المعرفة

بمناسبة ذكرى الأستاذ حبيب جرجس الذي قاد المعرفة الدينية في جيلنا، أود أن أكلمكم اليوم عن المعرفة: أهميتها، وأنواعها، وتاريخها، وموقفنا منها.
المعرفة[1]
من أهمية المعرفة، علاقتها بالثالوث الأقدس…
فالابن هو أقنوم المعرفة، أقنوم العقل والحكمة، المذخرة فيه كل كنوز العلم والمعرفة. والروح القدس هو الناطق في الأنبياء، الذي قال عنه الابن “يعلمكم كل شيء، ويذكركم بكل ما قلته لكم” “لستم أنتم المتكلمين، بل روح أبيكم” وقال الرسول “يكون الجميع متعلمين من الله”.
الله هو مصدر المعرفة، ومن الخطأ أن نتلقى معرفة من غيره، فقد كانت هذه هي خطية آدم وحواء.
قبل السقوط، كانا يأخذان المعرفة من الله وحده. ثم جلسة حواء من الحية، وبدأت الحية تعطيها معرفة من نوع آخر، غير المعرفة الصادرة من الله، التي تكلمت الحية ضدها قائلة (كلا، لن تموتا).
واكل الإنسان من شجرة معرفة الخير والشر، فعرف الشر.
كان من قبل، لا يعرف سوى الخير وحده، في بساطة المعرفة التي وضعها الله فيه. أما الآن فقد بدأ يعرف الخير والشر، أي أضيفت إلية معرفة الشر. وكان هذا أول مثال من الكتاب عن المعرفة الضارة.
عندما خلق الله الأنسان على صورته ومثاله، خلقة على صورته ايضا في المعرفة، اراد له ان يعرف.
وهكذا وضع الله فيه الوسائط التي تساعده على المعرفة، ولعل أولها كان العقل، من صميم طبيعة الإنسان.
هذا إلى جوار المعرفة التي هي من طبيعة الروح، وروح الإنسان التي تستطيع أن تفحص كل شيء، حتى أعماق الله.
والى جوار العقل والروح، منحه الله الضمير كمصدر للمعرفة.
وسمي الضمير بالشريعة الأدبية، الشريعة الداخلية، التي تعرف، وتشجع أو تمنع، ثم تحكم أيضًا. وكان ضمير الإنسان نقيًا لم يدخله الانحراف بعد…
ومنح الانسان الوصية، كمصدر أخر للمعرفة…
وتناقل الناس الوصية عن طريق التقليد، يسلمها جيل لجيل.
بالتقليد (tradition) عرف هابيل فكرة الذبيحة وقدم لله” من أبكار غنمه ومن سمائها” وانتقلت فكرة الذبيحة عن طريق التقليد حتى عرفتها كل شعوب العالم، وقدمت ذبائح، وبنت مذابح.
وعن طريق التقليد عرف العالم فكرة (بيت الله) وتدشين هذا البيت للعبادة (تك 28) وتخصيصه لله …وبالتقليد أيضًا عرف الناس الصلاة والسجود وبسط اليدين، ورفع البصر إلى السماء… وظل التقليد مصدرًا للمعرفة عبر الأجيال.
ولما ضل الناس في معرفتهم، منحهم الله مصدرا آخر هو الأنبياء، ومصدرا آخر هو الكهنوت…
وظل الأنبياء مصدرًا قويا للمعرفة، يحملون إلى الناس صوت الله وتحذيراته ووصاياه. أما عن الكهنوت، فقد قال الكتاب “من فم الكاهن تطلب الشريعة”.
وأعطى الله العالم، إلى جوار الشريعة غير المكتوبة، شريعة أخرى مكتوبة، تقرأ على الناس باستمرار، ليعرفوا ويتذكروا.
وكانت أول شريعة مكتوبه هي شريعة كتبت بأصبع الله…
إن عبارة (بأصبع الله) عبارة مؤثرة جدًا وعميقة، تعطينا فكرة عن مدى اهتمام الله بالمعرفة التي يمنحها للإنسان…
وكثرت الكتب المقدسة، تقرأ في المجامع، وتدرس في البيوت. وقال الله للإنسان “ولتكن هذه الكلمات التي أنا أوصيك بها اليوم على قلبك، وقصها على أولادك، وتكلم بها حين تجلس في بيتك، وحين تمشى في الطريق، وحين تنام وحين تقوم. وأربطها علامة على يدك، ولتكن عصائب بين عينيك. وأكتبها على قوائم أبواب بيتك وعلى أبوابك” (تث6:6-9).
وصار الوحي الإلهي معلما للإنسان يمنحه المعرفة وكلام الله…
لأن “كل الكتاب هو موحي به من الله ونافع للتعليم… (2تى16:3) والوحي كان من الروح القدس الناطق في الأنبياء.
كل هذه المصادر التي منحها الله للمعرفة، لعله من فرط محبته للبشر، لم يجدها كافية وهكذا يقول الكتاب: “الله بعد ما كلم الآباء بالأنبياء بأنواع وطرق شتى، كلمنا في هذه الأيام الأخيرة بابنه” (عب2،1:1)
ليست معرفة أعمق من هذه، ان نتعلم من فم الله ذاته، يعظ ويكرز ويعلم، ويسمونه عن ثقة (المعلم الصالح).
كان يجول في كل القرى والمدن، معلمًا للناس، على الجبل، على شاطئ البحيرة، وسط الحقول، في القفر، في البيوت، ينشر المعرفة اللازمة للخلاص، ويفتح أذهان تلاميذه ليفهموا….
كل هذا يدل على اهتمام الرب بالمعرفة وتقديمها للناس.
ومن اهتمامه بالمعرفة ان اوصى بها تلاميذه قبل صعوده:
“أذهبوا الى العالم أجمع، واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها” (مر 15:16) اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم… وعلموهم ان يحفظوا جميع ما أوصيتكم به” (مت 20،19:28).
وبسبب المعرفة سمى المؤمنين تلاميذً قبل تسميتهم مسيحيين.
حتى الاباء الرسل أنفسهم، تسموا (تلاميذ الرب…).
وظل اسم (تلاميذ) هو الاسم السائد لكل المؤمنين، إلى أن “دعي التلاميذ مسيحيين في انطاكية أولا، (اع 26:11).
ولهذا كله فضل الرسل (خدمة الكلمة) على كل عمل
وقالوا ” اما نحن فنعكف على الصلاة وخدمة الكلمة” (أع 4:6). وقال بولس الرسول ” ويل لي إن كنت لا أبشر”. وصار عمل الرسل ان يوصلوا معرفة الرب وكلماته إلى أحد. وهكذا تكلموا بكل مجاهرة، و”إلى أقطار المسكونة بلغت أقوالهم” “وكانت كلمة الرب تنمو وعدد التلاميذ يتكاثر جدًا… وجمهور كثير من الكهنة يطيعون الإيمان” (أع 7:6).
كان التعليم ونشر المعرفة بأسلوب الرسل، يعنى نشر الايمان. فالمعرفة الحقيقية هي معرفة الله، ومعرفة وصاياه، وخلاصه العظيم.
والربط بين التعليم والإيمان، واضح في وصية بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس “اعكف على القراءة والوعظ والتعليم.. لاحظ نفسك والتعليم، وداوم على ذلك، لأنك إن فعلت هذا تخلص نفسك والذين يسمعونك أيضا” (اتى 16،13:4) وقال له أيضا “وأنك منذ الطفولية تعرف الكتب المقدسة، القادرة أن تحكمك للخلاص بالإيمان” (2تى 15:3)
اذن هي معرفة، هدفها الخلاص…
نشر هذه المعرفة التي تقود إلى الخلاص، كان هو عمل الرسل وتلاميذهم. وكان العمل الأساسي للآباء البطاركة والأساقفة في كل جيل. ويعوزنا الوقت إن تحدثنا عن القديس أثناسيوس الرسولي، والقديس يوحنا ذهبي الفم، والقديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات، والقديس باسيليوس الكبير، والقديس كيرلس عمود الدين، وغيرهم من الآباء البطاركة الذين كان عملهم الأول هو التعليم ونشر المعرفة اللازمة للإيمان والخلاص.
ولهذا السبب، قال الكتاب في شروط الأسقف، انه ينبغي أن يكون” صالحا للتعليم” (1تى 3:3).
المعرفة الإلهية كان يطلبها داود النبي في مزاميره بقوله:
عرفني يا رب طرقك، فهمني سبلك…
بهذه المعرفة يرى الإنسان كيف تتفق أعماله ومشيئة الله. وهي صلاة نرددها جميعَا، طالبين أن يعرفنا الرب كيف نسلك… وطلبة أخرى يرددها داود النبي طالبا معرفة شيء آخر: “عرفني يا رب نهايتي” ومقدار أيامى كم هي، لأعلم كيف أنا زائل”… نعم ان معرفة الموت والتأمل فيه وفى الأبدية، يجلب للإنسان الحكمة. بهذا الأمر دخل القديس الأنبا أنطونيوس في حياة الرهبنة. واقتادته حقيقة الموت إلى الزهد…
يحتاج الانسان أيضا ان يعرف الخير، وان يعرف ذاته
بهذا ينال موهبة الإفراز، ويستطيع أن يميز بين الحق والباطل. وإذا عرف الحق، عرف الله، لأن الله هو الحق…
ومعرفة الذات هي أمر دعا إليه الفلاسفة والحكماء.
على أن أعمق لون من المعرفة، هو بلا شك معرفة الله
قال السيد المسيح لله الآب ” هذه هي الحياة الأبدية، أن يعرفونك أنت الإله الحقيقي وحدك…” (يو3:17).
وأصدق معرفة نعرف بها الله، هي أن يكشف لنا ذاته لنعرفه، يفتح عيوننا لكي نراه، يفتح أذهاننا لكي ندرك ما يسمح لنا بإدراكه من لا نهائيته..
هذه هي المعرفة اللازمة لخلاصنا، ويجب أن نسعى إليها.
على أن هناك معرفة اخرى خاطئة، ينبغي أن نبعد عنها.
عن هذه قال الكتاب ” من يزداد علما، يزداد غمًا”.
يقصد الأمور الضارة، والأمور المعثرة، التي تعكر صفاء أذهاننا، وتدنس نقاوة قلوبنا، وتفقدنا بساطتنا، فنقول في أسف. ليتنا ما عرفنا هذا الأمر. ليتنا ما سمعنا..
وهناك معرفة أخري باطلة، ليست خطيئة في حد ذاتها، وإنما هي مضيعة للوقت فيما لا يفيد. قال أحد الروحيين:
أليس من المؤسف ان نجهد أنفسنا في معرفة أمور، لا ندان في اليوم الأخير على جهلنا إياها…
اذن يجب علينا ان نميز تماما بين ما ينبغي لنا معرفته، مما يبنى حياتنا، وما ينبغي ان نبعد عن معرفته…
والذي ليس له هذا التمييز، عليه أن يبحث عنه عند المرشدين الروحيين. فالإرشاد مصدر آخر من مصادر المعرفة، إذا ما كان المرشد روحيَا وبانيَا للنفوس. إذ ليس كل إرشاد ينفع، لأن ” أعمى يقود أعمى، كلاهما يسقطان في حفرة”…
من المعارف الضارة أيضا، حب الاستطلاع لمعرفة اسرار الناس.
والحديث عن أسرار الناس لكي يعرفها الأخرون. وكل هذا دخول في خصوصيات غيرنا، ليس من حقنا أن نخوض فيه…
ليتك تحسن انتقاء معارفك، وتختار من المعارف ما يبنيك.
وليتك فيما تقدم للناس من معرفة، تبحث عن خلاصهم ولا تعرفهم بشيء يضرهم أو يسئ إلى نقاوتهم.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة العاشرة – العدد الخامس والثلاثون 31-8-1979م



