ابن الإنسان

ابن الإنسان1
يظن البعض أن في استخدم السيد المسيح للقب “ابْنُ الإِنْسَانِ” تعارضًا مع لاهوته، وأمام هؤلاء نضع قواعد هامة وهي:
1- أن السيد المسيح كما لقب بابن الإنسان، دعي أيضًا “ابْنَ اللهِ” شهد له بهذا البنوة الإلهية تابعوه ورسله والأنجيليون، كما شهد بهذا أعداؤه أيضًا، حتى الشياطين شهدوا بهذا في مناسبات كثيرة، وإن كانت شهادتهم مترددة ونحن لا نعتد بها. شهد له أيضًا الملاك المبشر، وشهد له الآب نفسه.
2- وأن بنوة المسيح للآب كانت تحمل معنى لاهوته وتختلف اختلافًا جوهريا عن لقب أبناء الله الذي يطلق على البشر بمعنى “الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ” (يو1: 12).
3- أن السيد المسيح كما لقب نفسه بابن الإنسان، قال في نفس الوقت إنه ابن الله، وقبل هذه الشهادة من الآخرين، كما قبل أن يدعى ربًا وإلهًا، وقال إنه الابن الوحيد للآب. بل قال أكثر من هذا “أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ” (يو10: 30) “أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ… اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ” (يو14: 10، 9).
4- أن لقب “ابْنُ الإِنْسَانِ” أطلقه السيد المسيح على نفسه في مناسبات كثيرة تثبت لاهوته. وكانت له حكمة خاصة في استخدام هذا اللقب…
1- دعي المسيح من الجميع “ابْنَ اللهِ”
أ- شهد له تابعوه بأنه ابن الله:
قال يوحنا المعمدان “وَأَنَا قَدْ رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ أَنَّ هذَا هُوَ ابْنُ اللهِ” (يو1: 34). وكذلك نثنائيل- بعد أن دعاه السيد المسيح من تحت التينة أجاب “وَقَالَ لَهُ: يَا مُعَلِّمُ، أَنْتَ ابْنُ اللهِ” (يو1: 49). والذين كانوا في السفينة بعد أن رأوا السيد المسيح ماشيًا على الماء “جَاءُوا وَسَجَدُوا لَهُ قَائِلِينَ: بِالْحَقِيقَةِ أَنْتَ ابْنُ اللهِ” (مت14: 33). ومرثا أخت ليعازر شهدت أيضًا قائلة “أَنَا قَدْ آمَنْتُ أَنَّكَ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، الآتِي إِلَى الْعَالَمِ” (يو11: 27). والخصي الحبشي قبل أن يعتمد صرح بإيمانه قائلًا “أَنَا أُومِنُ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ ابْنُ اللهِ” (أع8: 37). وشاول الطرسوسي بعد أن آمن واعتمد “وَلِلْوَقْتِ جَعَلَ يَكْرِزُ فِي الْمَجَامِعِ بِالْمَسِيحِ أَنْ هذَا هُوَ ابْنُ اللهِ” (أع9: 20).
ب- والإنجيليون والرسل شهدوا أيضًا:
شهد له بطرس وقال “أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ” (مت16: 16). ومرقس بدأ إنجيله بقوله “بَدْءُ إِنْجِيلِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ اللهِ” (مر1: 1). ويوحنا شهد قائلًا “مَنِ اعْتَرَفَ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ، فَاللهُ يَثْبُتُ فِيهِ وَهُوَ فِي اللهِ” (1يو4: 15).
ج- وشهد بهذا الملائكة والشياطين:
فالملاك الذي بشر العذراء “وَقَالَ لَها: اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ” (لو1: 35) أما الشياطين التي كان يخرجها المسيح فكثيرًا ما كانت تصرخ وتقول “أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ!” (مت8: 29؛ مر3: 11؛ لو4: 41).
د- وشهد بهذا أعداؤه أيضًا:
فعندما اضطربت الطبيعة عند صلبه، يقول الكتاب “وَأَمَّا قَائِدُ الْمِئَةِ وَالَّذِينَ مَعَهُ يَحْرُسُونَ يَسُوعَ فَلَمَّا رَأَوْا الزَّلْزَلَةَ وَمَا كَانَ، خَافُوا جِدًّا وَقَالُوا: حَقًّا كَانَ هذَا ابْنَ اللهِ” (مت27: 54).
ه- وشهد له الآب نفسه:
شهد له الآب وقت العماد بصوت من السماء قائلًا “هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ” (مت3: 17؛ لو3: 32). وشهد له أيضًا على جبل التجلي قائلًا “هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ. لَهُ اسْمَعُوا” (مت17: 5؛ مر9: 7). وعن هذه الواقعة قال بطرس الرسول “لأَنَّهُ أَخَذَ مِنَ اللهِ الآبِ كَرَامَةً وَمَجْدًا، إِذْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ صَوْتٌ كَهذَا مِنَ الْمَجْدِ الأَسْنَى: هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي أَنَا سُرِرْتُ بِهِ. وَنَحْنُ سَمِعْنَا هذَا الصَّوْتَ مُقْبِلاً مِنَ السَّمَاءِ، إِذْ كُنَّا مَعَهُ فِي الْجَبَلِ الْمُقَدَّسِ” (2بط1: 17، 18). وقد ذكر ربنا يسوع المسيح شهادة الآب عنه في مثل الكرامين إذ قال عنه “مِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْني” (مت2: 15).
2- دعاه الكتاب “الابن” و “ابن الله الوحيد”
لتمييزه عن البنوة العامة التي لنا بالتبني
عندما كان الكتاب يذكر لقب “الابن” مجردا، إنما كان يعني بذلك المسيح وليس غير. فبنوتنا نحن نوع من التبني والتكريم، أما بنوته هو فمن جوهر الله لذلك كان يدعى أيضًا “الابن الوحيد”.
وفي ذلك يقول معلمنا يوحنا الرسول “مَنْ هُوَ الْكَذَّابُ، إِلاَّ الَّذِي يُنْكِرُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ؟ هذَا هُوَ ضِدُّ الْمَسِيحِ، الَّذِي يُنْكِرُ الآبَ وَالابْنَ كُلُّ مَنْ يُنْكِرُ الابْنَ لَيْسَ لَهُ الآبُ أَيْضًا، وَمَنْ يَعْتَرِفُ بِالابْنِ فَلَهُ الآبُ أَيْضًا” (1يو2: 22، 23). ويقول أيضًا “وَنَحْنُ قَدْ نَظَرْنَا وَنَشْهَدُ أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَ الابْنَ مُخَلِّصًا لِلْعَالَمِ. مَنِ اعْتَرَفَ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ، فَاللهُ يَثْبُتُ فِيهِ وَهُوَ فِي اللهِ” (1يو4: 14، 15)، ومعلمنا بولس الرسول يلقب المسيح بهذا اللقب “الابن” شارحًا لاهوته فيقول “وَعَنِ الْمَلاَئِكَةِ يَقُولُ: الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحًا وَخُدَّامَهُ لَهِيبَ نَارٍ وَأَمَّا عَنْ الابْنِ: كُرْسِيُّكَ يَا أَللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ” (عب1: 7، 8).
من أجل هذا المعني الذي تميزت به نبوة المسيح يلقبه الكتاب بالابن الوحيد وفي ذلك يقول يوحنا الانجيلي “اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ” (يو1: 18) ويقول أيضًا “بِهذَا أُظْهِرَتْ مَحَبَّةُ اللهِ فِينَا: أَنَّ اللهَ قَدْ أَرْسَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ إِلَى الْعَالَمِ لِكَيْ نَحْيَا بِهِ. فِي هذَا هِيَ الْمَحَبَّةُ: لَيْسَ أَنَّنَا نَحْنُ أَحْبَبْنَا اللهَ، بَلْ أَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا، وَأَرْسَلَ ابْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا” (1يو4: 9، 10).
3- هل هذا قول الرسل فحسب، أم هو قول المسيح أيضًا عن نفسه؟ وهل اقتصر المسيح على لقب “ابْنُ الإِنْسَانِ” أم شرح بنوته لله!…
ظن بعض الكتاب- مثل د. نظمي لوقا- أن السيد المسيح لم يدع نفسه ابن الله، مقتصرا على لقب ابن الإنسان، وهذا خطأ.
من أشهر شهادات السيد المسيح عن نفسه أنه ابن الله ما ورد في معجزة المولود أعمى: يقول القديس يوحنا في إنجيله “فَسَمِعَ يَسُوعُ أَنَّهُمْ أَخْرَجُوهُ خَارِجًا، فَوَجَدَهُ وَقَالَ لَهُ: أَتُؤْمِنُ بِابْنِ اللهِ؟ أَجَابَ ذَاكَ وَقَالَ: مَنْ هُوَ يَا سَيِّدُ لأُومِنَ بِهِ؟ فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: قَدْ رَأَيْتَهُ، وَالَّذِي يَتَكَلَّمُ مَعَكَ هُوَ هُوَ! فَقَالَ: أُومِنُ يَا سَيِّدُ! وَسَجَدَ لَهُ” (يو9: 35- 38). وواضح أن البنوة هنا تحمل معنى اللاهوت بدليل سجود الأعمى له وبدليل التخصص والإيمان، فلو كانت بنوة عادية مثل بنوة جميع البشر الذين يصلون قائلين أبانا الذي في السماوات ما خص بها السيد نفسه وما كان الأعمى محتاجًا أن يسأل من هو يا سيد لأومن به…
لذلك كان السيد المسيح يلقب نفسه “الابن”، ويذكر ذلك في مناسبات تحمل لاهوته كان يقول “الَّذِي يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ” (يو3: 36). ويقول أيضًا “لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ الأَمْوَاتَ وَيُحْيِي، كَذلِكَ الابْنُ أَيْضًا يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ. لأَنَّ الآبَ لاَ يَدِينُ أَحَدًا، بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ لِلابْنِ، لِكَيْ يُكْرِمَ الْجَمِيعُ الابْنَ كَمَا يُكْرِمُونَ الآبَ. مَنْ لاَ يُكْرِمُ الابْنَ لاَ يُكْرِمُ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَهُ” (يو5: 21- 23). وهذه الآية واضحة الدلالة على لاهوته لأن السيد المسيح يوجب لشخصه نفسه الكرامة التي تعطى للآب. ويقول أيضًا “وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ مَنْ هُوَ الابْنُ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ مَنْ هُوَ الآبُ إِلاَّ الابْنُ، وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ” (لو10: 22)، هل يعقل ما أن هذه بنوة عادية؟
وقال أيضًا “فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا” (يو8: 36).
وكما شهد السيد المسيح عن نفسه أنه “ابن الله” وأنه “الابن” ذكر أيضًا أنه الابن الوحيد ويتضح هذا من كلامه مع نيقوديموس، حيث قال له “لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ. اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ الْوَحِيدِ” (يو3: 16- 18).
وكما شهد لنفسه أنه “ابن الله”، كان أيضًا يقبل هذه الشهادة من آخرين ويطوبهم عليها، فعندما سأل التلاميذ “وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟ فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَقَالَ: أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ! فَأجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ” (مت16: 15- 18).
4- لقب ابن الإنسان ومناسباته اللاهوتية
تحدث السيد المسيح عن نفسه كابن الإنسان بصورة تحمل معنى لاهوته، كما يتضح ذلك من النصوص الآتية:
(أ) قال: “وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ” (يو3: 13). فهنا أوضح وجوده في السماء في نفس الوقت الذي كان فيه موجودًا على الأرض يكلم نيقوديموس، وهذا إثبات واضح للاهوته.
(ب) عندما تحدث عن صلبه ذكر عبادة ابن الإنسان في معنى يقابل تمامًا لقب ابن الله الوحيد. فقال “وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يو3: 14- 16)، فهنا الإيمان بابن الإنسان يعطي الحياة الأبدية ويخلص من الهلاك، وهذا نفسه هو عمل الابن الوحيد.
(ج) استخدام الرب تعبير ابن الإنسان عن نفسه بصورة إلهية في حديثه عن مجيئه الثاني فقال “.. وَيُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ فَيُرْسِلُ مَلاَئِكَتَهُ بِبُوق عَظِيمِ الصَّوْتِ، فَيَجْمَعُونَ مُخْتَارِيهِ مِنَ الأَرْبَعِ الرِّيَاحِ، مِنْ أَقْصَاءِ السَّمَاوَاتِ إِلَى أَقْصَائِهَا” (مت 24: 29-31) كما قال أيضًا “يُرْسِلُ ابْنُ الإِنْسَانِ مَلاَئِكَتَهُ فَيَجْمَعُونَ مِنْ مَلَكُوتِهِ جَمِيعَ الْمَعَاثِرِ وَفَاعِلِي الإِثْمِ” (مت 13: 41).
ولا يمكن أن تستخدم هذه التعبيرات إلا بدلالة لاهوتية. فابن الإنسان هنا يأتي على السحاب في قوة ومجد. ملائكة الله هم ملائكته وملكوت الله هو ملكوته والمختارون الذين اختارهم الله هم مختاروه…
وقد فهم رؤساء الكهنة الذين حكموا عليه بالصلب قوة هذا المعنى اللاهوتي عندما استحلفوه أن يقول لهم هل هو المسيح ابن الله فأجابهم “… مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَآتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ” (مت26: 64، 65). “فَمَزَّقَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ حِينَئِذٍ ثِيَابَهُ قَائِلاً: قَدْ جَدَّفَ! مَا حَاجَتُنَا بَعْدُ إِلَى شُهُودٍ؟ هَا قَدْ سَمِعْتُمْ تَجْدِيفَهُ”. ولا شك أن ما قصده رئيس الكهنة بالتجديف هو ما قصده السيد الرب بإظهار لاهوته مستخدمًا تعبير ابن الإنسان.
(د) وفي هذا المجيء الثاني شرح عمله كديان للأرض كلها، فقال “فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلاَئِكَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ” (مت16: 27). ابن الإنسان هذا، الذي في نفس الوقت هو ابن الله، يأتي في مجد أبيه، يقول عن مجيئه أيضًا “وَهَا أَنَا آتِي سَرِيعًا وَأُجْرَتِي مَعِي لأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ. أَنَا الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ، الأَوَّلُ وَالآخِرُ” (رؤ22: 12، 13). فهنا تعبير ابن الإنسان أطلق على الرب الذي لقب نفسه بأنه الأول والآخر، البداية والنهاية. ويطابق هذا قول يوحنا في الرؤيًا “وَفِي وَسْطِ السَّبْعِ الْمَنَايِرِ شِبْهُ ابْنِ إِنْسَانٍ… فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَيَّ قَائِلاً لِي: لاَ تَخَفْ، أَنَا هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ، وَالْحَيُّ. وَكُنْتُ مَيْتًا، وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ! آمِينَ” (رؤ1: 13-18).
هذه الدينونة التي للابن قال عنها الرب “وَمَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ مَعَهُ، فَحِينَئِذٍ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ. وَيَجْتَمِعُ أَمَامَهُ جَمِيعُ الشُّعُوبِ، فَيُمَيِّزُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ كَمَا يُمَيِّزُ الرَّاعِي الْخِرَافَ مِنَ الْجِدَاءِ، فَيُقِيمُ الْخِرَافَ عَنْ يَمِينِهِ وَالْجِدَاءَ عَنِ الْيَسَارِ ثُمَّ يَقُولُ الْمَلِكُ لِلَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ. لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي… فَيُجِيبُهُ الأَبْرَارُ حِينَئِذٍ قَائِلِينَ: يَارَبُّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا…” (مت 25: 31- 44). وهنا نجد أن ابن الإنسان يصف نفسه بأنه هو ابن الله فيقول تعالوا يا مباركي أبي. والناس أيضًا ينادونه بقولهم “يارب” ويقبل منهم هذا النداء.
(ه) نلاحظ أن الكتاب المقدس يستخدم تعبير ابن الإنسان في الأمور الخاصة بالله نفسه. فيقول الرب “لِذلِكَ كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مُسْتَعِدِّينَ، لأَنَّهُ فِي سَاعَةٍ لاَ تَظُنُّونَ يَأْتِي ابْنُ الإِنْسَانِ” (مت25: 13). “فَاسْهَرُوا إِذًا لأَنَّكُمْ لاَ تَعْرِفُونَ الْيَوْمَ وَلاَ السَّاعَةَ الَّتِي يَأْتِي فِيهَا ابْنُ الإِنْسَانِ” (مت24: 44). وفي هذا المعني يقول أيضًا “اِسْهَرُوا إِذًا لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ يَأْتِي رَبُّكُمْ” (مت24: 42). إنهما تعبيران يدلان على معنى واحد: يأتي ابن الإنسان، أو يأتي ربكم.
وبهذه الكيفية أيضًا يقول الرب “اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ ههُنَا قَوْمًا لاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوُا ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي مَلَكُوتِهِ” (مت16: 28) … وهذا المعنى يقدمه مرقس الرسول هكذا… “الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ ههُنَا قَوْمًا لاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوْا مَلَكُوتَ اللهِ قَدْ أَتَى بِقُوَّةٍ” (مر9: 1). إن ملكوت الله هو ملكوت ابن الإنسان. تعبيران لمعنى واحد.
(و) ومن التعبيرات القوية التي استخدام فيها لقب ابن الإنسان قول الرب “الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مِنَ الآنَ تَرَوْنَ السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَمَلاَئِكَةَ اللهِ يَصْعَدُونَ وَيَنْزِلُونَ عَلَى ابْنِ الإِنْسَانِ” (يو1: 51). وقول استفانوس الشهيد “هَا أَنَا أَنْظُرُ السَّمَاوَاتِ مَفْتُوحَةً، وَابْنَ الإِنْسَانِ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ” (أع7: 56) وقول المسيح لتلاميذه “فَإِنْ رَأَيْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ صَاعِدًا إِلَى حَيْثُ كَانَ أَوَّلاً!” (يو6: 62) وهذه الآية الأخيرة يكرر بها ما قصده سابقًا عن نزوله من السماء.
(ز) استخدم الرب أيضًا تعبير ابن الإنسان في سلطان عجيب: فقال “فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ السَّبْتِ أَيْضًا” (مت12: 8). وعندما غفر للمفلوج خطاياه قبل إبرائه، وفكر الكتبة في أنفسهم أنه يجدف، رد الرب على أفكارهم بقوله “وَلكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا. حِينَئِذٍ قَالَ لِلْمَفْلُوجِ قُمِ احْمِلْ فِرَاشَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ!” (مت 9: 6).
(ح) إن دانيال النبي نفسه في العهد القديم يطلق على السيد المسيح لقب ابن الإنسان في معنى لاهوتي بقوله “كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ أَتَى وَجَاءَ إِلَى الْقَدِيمِ الأَيَّامِ، فَقَرَّبُوهُ قُدَّامَهُ. فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمَلَكُوتًا لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لاَ يَنْقَرِضُ” (دا7: 13- 14).
مخلص:
تحدث السيد المسيح عن نفسه كابن إنسان بصفات لاهوتية:
1- نزل من السماء، وهو موجود في السماء مع وجوده على الأرض.
2- ملائكة السماء تصعد وتنزل عليه.
3- يجلس عن يمين القوة ويأتي على سحاب السماء.
4- الملائكة ملائكته، والملكوت ملكوته، والمختارون مختاروه.
5- هو الديان، ويجازى كل واحد حسب عمله، وينادونه يا رب.
6- لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية.
7- هو الألف والياء، البداية والنهاية، الأول والآخر.
8- هو ابن الله وابن الإنسان في نفس الوقت.
9- هو رب السبت.
10- له سلطان أن يغفر الخطايا على الأرض.
11- تتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة.
12- سلطانه سلطان أبدي، وملكوته لا ينقرض.
5- لماذا دعا نفسه ابن الإنسان
أخطأ الإنسان وحُكم عليه بالموت. وكان لابد أن يموت الإنسان، لكي يكون الله صادقًا وأيضًا لكي يكون الله عادلًا. ومن الناحية الأخرى كان يليق أن يحيا الإنسان، لأن هذا يتمشى مع رحمة الله وحكمته…
وكان هذا الإنسان عاجزًا عن إيفاء الله حقه من العدالة، لأنه محدود لا يستطيع أن يوفي العقوبة غير المحدودة، وأيضًا لأنه خاطئ…
لذلك أخذ الرب شكل العبد، وصار في الهيئة كإنسان، وشاء أن يولد من هذا الإنسان عينه، لكي يمكنه أن ينوب عنه، وهكذا دعا نفسه “ابن الإنسان”، ولم يدع نفسه ابن فلان من الناس، لأنه في موقف النائب عن الإنسان كله، عن البشرية عموما…
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الاولى – العدد الخامس يونيه 1965م




