قلب جديد وروح جديدة

بمناسبة العام الجديد، أود أن أكلمكم عن القلب الجديد. لهذا نقرأ وعود الله التي سجلها لنا حزقيال النبي، إذ يقول الرب:” وأرش عليكم ماءًا طاهرًا، فتطهرون من كل نجاساتكم “، “وأعطيكم قلبًا جديدًا، وأجعل روحًا جديدة في داخلكم”، ” وأنزع قلب الحجر من لحمكم، وأعطيكم قلب لحم”, “وأجعل روحي في داخلكم، وأجعلكم تسلكون في فرائضي” (حز 36: 25 -27)
قلب جديد وروح جديدة1
هذا ما نريده في بداية كل عام، ننفرد بالرب، ونطلب إليه أن يعطينا قلبًا جديدًا وروحًا جديدة. ونحن نصلي باستمرار المزمور الخمسين ونقول (قلبًا نقيًا أخلق في يا الله، وروحًا مستقيمًا جدده في أحشائي).
هذا القلب الجديد هو قلب قد ترك الماضي كله، كما يقول الكتاب (الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديداً) (2كو5: 17). ويقول أيضًا (وتلبسوا الانسان الجديد) (أف4: 24).
كثير من أولاد الله، أعطاهم الرب في دعوتهم اسمًا جديدًا. إبرام صار إبراهيم، ويعقوب صار إسرائيل، وشاول صار بولس، وسمعان صار بطرس، وساراي صارت سارة.
وكان الاسم الجديد، رمزًا للحياة الجديدة في الرب…
نحن لا نستفيد شيئًا إن اقتصر الأمر على تغيير رقم العام في التقويم، إنما المهم أن تتغير حياتنا. الإنسان التائب هو إنسان قد تغير، تبدلت نظرته إلى الأمور، وتغيرت رغباته، وحتى شكله الخارجي قد يتغير. طريقته في الحياة، أسلوبه، منهجه، مثالياته، الكل قد تغير.
كل من ينظر اليه، يشعر انه أمام إنسان آخر، وأن الإنسان القديم قد مات، وهوذا الكل قد صار جديدًا…
وقد دخل في عام جديد، بطريقة جديدة…
يؤسفنا أن كثيرًا من الناس يعترفون، ويخرجون من الاعتراف كما هم. ويتناولون ويخرجون من التناول كما كانوا… نفس الأخلاق، نفس الأسلوب، كأن شيئًا لم يحدث.
أما الإنسان الذي يريد أن يبدأ حياته مع الله، فإنه يبدأ بقلب جديد، وبروح جديدة، كما قال الرسول:
(تغيروا عن شكلكم، بتجديد أذهانكم) (رو12).
ماذا تعنى عبارة (تجديد أذهانكم)، سوى أن أسلوب التفكير قد تغير، نظرة الناس قد تبدلت بالنظرة الإلهية..
تجديد القلب معناه التوبة، والتوبة تعطى الإنسان قلبًا جديدًا.
الله يمحو الخطايا السابقة. يغسل الإنسان فيبيض أكثر من الثلج. تبيض أفكاره وألفاظه ورغباته. ويتغير أسلوبه ومعاملاته للناس…
وما أكثر الأمثلة على هذا التغير:
موسى الأسود، كان إنسانًا قاسيًا قتالًا للناس، عندما دخل الدير لأول مرة خاف منه الرهبان، فتحول إلى موسى الوديع الطيب المضياف، الطويل الأناة، الكثير الاحتمال…
الانسان الذي يقع ويقوم، ويقع ويقوم، هو للآن لم يتغير بعد، مازال في خط متذبذب غير ثابت…
يعقوب أبو الآباء، لم يتغير من يعقوب إلى إسرائيل، إلا بعد أن صارع مع الله وغلب، وأخذ المواعيد. فالإنسان محتاج إلى أن يتصارع مع الله ليأخذ القلب الجديد.
وعد الرب واضح. لم يقل اذهبوا وابحثوا لكم عن قلوب جديدة. انما قال (أعطيكم قلبًا جديدًا) …
اذن هذا القلب الجديد هو منحة من الله، يخلقه الله فينا. ينزع الله قلبنا الحجري، ويضع قلب لحم…
الله هو الذي سيعمل العمل كله: (أعطيكم قلبًا جديدًا، وأجعل روحًا جديدة في داخلكم، وانزع قلب الحجر… وأجعلكم تسلكون في فرائضي) …
اذن عملية التغيير عملية إلهية، يقوم بها الروح القدس في الإنسان. ما دام الأمر هكذا فلنصارع مع الله، ونأخذ منه القلب الجديد، متمسكين بوعوده الصادقة…
فلنقل له: ما دمت يا رب قد وعدت، فلابد أن تعطي. ونظل نصارعه حتى الفجر، نقضي ظلمة الليل كلها في صراع، يطلع علينا الفجر باسم جديد وقلب جديد.
غير أن بعض الناس، عندما يأخذون من الرب قلبًا جديدًا، يريدون أن يحتفظوا بالقلب القديم الى جوار القلب الجديد!!
ويصبح فيهم قلبان: قلب جديد يحب الخير، وقلب قديم يشتاق إلى الخطية، يقضون ساعة مع الله، وأخرى مع الشيطان. ويعرجون بين الفرقتين… مثل حنانيا وسفيرا، يضعان أموالهما تحت أقدام الرسل، وفي نفس الوقت يحتفظان بالمال الحرام! وكامرأة لوط: يدها في يد الملاك، وعينها تنظر إلى الخلف، إلى سدوم!!
لا يجوز هذا، أن نضع رقعة جديدة على ثوب عتيق!
(أية شركة للنور مع الظلمة؟! وأية شركة للمسيح مع بليعال؟!). أتريد أن تعيش مع الله، عش معه كُلك. بكل الفكر، وكل القلب، وكل الإرادة، وكل الحياة… كما يقول الكتاب (تحب الرب إلهك من كل قلبك) (تث6).
كثير من الناس، في تجديد اذهانهم، يهتمون بالممارسات الخارجية فقط، من صلاة وقراءة وتأمل واعتراف وصوم. وينسون القلب من الداخل، فيرفض الرب عبادتهم الشكلية. أما أنت ففي بداية العام أهتم بقلبك، أو أطلب من الله القلب الجديد والروح الجديدة. واسكب نفسك أمام الله، وقل له:
كفاني يا رب هذا العام الماضي الذي اعتمدت فيه على إرادتي وتفكيري وقوتي وبشريتي، ولم أدخلك معي في العمل…!
فلنبدأ هذا العام بطريقة جديدة. أنت قلت (أعطيكم قلبًا جديدًا وروحًا جديدة). أعطني إذن هذا القلب وهذه الروح، لكي يكون لي بر الإيمان، وليس البر البشرى.
(قلبًا جديدًا أخلق في يا الله، وروحًا مستقيمًا جدده في أحشائي)
أنت الذي ستخلق في هذا القلب، وتجدد الروح، وتنضح على بزوفاك فأطهر، وتغسلني فأبيض أكثر من الثلج. أنا لا أريد أن أرمم هذا القلب وأصلحه، إنما أريد قلبًا جديدًا، مخلوقاً منك، على صورتك ومثالك.
قلبي هذا أتعبني في العام الماضي. أعطني غيره.
نعمان السرياني الأبرص، عندما شفاه إليشع النبي، خرج من الماء، بلحم جديد، جلد جديد كأنه جلد صبي، ليست فيه آثار الحياة القديمة إطلاقًا.
هكذا أيضًا الحياة الجديدة في السماء، التي تؤول إليها حياتنا:
يقول يوحنا الرائي (ثم رأيت سماء جديدة وأرضًا جديدة، لأن السماء الأولى والأرض الأولى قد مضتا…) (رؤ21 :1) ويحدثنا أيضًا عن أورشليم الجديدة، النازلة من السماء، مثل عروس مزينة لعريسها.
أورشليم هذه تمثل قلوبنا، نريدها جديدة، نازلة من السماء… كمسكن لله مع الناس. إننا نريد من الرب أن يعطينا هذه الحياة الجديدة هبة مجانية من عنده، نازلة من السماء، من عند أبى الأنوار…
كل ما أخذناه من بشريتنا هو البر الذاتي، البر الذي قدمته لنا أرادتنا، فابتلعه المجد الباطل منها ومنا… وبقي أن نأخذ بر المسيح، نأخذ منه الروح التي يجعلها في داخلنا…
لما رفع بطرس السيف، قال له الرب (رد سيفك إلى غمده، فمن أخذ بالسيف، بالسيف يؤخذ) وقال لموسى:
(الرب يقاتل عنكم، وأنتم تصمتون) …
أريد أن أراك يا رب تقاتل، وأنا أقف وأتأمل خلاص الرب، وأقول لنفسي (الحرب للرب. والرب يغلب بالكثير والقليل… داود لما حارب جليات، لم يدع أنه سينتصر عليه، إنما قال له (في هذا اليوم، يحبسك الرب في يدي) (1صم17: 46).
متى تحبسه يا رب في يدي، هذا الجليات المتجبر، الذي يعير صفوف الرب؟ الذي ضعف أمامه كل الجيش!!
قل له: (يا رب امسك يدي وقدني) لأن الكتاب يقول إنه (يقودنا في موكب نصرته).
ما أصعب قيادة الإنسان لنفسه… ومع ذلك كثيرًا ما يقول: لقد فعلت كل ما يمكنني أن أفعله، و مازلت كما أنا.
(تعبت الليل كله ولم اصطد شيئًا). فيقول له الرب: ذلك لأنك عملت بمفردك. لك مصباح جاهز، ولكن ليس فيه زيت. ليس لك الروح القدس الناطق في الأنبياء!
لذلك في هذا العام، جاهد أن تدخل المسيح في حياتك..
خذ منه قوة. خذ كلمته القوية الفعالة. اشتر منه كحلًا تكحل به عينيك، وثوبًا لكي تلبس… إن وجدت نفسك قد سقطت، قل له: لعلك يا سيدي لم تعطني قوة. إن كنت أنا لا أستطيع أن أتخلص من هذه الخطية، فقل يا رب كلمة، وحينئذ يبرأ غلامك. أنا يا رب لا أخفي عليك أمري. أنا لا أملك قوة أقاوم بها العدو، وليست لي إرادة صالحة، ولا عزيمة قوية. إنني أكلمك بصراحة، وألقي ضعفي عليك…
أرني يا رب رحمتك. إنني كتومًا، أُصدق عيني أكثر من أذني!
جاهد مع الرب إذن وخذ منه قلبًا جديدًا. ولكن هوذا سر أقوله لكم: كثيرًا ما يبدأ الإنسان مع العام الجديد بداية حسنة، ولكن الشيطان يلطمه بكل قوته في هذا البداية، لكي يسقط فييأس ويفشل…!
فإن سقطت من بداية العام، لا تيأس. اعرف أنها لعبة من الشيطان… أو استعد لكي لا تسقط. إن رأيت التجربة قادمة من بعيد، قل لنفسك (نحن لا نجهل حيله)!
كن كالجبل الراسخ، تلطمه الرياح فلا يتزعزع. إنه جبل. قل للرب: لقد عشت جبلًا رمليًا مدة طويلة، أعطني أن أكون جبلًا صخريًا لكي لا أتزعزع … في بداية هذا العام، إلى جوار الصراع مع الله لأخذ معونة، علينا أن نجاهد مع أنفسنا، كما قال الرسول: “اسلكوا بتدقيق، لا كجهلاء، بل كحكماء”.
لقد وضع الله أمامنا صفحة جديدة، لم نكتب بعد فيها شيئًا. فليكن كل ما نكتبه نقيًا وطاهرًا. ولنسلك كما يليق بالدعوة التي قد دعينا إليها. وليكن عامًا مباركًا، نعمل فيه عمل الرب، ويعمل الرب معنا…
وكل عام وجميعكم بخير…
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد الأول) 2-1-1976م





