أبتاه..؟!
قال له الأب الشيخ: اربطها وأحضرها!! ولما وصل القديس يوحنا، كان الوقت مساء وكان المكان موحشًا فأقبلت نحوه الضبعة فتقدم نحوها فهربت منه! فأخذ يتعقبها وهو يقول: إن معلمي أمرني أن أربطك وأحضرك إليه.. فتوقفت. فأمسك بها وربطها وأحضرها.. وكان الشيخ يجلس متأملاً مفكرًا، فلما أبصره، تعجب من إحضاره الضبعة فحلها وأطلقها.
وليس هذا غريبًا أو خيالًا بل حقائق ناصعة وكل من يدين لله بالحب والطاعة تدين له المخلوقات. أو ألم يمض دانيال النبي يومًا كاملاً في جب الأسود، ونراه يقول للملك: "يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ، عِشْ إِلَى الأَبَدِ!.. إِلهِي أَرْسَلَ مَلاَكَهُ وَسَدَّ أَفْوَاهَ الأُسُودِ..!" (دا6: 21، 22).
قوة الكلمة
حدثتك عن حياة القديسين، دعني أحدثك من وقائع الحياة، وأقصُّ عليك طرفًا من الأحداث التي تجري بيننا كل يوم، وتزيد إيماننا وثوقًا بقدرة الله، وتأثير كلمة الله! يتخاصم شقيقان على ميراث على مدى إحدى وعشرون سنه كاملة! وتذهب جميع الجهود التي بذلت في الصلح بينهم أدراج الرياح. حتى يئس الكثيرون من التدخل بينهما ولا غرابة فمَحَبَّةَ الْمَالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ (1تي6: 10)، وتشاء مراحم الله أن تجمع بينهما في الحب.. بعد أن جمع الشيطان بينهما في البغضاء وتتدخل السيدة العذراء الأم.. وتشفع للرجلين المتخاصمين.
ويشاء الله أن يدخل أحدهما الكنيسة، يسمع الأب الكاهن، يلقي عظة وهو يردد هذه الآية: "اذْهَبْ أَوَّلاً اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ، وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ" (مت5: 24)، وترن هذه الكلمات في أذنيه، ويكون لها دوي شديد.. وتأثير عجيب.. يلين قلبه بتأثير الروح القدس.
ويخرج من الكنيسة والكلمات ما زالت تلح عليه. "اذهب أولاً اصطلح مع أخيك"! ويذهب لتوه إلى أخيه، ويقبل رأسه ويعتذر له ويعود الاثنان وكان الشعب قد أخذ في الانصراف.. ويبقيان إلى ساعة متأخرة جالسين أمام الهيكل.. وأمام أيقونة العذراء وقد صفا قلباهما من كل شائبة..! إن آية واحدة مسحت حقدًا عمره 21 عامًا.. فما أعجب هذا!! وبعد فهذه حقيقة أيها القارئ العزيز فكيف تكون خيالاً؟!
إكليله في السماء
يعقد شاب خطبته على فتاة.. وكان الشاب متدينًا محبوبًا من كل عارفيه. وتقرب موعد الزفاف.. وتجرى له عملية بسيطة تتم بنجاح، ويبقى في المستشفى بضعة أيام ويظل هذا الشاب يترنم طول الليل. هكذا قال الممرضون، وكل من كان يزوره ويقول الشاب لأبويه وذويه: إن إكليله سيكون في السماء! ويردد هذه العبارة ويظن أهله أن السماء سوف تبارك له الإكليل؟! والذي حدث أن هذا الشاب انتقل إلى السماء يوم الأحد، وصعدت روحه في نفس الساعة والدقيقة المحددة للإكليل.. أو ألم يقل إن إكليله سيكون في السماء؟! أو ألم يقل الكتاب: "كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ" (رؤ2: 10).
تُكَمل الصورة
الأحد الفائت 14 يناير1979م تقف فتاة أمام الميكرفون بكنيسة السيدة العذراء بالزيتون تحدث بكم صنع الرَّبُّ بها ورحمها بشفاعة أم النور مريم، أصيبت بمرض عضال ويئس الأطباء من نجاتها، وارتفع مؤشر الحمى. وتشعر بدنو الأجل.. ولكنها تتشفع بالعذراء، وتقول: الصورة التي رسمتها لكِ يا أمي العذراء ينقصها اليد؟!
وتظهر لها العذراء في رؤيا وتقول لها: ستعيشين وتكملين الصورة وتستمرين في الرسم. وفي صدر بهو كنيسة السيدة العذراء بالزيتون.. صورة كبيرة محاطة بالقيشاني.. أكملتها الفتاة بعد أن لبست ثوب الصحة وأتمت صورة أخرى في عام. وتكرست لرسم صورة العذراء كما رأتها في التجلي عام 1968م فما أعجب هذا.. حقًا إنها حقائق أغرب من الخيال؟!
[1] مقال للقمص بطرس جيد روفائيل، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 26 يناير1979م
[2] ألحف: أَلحَّ في المسأَلة



