موسوعة سير القديسين – الجزء الأول مقدمات
| الكتاب | موسوعة سير القديسين – الجزء الأول مقدمات |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الأولى، يناير 2023م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 26436 / 2022 |
| الترقيم الدولي | 978-977-86437-3-2 |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا شنوده الثالث جعلته يترك لنا
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم موسوعة سير القديسين:
الكتاب الأول – مقدمات في سير القديسين
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
هذا الكتاب
هذا الكتاب
يسر مركز معلم الأجيال لحفظ ونشر تراث قداسة البابا شنوده أن يقدم الكتاب
إن إصدار موسوعات تشمل إنتاج قداسة البابا شنوده الزاخر، هو هدف يسعى المركز لتحقيقه، ولا يُخفي عليك عزيزي القارئ الكم الهائل الغزير من كتابات ومحاضرات ولقاءات قداسة البابا شنوده وغيرها، والذي يتطلب جهدًا ووقتًا كبيرين لإخراجه في هذه الصورة.
وعلى الرغم من أن المركز قد سبق وقدم عددًا من الموسوعات والكتب والدوريات والنبذات سواء في اللاهوت الروحي، واللاهوت المقارن، واللاهوت الأدبي، الأعياد والمناسبات، والأدب والشعر، وغيرها.. إلا أنه ما زال أمامنا الكثير لنقدمه.
وبين يديك موسوعة "سير القديسين".. التي تزخر بكلمات روحية عميقة، تثير في النفس شهوة القداسة والحب نحو الله وقديسيه.
كما يعلمنا قداسته أن القداسة ليست للرهبان أو البتوليين فقط؛ بل هي دعوة لكل إنسان على الأرض، فالمتزوج مدعو كالبتول لحياة القداسة، والعلماني كالراهب، والمرأة كما الرجل. فكل مؤمن مُطالَب بالقداسة كما قال الكتاب: "كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ"(1بط16:1).
أيضًا يتأمل قداسته في فضائلهم الكثيرة وجهادهم ومحبتهم لله من كل القلب، حيث قال: "إن هؤلاء القديسين يمثلون فضائل متعددة، بل ربما لا توجد فضيلة من الفضائل إلَّا ولها أمثلة في سير القديسين، وبطريقة عالية جدًّا وسامية".
أما عن بركات عِشرَة القديسين وقراءة سيرهم الطاهرة، فهي تؤثر فينا وتساعدنا على تنمية علاقتنا مع الله، وإشعال محبتنا له وملكوته. كما تقدّم لنا التنفيذ العملي للمبادئ الروحية. وأمور أخرى كثيرة نتعلمها من سير القديسين.
حقًّا اقتدر قداسة البابا شنوده عندما قال عن قراءة سير القديسين: "إن الذى يقرأ سير القديسين، يصير على الدوام في تغير مستمر، إلى الأفضل: أسلوبه يتغير، كلامه يتغير، معاملاته تتغير، محاولًا أن يصل إلى تلك الصورة عينها".
وأود أن أشكر تاسوني كيريا الخادمة بالمركز لمجهودها في تجميع محتويات هذه الموسوعة، ونصلي أن تكون سببًا في نموك الروحي أيها القارئ العزيز.
نتمنى لكم أوقاتًا مباركة بشفاعة العذراء مريم والدة الإله، والبابا شنوده الثالث.. وبصلوات قداسة البابا الأنبا تواضروس الثاني.
القمص بطرس بطرس جيد
مركز معلم الأجيال
لحفظ ونشر تراث البابا شنوده الثالث
مقدمة عامة لموسوعة سير القديسين
مقدمة عامة لموسوعة سير القديسين
تمهيد
تعتمد فكرة موسوعة سير القديسين لقداسة البابا شنوده الثالث على تجميع عظات ومقالات قداسته عن (سير القديسين)، وإخراجها في صورة منظَّمة تصير مرجعًا شاملًا للقارئ من كتابات قداسته عن سير القديسين.
وجاءت كتابات وتعاليم قداسته في هذه الموضوعات كثيرة وثريَّة وواضحة للقارئ، وفي صورة:
1) عظات ومحاضرات صوتية، منها المحاضرات والعظات الأسبوعية.
2) كتابات ومقالات دورية في الصحف والمجلات.
3) كما تم إدراج الأجزاء الخاصة بسير القديسين من الكتب التي أصدرها قداستها مثل كتاب المحبة قمة الفضائل، وكتاب السهر الروحي، وكتاب الغضب، وكتاب كلمة منفعة، وكتاب الوسائط الروحية.
4) كما تمت الاستعانة ببعض الأسئلة التي أجاب عنها قداسته في هذا الموضوع.
أقسام الموسوعة:
سوف تصدر الموسوعة في عدة كتب تحتوي على الأجزاء الآتية:
1) الكتاب الأول: مقدمات في سير القديسين
وتحتوي هذه المقدمات على ستة فصول، الفصل الأول يتحدث فيه قداسة البابا شنوده الثالث عن: (الله والقداسة)، ومن موضوعاته: الله قدوس فكونوا قديسين، دعوة للقداسة، القداسة والتقديس، القداسة والكمال، القديسون والقداسة.
والفصل الثاني يتحدث فيه قداسته عن: (إكرام الله لقديسيه)، وموضوعاته هي: محبة الله لقديسيه، الله يُكرِم قديسيه، نماذج لقديسين أكرمهم الله، كرامة أجساد القديسين، محبة الكنيسة للقديسين، علاقتنا بالقديسين.
والفصل الثالث يتحدث فيه قداسته عن: (أهمية سير القديسين)، وموضوعاته هي: قراءة في سير القديسين، فضائل القديسين، اتّباع سير القديسين، التأمل في سير القديسين الذين أحبوا الله.
والفصل الرابع يتحدث فيه قداسته عن: (فضائل في حياة القديسين)، ومن موضوعاته: كيف صلى القديسون، سهر القديسين، الدموع في حياة القديسين، لقاءات القديسين وصفاتها، القديسون والغضب، أحداث تصدى لها قديسون، نصائح في مواضع القديسين، محبة الكنيسة للقديسين.
الفصل الخامس يتحدث فيه قداسته عن: (شفاعة القديسين)، وفيه يتم توضيح مفهوم عقيدتنا حول الشفاعة وهذا من خلال الموضوعات الآتية: شفاعة القديسين، الشفاعة مجرد صلاة، لماذا نلجأ للقديسين؟ معرفة الملائكة والقديسين بأحوالنا.
الفصل السادس يتكلم فيه قداسته عن: (حول أعياد القديسين)، ومن موضوعاته: الإيمان بدالَّة القديسين، من أعياد القديسين، شهر يوليو وأعياد القديسين.
أما الفصل السابع فهو إجابة أسئلة عامة عن القديسين.
2) الكتاب الثاني: قديسون شهداء ومعترفون.
ونضم إلى هذا القسم أيضًا: قديسي الرهبنة والبتولية، وقسمًا آخر عن القديسن من الآباء السواح، ويُختَم هذا الكتاب بقسم أخير ألا وهو قديسو التوبة.
يبدأ هذا الجزء من الكتاب بمقدمة عامة تشمل الموضوعات الخاصة بالاستشهاد والشهداء وعيد النيروز، وأيضًا عن الرهبنة، وأخرى خاصة بالآباء السواح.. ثم يبدأ بعرض لجميع القديسين الذين تكلم عنهم قداسة البابا.
ففي قسم الشهداء والمعترفين مثلًا ذَكَر: الأنبا صموئيل المعترف، والشهيد مار مينا العجايبي، والشهيد أبي سيفين فيلوباتير مرقوريوس، والقديس موريس وشهداء سويسرا، والقديس أبالي، والقديس أريانوس والي أنصنا، القديس يوليوس الأقفهصي، وغيرهم من سير الشهداء والمعترفين.
وفي القسم الخاص بالرهبنة والبتولية نجمع كل سير الآباء الرهبان الذين تحدث عنهم قداسته، أمثال القديس العظيم الأنبا أنطونيوس، وغيره من قديسي الرهبنة المعروفين. وفي القسم الخاص بالآباء السُّواح يتم سرد ما تم تجميعه من سيرهم، مثل الأنبا بولا وغيره من الآباء السواح الذين ذكرهم قداسته. ويُختَم هذا الكتاب بقسم آخر خاص بقديسي التوبة أمثال الأنبا موسى الأسود، والقديسة بائيسة وغيرهما..
3) الكتاب الثالث: قديسون صاروا بطاركة أو أساقفة مع القسم الأخير الذي يتحدث عن: الآباء علماء الكنيسة.
وجمع هذا الجزء كل من ذكرهم قداسة البابا في محاضراته أو عظاته أو مقالاته، عن الآباء الذين كانوا رهبانًا وصاروا فيما بعد آباءً أساقفة أو صاروا آباءً بطاركة لرعاية شعب المسيح في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وصارت سيرتهم عطرة، ولهم دالَّة عند رب المجد، يصلُّون دائمًا من أجلنا ويتشفعون في ضعفنا.. ومن هؤلاء من صاروا علماءً في اللاهوت، أو في العقيدة، واستطاعوا أن يصلوا بالكنيسة إلى شط النجاة وعبروا بها إلى بر الأمان ضد الهرطقات التي ظهرت في عصرهم، وثبَّتوا بتعاليمهم الصحيحة الشعب المسيحي في الإيمان المستقيم، والعقيدة السليمة.
ويقول قداسة البابا شنوده الثالث عن ذلك: "نحن محتاجون إلى قراءة سير القديسين أبطال الإيمان، لتغرس في نفوس الجميع أهمية الإيمان والثبات فيه".
الفصل الأول الله والقداسة
الله قدوس فكونوا قديسين[1]
صفة القداسة في الله صفة مُطلَقة، وطبيعية، وبغير حدود. فهو كلي القداسة، مثلما نقول إنه كلي القدرة، وكلي المعرفة.
سجل لنا إشعياء النبي تسبحة السارافيم، وهم ينشدون الله قائلين: "قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ رَبُّ الْجُنُودِ. مَجْدُهُ مِلْءُ كُلِّ الأَرْضِ"(إش3:6).
ونحن نسبح الله كل يوم في صلوات الساعات، قائلين: "قدوس الله، قدوس القوي، قدوس الحي الذي لا يموت". وقد سجل لنا سفر الرؤيا تسبحة السمائيين بقيثاراتهم وهم يرتلون: "عَادِلَةٌ وَحَقٌّ هِيَ طُرُقُكَ يَا مَلِكَ الْقِدِّيسِينَ! مَنْ لاَ يَخَافُكَ يَا رَبُّ وَيُمَجِّدُ اسْمَكَ؟ لأَنَّكَ وَحْدَكَ قُدُّوسٌ"(رؤ15: 3، 4).
وروح الله في قداسته، هو الروح القدوس.
كل ما يحيط بالله يتَّصف بالقداسة
وكما أن الله قدوس، لذلك كل ما يحيط به يتَّصف بالقداسة.
فسماء الله مقدسة، وملائكة الله قديسون، وكتاب الله هو الكتاب المقدس، والصلوات الموجهة إلى الله صلوات مقدسة. وسر الإفخارستيا نصليه بالقداس الإلهي على المذبح المقدس، بالأواني المقدسة. كذلك نقول التسبحة المقدسة، والإبصلمودية المقدسة، والخولاجي المقدس... وبيت الله هو بيت مقدس. ونقول عنه في المزمور: "بِبَيْتِكَ تَلِيقُ الْقَدَاسَةُ يَا رَبُّ إِلَى طُولِ الأَيَّامِ"(مز5:93).
ويوم الرب هو اليوم المقدس وأيضًا كل مواسم الرب وأعياده مقدسة تقام فيها محافل مقدسة (لا23: 3، 4).
بل إن المكان الذي نصلي فيه يُدعى مقدسًا، وكذلك اليوم يُدعى يومًا مقدسًا. وهكذا نقول في صلاة الشكر: "هو أيضًا فلنسأله أن يحفظنا في هذا اليوم المقدس وكل أيام حياتنا بكل سلامة". كما نقول للرب أيضًا: "كل حسد وكل تجربة وكل فعل الشيطان ومؤامرة الناس الأشرار... انزعها عنا وعن سائر شعبك وعن موضعك المقدس هذا".
هنا وندخل في معاني كلمات: يتقدّس، قدّس، أقدّس..
نقول في أول الصلاة الربية: "ليتقدس اسمك"، واسم الله قدوس بطبيعته. إنما نقصد بهذه الطلبة أن ينطق الناس باسم الله في تقديس وإكرام وإجلال، ولا يستخدمونه باطلًا في التافهات من الأمور. وهكذا قيل في الوصية: "لاَ تَنْطِقْ بِاسْمِ الرَّبِّ إِلهِكَ بَاطِلًا"(خر7:20).
على أن عبارة يقدّس تأتي أيضًا بمعنى "يُخصّص للرب".
وبهذا المعنى جاءت الوصية: "اذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ"(خر8:20). أي تخصصه للرب وحده. فلا تعمل فيه عملًا ما سوى ما يخص الرب وحده، أي أعمال العبادة، والتأمل في كلمة الله وتعليمها...
وكذلك وصية الرب لموسى: "قَدِّسْ لِي كُلَّ بِكْرٍ، كُلَّ فَاتِحِ رَحِمٍ.. إِنَّهُ لِي"(خر2:13)؛ أي من كان من بني البشر يكون لخدمة الرب، قبل أن يخصص لذلك سبط لاوي وبني هارون.. أما أبكار البهائم، فكانت تُقدَّم ذبائح للرب. أما قول ربنا يسوع المسيح عن تلاميذه: "وَلأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي.."(يو19:17)، فمعناها أيضًا أخصص ذاتي لرعايتهم ومنحهم القوة والطهارة.
على أن المعروف عن القداسة أنها تعني الطهارة والنقاوة.
وعنها قيل: "الْقَدَاسَةَ الَّتِي بِدُونِهَا لَنْ يَرَى أَحَدٌ الرَّبَّ"(عب14:12)، وعنها قال الرب: "كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ"(1بط16:1). وأيضًا: "نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ"(1بط15:1). وفي هذا المعنى تدخل كذلك الآية التي تقول: "طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ"(مت8:5).
وعكس القداسة والطهارة؛ النجاسة، وعقوبتها شديدة.
وفي العهد القديم كانوا يصفون بها بعض أمراض كالبَرَص، وكان صاحبها يخرج خارج المحلة، ويصفون بالنجاسة أيضًا بعض الحيوانات كالخنزير...
وقيل عن أورشليم السمائية إنه: "لَنْ يَدْخُلَهَا شَيْءٌ دَنِسٌ وَلاَ مَا يَصْنَعُ رَجِسًا"(رؤ27:21).
ومن أبرز مظاهر النجاسة: الزنى. وبسبب ذلك أحرق الله سدوم التي انتشر فيها الشذوذ الجنسي (تك19). كذلك أغرق الله العالم بالطوفان. وأول مظاهر شر الناس كانت "أَبْنَاءَ اللهِ رَأَوْا بَنَاتِ النَّاسِ أَنَّهُنَّ حَسَنَاتٌ. فَاتَّخَذوا لأَنْفُسِهِمْ نِسَاءً مِنْ كُلِّ مَا اخْتَارُوا"(تك2:6). وقيل في خطورة خطية الزنى أن أجسادنا هي هياكل الله. ولذلك: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُفْسِدُ هَيْكَلَ اللهِ فَسَيُفْسِدُهُ اللهُ، لأَنَّ هَيْكَلَ اللهِ مُقَدَّسٌ"(1كو3: 16، 17).
على أن النجاسة لم تقتصر على الزنى فقط؛ بل حتى أخطاء اللسان. وفي ذلك قال الرب: "لَيْسَ مَا يَدْخُلُ الْفَمَ يُنَجِّسُ الإنسان، بَلْ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ هذَا يُنَجِّسُ الإنسان"(مت11:15). وعلى هذا قال معلمنا يعقوب الرسول عن اللسان إنه: "يُدَنِّسُ الْجِسْمَ كُلَّهُ، وَيُضْرِمُ دَائِرَةَ الْكَوْنِ"(يع6:3).
والكتاب يعلّمنا أن المؤمنين المعمدين هم قديسون.
فيقول الرسول: "سَلِّمُوا عَلَى كُلِّ قِدِّيسٍ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ.. يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ جَمِيعُ الْقِدِّيسِينَ"(في4: 21، 22). ودُعِيَ المؤمن قديسًا، لأنه تقدَّس بالدم الكريم الذي "يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ"(1يو7:1). وقد غُسِلَ من خطاياه في المعمودية المقدسة، التي ولد منها إنسانًا جديدًا بارًّا. ولأنه أيضًا قد تقدس بالمسحة المقدسة، حينما رشم بالميرون المقدس 36 رشمًا في كل فتحات جسمه ومفاصله...
على أننا حاليًا نطلق كلمة قديس على مستوى معين من المؤمنين، مشهود له بأنه عاش في قداسة السيرة، أو عن قديس من أبطال الإيمان أو من صانعي الآيات والمعجزات.
ونحن نطلب القداسة في صلواتنا وفي القداس الإلهي...
ونقول في قطع الساعة الثالثة: "أرسل لنا نعمة روحك القدوس، وطَهِّرنا من دنس الجسد والروح. وانقلنا إلى سيرة روحانية، لكي نسعى بالروح ولا نكمل شهوة الجسد"، ونقول في القداس الإلهي: "طَهِّر نفوسنا وأجسادنا وأرواحنا".
بل بالقداسة نتقدَّم للتناول من الأسرار المقدسة ذاكرين قول صموئيل النبي حينما أراد أن يقدم ذبيحة في بيت لحم: "تَقَدَّسُوا وَتَعَالَوْا مَعِي إِلَى الذَّبِيحَةِ"(1صم5:16). ونقول عن التَّقدُّم للتناول: "القدسات للقديسين"، أي للأطهار الذين استعدوا استعدادًا روحيًّا للتناول من الأسرار المقدسة.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 19 نوفمبر 2004م
دعوة للقداسة
دعوة للقداسة[1]
ما دمنا قد خُلِقنا على صورة الله ومثاله – والله قدوس – إذًا ينبغي أن نكون قديسين، وما دمنا جسد المسيح – وهو الرأس – لا بد أن نكون قديسين. وما دمنا أولادًا لله – والابن يشبه أباه – فلا بدَّ أن نشبهه في القداسة. وهكذا قال القديس يوحنا الرسول: "كُلُّ مَنْ هُوَ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ لاَ يَفْعَلُ خَطِيَّةً... وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْطِئَ لأَنَّهُ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ"(1يو9:3). وقال أيضًا: "نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ لاَ يُخْطِئُ، بَلِ الْمَوْلُودُ مِنَ اللهِ يَحْفَظُ نَفْسَهُ، وَالشِّرِّيرُ لا يَمَسُّهُ"(1يو18:5).
والرب نفسه يطلب أن نكون مثله، قديسين.
فيقول في سفر اللاويين: "وَتَكُونُونَ لِي قِدِّيسِينَ لأَنِّي قُدُّوسٌ أَنَا الرَّبُّ"(لا26:20). ويقول أيضًا: "تَتَقَدَّسُونَ وَتَكُونُونَ قِدِّيسِينَ، لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ"(لا44:11). وقد أشار القديس بطرس إلى هذا، فقال: "لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ"(1بط16:1).
الله يريدنا أن نكون قديسين، لكي نكون معه.
لأن الكتاب يقول: "وَالْقَدَاسَةَ الَّتِي بِدُونِهَا لَنْ يَرَى أَحَدٌ الرَّبَّ"(عب14:12)، وبغير القداسة لن نكون معه في أورشليم السمائية التي قيل عنها إنها: "لَنْ يَدْخُلَهَا شَيْءٌ دَنِسٌ وَلاَ مَا يَصْنَعُ رَجِسًا"(رؤ27:21).
لكي نكون في عشرة الملائكة.
وبالقداسة نكون أيضًا في عشرة الملائكة، الذين وُصِفوا بأنهم الملائكة القديسون إذ قيل: "وَمَتَى جَاءَ ابْنُ الإنسان فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ مَعَهُ"(مت31:25)، (مر38:8)، (لو26:9). فبغير القداسة لا يمكن أن نشترك مع هؤلاء القديسين سواء من الملائكة أو من أرواح البشر القديسين، كما قيل أيضًا عن مجيء الرب: "هُوَذَا قَدْ جَاءَ الرَّبُّ فِي رَبَوَاتِ قِدِّيسِيهِ"(يه14:1).
لأن الكنيسة هي جماعة من القديسين.
كان المؤمنون في الكنيسة الأولى أيام الرسل، يدعون قديسين.
فالكنيسة هي جماعة من القديسين. فالقديس بولس يكتب إلى أهل رومية قائلًا: "إِلَى جَمِيعِ الْمَوْجُودِينَ فِي رُومِيَةَ، أَحِبَّاءَ اللهِ، مَدْعُوِّينَ قِدِّيسِينَ"(رو7:1). ويكتب إلى العبرانيين فيقول: "مِنْ ثَمَّ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْقِدِّيسُونَ، شُرَكَاءُ الدَّعْوَةِ السَّمَاوِيَّةِ"(عب1:3). ويقول في عبارة تُعمِّق هذا المعنى، فيقول: "سَلِّمُوا عَلَى كُلِّ قِدِّيسٍ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ"(في21:4). "يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ جَمِيعُ الْقِدِّيسِينَ وَلاَ سِيَّمَا الَّذِينَ مِنْ بَيْتِ قَيْصَرَ"(في22:4).
ويقول القديس بطرس الرسول عن كتب الوحي الإلهي إنه: "تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ"(2بط21:1). وفي التسبحة التي سجَّلها القديس يوحنا الرسول في سفر الرؤيا، تترنَّم القوات السمائية قائلة للرب الإله: "عَادِلَةٌ وَحَقٌّ هِيَ طُرُقُكَ يَا مَلِكَ الْقِدِّيسِينَ!"(رؤ3:15). حقًّا إنه مَلَك على هؤلاء القديسين الذين مَلَّكوه على قلوبهم، هؤلاء الذين نفذوا إرادة الله في حياتهم. وماذا كانت إرادته سوى قول الكتاب: "هذِهِ هِيَ إِرَادَةُ اللهِ: قَدَاسَتُكُمْ"(1تس4: 3).
لكي نمجِّد الله بحياتنا
هؤلاء الذين يتمجَّد الله في حياتهم. ويرى الناس أعمالهم الصالحة، فيمجدون أباهم الذي في السموات (مت16:5). وكما يقول الرسول عن الله إنه: "يَتَمَجَّدَ فِي قِدِّيسِيهِ"(2تس10:1). وهكذا ينصح المؤمنين قائلًا: "فَمَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ الَّتِي هِيَ للهِ"(1كو20:6).
إذًا حينما نحيا في القداسة، إنما نمجد الله بحياتنا. أما حينما نحيا في الخطية، فإننا لا نستحق أن نستمر في عضوية رعيته. وفي الكنيسة الأولى كانوا يعزلون الخطاة عنهم، خارج مجمع المؤمنين Excommunication كما أمر الرسول قائلًا: "اعْزِلُوا الْخَبِيثَ مِنْ بَيْنِكُمْ"(1كو13:5)، "أَيَّةُ خِلْطَةٍ لِلْبِرِّ وَالإِثْمِ؟ وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟"(2كو14:6).
وفي الحياة الأبدية يُطرَح أولئك الخطاة "فِي الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ"(مت30:25) خارج المدينة المنيرة، أورشليم السمائية التي "وَلَنْ يَدْخُلَهَا شَيْءٌ دَنِسٌ"(رؤ27:21).
القديس بولس الرسول كان يدعو المؤمنين قديسين، في رسائله.
فقد بدأ رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس بقوله: "... إِلَى كَنِيسَةِ اللهِ الَّتِي فِي كُورِنْثُوسَ، الْمُقَدَّسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، الْمَدْعُوِّينَ قِدِّيسِينَ مَعَ جَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، لَهُمْ وَلَنَا"(1كو2:1).
وفي بدء رسالته الثانية إلى كورنثوس الثانية يقول: "... إِلَى كَنِيسَةِ اللهِ الَّتِي فِي كُورِنْثُوسَ، مَعَ الْقِدِّيسِينَ أَجْمَعِينَ الَّذِينَ فِي جَمِيعِ أَخَائِيَةَ"(2كو1:1).
وفي بدء رسالته إلى أفسس يقول: "إِلَى الْقِدِّيسِينَ الَّذِينَ فِي أَفَسُسَ، وَالْمُؤْمِنِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ"(أف1:1). وفي بدء الرسالة إلى فيلبي يقول: "إِلَى جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، الَّذِينَ فِي فِيلِبِّي، مَعَ أَسَاقِفَةٍ وَشَمَامِسَة"(في1:1).
وفي بدء رسالته إلى كولوسي يقول: "... إِلَى الْقِدِّيسِينَ فِي كُولُوسي، وَالإِخْوَةِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْمَسِيحِ"(كو2:1).
وفي الرسالة الأولى إلى تيموثاوس، يتكلم عن صفات الأرملة التي تكتتب في الكنيسة فيقول، تكون "مَشْهُودًا لَهَا... أَضَافَتِ الْغُرَبَاءَ، غَسَّلَتْ أَرْجُلَ الْقِدِّيسِينَ"(1تي10:5) وفي الرسالة إلى تيطس، يقول عن العجائز إنه يجب عليهن أن يكنَّ "فِي سِيرَةٍ تَلِيقُ بِالْقَدَاسَةِ"(تي3:2). ويقول للمؤمنين جميعًا: "فَإِذْ لَنَا هذِهِ الْمَوَاعِيدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ لِنُطَهِّرْ ذَوَاتِنَا مِنْ كُلِّ دَنَسِ الْجَسَدِ وَالرُّوحِ، مُكَمِّلِينَ الْقَدَاسَةَ فِي خَوْفِ اللهِ"(2كو1:7).
وهناك أسباب عديدة لاعتبار المؤمنين قديسين.
لأنهم تبرَّروا بالإيمان في المعمودية، حيث صُلِب إنسانهم العتيق، ووُلِدوا من الماء والروح (رو6: 4 – 6)، (يو5:3). وفي المعمودية قد لبسوا المسيح (غلا27:3)؛ أي لبسوا برَّه وقداسته "بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ"(تي5:3). وفي سر المسحة المقدسة، قد مسحوا بالروح القدس فصاروا قديسين وفي مواهب العهد الجديد يقول لهم الكتاب: "لكِنِ اغْتَسَلْتُمْ، بَلْ تَقَدَّسْتُمْ، بَلْ تَبَرَّرْتُمْ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ وَبِرُوحِ إِلهِنَا"(1كو11:6).
وفي تقدمنا للأسرار المقدسة، نرى ملامح هذا التقديس.
من ذلك غسل يد الكاهن قبل القداس، وهو يقول: "طَهِّرْنِي بِالزُّوفَا فَأَطْهُرَ. اغْسِلْنِي فَأَبْيَضَّ أَكْثَرَ مِنَ الثَّلْجِ"(مز7:51)، "أَغْسِلُ يَدَيَّ فِي النَّقَاوَةِ، فَأَطُوفُ بِمَذْبَحِكَ يَا رَبُّ"(مز6:26)، وكذلك الملابس البيضاء التي لخدمة المذبح، ورمزها إلى الطهارة أو القداسة اللائقة بهذه الخدمة.
كذلك صلاة القداس الإلهي الخاص بالتناول نسميه "قداس القديسين".
وذلك تمييزًا له عن الصلوات السابقة له التي يسمح للموعوظين بحضورها ونسميه "قداس الموعوظين". أما قداس القديسين فنقول فيه بعد تقديس السرائر: "القداسات للقديسين"، أي لهؤلاء القديسين الذين لهم الحق في التناول من الأسرار المقدسة. لذلك قال صموئيل النبي في العهد القديم: "تَقَدَّسُوا وَتَعَالَوْا مَعِي إِلَى الذَّبِيحَةِ"(1صم5:16).
فإن كان هذا في العهد القديم. فماذا نقول عن ذبيحة العهد الجديد المملوءة سرًّا!! لذلك نحن نصلي قبل التناول ونقول: "اجعلنا مستحقين كلنا يا سيدنا أن نتناول من قداستك طهارة لأنفسنا وأجسادنا وأرواحنا". ونقول أيضًا: "طهر نفوسنا وأجسادنا وأرواحنا وعيوننا وأفهامنا ونياتنا..".
ونكرر هذه الطلبات في صلوات أخرى طالبين من الله أن يمنحنا من عنده الطهارة والقداسة.
فنقول في تحليل الساعة الثالثة: "أرسل لنا نعمة روحك القدوس، وطَهِّرنا من دنس الجسد والروح وانقلنا إلى سيرة روحانية، لكي نسعى بالروح ولا نكمل شهوة الجسد". وفي القطع نبتهل إلى الروح القدس قائلين: "هلمَّ تفضَّل وحِل فينا وطَهِّرنا من كل دنس أيها الصالح، وخلص نفوسنا".
وفي تحليل آخر كل ساعة نطلب هذه القداسة قائلين: "قدِّس أرواحنا، طهِّر أجسامنا، قوِّم أفكارنا، نقِّ نياتنا.. أحطنا بملائكتك القديسين لكي نكون بمعسكرهم محفوظين ومُرشَدين..". وفي صلاة نصف الليل نقول: "انظري يا نفسي لئلا تثقلي بالنوم فتلقي خارج الملكوت. بل اسهري واصرخي قائلة: قدوس قدوس قدوس، أنت يا الله، من أجل والدة الإله ارحمنا...".
القداسة هي طلبة ربنا يسوع إلى الآب لأجلنا، وهي طلبة القديسين لأجلنا.
ففي مناجاة الابن للآب التي سجلت في (يو17) يقول سيدنا لله الآب عنا: "قَدِّسْهُمْ فِي حَقِّكَ. كَلاَمُكَ هُوَ حَقّ"(يو17:17).
ويقول القديس بولس الرسول: "وَإِلهُ السَّلاَمِ نَفْسُهُ يُقَدِّسُكُمْ بِالتَّمَامِ. وَلْتُحْفَظْ رُوحُكُمْ وَنَفْسُكُمْ وَجَسَدُكُمْ كَامِلَةً بِلاَ لَوْمٍ عِنْدَ مَجِيءِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ"(1تس23:5). ويقول القديس بطرس الرسول: "يَجِبُ أَنْ تَكُونُوا أَنْتُمْ فِي سِيرَةٍ مُقَدَّسَةٍ وَتَقْوَى؟ مُنْتَظِرِينَ وَطَالِبِينَ سُرْعَةَ مَجِيءِ يَوْمِ الرَّبِّ"(2بط3: 11، 12).
ولنعرف أننا جميعًا أعضاء في كنيسة جامعة مقدسة.
قد أسلم الرب ذاته عنها "لِكَيْ يُقَدِّسَهَا، مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ". "لِكَيْ يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ كَنِيسَةً مَجِيدَةً، لاَ دَنَسَ فِيهَا وَلاَ غَضْنَ... بَلْ تَكُونُ مُقَدَّسَةً وَبِلاَ عَيْبٍ"(أف5: 26، 27).
كل عضو في هذه الكنيسة يجب أن يكون مقدَّسًا. ولهذا يجب أن نسعى إلى هذه القداسة.. "الْقَدَاسَةَ الَّتِي بِدُونِهَا لَنْ يَرَى أَحَدٌ الرَّبَّ"(عب14:12).
[1] مقال بعنوان "تأملات في الثلاثة تقديسات - 2" لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في جريدة وطني بتاريخ 7 أكتوبر 2007م
القداسة والتقديس
القداسة والتقديس[1]
أريد أن أحدثكم عن موضوع "القداسة والتقديس"، الله يريد جميع المؤمنين به أن يكونوا قديسين كما يقول: "أَنَّ اللهَ اخْتَارَكُمْ مِنَ الْبَدْءِ لِلْخَلاَصِ، بِتَقْدِيسِ الرُّوحِ.."(2تس13:2)، وعندما تتقدَّس روح الإنسان يصير كله قديسًا.. فكره، وجسده.
ونلاحظ دائمًا أن عبارة "قديس" تُطلَق على كلمة "مؤمن" في مواضع كثيرة جدًّا من الكتاب المقدس، يقول: "سَلِّمُوا عَلَى كُلِّ قِدِّيسٍ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ"(في21:4). بولس يبعث رسالة إلى العبرانيين ويقول لهم فيها: "مِنْ ثَمَّ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْقِدِّيسُونَ، شُرَكَاءُ الدَّعْوَةِ السَّمَاوِيَّةِ"(عب1:3)، وأيضًا في رسالته إلى كورنثوس وإلى أهل أفسس وكل رسائله يتحدَّث عن القديسين، وغيرها..
يجب على الإنسان المسيحي أن يكون قديسًا.
أيضًا عندما تحدَّث الرسل عن الأرامل اللواتي يُحسَبنَ في الكنيسة في درجة أرملة، قالوا من ضمن صفاتها أن تكون قد "أَضَافَتِ الْغُرَبَاءَ، غَسَّلَتْ أَرْجُلَ الْقِدِّيسِينَ"(1تي10:5)، أي إنسانة مُضيفة تغسل أرجل الناس القديسين، كما أُطلِقَت على كل الناس. وأحيانًا كلمة القديسين كانت تطلق على الفقراء الذين تعتني بهم الكنيسة.
تسمية كل مسيحي "قديس"
كلمة قديس يجب أن تنطبق على كل مسيحي، لكن هل نحن نسمي كل مسيحي قديسًا؟ مثلاً نقول: "القديس فلان.."؟
ما حدث هو أن السيد المسيح قدَّسنا، فنحنُ (مقدَّسين بدلاً من أن نقول قديسين، يمكن كلمة مقدَّسين ألطف)، وإن كان بولس استخدم كلمة قديسين.
وعندما تكلم بولس الرسول عن الكنيسة بوجه عام قال عن المسيح: "أَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا، لِكَيْ يُقَدِّسَهَا، مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ"(أف5: 25، 26). إذًا المسيح قدَّس الكنيسة، فأصبحت الكنيسة مقدسة، جماعة المؤمنين كلها، ولذلك نقول في قانون الإيمان: (نؤمن بكنيسة واحدة مقدَّسة جامعة رسولية).
فإذًا جماعة المؤمنين كلهم جماعة مقدَّسة، ولهذا في العهد القديم كان الشخص الذي يُخطئ خطية من الخطايا البشعة التي تُدنِّس الجماعة كلها، كانوا يخرجونه خارج المجمع، لأنه إنسان نجس لا يصح أن يجلس وسط جماعة القديسين؛ بل يبقى خارج المحلة، وتبقى المحلة طاهرة مقدسة.
إذا ضاعت قداسة المحلة لأي سبب يكون خطرًا على الكل، ولهذا عندما حدث أن عَخان بن كرمي سرق سرقة تضرَّر كل الشعب، وانهزم أمام قرية بسيطة اسمها "عاي" بعد انتصارهم على مدينة كبيرة جدًّا مثل أريحا (يش7)، وتوجد العبارة التي تقول: "اعْزِلُوا الْخَبِيثَ مِنْ بَيْنِكُمْ"(1كو13:5).
فإذًا جماعة المؤمنين تظل جماعة مقدَّسة، وكل مخطئ يخرج خارجًا.. وبهذا الشكل تكون الكنيسة جماعة من القديسين.
قداس القديسين
ولهذا أيضًا كان القداس الذي يتناولون فيه يسمى "قدَّاس القديسين"، والذي لا يستحق التناول كان يُخرَج خارجًا ويبقى في الكنيسة الذين يتناولون فقط، والذين يتناولون يُعتَبرون قديسين لذلك الكاهن قبل التناول يقول:TA AGIA TIC AGHC القدسات للقديسين.
ويصلي كثيرًا من أجل طهارة الشعب كله، ويقول: (طهِّر نفوسنا وأجسادنا وأرواحنا، وأفكارنا، وعيوننا ونياتنا...)، وأيضًا في أول طلبة قبل أوشية السلامة في القداس يطلب أيضًا من أجل طهارة النفس والجسد والروح، لكي نستحق أن نتناول من الأسرار المقدسة.
القداسة لازمة للكنيسة، ولازمة للجميع.
حينما أخطأ يونان النبي كادت السفينة كلها تغرق بسبب خطيئته، إذًا ربما بسبب خطية واحد يضيع الجميع! ولهذا تحرص الكنيسة على قداسة كل فرد فيها لكي تكون مجموعة من القديسين.
ولكن كيف يُقدَّس الإنسان؟!
أول تقديس للإنسان يناله في سرّيّ المعمودية والميرون... وبهما ينال التبرير والغسل لأن المعمودية عبارة عن عملية غسيل، التي يسمونها "غسل الميلاد الثاني"، كما ورد في (تي5:3): "غُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي". وتُغفَر كل الخطايا القديمة للإنسان في المعمودية، كل الخطايا السابقة للمعمودية سواء كانت الخطية الأصلية، أو خطايا فعلية، يتطهَّر ويُغسَل منها. ولهذا نجد في (حزقيال16) عندما تحدَّث عن الخاطئة أورشليم، قال لها الرب: "فَحَمَّمْتُكِ بِالْمَاءِ، وَغَسَلْتُ عَنْكِ دِمَاءَكِ، وَمَسَحْتُكِ بِالزَّيْتِ"(حز9:16). أي أعطاها المعمودية، والمسحة المقدسة.
فالإنسان يغتسل ويتطهَّر ويتبرَّر أول مرة في حياته بواسطة المعمودية، وبسرّ المسحة المقدسة يسكن فيه الروح القدس، والروح القدس يساعد على تقديسه باستمرار.
وهذا التقديس عبارة عن هبة مجانية من الله يعطيها لنا.
لأنه لا يوجد إنسان يستطيع دفع ثمن خطاياه السابقة للمعمودية، سواء الخطية الأصلية أو الخطية الفعلية، فتطهيره وتقديسه يكون هبة مجانية من الله، وكل أسرار الكنيسة بلا استثناء عبارة عن هبات أو نعم مجانية. الإنسان لا يَدَ له فيها إلا أن يؤمن، ويقبل السر، ويحيا حياة طاهرة.
وأيضًا يحتاج الإنسان إلى تقديس في حياته كلها.. ليس فقط العملية الأولى في المعمودية والمسحة المقدسة، بل يحتاج إلى تقديس في حياته كلها، وفي كل عمل وبخاصة في الأسرار المقدسة، كل سر من الأسرار المقدسة يحتاج إلى تقديس... الإنسان يتقدس لكي يكون مستحقًّا لهذا السر.
جميلة العبارة التي جاءت في (1صم5:16) عندما زار صموئيل النبي بيت يسَّى البيتلحمي (أبو داود النبي) وقدَّم الذبيحة هناك، يقول الكتاب إنه قال لهم: "تَقَدَّسُوا وَتَعَالَوْا مَعِي إِلَى الذَّبِيحَةِ"، وقدَّسهم كلهم أي طهرهم، وأدخلهم طاهرين لكي يستحقوا أن يتناولوا من الذبيحة.
ونحن نقوم بعمل طقسي معين يُرينا هذه الحقيقة أيضًا، فمثلًا يوم خميس العهد قبل أن يتقدَّم المؤمنون إلى الذبيحة المقدسة، نقوم بغسل أرجلهم في طقس اللقان، كما غسل السيد المسيح أرجل التلاميذ قبل أن يعطيهم سر الإفخارستيا، وقال لهم: "وَأَنْتُمْ طَاهِرُونَ وَلكِنْ لَيْسَ كُلُّكُمْ"(يو10:13)، وكان يقصد يهوذا، ولذلك يهوذا لم يتناول من الذبيحة المقدسة، لأن القدسات للقديسين.
والكاهن أيضًا قبل القداس يغسل يديه بالماء، ويتذكر المزمور القائل: "أَغْسِلُ يَدَيَّ فِي النَّقَاوَةِ، فَأَطُوفُ بِمَذْبَحِكَ يَا رَبُّ"(مز6:26)، فغسل اليدين رمز لتقديس حياتهِ لكي يكون مستحقًّا للتناول.
والكهنة والشمامسة أثناء القداس يرتدون الملابس البيضاء رمزًا إلى تقديس الحياة، وأن حياتهم تكون مقدسة لكي يستحقوا التناول من الأسرار المقدسة، وغسل الماء ليس مجرد طقس، وإنما يرمز أيضًا إلى التوبة التي يتقدَّس بها الإنسان.
إذًا المعمودية هي التقديس الأول بالإيمان بدم المسيح، وعمل الفداء. يغتَسل الإنسان في المعمودية بدم المسيح، أي أنه في المعمودية يستحق أن يكون مغتسِلًا بالدم المقدس، ويتطهَّر من الخطية الأصلية والخطايا السابقة للمعمودية، لكن ما يزال بعد يخطئ فتأتي التوبة لتقديس الإنسان. ولما كان الإنسان في كل يوم يمكن أن يخطئ، (وليس أحد بلا خطية، ولو كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض)، إذًا هو يحتاج إلى التوبة في كل يوم لكي يتقدَّس بها.. وكيف تقدسه التوبة؟
بالتوبة يستحق المغفرة، التي قُدِّمت في دم المسيح على الصليب، فيتقدَّس في التوبة بدم المسيح أيضًا. ولا يوجد تقديس سوى هذا. فإذًا بالمعمودية والتوبة يتقدس الإنسان.
القداسة الكاملة
والقداسة هي قداسة شاملة وكاملة، قداسة في الفكر، قداسة في القلب، والشعور، والنية الداخلية، والأحاسيس الداخلية، قداسة في الجسد، قداسة في العمل، في السيرة، قداسة تشمل كل شيء.
أهمية القداسة
ومن أهمية القداسة أن الكتاب يقول: "الْقَدَاسَةَ الَّتِي بِدُونِهَا لَنْ يَرَى أَحَدٌ الرَّبَّ"(عب14:12)، أي لا يمكن أن ترى ربنا بدون القداسة. السماء لا يدخُلها غير القديسين، فالذي يحرص على أبديته، ويحرص أن يدخل إلى السماء، ويحرص على عشرة الله، ينبغي أن يسير في طريق القداسة.
الروح القدس يعمل من أجل تقديسك
ومن يقدر أن يصير قديسًا؟.. أقول لك: ولأنك لا تقدر.. فالروح القدس يعمل فيك من أجل تقديسك، ونعمة الله تعمل فيك من أجل تقديسك.. فلا تعمل وحدك... فإذًا الوسيلة لتقديس الإنسان هي ما يسميها الكتاب المقدس شركة الروح القدس، أي أن الروح القدس يعمل فيك ليقدسك، ولكنه لا يُرغِمك على القداسة، بل يعمل فيك وأنت تشترك معه في العمل، يُحمِّسك ويشجعك على الخير، وأنت تعمل.
ما هي القداسة؟
وهنا نجد تعريفًا آخر للقداسة، القداسة من الناحية السلبية هي ترك الخطية، وإنما من الناحية الإيجابية، هي شركة مع الإرادة الإلهية، أو تطابق بين إرادتك وإرادة الله، تصبح إرادتك مثل إرادة الله، وإرادة الله هي إرادتك وغير ذلك لا تكن في قداسة.
إن الناحية السلبية هي ترك الخطية، لكن الناحية الإيجابية أن تكون إرادتك هي إرادة الله، وتشترك مع الروح القدس في العمل، ولأنه روح القداسة لا يمكن أن يشترك معك في أي عمل ضد القداسة.
وهذا يعني أنك حينما تبتعد عن حياة القداسة، إنما تنفصل فعلًا عن روح الله، تنفصل عن الله، ولهذا كانت الخطية انفصالًا عن الله، والقداسة هي اتحاد مع الله، اتحاد في العمل، في السيرة، في الإرادة.. وليست مجرد عمل لأنه إن كانت القداسة مجرد "العمل" نكون كالناموسيين أو الفريسيين، والرب يقول: "هذَا الشَّعْبُ يُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا"(مر6:7).
إذًا القداسة هي أيضًا شركة في الحب، شركة في العاطفة، ليست أن يعمل الإنسان فقط، لأن العمل وحده ليس هو القداسة. وكما قلت لكم كثيرًا: ليس الخير هو عمل الخير، إنما الخير هو محبة الخير، لأنه ربما إنسان يعمل أعمالًا طيبة خجلًا أو خوفًا أو طاعة... لكن عاطفته غير موجودة.
إذًا لكي تحيا في حياة القداسة لا بد أن تحب الله، وتحب الخير، وتحب الغير، وتكون تصرفاتك وأعمالك الصالحة نابعة من الروح، ومن القلب، وليست مجرد طاعة تغصبية للوصية.
وماذا عن القداسة أيضًا؟
القداسة أيضًا هي عودة إلى الصورة الإلهية..
لأن الله عندما خلق الإنسان على صورته، ومثاله.. خلقه قديسًا، فكان آدم قديسًا، قبل أن يخطئ، وكانت حواء قديسة قبل أن تخطئ وكلاهما كانا صورة ومثالًا لله. ولكي تصير صورة الله يجب أنه "كَمَا سَلَكَ ذَاكَ هكَذَا يَسْلُكُ هُوَ أَيْضًا"(1يو6:2). تكون لك شركة مع الله وتسلك كما سلك ذاك.. هذه هي حياة القداسة.
ولكن مَن الذي وصل إلى كل هذا؟!
حتى إن لم تصل، فاسلك في الطريق، لا يهم أن تصل إلى القمة المهم أن يجدك الله تسير في الطريق الصحيح "طوباهُمْ الذينَ بلا عَيْبٍ في الطّريقِ"(مز1:119). يسير في طريق الله. وكل إنسان يصعد في طريق الله على حسب قدرته وإمكانياته، ومواهبه، وعلى حسب النعمة المعطاة له، وعلى حسب الشركة التي بينه وبين الروح القدس.
من هنا تكون عملية التقديس عملية يشترك فيها الله والإنسان...
الله يعمل من أجل تقديسك، وأنت تقبل عمل الله فيك، وتشترك مع عمل الله، ولا تعمل وحدك، لأن السيد المسيح يقول: "بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا"(يو5:15).
هذه هي عملية التقديس التي يقوم بها الله من أجل الإنسان، ويستجيب الإنسان لعمل الله فيه، ولذلك يمكن أن نُسمي "حياة القداسة أيضًا بحياة التسليم".. أي أن تُسلم ذاتك للعمل الإلهي فيك، تسليم الذات والإرادة، وتسليم الحياة لله. لهذا تجدون أن كل الصفات الروحية تندمج مع بعضها.
فكلمة "قداسة" تشمل صفات روحية كثيرة، بعضها يُكمل البعض الآخر، فالمحبة لله تدخل في القداسة، والطاعة لله تدخل في القداسة، والتسليم لله يدخل في القداسة، والاتحاد مع الإرادة الإلهية يدخل في القداسة، التوبة والنمو الروحي يدخلان أيضًا في القداسة، لأنه توبة الإنسان فقط لا تكفي.. بل يجب أن ينمو حتى يصل إلى الصورة الإلهية في كمالها، ولذلك قال بولس الرسول: "وَلكِنِّي أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ.. أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ"(في3: 12، 13).
تمتد لما هو قدام أي يسعى نحو الكمال، ولذلك إن سألنا ما هي القداسة؟
نقول: هي أيضًا حياة الكمال أو السعي إلى الكمال.. فإذًا حياة القداسة لها أسماء كثيرة جدًّا. ولكن كيف تصل إلى الكمال؟ وكيف تصل إلى القداسة؟ وكيف تصل إلى النمو؟ وكيف تصل إلى محبة الله؟
من هنا تبدو خطوة أخرى في حياة القداسة، وهي حياة المعرفة الحقيقية..
أن تعرف الله، وتعرف طرقه لكي تقدر أن تحبه، وتسير في طرقه، ولذلك السيد المسيح قال: "هذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ"(يو3:17)، وهذه المعرفة يمكن أن تكون من عمل الروح القدس فيك، وداود النبي يصلي ويقول: "طُرُقَكَ يَا رَبُّ عَرِّفْنِي. سُبُلَكَ عَلِّمْنِي"(مز4:25)، "عَرِّفْنِي الطَّرِيقَ الَّتِي أَسْلُكُ فِيهَا"(مز8:143).
ولا يمكن السلوك في حياة القداسة بالضبط، إلا لو كانت مبنيَّة على معرفة سليمة، لأن هناك من يخطئون عن جهل وعدم معرفة. وهناك من يتوهون في الطريق الروحي، وهناك من يضلهم الشيطان ويخدعهم. ولذلك كان لا بد أن نقول: إن من بدء طرق القداسة (الاستنارة الروحية) أن يستنير العقل، يستنير الفكر، يستنير القلب، لتعرف الطريق تمامًا.
ومن أجل هذا كان من واجب الكنيسة لكي يعيش الناس في حياة القداسة أن تعلمهم وتُتَلمذهم، وتفهمهم، والسيد المسيح قال لتلاميذه: "اذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ، وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ" (مت28: 19، 20).
من يعرف الوصية بمعناها السليم، يعرف طريق الله..
لأن كثيرين يدَّعو أنهم يسلكوا في طريق ربنا، وهم غير سالكين فيه ويخطئون عن جهل، وما أكثر الصراعات حتى داخل الكنيسة، من أجل ماذا ينبغي أن يكون؟ والله يقول في العهد القديم: "هَلَكَ شَعْبِي مِنْ عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ"(هو6:4).
إذًا القداسة هي استنارة ومعرفة وتنفيذ، والقداسة هي إيمان بالدم الذي يُقدس الإنسان.
ولذلك نجد في العهد القديم يقول: يقدّس خيمة الاجتماع.. أي يرشها بالدم، أو يُقدس المذبح أي يرشه بالدم، لأن كل القداسة مؤسَّسَة على الفداء والدم، ولا يجوز لإنسان الظن بأن القداسة مؤسَّسَة على المجهود أو الذراع البشرية، لا، بل على الله القادر أن يقدسك بشرط أن تعمل معه، وتمسك في يده، وتسلمه قيادة حياتك.
الله يريد قداسة العالم كله، وقداسة العالم هي أن يعرفه، ويسلك في طرقه، ويؤمن به.
إذًا حياة القداسة تحتاج إلى الإيمان، ومعرفة الله، والسير في طرقه.
ونحن لسنا مسئولين عن قداسة حياتنا فقط.. إنما عن قداسة حياة الآخرين أيضًا، ومن هنا كانت عملية التقديس مرتبطة أيضًا بالخدمة، ومرتبطة بالكرازة وبالتعليم، وبالرعاية، ومرتبطة بالكهنوت أيضًا، لأنه غير مهم أن تصل إلى التقديس، إنما أن تقود الآخرين أيضًا في هذا الطريق، عليك واجب ليس من أجل نفسك فقط، إنما من أجل الآخرين.
كلمة جميلة جدًّا قالها السيد المسيح تحتاج أن نقف عندها، ونتأمل معناها في (يوحنا17) في المناجاة التي ناجى بها الابن الآب من أجل تلاميذه قال: "وَلأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا مُقَدَّسِينَ فِي الْحَقِّ"(يو19:17)
من أجلهم أقدس أنا ذاتي..
كلمة "يقدّس" لُغويًّا تعني "يخصص"، أقدس ذاتي أي أخصص ذاتي لهذا العمل الفدائي، والرعوي، والتعليمي والقيادي، ولذلك عندما يقال: "أواني مقدسة"، أي "أواني مخصَّصة للخدمة"، "مكان مقدس" أي "مكان مخصص لربنا"، "إنسان مُكرَّس" أي "مخصَّص لربنا"، فإذًا "أنا أخصص ذاتي لهم"، أي هذه الحياة أخصصها من أجل خلاص هؤلاء الناس، لكي يكونوا هم أيضًا مقدَّسون في الحق.
ومن هنا أيضًا ترتبط القداسة بالحق على اعتبار أن الله هو الحق، وترتبط بالحق يعني الطريق السليم، وكل إنسان لا يسير في طريق الحق لا يسير في طريق القداسة.
لكي تحيا في حياة القداسة، يجب أن تكون كلَّك لله، ويكون كل عملك من أجل الله.
البعض يظن أنه لا يمكن أن يصيروا قديسين إلا إذا ساروا في طريق الرهبنة، أو تفرَّغوا تفرُّغًا كاملًا لله! لا... إن الكتاب لم يقل هذا؛ بل الكتاب جعل القداسة لجميع الناس وللمتزوجين والذين لهم عائلات وأولاد وزوجات وللحياة العامة في الدنيا.
القداسة ليست لفئة معينة من الناس تتفرغ لله، إنما القداسة هي لكل الشعب..
كل الشعب مقدَّس، والزواج مقدَّس، والإنجاب مقدَّس، وقد شرح لنا الكتاب قديسين كثيرين أمثال إبراهيم وإسحاق ويعقوب كلهم كانوا متزوجين، ولهم أولاد.. وهنا أيضًا ندخل في فرع آخر وهو الأسرة المقدَّسة، ليس فقط الفرد المقدَّس أو الإنسان المتوحد المقدَّس، وإنما الأسرة المقدَّسة.
أذكر مرة من المرات وأنا أسقف جاءتني بنت لكي تعترف، وتريد أن تحيا مع الله، فكلمتها عن حياة التوبة، ثم طلبت مني كتابًا عن قديسي التوبة، فأعطيتها كتباً عن قديسي التوبة لتقرأها، ثم عادت إليَّ فسألتها عن رأيها في الكتب؟ فقالت لي: كتب جيدة جدًّا.. لكن توجد ملاحظة هو أن كل القديسين الذين تابوا صاروا رهبانًا.. صحيح القديس موسى الأسود والقديس أغسطينوس، والقديسة إيلاريا، والقديسة مريم القبطية كلهم صاروا رهبانًا وراهبات.. وسألت: هل ضروري لكي يتوب الإنسان أن يصير راهبًا؟
قلت لها: لا يا ابنتي، يمكن أن يصير الإنسان قديسًا في أي وضع، وتذكَّرت النقص الكبير في مكتبتنا القبطية أنه ليست لدينا قصص توبة غير للذين صاروا رهبانًا، بينما يوجد سير الأسر المقدَّسة، والآباء القديسين، والأمهات القديسات، والأزواج والزوجات القديسين... يجب أن تشمل المكتبة على سيرهم أيضًا.
الكتاب المقدس في سير شخصيات الكتاب، قدم لنا هذا التنوع، فكثير من الأنبياء كانوا متزوجين..
إذًا كيف يحيا الإنسان في الحياة العامة ويكون قديسًا؟ قديسًا في عمله، قديسًا في أنشطته، قديسًا وسط المجتمع، وقديسًا في معاملاته مع الناس، وقديسًا كشخص اجتماعي!
توجد أمثلة لأشخاص متوحدين قديسين، ولكن نريد أمثلة لأشخاص اجتماعيين قديسين وألا يقول الشخص لكي أكون قديسًا يجب أن أكون (راهبًا قديسًا، أو أحد الرعاة القديسين أو شهيدًا قديسًا!).
أجيب: لا، يا حبيبي، لا تكن شهيدًا قديسًا، إنما كن شاهدًا لله "تَكُونُونَ لِي شُهُودًا"(أع8:1).
تشهد للحياة مع الله، تشهد لنقاوة السيرة، تشهد للصورة الإلهية، تشهد لملكوت الله، تُعطي الناس فكرة عن صورة الله في حياتك
"يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ"(مت16:5). هذه هي القداسة، أن يرى الآخرون حياتكم المقدسة، ويحبوا الله من أجلكم، وبسببكم، ويحبوا الله من خلال حياتكم، هكذا تكون القداسة.
الإنسان يعيش في العالم، لكن العالم لا يعيشُ فيه، يحيا في العالم دون أن يحب الأمور التي في العالم.
لأن الكتاب يقول: "مَحَبَّةَ الْعَالَمِ عَدَاوَةٌ ِللهِ"(يع4:4).. ليس الابتعاد عن العالم هو فقط القداسة، لأنه ربما إنسان يبتعد، ويذهب في أعماق الصحراء، والعالم في داخله وفي قلبه وفكره، ليس هذا الوضع السليم.
إنما الوضع السليم أن شهوات العالم لا تكن في قلبك، ويصلح أن تكون إنسانًا بارًّا وقديسًا، وإنسانًا مكرسًا لله، وخادمًا لله بكل قُواك، وأنت تحيا في العالم، وتكون نورًا للعالم، بل وتقود العالم أيضًا أن يصير ملكًا لله وجزءًا من ملكوته.
هذا المطلوب منك، ليس أن تبتعد عن العالم بل أن تبتعد عن شهوات العالم، السيد المسيح عندما صلى من أجل تلاميذه قال: "لَسْتُ أَسْأَلُ أَنْ تَأْخُذَهُمْ مِنَ الْعَالَمِ بَلْ أَنْ تَحْفَظَهُمْ مِنَ الشِّرِّيرِ"(يو15:17). والله قال لنا: "أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ"، "أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ" (مت5: 13، 14).
أنتم موجودون في العالم.. تقودون هذا العالم إلى طريق الله، وتُعطون الصورة المثالية للحياة المقدسة.
فحاول أن تحيا حياة مقدَّسة لله، لا لكي يراها الناس ويمجدوا أباكم الذي في السموات؛ بل لأنه بالحياة المقدسة تجد متعة مع الله، لأن القداسة يظنها البعض مجرد طريق ضيق، أن يعيش الإنسان في الآلام، والتجارب فحسب..
لا.. بل القداسة في حقيقتها متعة، والذي يحيا فيها ينفذ ما قاله داود النبي: "ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ"(مز8:34). فليعطِنا الرب المتعة به.
[1] عظة لقداسة البابا شنوده الثالث عن "التقديس"، بتاريخ 9 نوفمبر 1988م، كما ألقى قداسته عظة بعنوان "كونوا قديسين لأني أنا قدوس"، بتاريخ 2 سبتمبر1987م ولعدم التكرار نكتفي بنشر هذه العظة.
القداسة والكمال
القداسة والكمال[1]
القداسة هي الحالة التي خلق الله عليها الإنسان منذ البدء، فكانت القداسة من صفات آدم وحواء، وكانت أيضًا من صفات الملائكة... وكان الله القدوس يحيا في كَوِنه مجموعة من القديسين قبل أن تدخل الخطية إلى العالم.
والقداسة أيضًا ستكون الوضع السائد في الأبدية السعيدة بعد القيامة، حينما يتكلل المختارون الغالبون بإكليل البر، ولا تكون خطية في أورشليم السمائية، مسكن الله مع الناس.
والله يريد أن تكون القداسة صفة تميز أولاده على الأرض. فهذا الأمر يليق بأشخاص اعتبرهم الكتاب هياكل لله، وروح الله ساكن فيهم (1كو6).
وقديمًا، في العصر الرسولي، كان كل مؤمن يُسمى قديسًا. وهكذا قال بولس الرسول لأهل فيلبي: "سَلِّمُوا عَلَى كُلِّ قِدِّيسٍ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. يُسَلِّمُ عَلَيْكُمُ الإِخْوَةُ الَّذِينَ مَعِي"(في21:4).. وقال في رسالته إلى العبرانيين: "مِنْ ثَمَّ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْقِدِّيسُونَ، شُرَكَاءُ الدَّعْوَةِ السَّمَاوِيَّةِ"(عب1:3).
التوبة إذًا هي نقط البدء في العلاقة مع الله، ينبغي التدرُّج منها إلى حياة القداسة.
الإنسان الخاطئ هو إنسان بعيد عن الله، منفصل عنه، في خصام أو عداوة معه. وبالتوبة يصطلح مع الله ويبدأ معه علاقة طيبة. مجرد بدء. فلا يظن أحد إذا ترك الخطية وتاب، أنه قد وصل، كلا.. إنه يكون بذلك قد وضع قدميه على أول درجة في السلم الواصل بين الأرض والسماء. وعليه أن يصعد درجة فدرجة.
التوبة هي ترك للسلبيات. أما القداسة فهي عمل إيجابي
حينما يتوب الإنسان، يتنقَّى بأعمال التوبة، وبالاعتراف والتناول من خطاياه القديمة، فتكون التوبة هي الستار الذي أسدله على الماضي، فلا يعود يعيش فيه. ولا يذكره الله له.
أما القداسة فهي عمل الحاضر والمستقبل، بل عمل الأبدية.
إنها عمل يبدأ ولا ينتهي بل يستمر. القداسة تصير سمة حياة. ومنهجًا للسلوك في علاقة الإنسان مع الله، ومع الناس. القداسة ليست صراعًا مع الخطية. فالصراع هو أول خطوة في التوبة، يحاول الإنسان أن ينتصر عليها.
وحينما تكمل التوبة، ينتهي الصراع.
والتوبة ليست تركاً للخطية فقط، فقد يترك الإنسان الخطية بالعمل، ولكنه يشتهيها بالفكر أو بالقلب. أو قد يتركها فترة من الزمن، ثم يعود إليها. ولكن التوبة الحقيقية تبدأ بترك الخطية، وبصفة دائمة. وهكذا تصبح نقطة تحول في حياة الإنسان من طريق إلى طريق آخر. من طريق العالم والمادة والجسد إلى طريق الله والروح.
ترك الخطية هو بداية التوبة. أما كمال التوبة فهو كراهية الخطية.
وبكراهية الخطية تُنزَع كل محبتها وكل شهوتها من القلب ومن الفكر. إن حورب بها الإنسان فيما بعد، تكون حربًا من الخارج، وليس من الداخل، لأنه لا محبة للخطية في الداخل. وبكراهية الخطية يوجد فاصل دائم بين الإنسان البار والخطية. وكما قال القديس يوحنا الحبيب عن هذا الإنسان البار إنه: "لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْطِئَ"(1يو9:3)، "وَالشِّرِّيرُ لاَ يَمَسُّهُ"(1يو18:5).
هذه هي الصفة المميزة للقديس: أنه لا يستطيع أن يخطئ.
الإنسان التائب يترك الخطية التي كانت محبوبة لديه في الماضي، والتي كانت تمثل نقطة الضعف فيه. ولكنه ربما يكشف نقاط ضعف أخرى ما كان يشعر بها من قبل، أو كانت الخطية البارزة تغطي عليها، فيجاهد ليترك هذه الضعفات أيضًا، إلى أن يترك الكل، ويغسله الرب منها حتى يبيَّض أكثر من الثلج. وهكذا يدخل في حياة النقاوة، ويتدرَّج إلى هذا الوضع الذي لا يستطيع فيه أن يخطئ، والشرير لا يمسه.
على أن عبارة - لا يستطيع أن يخطئ – هي أيضًا عبارة سلبية. أما الإيجابيات فهي الفضائل.
والإنسان القديس ليس فقط إنسانًا لا يخطئ، وإنما هو أيضًا إيجابي في العلاقة مع الله والناس. إنه يدخل في محبة الله، ومحبة الله تجعله لا يخطئ. وهكذا يمنعه من الخطية دافعان:
محبة الله، وكراهية الخطية..
محبته لله تحرق في قلبه كل محبة للخطية، وتجعله يكره الخطية، بل ويشمئز منها، وبالتالي يستحيل عليه أن يمارسها. وكراهية الخطية تدفعه أيضًا إلى التمسك بمحبة الله بالأكثر. العاملان متجاوبان، كل منهما يقوي الآخر ويكون سببًا له.
وفي محبة الله تمارس الفضيلة تلقائيًّا.. ومحبة الله تدعو إلى الصلاة والتسبيح والتأمل وقراءة الكتاب..
وكل هذه إيجابيات وهي في نفس الوقت تقوي قلب الإنسان وتطهره، وتزيده نفورًا من الخطية، وتحصن قلبه ضدها. وهي أيضًا تشعل محبة الله في القلب بالأكثر. وتكون سببًا ونتيجة.. محبة الله تدعو الإنسان إلى الصلاة. والصلاة تسبب محبة الله.
ونفس الوضع بالنسبة إلى التراتيل والتسبيح والألحان والهذيذ والتأمل، وكل ألوان القراءات الروحية، وكل وسائط النعمة المتعددة.
وفي حياة القداسة لا يُجبِر الإنسان نفسه على الروحيات؛ إنما يمارسها بحب وشوق ولذة.
الإنسان المبتدئ في الحياة مع الله الذي لم يتسع قلبه بعد في ممارسة العشرة الإلهية، قد يمارس هذه الروحيات في حدود معينة لا يتخطَّاها، وقد يدركه الملل إذا طالت صلاته إلى حد فوق قامته الروحية، وفوق مستوى حبه لله، وفوق ما منحه الله من نعمة..
ومن هنا تتصف حياة القداسة بدوام النمو..
الله يتعهَّد الإنسان، ويوسع قلبه. وكما عملت النعمة فيه، اشتاق إلى الله بالأكثر. وهكذا تأخذ روحياته حرارة أكثر. وفي محبته لله يود أن يلتصق به على الدوام. وكلما سار خطوة إلى الأمام، يشعر أن الطريق ما زال ممتدًّا أمامه، فيظل يتقدم ويتقدم إلى غير حدود.
إن بولس الرسول الذي وصل إلى درجات روحية عالية، وتعب في الخدمة أكثر من جميع الرسل، ومنحه الله مواهب عديدة واستعلانات، يقول عن هذا النمو: "أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ. وَلكِنِّي أَفْعَلُ شَيْئًا وَاحِدًا: إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ... أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ الَّذِي لأَجْلِهِ أَدْرَكَنِي أَيْضًا الْمَسِيحُ يَسُوعُ" (في3: 12، 13).
في القداسة إذًا يسعى الإنسان نحو الكمال..
لقد خلق الإنسان على صورة الله ومثاله. والله غير محدود. ولا يمكن للإنسان أن يصير غير محدود، لأن هذه صفة خاصة بالله وحده.. إنما في الإنسان اشتياق إلى غير المحدود. ومنه ينتج طموح الإنسان. وكما أن الإنسان الدنيوي طموحه في أمور دنيوية، مهما أخذ منها لا يكتفي، كذلك فإن الإنسان الروحي، طموحه في أمور روحية مهما أخذ منها لا يكفي. والله يدعونا إلى هذا الكمال فقد قال السيد المسيح: "فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ"(مت48:5).
الكمال المطلق هو لله وحده..
أما نحن البشر، فالمطلوب منا هو الكمال النسبي، أي ما يناسب قامتنا الروحية، ويناسب مقدار النعمة الممنوحة لنا من الله. وكلَّما وصلنا إلى درجة من درجات الكمال، تشتاق قلوبنا إلى درجة أعلى، وهكذا تقتادنا النعمة من سمو إلى سمو. ومن حب الله والناس إلى حب أعمق وأعمق.. إلى غير حد..
والله لا يكشف لنا كل هذه الكمالات مرة واحدة..
وذلك حتى لا نقع في اليأس، أو في صغر النفس، وحتى لا نستصعب الطريق الروحي فنبتعد عنه، ونرى أنه فوق طاقة بشريتنا.. الله إذًا يكشف لنا خطوة روحية نمتد إليها. فإن وصلنا يكشف لنا غيرها. وهكذا يقودنا في موكب نصرته خطوة خطوة.
وما أصدق قول الرسول الذي قال لتلاميذه في طفولتهم الروحية: "سَقَيْتُكُمْ لَبَنًا لاَ طَعَامًا، لأَنَّكُمْ لَمْ تَكُونُوا بَعْدُ تَسْتَطِيعُونَ"(1كو2:3).
إن كان الطريق هكذا، فأي مرحلة منه تُراك قد قطعتها؟
هل أنت في مرحلة التوبة؟ أم تدرَّجت من التوبة إلى النقاوة؟ أم بدأت حياة القداسة؟ أم أنت تنمو في القداسة يومًا بعد يوم، ساعيًا نحو الكمال؟ أم أنت تتخطى مراحل من الكمال النسبي، إلى مراحل أبعد، مقتربًا من الصورة الإلهية التي خُلِقت بها، والتي حينما فقدتها أعادها الرب لك؟
أم أنت يا أخي ما زلت في الخطية لم تتب بعد ولم تصطلح بعد مع الله؟!
إن كنت هكذا، فليتك تبدأ. ليتك تتصالح مع الله، وتطلب منه قوة تسير بها في الطريق. وإن كان المنهج الروحي هكذا طويلًا، فلا تضيِّع الوقت إذًا... استمع إلى قول الرسول: "مُفْتَدِينَ الْوَقْتَ لأَنَّ الأَيَّامَ شِرِّيرَةٌ"(أف16:5). وثق أن الله عمل مع قديسين كثيرين، واجتذبهم إليه بسرعة...
إن مراحل القداسة والنمو ليست هي مراحل زمن إنما هي مراحل حالات..
والله قادر أن يفعل الكثير من أجلك، إن سلَّمتَه حياتك.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في جريدة وطني، بتاريخ 1 فبراير1981م
القديسون والقداسة
القديسون والقداسة[1]
القديسون هم أشخاص عاشوا مع الله أيًّا كانت حياتهم ونوعها، فمنهم قديسون كانوا من أبطال الإيمان أمثال القديس أثناسيوس، القديس كيرلس، القديس باسيليوس، القديس غريغوريوس، القديس ديسقوروس، إلخ.. هؤلاء قديسون من أبطال الإيمان.
وهناك قديسون كانوا شهداءً مثال مار جرجس، مار مينا، الست دميانه، لكن ليس جميع الناس شهداءً ولا جميع الناس أبطال إيمان.
هناك قديسون من قديسي البرية مثال الأنبا أنطونيوس، الأنبا بولا، الثلاثة مقارات، الأنبا موسى الأسود، إلى آخره.
وهناك قديسون في الحياة الخاصة.. حياتهم الخاصة كانت حياة مقدسة، مثل القديس الأنبا رويس لا كان يعيش في البرية، ولا كان شهيدًا، ولا كان من أبطال الإيمان، لكن حياته الخاصة جعلته قديساً. وهناك قديسون في الرعاية، من الأشخاص الذين كانوا رعاة من الآباء الأساقفة والبطاركة والكهنة وكانوا أناسًا قديسين.
من هنا نرى أن حياة القداسة لا تستلزم نوعًا واحدًا تتركز فيه القداسة، يمكن لأي إنسان يحيا في حياة القداسة أيًّا كان لون حياته...
في مرة من المرات حُورب القديس مكاريوس الكبير بفكر من المجد الباطل أنه وصل لدرجة معينة وهو راهب كبير من آباء الرهبنة، فقال له الرب: "اذهب إلى الإسكندرية تجد امرأتين متزوجتين في نفس درجتك الروحية"!! أيعقل أن توجد امرأتان متزوجتان فى نفس درجة القديس أبو مقار الكبير الروحية، وهو أب الرهبنة الساكن في البرية! وعندما رآهما وعرف قصتهما؛ عرف أنه ليس المهم لون الحياة، وإنما عمق المحبة مع الله ونقاوة القلب.
مفهوم القداسة
للأسف بعض الناس يعتقدون أن القداسة تتوقف فقط على عمل المعجزات، أي أن لم تكن لدى الإنسان موهبة من الروح القدس، أو لا يتكلم بلسان، أو إن لم يكن ينتفض في صلاته لا يكون قديسًا! ومتى انتفض يقولوا له: "مبروك يا أخ.. وصلت!".
القداسة هي قداسة القلب ونقاوته من الداخل في حياته مع الله.
انظروا إلى يوحنا المعمدان مثلًا، قال عنه المسيح: "لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان"(مت11:11).. ما المعجزة التي صنعها يوحنا؟ إذا بحثتم في الكتاب لن تجدوا معجزة قام بها يوحنا المعمدان، بل السيد المسيح قال عنه: "مَاذَا خَرَجْتُمْ لِتَنْظُرُوا؟ أَنَبِيًّا؟ نَعَمْ، أَقُولُ لَكُمْ، وَأَفْضَلَ مِنْ نَبِيٍّ"(مت9:11). ولكن أين المعجزات؟ صحيح امتلأ وهو في بطن أمه من الروح القدس، ورأى أشياء عجيبة؛ لكن هو نفسه لم نسمع أنه أقام ميتًا أو شفى مريضًا أو أخرج شيطانًا، الكتاب لم يذكر أي معجزة. حياة القديسين هي حياة القلوب النقية التي عاشت مع الله، وهذه القلوب النقية كانت تعيش في اختفاء... "فَلاَ تُصَوِّتْ قُدَّامَكَ بِالْبُوقِ، كَمَا يَفْعَلُ الْمُرَاؤُونَ"(مت2:6). لم نسمع أبدًا عن القديس الأنبا أنطونيوس أنه قال لأبو مقار: "اخرج.. وقف أمام الرهبان واحكِ لهم عن اختباراتك"! لا يبوق قدامه بالبوق. بل القديس أبو مقار في وقت من الأوقات طلب إليه الإخوة أن يحكي لهم، فقال لهم: "يا إخوتي إنني لم أصِر راهبًا ولكنني رأيت رهبانًا، وحكى عن الذين رآهم.." لكن لم يحكِ عن نفسه.
حياة القديسين كانت مخفيةً في كنزٍ عند الله... الله أظهرها وهم لم يُظهِروا أنفسهم.
قضى الأنبا بولا ثمانين عامًا في الوحدة، وما كان يظن في يوم من الأيام أن الناس سيعرفون قصته ولم يفكر، ولكن قبل أن يرقد الأنبا بولا، أعلن الله قصته للناس عن طريق زيارة الأنبا أنطونيوس له، وحتى قصة الأنبا بولا لا نجد فيها اختبارات؛ بل هي – فقط - قصته عن كيف خرج من العالم، وكيف ترهَّب.. لكن الكنوز التي كانت في الثمانين عامًا لا نعرف عنها أي شيء..
صدقوني نحن لا نعرف عن حياة القديسين إلا الإطار الخارجي الذي يحيط بهذه الصورة المقدسة.
أما الصورة ذاتُها فكانت قدس أقداس لا يعرفه إلا الله، وكما قال الشاعر[2] عن أحد هؤلاء القديسين...
إنّ في صمتك سرًّا لن يَرى | قُدس أقداسه إلا الصامتون |
عندما تحيا حياة هؤلاء القديسين تعرف داخلها.. لكن من الخارج لن تعرف شيئًا! نحن نشكر الله أنه أعطانا هؤلاء القديسين بيننا كأمثولة، وإن كنا لا نعرف من حياة كل واحد فيهم إلا مجموعة قصص بسيطة، لكن الحياة كلها لا نعرفها! 60 سنة رهبنة للقديس أبو مقار لا نعرف عنها إلا بعض القصص، لا تملأ إلا يومًا واحدًا من حياته وليس 60 سنة.نشكر الله أنه أعطانا القديسين بأنواع مختلفة، لكي يأخذ شخص ما يناسبه، وما لا يناسبه يتركه.
فالله أعطانا قديسين في الوحدة ومن يحب الوحدة يأخذ قدوة منهم، وأعطانا قديسين في الحياة الاجتماعية، في الرحمة، في الحنان، في الحب، في المعاملات الطيبة، لأجل الذي يود أن يقتدي بهم. أعطانا قديسين متزوجين، وقديسين بتوليين وقديسين رهبانًا، لكي يأخذ كل إنسان ما يناسبه، وأعطانا أيضًا قديسين رعاة مثل الأنبا أبرآم أسقف الفيوم. وأعطانا قديسين علمانيين مثل المعلم إبراهيم الجوهري وشقيقه. ومثل الأنبا رويس الذي كان علمانيًّا، ولم يكن راهبًا أو قسيسًا أو أي رتبة أخرى، وأعطانا قديسين شهداءً، وقديسين عاشوا حياتهم كلها وماتوا عاديين.
لا تحصروا القداسة في لون معين من الحياة، لئلا ييأس الذين ليسوا من هذا النوع ويظنوا أنه لا خلاص، كل لون من ألوان الحياة إذا سُلِّم في يد الله يصل إلى القداسة ما دامت ليست فيه خطية.
ولهذا أحب أن كل أحد فيكم يأخذ من الروحيات ما يناسبه، ويأخذ من حياة القديسين ما يناسبه، لا تقلدوا الكل. لا تضعوا أمامكم مثالًا واحدًا، ويظن أنه لا بد أن يكون شكل كل أحد هكذا. مثلًا إذا وجدت قديسًا صامتًا مثل الأنبا أرسانيوس لا تظن أن القداسة هي الصمت. ما يناسب الأنبا أرسانيوس ربما لا يناسبك أنت. إذا وجدت قديسًا مُعلّمًا وواعظًا مثل القديس أثناسيوس الرسولي؛ فلا تظن أنك أنت نفسك لا بد أن تصير واعظًا ومُعلمًا، مثلما أجاب القديس برصنوفيوس عندما سألوه: "أيهما أفضل الكلام أم الصمت؟"، فقال: "الكلام من أجل الله جيد والصمت من أجل الله جيد"، وسليمان الحكيم قال: "لِلسُّكُوتِ وَقْتٌ وَلِلتَّكَلُّمِ وَقْتٌ"(جا7:3).
لا تقلدوا أحدًا فالتقليد لا يُكوّن قديسين.
لا تقلدوا أحدًا فى نوعية حياته ولا في درجة هذه النوعية[3]. كل المؤمنين أعضاء في المسيح وكل عضو له وظيفة وله صفة، ويختلفون في نوعية الأعضاء لكنهم يكوّنون جسدًا مقدسًا.
[1] عظة لقداسة البابا شنوده الثالث "الاجتماع الرابع لإعداد خدام القديسين والقداسة – عظة قيلت مع محاضرة "لاحظ نفسك والتعليم" بتاريخ 8 يونيو 1978م
[2] الشاعر هو قداسة البابا شنوده الثالث نفسه (الناشر)
[3] جزء مفقود من التسجيل الصوتي للعظة
الفصل الثاني إكرام الله لقديسيه
محبة الله لقديسيه[1]
احتفلنا يوم 5 أبيب (12 يوليو) بعيد الرسل الأطهار، ويوم 7 أبيب بعيد القديس العظيم الأنبا شنوده رئيس المتوحدين، ويوم 8 أبيب (اليوم) بعيد القديسين العظيمين الأنبا بيشوي، والأنبا كاراس السائح. وأحب أن أنتهز هذه الفرصة لأحدثكم عن "محبة الله لقديسيه".
هناك آية جميلة في رسالة رومية تقول: "لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ، لِيَكُونَ هُوَ بِكْرًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ. وَالَّذِينَ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ، فَهؤُلاَءِ دَعَاهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ دَعَاهُمْ، فَهؤُلاَءِ بَرَّرَهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ بَرَّرَهُمْ، فَهؤُلاَءِ مَجَّدَهُمْ أَيْضًا"(رو8: 29، 30). وتقول إن هؤلاء دعاهم، وبرَّرهم، ومجَّدهم أيضًا...
شيء جميل أن تكون معروفًا عند الله. والأجمل أن يكون الإنسان معروفًا عند الله حتى قبل أن يولد.
قال الله لإرميا النبي: "قَبْلَمَا صَوَّرْتُكَ فِي الْبَطْنِ عَرَفْتُكَ، وَقَبْلَمَا خَرَجْتَ مِنَ الرَّحِمِ قَدَّسْتُكَ. جَعَلْتُكَ نَبِيًّا لِلشُّعُوبِ"(إر5:1). صار نبيًّا قبل أن يولد!! حقًّا من محبة الله أنه اختار كثيرين من بطون أمهاتهم، بل قبل أن يُحبَل بهم...
من أمثلة ذلك يوحنا المعمدان، وشمشون، والأنبا شنوده وغيرهم. المعمدان قبل أن تحبل به أمه، قال الملاك عنه إنه: "يَكُونُ عَظِيمًا أَمَامَ الرَّبّ، وَيَرُدُّ كَثِيرِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الرَّبِّ إِلهِهِمْ. لِكَيْ يُهَيِّئَ لِلرَّبِّ شَعْبًا مُسْتَعِدًّا" (لو1: 15 - 17).
كذلك القديس الأنبا شنوده عيَّنه الله أبًا للرهبان قبل أن تحبل به أمه، ويعقوب أبو الآباء أعطاه الرئاسة والسيادة قبل أن يولد، وقال إذ عرفه بعلمه السابق: "أَحْبَبْتُ يَعْقُوبَ.."(رو13:9).
نعم، ما أكثر القديسين الذين حَمَّلهم الله مسئوليات قبل أن يولدوا.
"الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ، فَهؤُلاَءِ دَعَاهُمْ أَيْضًا"(رو8: 29، 30)، وبدأت علاقته بهم قبل ميلادهم، بل منذ الأزل، بسابق علمه.
من محبته لهم اختارهم لبناء ملكوته، كما قال لتلاميذه: "لَيْسَ أَنْتُمُ اخْتَرْتُمُونِي بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ"(يو16:15).
ومن محبة الله لقديسيه، أنه زوَّدهم بقوى عجيبة... جعل روحه القدوس يسكن فيهم، وأعطاهم نعمته، وقال لهم: "سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ"(أع8:1).
وفي محبته لهم، أعطاهم بركة، بل وجعلهم بركة.
كما قال لأبينا إبراهيم: "فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ"(تك12: 2، 3).
كم من قديس صار بركة لجيله، أو للأجيال كلها... وأصبح حاملًا لله (ثيئوفورس)، يقدمه للعالم... وكم من قديس كشف له الله ما لا يُرى، ومنحه استعلانات ورؤى، حتى إن بولس كان مهددًا أن يرتفع بكثرة الاستعلانات! (2كو7:12).
وقديسون منحهم الله الوحي، وقديسون كلمهم الله فَمًا لأذن، وقديسون منحهم الله قوة إجراء المعجزات مثل موسى الذي شقَّ البحر الأحمر، وفجَّر من الصخرة ماءً، وأنزل المن والسلوى.
إن الله عندما يحب، يعطي بلا حساب، بلا كيل. يفتح كوى السماء لتنزل منها بركاته، حتى نقول: "كفانا كفانا"...
لما أحبَّ الله قديسيه أعطاهم الروح القدس، أعطاهم البركة والنعمة والحب، وجعل سكناه في داخلهم. أعطاهم قوة إجراء المعجزات، منحهم الحكمة، أعطاهم كل ما يطلبونه لأجل أنفسهم ولأجل الآخرين. وكانت صلواتهم مفاتيح للسماء. ومن محبته لهم، كان يأخذ رأيهم، وينفذ طلباتهم، كما فعل مع موسى ومع إبراهيم.
ومن محبته لقديسيه، كان ينسب إليهم أعماله...
فيقول: "شَرِيعَةِ مُوسَى"، وهي شريعة الرب. ويقال كنيسة مار جرجس وهي كنيسة الله. وتحدث معجزة شفاء على يد العذراء، بينما الله هو الشافي... ويقول الرب: من يكرمكم يكرمني، ويقول أيضًا: "وَالَّذِي يُرْذِلُكُمْ يُرْذِلُنِي"(لو16:10).
وبمحبة الله لقديسيه عمل فيهم، وعمل بهم، وعمل معهم، وجعلهم سفراءه ووكلاءه ووسطاءه على الأرض، ينقلون نعمته للآخرين. وقال لهم: "لاَ أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيدًا... لكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ"(يو15:15). بل دعاهم إخوته. وصار "بِكْرًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِين"َ(رو29:8).
وقيل عنه: "إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى"(يو1:13). وفي هذا الحب اعتبرهم كشخصه.
بل نقرأ عبارة عجيبة قالها لهم عن صنع المعجزات وهي: "فَالأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا يَعْمَلُهَا هُوَ أَيْضًا، وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا"(يو12:14). ونحن نقف مبهوتين أمام عبارة: "أَعْظَمَ مِنْهَا"، ونقول أيُّ حُبٍّ هذا؟!
ومن محبة الله لقديسيه، أنه جعلهم يجرّبون عشرته وصداقته.
فموسى جلس معه على الجبل أربعين يومًا. وقضى الرب مع تلاميذه أربعين يومًا بعد القيامة يحدثهم عن الأمور المختصة بملكوت الله. وقيل عن إبراهيم إنه خليل الله. وهؤلاء لم يعاشروه فقط، بل تمتعوا به. قال داود: "ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ!"(مز8:34).. ما أعجب هذه المذاقة!!
بهذا الحب ظهر لكثير من قديسيه، وكلَّمهم. كما ظهر للأنبا بيشوي فغسل القديس رجليه. وظهر للأنبا بولا الطموهي وقال له في محبة: "كفاك تعبًا يا حبيبي بولا".. وظهر لإيليا النبي وهو خائف من إيزابل وعزَّاه، وأرسل له ملاكًا بغذاء. وظهر ليعقوب وهو هارب من أخيه عيسو، وعزَّاه بوعود إلهية: "هَا أَنَا مَعَكَ.. وَأَرُدُّكَ إِلَى هذِهِ الأَرْضِ"(تك15:28).
من محبة الله لقديسيه، العزاء العجيب الذي يمنحه لهم.
كل الذين عاشروه، تمتَّعوا بالعزاء، وبالسلام، والطمأنينة، والفرح. وهكذا قال الرسول: "افْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ"(في4:4).
وبهذا العزاء استطاع الآباء القديسون أن يعيشوا في البرية وحدهم، بلا أنيس، وهم في متعة الحب الإلهي، يجدون في وحشة البرية عزاءً لا يُعبَّر عنه، ولذَّة عميقة بالعشرة الإلهية...
ومن محبة الله لقديسيه، أنه أعطاهم الإحساس بالوجود في حضرته...
وفي ذلك يقول داود النبي: "تأملت فرأيت الرَّبَّ أَمَامِي فِي كُلِّ حِينٍ، لأَنَّهُ عَنْ يَمِينِي فَلاَ أَتَزَعْزَعُ"(مز8:16).. ويقول إيليا النبي: "حَيٌّ هُوَ رَبُّ الْجُنُودِ الَّذِي أَنَا وَاقِفٌ أَمَامَهُ"(1مل15:18).
إن النفس البشرية التي ذاقت محبة الله، تقول: "شِمَالُهُ تَحْتَ رَأْسِي وَيَمِينُهُ تُعَانِقُنِي"(نش6:2). شاعرة أن محبته محيطة بها...
ومن محبة الله لنا، أنه يحيطنا بملائكته، تحفظنا وتخدمنا.
فيقول بولس الرسول عن الملائكة: "أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ!"(عب14:1). ويقول الكتاب: "مَلاَكُ الرَّبِّ حَالٌّ حَوْلَ خَائِفِيهِ، وَيُنَجِّيهِمْ"(مز7:34). ما أعجب أن تخدمنا الملائكة، ونحن لا نستحق مجرد رؤيتهم!
ومن محبة الله لقديسيه، أنه يمنحهم حق الشفاعة أيضًا.
لما أراد الله أن يغفر خطية أصحاب أيوب، قال لهم بعد أن بكَّتهم: "وَاذْهَبُوا إِلَى عَبْدِي أَيُّوبَ، وَأَصْعِدُوا مُحْرَقَةً لأَجْلِ أَنْفُسِكُمْ، وَعَبْدِي أَيُّوبُ يُصَلِّي مِنْ أَجْلِكُمْ، لأَنِّي أَرْفَعُ وَجْهَهُ لِئَلاَّ أَصْنَعَ مَعَكُمْ حَسَبَ حَمَاقَتِكُمْ..."(أي8:42).
وهكذا جعل الله مغفرته مشروطة بصلاة أيوب عنهم.. ولماذا لا تغفر يا رب مباشرة!! يقول: "لأني أرفع وجهه"..
ويظهر الرب لشاول الطرسوسي، ويدعوه إلى خدمته. ولكنه لا يشرح له ما ينبغي أن يفعله، بل يرسله إلى عبده حنانيا في دمشق، ليقول له ما ينبغي.
ونفس الوضع حدث مع كرنيليوس الذي صعدت صلواته وتقدماته إلى الرب، وظهر له ملاك يخبره بهذا. ولكن الرب يحيل كرنيليوس إلى عبده بطرس، لكي يخبره بما ينبغي، لأنه يريد أن يعمل عن طريق رسله وكهنته، وبهذا يرفع وجوههم كوكلائه!
إن الله في محبته لقديسيه يعطيهم سلطانًا حتى على الطبيعة.
ما أعجب قول إيليا النبي: "لاَ يَكُونُ طَلٌّ وَلاَ مَطَرٌ فِي هذِهِ السِّنِينَ إِلاَّ عِنْدَ قَوْلِي"(1مل1:17)!!
وفعلًا امتنع المطر أكثر من ثلاث سنوات منتظرًا قول إيليا...
وإيليا يعطي بركة لأرملة صرفة صيدا، بأن كوار الدقيق لا يفرغ، وكوز الزيت لا ينقص، إلى أن ينزل المطر على الأرض (1مل16:17) وهكذا يكون...
لقد أعطى الله سلطانًا لآدم وحواء على كل طيور السماء وسمك البحار ووحوش الأرض.
وبهذا السلطان عاش نوح في الفلك لم تؤذه الوحوش بل تآلفت معه، ودانيال في جب الأسود، أرسل الله ملاكه فسد أفواهها. وكذلك حوت يونان لم يؤذه. وصار أحباء الله هؤلاء في وضع له سموه.
في نياحة الأنبا بولا، أرسل الله أسدين فحفرا قبرًا له، لكي لا يتعب في هذا الأمر القديس أنطونيوس الذي أمرهما...
أحب الله قديسيه، فأكرمهم في حياتهم، وفي وفاتهم أيضًا.
يرسل ملائكة لكي تحمل روح لعازر المسكين إلى أحضان إبراهيم.
وروح الأنبا آمون رآها القديس الأنبا أنطونيوس، وقد حملتها الملائكة في فرح، لتزفها بالتسابيح إلى السماء...
وهناك قديسون عند وفاتهم يرون أنوارًا، ويظهر لهم قديسون لاستقبال أرواحهم. وبعض منهم تفوح رائحة بخور عند وفاته. لذلك ما أجمل قول الكتاب: "لِتَمُتْ نَفْسِي مَوْتَ الأَبْرَارِ، وَلْتَكُنْ آخِرَتِي كَآخِرَتِهِمْ"(عد10:23).
ومن محبة الله لقديسيه أنه دعاهم (آلهة).
فقال لهم في المزمور: "أَنَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ آلِهَةٌ وَبَنُو الْعَلِيِّ كُلُّكُمْ"(مز82: 6). وقيل: "اَللهُ قَائِمٌ فِي مَجْمَعِ اللهِ. فِي وَسْطِ الآلِهَةِ يَقْضِي"(مز1:82). وقال الرب لموسى: "جَعَلْتُكَ إِلهًا لِفِرْعَوْنَ"(خر1:7)، أي سيدًا. ولكنه لقب عجيب، كله حب...
ومن محبته أنه خلقنا على شبهه، كصورته ومثاله...
وحتى في السماء، بجسد القيامة، نكون على شبه جسد مجده! ومن محبته أنه أعطانا بعض ألقابه، فيقول: "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ"(يو12:8)، ويقول لتلاميذه: "أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ"(مت14:5).
ومن محبة الله لقديسيه، أنه سيجعلهم معه في الأبدية.
"... وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا"(يو3:14)، وهكذا تكون أورشليم السمائية "مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ"(رؤ3:21)، ونصير نحن "أهْلِ بَيْتِ اللهِ"(أف19:2).
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 22 يوليو1977م، وقد ألقى قداسته العظة في يوم الجمعة 15 يوليو1977م، كما نشرها أيضًا في كتاب "المحبة قمة الفضائل".
الله يكرم قديسيه
الله يكرم قديسيه[1]
إن الله يحب قديسيه، ويكرمهم على الأرض وفي السماء. وقد أمرنا بإكرامهم واعتبر ذلك إكرامًا له هو. فإكرامهم تعليم كتابي إلهي، من يخالفه يخالف الله...
الله يكرم قديسيه، والذي يكرم القديسين، إنما يكرم الله الذي يحبهم...
لعل من أجمل الصور التي تعبر عن إكرام الرب لقديسيه، هي صورة الرب على جبل التجلي مع قديسيه...
لقد ظهر حوله موسى وإيليا في المجد، لدرجة أن بطرس طلب أن تُصنَع ثلاث مظال، للثلاثة... (مر9). ومع أن المجد للرب وحده، إلا أنه سيقيم قديسيه في مجد "لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ"(في21:3).
عجبت أيضًا - في إكرام الرب لقديسيه - من صورة رآها القديس يوحنا ووصفها في سفر الرؤيا، عن الكهنة. رأى "حَوْلَ الْعَرْشِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ عَرْشًا. وَرَأَيْتُ عَلَى الْعُرُوشِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ شَيْخًا جَالِسِينَ مُتَسَرْبِلِينَ بِثِيَابٍ بِيضٍ، وَعَلَى رُؤُوسِهِمْ أَكَالِيلُ مِنْ ذَهَبٍ"(رؤ4:4).
كيف يمكن لهؤلاء أن يجلسوا على عروش أمام عرش الله، وعلى رؤوسهم تيجان؟! أيُّ مجد هذا يمنحه الله لأولاده، ولا يعتبره إطلاقًا انتقاصًا من مجده؟!
ونفس الوضع، نفس المجد، منحه الله لرسله الاثني عشر.
"مَتَى جَلَسَ ابْنُ الإنسان عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ، تَجْلِسُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ كُرْسِيًّا تَدِينُونَ أَسْبَاطَ إِسْرَائِيلَ الاثْنَيْ عَشَرَ"(مت28:19) حقًّا إن في هذا لعجبًا، يجلسون على عرش، حول عرش مجده، لكي يدينوا الأسباط...
بل إن بولس الرسول يقول أكثر من هذا: "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّنَا سَنَدِينُ مَلاَئِكَةً؟ فَبِالأَوْلَى أُمُورَ هذِهِ الْحَيَاةِ!"(1كو3:6). أليست الدينونة للرب، وهو الديان العادل؟! ولكنه يسمح لأولاده أيضًا أن يدينوا. وهذا ينقلنا إلى نقطة أخرى:
الله يعطي من ألقابه، ومن أسمائه، لقديسيه...
هو الديَّان، ويعطيهم أيضًا أن يدينوا.. هو الملك والكاهن، ويعطيهم أيضًا أن يصيروا ملوكًا وكهنة. يملكون معه، ويرثون معه، ويجلسون معه في مجده.
هو نور العالم، ويقول لهم: "أنتم نور العالم".
هو الكرمة الحقيقية، ويقول عن الكنيسة إنها كرمة..
هو الراعي والمعلم. وأعطى تلاميذه أن يكونوا رعاة ومعلمين.
يخطئ من يظن أن الله يمنع المجد عن قديسيه، أو من يظن أن إكرام القديسين إنقاص من مجد الله!!
بل ما أعجب قول الرب لتلاميذه: "اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَالأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا يَعْمَلُهَا هُوَ أَيْضًا، وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا"(يو12:14).. وأمام كلمة أعظم منها، يقف العقل منذهلًا أمام محبة الله لأولاده، وتكريمه لقديسيه.
فبقوله: "مَن يكرمكم يكرمني" جعل إكرام القديسين إكرامًا لله نفسه، وليس إنقاصًا لكرامته.
هل تغارون أنتم لله ولمجده؟! إن هذا يذكرني بقصة يشوع بن نون، الذي غار لأجل مجد معلمه موسى النبي، وأراد أن يمنع من وجدهم يتنبأون، لكي يبقى موسى النبي الوحيد!! وهنا قال له معلمه القديس: "هَلْ تَغَارُ أَنْتَ لِي؟ يَا لَيْتَ كُلَّ شَعْبِ الرَّبِّ كَانُوا أَنْبِيَاءَ إِذَا جَعَلَ الرَّبُّ رُوحَهُ عَلَيْهِمْ"(عدد29:11).
إننا نكرم القديسين، لأن الله نفسه يكرمهم.
يقول السيد الرب: "وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يَخْدِمُنِي يُكْرِمُهُ الآبُ"(يو26:12). والآب يكرم هؤلاء ليس في السماء فقط، إنما على الأرض أيضًا. أثناء حياتهم، وبعد انتقالهم أيضًا.
من أمثلة هذا الإكرام، تسمية الشريعة باسم موسى.
إنها شريعة الله، ومع ذلك يسميها "شَرِيعَةِ مُوسَى". إنه ناموس الرب، ومع ذلك يسميه ناموس موسى. ويقول: "إِنَّ مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ"(مت8:19)، بينما الله هو الذي أذِن، ولكن على فم موسى... والله لا يجد غضاضة من أن ينسب أوامره وأقواله إلى موسى، بل هذا فيض من حبه.
وكثير من أسفار الله المقدسة منسوبة إلى قديسيه.
لقد حملت أسماءهم، بينما هي كتب الله وحده.. أوحى بها الروح القدس، الناطق في الأنبياء، وبعد ذلك جعلها تحمل أسماءهم، حتى الأناجيل.
إنه تواضع الله.. وأيضًا إنها محبة الله لقديسيه.
وبنفس الوضع سمح أن تُبنى الكنائس على أسماء قديسيه، وسمح أن تُجرَى المعجزات على أيدي قديسيه. وسمح أن يتعلق أولاده قلبيًّا بهؤلاء القديسين، بل دعاهم إلى ذلك. وقال: "من يكرمكم يكرمني"، "وَالَّذِي يُرْذِلُكُمْ يُرْذِلُنِي"(لو16:10).
بل إن الله أكثر من هذا، سمَّى نفسه بهم.
فقال: "أَنَا إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ"(خر6:3)، (مت32:22). إنه إله القديسين، إله آبائنا الذي نكرمهم فنكرمه. وأحس القديسون بهذا فكانوا ينادون الرب بأسماء قديسيه "يَا رَبُّ إِلهَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَإِسْرَائِيلَ آبَائِنَا"(1أخ29: 10 - 18)، يا إله الآباء (1مل18: 36- 38)، (حك9: 1 - 4).
ولعل كمقدمة لإكرام الآباء، قال: "أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ"(تث16:5).
فإن كنا نكرم الآباء حسب الجسد، بوصية، هي أولى الوصايا في العلاقات البشرية بين الوصايا العشر، وأول وصية بوعد، أفلا نكرم آباءنا الروحيين بالأولى؟ أفلا نكرم مرشدينا الذين قادونا في الإيمان، الرسل والأنبياء؟ ويكون إكرامهم حسب الوصية الإلهية، حسب كلمة الله المقدسة... هؤلاء الذين يكرمهم الله نفسه بقوله: "أُكْرِمُ الَّذِينَ يُكْرِمُونَنِي"(1صم30:2).
ومن إكرامه لهم جعل الناس يطلبون صلواتهم.
فلما حدث أن أبيمالك أخذ امرأة أبينا إبراهيم، أن قال له الله في حلم: "... رُدَّ امْرَأَةَ الرَّجُلِ، فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، فَيُصَلِّيَ لأَجْلِكَ فَتَحْيَا. وَإِنْ كُنْتَ لَسْتَ تَرُدُّهَا، فَاعْلَمْ أَنَّكَ مَوْتًا تَمُوتُ، أَنْتَ وَكُلُّ مَنْ لَكَ"(تك7:20).
إنه يُظهِر لأبيمالك مدى فاعلية صلاة إبراهيم لأجله، ليحيا.
ونفس الكلام يقول الرب لأصحاب أيوب الصديق: "... وَاذْهَبُوا إِلَى عَبْدِي أَيُّوبَ، وَأَصْعِدُوا مُحْرَقَةً لأَجْلِ أَنْفُسِكُمْ، وَعَبْدِي أَيُّوبُ يُصَلِّي مِنْ أَجْلِكُمْ، لأَنِّي أَرْفَعُ وَجْهَهُ لِئَلاَّ أَصْنَعَ مَعَكُمْ حَسَبَ حَمَاقَتِكُمْ"(أي8:42).
إن الرب يشترط صلاة أيوب لأجلهم ليغفر لهم ونلاحظ أن عبارة: "فَإِنَّهُ نَبِيٌّ" بالنسبة إلى إبراهيم، هي إظهار لمدى كرامة هذا الإنسان. وعبارة: "عَبْدِي أَيُّوبَ" مع عبارة "أَرْفَعُ وَجْهَهُ"، فكليهما تحملان إكرام الله لهذا القديس في أعين أصحابه.
إن اهتمام الله بصلوات هؤلاء القديسين، تعني أنه منحهم أمام الناس (مفاتيح السماء)، كما قال للرسل.
انظروا إلى إيليا، كيف يقول بسلطان: "حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ الَّذِي وَقَفْتُ أَمَامَهُ، إِنَّهُ لاَ يَكُونُ طَلٌّ وَلاَ مَطَرٌ فِي هذِهِ السِّنِينَ إِلاَّ عِنْدَ قَوْلِي"(1مل1:17). إن عبارة (إِلاَّ عِنْدَ قَوْلِي). تظهر مقدار ثقة هذا النبي بمكانته عند الله، ومدى قوة كلمته وقوله.
بل حتى غضب القديسين، وعقوباتهم لغيرهم، كان يعتمدها الله.
إيليا يقول لقائد الخمسين: "إِنْ كُنْتُ أَنَا رَجُلَ اللهِ، فَلْتَنْزِلْ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ وَتَأْكُلْكَ أَنْتَ وَالْخَمْسِينَ الَّذِينَ لَكَ. فَنَزَلَتْ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ وَأَكَلَتْهُ هُوَ وَالْخَمْسِينَ الَّذِينَ لَهُ"(2مل10:1).
وتتكرر المعجزة أكثر من مرة، لترينا مدى قوة إيليا.
وإليشع النبي، يوبخ تلميذه جيحزي الذي جرى وراء نعمان السرياني يطلب منه حسنات، وأنكر على معلمه، فيقول له: "فَبَرَصُ نُعْمَانَ يَلْصَقُ بِكَ وَبِنَسْلِكَ إِلَى الأَبَدِ"(2مل27:5). فخرج جيحزي من أمامه أبرص كالثلج.
واللعنة التي أوقعها نوح على حفيده كنعان، اعتمدها السيد المسيح في حديثه مع المرأة الكنعانية..
وفي الإنجيل، في العهد الجديد، نجد نفس الهيبة بالنسبة إلى القديسين: بطرس الرسول، بكلمة منه، يسقط حنانيا ميتًا، ثم تسقط سفيرة زوجته ميتة مثله، بكلمة.
وبولس الرسول، بأمره: يصير عليم الساحر أعمى.
إنها هيبة القديسين، والكرامة التي منحها الله بكلمتهم...
وكما كانت عقوباتهم سارية المفعول، كذلك كانوا أيضًا بركة..
إيليا، كان بركة في بيت الأرملة. قال لها في وقت المجاعة: "كُوَّارَ الدَّقِيقِ لاَ يَفْرُغُ، وَكُوزَ الزَّيْتِ لاَ يَنْقُصُ، إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ يُعْطِي الرَّبُّ مَطَرًا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ"(1مل14:17)، وقد كان. وبنفس البركة أقام إيليا ابن الأرملة من الموت.
ويوسف الصديق كان بركة في بيت فوطيفار. وبنفس الوضع كان يعقوب بركة في بيت لابان. والله يقول لأبرام: "وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً، وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ"(تك12: 2، 3).
ومن إكرام الله لقديسيه، أنه كان يأخذ رأيهم.
إن الله قبل أن يعاقب سدوم، عرض الأمر على إبراهيم، قائلًا: "هَلْ أُخْفِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ مَا أَنَا فَاعِلُهُ، وَإِبْرَاهِيمُ يَكُونُ أُمَّةً كَبِيرَةً وَقَوِيَّةً، وَيَتَبَارَكُ بِهِ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ؟" (تك18: 17، 18). وتفاهم الله مع إبراهيم، ونفَّذ له طلبه، وفي قوله: "لا أُهلِك لأجل العشرة" إكرامًا لإبراهيم، وللعشرة إن وُجِدوا.
ونفس الأمر حدث بين الله وموسى، حينما أراد الله أن يُهلِك الشعب كله. وما أعجب قول الكتاب بعد حديث الرب مع موسى: "فَنَدِمَ الرَّبُّ عَلَى الشَّرِّ الَّذِي قَالَ إِنَّهُ يَفْعَلُهُ بِشَعْبِهِ"(خر32: 7 - 14)، وقَبِل الرب شفاعة موسى.
ومن أمثلة إكرام الله لقديسيه، قوله: "من أجل.. عبدي".
"مِنْ أَجْلِ إِبْرَاهِيمَ عَبْدِي"(تك24:26)، "لأَجْلِ دَاوُدَ عَبْدِي"(1مل13:11). وقول المرتل: "مِنْ أَجْلِ دَاوُدَ عَبْدِكَ لاَ تَرُدَّ وَجْهَ مَسِيحِكَ"(مز10:132).
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 18 مايو 1979م
نماذج لقديسين أكرمهم الله
نماذج لقديسين أكرمهم الله[1]
في انتقال السيدة العذراء من عالمنا الفاني، اجتمع حولها الرسل، وأتى السيد المسيح فاستلم روحها الطاهرة بمجد عظيم. ثم رأى القديس توما جسدها الطاهر محمولًا إلى السماء وسط تهليل الملائكة. وهكذا أكرم الرب أعظم قديسيه على الأرض وفي شخصها أكرم البشرية كلها...
والتاريخ يحكي لنا قصصًا عديدة عن إكرام الرب لقديسيه، وقت وفاتهم.
يقول الكتاب إن لعازر المسكين قد "مَاتَ وَحَمَلَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ إِلَى أحضانِ إِبْرَاهِيمَ"(لو22:16).
والقديس الأنبا أنطونيوس رأى روح الأنبا آمون، تزفها الملائكة بألحان الفرح والتهليل، وهم يحملونها إلى السماء.
والقديس الأنبا كاراس السائح، عند وفاته حضر داود النبي، ورتل له على قيثارته مزمور: "ارْجِعِي يَا نَفْسِي إِلَى رَاحَتِكِ، لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ أَحْسَنَ إِلَيْكِ"(مز7:116).
ويقول الكتاب عن إيليا النبي إن مركبة نارية قد حملته إلى السماء (2مل11:2).
وكثيرون من القديسين كانوا يرون رؤى معزية، وكان قديسون يحضرون ساعة انتقالهم.
إن السماء تفرح بأن يكمل أحد القديسين فترة جهاده على الأرض، لذلك تحتفل بانضمامه إلى جماعة الغالبين المنتصرين.
وكما يكرم الله قديسيه في حياتهم، يكرمهم أيضًا ساعة انتقالهم ونياحتهم، لذلك قال الكتاب: "لِتَمُتْ نَفْسِي مَوْتَ الأَبْرَارِ، وَلْتَكُنْ آخِرَتِي كَآخِرَتِهِمْ"(عدد10:23). والكنيسة تحتفل بيوم نياحتهم.
والله يكرم قديسيه، بعد انتقالهم أيضًا.
وقد أكرم العذراء كثيرًا بعد انتقالها، إذ سمح أن تُجرَى المعجزات على يديها، كما سمح بظهورها على الأرض، وهي مشتملة بالنور، كما حدث في الزيتون.
أما على الأرض، فقد يُكرِم الرب قديسيه بالألم. وإن تألَّموا معه، يتمجَّدون أيضًا معه (رو17:8).
[1]مقال افتتاحي لقداسة البابا شنوده الثالث، بمناسبة عيد صعود جسد العذراء "الله يكرم قديسيه"، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 22 أغسطس1980م
كرامة أجساد القديسين
كرامة أجساد القديسين[1]
هذه العذراء القديسة الدائمة البتولية، قد أكرم الرب جسدها الطاهر، فأصعده إلى السماء بتوقير كبير من السمائيين والأرضيين. والكنيسة تحتفل بالصعود في 16 مسرى (22 أغسطس).
ومن قبل أصعد الرب إيليا النبي إلى السماء حيًّا في مركبة نارية، وأصعد أخنوخ إلى السماء حيًّا، ولكنهما سيعودان وسيموتان.
وبولس الرسول صعد إلى السماء الثالثة، ولكنه - بالجسد أم خارج الجسد – لا أحد يعلم، الله يعلم (2كو2:12).
صعود كل هؤلاء إلى السماء، بالحياة أم بعد الموت، هو عربون لصعودنا جميعًا إلى السماء، حيث نكون مع الرب كل حين، ولكن في سماء جديدة، في أورشليم السمائية.
وهذا يرينا أن الأجساد التي أكرمت الله على الأرض، سيكرمها الله، على الأرض أو في السماء، أو هنا وهناك في نفس الوقت. وصعود الجسد إلى السماء، هو حقيقة مُفرِحة، وبالإضافة إلى هذا هو رمز.
هناك أجساد لم يسمح الله أن ترى فسادًا، وبقيت كما هي لم تتحلَّل... وهناك أجساد تحولت إلى تراب، ومع ذلك بقيت لعظامها كرامة خاصة، كما حدث بالنسبة إلى عظام إليشع الميت، التي أقامت بركتها جسد ميت لمسها (2مل21:13).
وهناك أجساد، في ساعة موتها فاح منها بخور...
وأجساد أخرى، حتى وهي في الحياة، قبل مفارقتها هذا العالم كانت سبب معجزة وأعجوبة لكل من يلمسها، حتى قروحها كانت سبب بركة، تشفي الأمراض، كالرسولين بطرس وبولس (أع15:5)، (أع12:19).
وأجساد للقديسين بُنِيَت عليها كنائس، وما زال المؤمنون يكرمون عظامها أو رفاتها بالألحان والتراتيل، والشموع والبخور، ويحتفلون بها في القداسات، وينالون بركتها...
وجسد العذراء القديسة، كانت له كرامة خاصة...
الروح القدس حل فيها، وقوة العلي ظللتها، وفي داخل هذا الجسد حل الله الكلمة، وأخذ منه جسدًا...
لهذا كانت لهذا الجسد، بالإضافة إلى عفته وطهارته، كرامته القدسية. ولم تكن الأرض كلها مستحقة لهذا الجسد، فأصعده الرب بكرامة إلى السماء.
ومن إكرام أجساد القديسين، أنها في القيامة، ستنال لونًا آخر من التجلي، فتصير أجسادًا روحانية، نورانية، قد تخلَّصت من ثقل المادة، وأصبحت كملائكة الله في السماء...
وعن القيامة، يتحدث الرسول عن "فِدَاءَ أَجْسَادِنَا"(رو23:8) ستتَّحد هذه الأجساد النورانية بأرواحها، ويكرم الله كليهما.
كل جهاد الجسد على الأرض سيتكلَّل هناك في السماء.
إذًا "فَمَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ"(1كو20:6).
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، بعنوان "عيد العذراء، وإكرام أجساد القديسين" نُشر في مجلة الكرازة بتاريخ 21 أغسطس1981م، وقد تحدث قداسة البابا شنوده عن موضوع أجساد القديسين في كتابه "حياة الفضيلة والبر" في فصل بعنوان "هل الجسد عائق للفضيلة ومتى يكون عائقًا؟".
محبة الكنيسة للقديسين
محبة الكنيسة للقديسين[1]
تتجلى محبة الكنيسة للقديسين في مظاهر متعددة تُعبر بها الكنيسة عن إجلالها وتقديرها ومحبتها لهؤلاء القديسين بكل أنواعهم من رسل، وشهداء، وآباء رعاة، وآباء رهبان، وراهبات، وقديسات.
ونذكر في هذا المجال النقاط الآتية:
1- بناء الكنائس بأسمائهم.
فكل كنائسنا بأسماء ملائكة وقديسين وقديسات: ومن أشهر الملائكة ميخائيل رئيس الملائكة. ومن أشهر الرسل الذين تُبنَى على أسمائهم كنائس: القديس مار مرقس في كنائسنا بمصر، ثم الرسولين بطرس وبولس. ومن أشهر القديسات اللائي تُبنَى على أسمائهن كنائس: القديسة مريم العذراء، ثم القديسة دميانة، والقديسة رفقة، والأم دولاجي، والقديسة بربارة.
كما تُبنَى كنائس على أسماء قديسي الرهبنة: أشهرهم القديسين الأنبا أنطونيوس والأنبا بولا، والثلاثة مقارات القديسون، والقديسون الأنبا باخوميوس والأنبا شنوده، والأنبا موسى الأسود. ومن أشهر البطاركة والأساقفة الذين تحمل الكنائس أسماءهم: القديس أثناسيوس الرسولي، والقديس الأنبا أبرآم أسقف الفيوم...
ومن أشهر الشهداء الذين تُبنَى كنائس بأسمائهم: القديس مار جرجس، والقديس مار مينا، والقديس أبو سيفين، والأمير تادرس. وقد تُبنَى كنائس على اسميّ اثنين من القديسين. أو قد تُبنَى الكنيسة على اسم قديس، وكل مذبح منها على اسم قديس آخر.
2- بل يتسمَّى بأسمائهم أيضًا الآباء البطاركة والأساقفة والكهنة.
كل ذلك تيمنًا بأسماء القديسين، ومحبة لهم، ورغبة في التبرك بأسمائهم واتخاذهم قدوة في الرعاية وفي السيرة الشخصية... وأيضًا كثيرًا ما يتسمَّى أفراد الشعب بأسماء قديسين محبة لهم... والذي لم يأخذ اسم قديس في شهادة ميلاده، يتسمَّى به في معموديته.
3- ومن محبتنا للقديسين نُزيّن كنائسنا بأيقوناتهم.
ففي الجهة البحرية من الهيكل نضع باستمرار أيقونة القديسة العذراء، كما نضع في الناحية القبلية أيقونة القديس يوحنا المعمدان. ومن فوق الهيكل نضع أيقونة العشاء الرباني وأيقونات للآباء الرسل الاثني عشر.
ونُزيّن الإيكونستاس بأيقونات كثيرة للقديسين، منها أيقونة قديس الكنيسة. وفي دورة الشعانين، نمر على مواضع معينة في كل اتجاهات الكنيسة نذكر فيها قديسين معينين. وفي بعض كنائسنا توجد أيقونات عديدة جدًّا تُغطي كل جدارن الكنيسة أو الدير.
بعض الأيقونات مرسومة بالزيت، والبعض بالموازييك، والبعض بمواد أخرى يتبارَى فيها الفنانون والرسامون. وما أكثر الفنانين الذين نالوا شهرة كبيرة في التاريخ – فقط - لأنهم كانوا رسَّامي أيقونات.
4- وأمام أيقونات القديسين نضع الشموع، ونبخِّر لها.
نضع الشموع رمزًا إلى أن القديس كان نورًا في حياته. وكان يذوب لكي يضيء للآخر. وكذلك لأن الشمعة تضيء بالزيت المكوّن لها، والزيت يرمز إلى الروح القدس. وفي هذا نذكر أن القديس كان نورًا للآخرين بعمل الروح القدس فيه...
على أننا نبخّر للأيقونات المدشَّنة بالميرون المقدس.
وبتدشينها أصبحت أيقونة مقدسة. ونحن لا ندشن إلاَّ أيقونات القديسين المُعتَرف بهم في الكنيسة، والذين توجد أسماؤهم ضمن قديسي السنكسار والكتب الطقسية للبيعة.
5- ومن محبتنا للقديسين نقيم لهم أعيادًا واحتفالات.
وفي كل يوم - في كتاب السنكسار - تُعيّد الكنيسة لقديس معين أو لعدد من القديسين. وهناك أعياد شهرية: فالقديسة العذراء نعيّد لها في كل يوم 21 من الشهر القبطي. ورئيس الملائكة ميخائيل نعيّد له في كل يوم 12 من الشهر القبطي.
وغالبًا ما نعيّد للقديس في يوم نياحته أو استشهاده، عملًا بقول الكتاب: "انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ"(عب7:13). وبعض القديسين نُعيّد له في تذكار بناء كنيسة على اسمه، أو العثور على رأسه، أو نقل جثمانه. أما رئيس الملائكة ميخائيل فنعيّد له في تذكار معجزة أجراها. أما القديسة العذراء فلها أعياد كثيرة في مناسبات متعددة...
6- ونحن نقدم نذورًا وذبائح بأسماء القديسين.
وذلك في أعيادهم، أو وفاءً لنذر تحقق نتيجة الاستشفاع بهم. ومن النذور المشهورة (فطير الملاك) الذي يصنعه البعض في عيد الملاك ميخائيل، ويوزعونه على أقاربهم وأصحابهم وجيرانهم، فيعرف البعض أنه لا بدَّ قد تمت معجزة باسم الملاك ميخائيل، فقدَّمَ هذا النذر له.
ما أكثر الذبائح التي تقدَّم في أعياد مار جرجس في كنيسته بميت دمسيس. وفي ديره بالرزيقات وفي كثير من كنائسه. وما أكثر الذبائح التي تُقدَّم في عيد العذراء بدير المحرق.. وما أكثر المعموديات التي تُقام في أعياد القديسين لوفاء نذر...
7- ومن محبتنا للقديسين نرتل لهم ترانيم وذكصولوجيات ومدائح.
ففي عيد القديس، وفي كل تذكار له، يتغنَّى الشعب بهذه المدائح والترانيم، القديمة والمؤلَّفة حديثًا، والتي تُذكَر فيها فضائله أو معجزاته، مع طلب صلواته وشفاعته.
والذكصولوجيات والإبصاليات مكتوبة باللغة القبطية وملحَّنة، نذكرها في أعياد القديسين، وفي مناسبات عديدة، وفي التسبحة اليومية مثلما نذكر الثلاثة فتية القديسين في الهوس الثالث من التسبحة كل يوم، ومثلما نذكر موسى النبي في الهوس الأول، وكثيرًا من الملائكة والقديسين في ذكصولجيات باكر...
8- ونحن نذكر القديسين أيضًا في القداس الإلهي في المجمع.
نذكرهم بأنواعهم: الآباء الرسل، والشهداء، وأبطال الإيمان، والآباء البطاركة، وآباء الرهبنة، ونضيف أحيانًا لحن (بينشتي) حيث نذكر فيه أيضًا كثيرًا من الآباء القديسين، ونطلب صلواتهم وشفاعتهم...
أما مجمع الإبصلمودية، ففيه أسماء أكثر.. وبنوعيات أكثر. وفيه أسماء قديسات عديدات، وكذلك المجمع في الإبصلمودية الكيهكية، وفي مدائح شهر كيهك.
9- وما أكثر ما تُنسَّق قراءات القداس على أعياد القديسين.
فكل قراءات الكنيسة: سواء البولس أو الكاثوليكون أو الإبركسيس أو المزمور أو الإنجيل، كلها تتعلق بعيد القديس، وباسمه إن كان موجودًا في الإنجيل المقدس.
فهناك قراءات خاصة بالقديسة العذراء. وقراءات معينة ومشتركة، إن كان العيد - في السنكسار - يختص بأحد الآباء الرسل، أو أحد الآباء البطاركة أو الرعاة، أو بأحد الشهداء، أو بإحدى الأمهات القديسات... إلخ.
10- ونحن نذكر القديسين، لأنهم كانوا قدوة في كل نوع من الفضائل.
وكل فضيلة نريد أن نتمثَّل بها، نرى حياة أحد القديسين كانت مثالًا أعلى فيها. فالكتاب المقدس قد يقدم وصية من الوصايا. ولكن حياة القديس تمثل التطبيق العملي للوصية. على أن تقليد القديسين في سيرتهم، لا بد أن يكون تحت إرشاد. لأن ما وصل إليه القديسون بعد جهاد كبير على مدى سنوات كثيرة، وبنعمة خاصة، لا يستطيع أن يقلّده مبتدئ في حياة الفضيلة.
11- ونحن في محبتنا للقديسين واحترامنا لهم، إنما نذكر باستمرار مكانتهم عند الله.
وكيف أن الله منحهم أن يصنعوا المعجزات باسمه، وأعطاهم سلطانًا على جميع الشياطين. وكان يقبل تشفعاتهم ويسمع لها، كما قَبِلَ شفاعة أبينا إبراهيم (تك18). وقَبِلَ شفاعة موسى النبي (خر32)، وأعطى إيليا النبي أن يغلق السماء ويفتحها (يع5)... والقصص كثيرة جدًّا. ويكفي وعدهُ لآبائنا أن من يكرمكم يكرمني...
وكيف أن هؤلاء القديسين كانت لهم دالة كبيرة عند الله.
وكان الله يعلنها، كما قال عن موسى النبي: "وَأَمَّا عَبْدِي مُوسَى... بَلْ هُوَ أَمِينٌ فِي كُلِّ بَيْتِي فَمًا إِلَى فَمٍ وَعَيَانًا أَتَكَلَّمُ مَعَهُ، لاَ بِالأَلْغَازِ. وَشِبْهَ الرَّبِّ يُعَايِنُ"(عد12: 7، 8).
وكيف أن الله كان يكشف لهم أسراره.
وكان يخاطبهم في رؤى وفي أحلام. وكان يرسل ملائكة لإنقاذهم من ضيقات، كما فعل مع دانيال وأرسل ملاكه إلى الجب فسدَّ أفواه الأسود (دا22:6). وأرسل ملاكًا فأنقذ بطرس من السجن (أع12). وأرسل ملاكين ليقودا لوطًا وأسرته خارجًا من سدوم لكي لا يحترقوا بنارها (تك19).. والقصص في ذلك عديدة جدًّا..
12- وإذ نكرم القديسين، إنما نذكر عمل الروح القدس فيهم.
كانوا هياكل للروح القدس. وكان الروح القدس يعمل فيهم بلا عائق منهم، إذ كانوا يعيشون في شركة دائمة مع الروح. الروح يعمل معهم، ويعمل فيهم ويعمل بهم، بكل قوة وبلا مانع.
13- ونحن حينما نذكر آباءنا القديسين، تتضع نفوسنا.
ونعرف تمامًا أن كل ما نمارسه من فضيلة لا يقاس أبدًا بفضائلهم العجيبة والسامية جدًّا، وأننا لسنا شيئًا إلى جوارهم!
فمهما صلَّينا، لا يمكن أن نصلي بدرجة القديس أرسانيوس الكبير.. ومهما صُمنا فلن نستطيع أن نصوم مثل القديس مكاريوس الإسكندري. ومهما قدمنا من عطايا وصدقات، فلن نصل إلى درجة القديس الأنبا أبرآم أسقف الفيوم. ومهما دافعنا عن الإيمان، فلن نفعل مثلما فعل القديس أثناسيوس الرسولي. ومهما كرزنا وعلَّمنا فلن نتعب في الكرازة مثل القديس بولس الرسول.. وهكذا تتضع نفوسنا، وتزول عنا حروب الكبرياء والمجد الباطل.
14- ودراستنا لحياة القديسين تدفعنا إلى النمو.
إذ نشعر باستمرار أن أمامنا مُثلًا عُليا لم نصل إليها بعد، ودرجات كثيرة لم نصعد إليها بعد. فنحاول أن ننمو واضعين أمامنا قول بولس الرسول: "أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ. وَلكنّي أَفْعَلُ شَيْئًا وَاحِدًا: إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ، أَسْعَى نَحْوَ الْغَرَضِ لأَجْلِ جَعَالَةِ دَعْوَةِ اللهِ الْعُلْيَا فِي الْمَسِيحِ"(في3: 13، 14).
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 12 سبتمبر1997م
علاقتنا بالقديسين
علاقتنا بالقديسين[1]
الذي يقرأ السنكسار، يرى أننا نحتفل بعدد ضخم من القديسين.. منهم ملائكة، وأنبياء، ورسل، وشهداء، وشهيدات، وبطاركة وأساقفة وشمامسة، وعذارى وعلمانيون بتوليون أو متزوجون.
كل يوم له قديسه أو قديسوه.
نحتفل بنهاية سيرة هؤلاء، لكى نتمثل بإيمانهم، سواء كانت أيام نياحتهم أو استشهادهم.
وقد نحتفل بيوم نقل جسد القديس، أو بناء كنيسة على اسمه، أو حدوث معجزة أو أعجوبة مع هذا القديس أو منه.
وقليل من القديسين الذين نحتفل بيوم ميلادهم، أو البشارة بميلادهم كالقديسة العذراء، والقديس يوحنا المعمدان، والقديس الأنبا شنوده.
ونحن نرى أن هؤلاء القديسين لم يموتوا، إنما ما يزالون أحياء. لأن إلهنا "لَيْسَ اللهُ إِلهَ أَمْوَاتٍ بَلْ إِلهُ أَحْيَاء"(مت32:22).
رابطتنا بالقديسين هي رابطة حب، واحترام، وثقة، ورابطة أبناء بآبائهم، وتلاميذ بمعلميهم ومرشديهم.
نحبهم من أعماق قلوبنا، ونخاطبهم في صلوات، وننشد الأناشيد التي نتغنَّى فيها بفضائلهم وبمكانتهم عند الله، ونطلب شفاعتهم وصلواتهم.
ونفس الوضع مع الملائكة.
نحتفل بتذكارات لهم، غالبيتها حدوث معجزات على أيديهم، أو ظهورات هامة لهم في مناسبات معينة، أو لمجرد ذكراهم، ونذكر ما قيل في الكتاب عنهم "كبعض القوات السمائية".
هذه هي الكنيسة الجامعة بمعناها العام في الأبدية.
الله ومعه الملائكة الأبرار، وكل قديسيه، الذين انتقلوا، والذين لا يزالون على الأرض، وينتظرون انضمامهم إلى مجمع الأبرار.
والصلة بين كل هؤلاء لا تنقطع.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 20 سبتمبر1985م
الفصل الثالث بركات عِشرَة القديسين
قراءة سِيَر القديسين[1]
قراءة سِيَر القديسين من أهم الوسائط الروحية التي تستخدمها النعمة لتنمية علاقتنا مع الله، وإشعال محبتنا له ولملكوته.
وهي تقدم لنا التنفيذ العملي للمبادئ الروحية.
ربما تبدو لنا كثير من الوصايا والتعاليم وكأنها مبادئ نظرية. ولكننا نراها في سِيَر القديسين في الواقع العملي، منفَّذة بصورة واضحة وفي ظروف مناسبة لها.
وهكذا ترينا سِيَر القديسين أن وصايا الرب سهلة وممكنة، وليست مثاليات نظرية.
فكثيرًا ما يقول البعض في استغراب: مَن يستطيع أن ينفّذ هذه المثاليات؟! هل حقًّا يمكن لإنسان أن يحول الخد الآخر لمن يلطمه على خده؟! (مت39:5). هل يمكن أن يصلي إنسان "كُلَّ حِينٍ وَلاَ يُمَلَّ"(لو1:18)؟! وأن يصلي "بِلاَ انْقِطَاعٍ"؟!(1تس17:5). وهل يمكن أن يُعطي الإنسان كل ماله للفقراء؟! (مت21:19). هذه الأسئلة مع الكثير من أمثالها، نراها جميعًا مُجابَة ومُمثَّلة في سِيَر القديسين.
ولقد سمح الله أن يقدم لنا هؤلاء القديسون أمثلة عالية في كل فضيلة من الفضائل بلا استثناء.
وبطريقة مذهلة حقًّا، تدعو إلى الإعجاب الشديد بروحانية أولئك الأبرار، حتى وكأنهم كانوا ملائكة أرضيين، ارتفعوا فوق مستوى المادة والجسد، وعاشوا بالروح مع الرب، في حياة نُصرة كاملة على كل حروب العدو. أو تقول إنهم عادوا إلى الصورة الإلهية التي خُلِق بها الإنسان منذ البدء.. فحياتهم تشجع كل إنسان أن يسير في النهج الروحي، بلا خوف، وبلا تردد.
بحيث نقول في ثقة حينما نقرأ عنهم: الله قادر أن يعيننا كما أعانهم..
حياة البر إذًا ممكنة وسهلة ومتاحة، لكل من يطلبها. ونعمة الله مستعدة أن تعمل في كل قلب، وترفعه إلى أسمى درجة، مهما كانت حالته الأولى.. فروح الله الذي كان يعمل، ويقود النفوس نحو الله، ويمنحهم كل الإمكانيات والمواهب.
فما عمله القديسون، هو ما عمله روح الله معهم. أتُرانا نقرأ عنه أم عنهم في هذه السّيَر؟
أم القصص التي وردت في سِيَر القديسين، إنما تحكي عن "شَرِكَةُ الرُّوحِ الْقُدُسِ"(2كو14:13). أو هي قصة (الله مع الناس). عمل الله معهم، أو عملهم معه. يبدأ الله فيستجيب الناس، أو يتجه الناس نحو الله، فيجذبهم إلى أحضانه بكل قوة. أو هي صورة لتلك العبارة في سفر النشيد "اجْذُبْنِي وَرَاءَكَ فَنَجْرِيَ"(نش4:1).
لقد كان لسِيَر القديسين تأثير عميق في الجميع على مدى الأجيال.
فقصة حياة القديس الأنبا أنطونيوس التي كتبها القديس أثناسيوس الرسولي، كان لها تأثير عجيب في أهل روما، حتى كانت سببًا في انتشار الرهبنة هناك. ولما قرأها القديس أغسطينوس تأثر بها جدًّا، وقادته إلى التوبة.
كذلك فإن تأثير سير الرهبان في برية شيهيت، جذب إليهم السواح من كل البلاد، ليروا هؤلاء الذين عاشوا على الأرض وكأنهم في السماء.. فجاءوا إليهم، ليسمعوا من أفواههم كلمة منفعة، وكتبوا قصصهم أو بعضًا منها، فحفظها التاريخ.
إن هؤلاء القديسين لم يكتبوا أي كتاب عن حياتهم. ولكن حياتهم كانت هي أشهى كتاب.
كانت التاريخ الحي الذي قرأه جيلهم، وعاش به ونقله إلى باقي الأجيال. والوحي الإلهي نفسه نقل إلينا سِيَر كثير من الأنبياء والرسل، حتى تسمَّت بأسمائهم بعض الأسفار المقدسة، التي شرحت لنا عمل الله فيهم، ورسالتهم التي كلفهم الله بها، وسيرتهم المقدسة.
وقد اهتمت الكنيسة جدًّا بسِيَر القديسين.
فوضعتها في كتاب اسمه السنكسار، لكي تقرأ منه في كل قداس إلهي، سيرة واحد منهم أو أكثر، لتعزيتنا وتعليمنا. وتقرأ أيضًا على المؤمنين جزءًا آخر من سِيَر آبائنا الرسل الأطهار من (الإبركسيس)، أي سفر "أعمال الرسل". وما أكثر ما تقيم الكنيسة أعيادًا لأولئك القديسين، تحتفل فيها بذكراهم، وتعيد على الآذان والأذهان سيرهم وفضائلهم.
وكذلك أيقوناتهم في الكنائس، وما يوضع أمامها من شموع، إنما تعيد إلى الذاكرة سِيَر أولئك القديسين، لتكون غذاءً للروح ومجالًا للتأمل في فضائلهم. وما أجمل قول مار إسحق: "شهية هي أخبار القديسين، مثل الماء للغروس الجدد".
إنها غذاء روحي لا يستغنى عنه أحد، يجلب لنا الشعور بمحبة الله، ومحبة طرقه التي تؤدي إلى الملكوت.. وتجعلنا أيضًا نحب الفضيلة، ونحب أولئك الأبرار، ونتخذهم لنا آباءً وشفعاءً، ونحرص أن نعمق علاقتنا بهم، وكأنهم أحياء يعيشون معنا على الأرض، نتحدث إليهم ونطلبهم.
ومن محبتنا لهم ولسيرتهم، نتسمَّى بأسمائهم.
ونشكر الله أنه في أيامنا هذه، كثر التسمي بأسماء القديسين، نسمي بها أطفالنا، لينشأوا محبين للقديسين، وأيضًا اعترافًا منا بمحبتنا لهم وإعجابنا بسيرتهم.. ونفس الوضع حينما يدخل أحد في حياة التكريس، راهبًا أو كاهنًا، يتسمَّى باسم أحد هؤلاء القديسين، اعترافًا منا بالسيرة المقدسة التي لهذا الاسم الحسن.
وأود في هذا المقال أن أسجل بعضًا من التأثير الروحي لسير القديسين...
التأثير الأول: هو القدوة
وهذا ما قاله القديس بولس الرسول: "اذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ"(عب7:13).
وهنا نجد أمامنا منهجًا واسعًا جدًّا. فكل فضيلة يريد إنسان أن يقتنيها، نجد مجموعة من القديسين يرشدونهم بحياتهم إلى كيفية السلوك فيها، ويقدمون لنا مثالًا عمليًّا، وحافزًا يجذبه إليها.. على أنني أحب هنا أن أضع ملاحظة هامة وهي:
علينا أن نقتدي بالقديسين فيما هو ممكن لنا.
فمثلًا قد لا تكون حياة الاستشهاد متاحة. ولكننا نقتدي بالشهداء في قوة إيمانهم، في شجاعتهم، في احتمالهم للإيمان، وفي الاستعداد للأبدية، وعدم محبة العالم ولا التمسك به.. وكل هذا ممكن لنا.
وقد لا نستطيع الصلاة الدائمة، كما كان يفعل القديس أرسانيوس الكبير، أو القديس مقاريوس الإسكندري.. ولكن على الأقل لتكن لنا محبة الصلاة والاستمرار فيها على قدر قامتنا الروحية.
ولنعلم أن حياة قديسي البرية غير حياتنا في العالم. فلا نقلدهم في طيّ الأيام صومًا، الأمر الذي أتقنوه بعد سنوات طويلة من التدريب الروحي، وساعدتهم عليه حياة السكون..
إنما ليكن اقتداؤنا بهم في تلك الفضائل العالية تحت إرشاد روحي، وبتدرج حكيم.
وهناك فضائل أخرى متاحة للجميع، مثل الاتضاع، والوداعة، والهدوء، وخدمة الآخرين واحتمالهم، وعدم الغضب، وما يشبه ذلك.
أما الصمت الكامل، فلا يناسبك، إنما تأخذ منه: الكلام عند الضرورة، والكلام بقدر، واختبار الكلمة المناسبة، والكلمة البنَّاءة النافعة..
فلا تقلد الفضيلة تقليدًا كاملًا لا يناسبك ولا تقدر عليه. ولا ترفضها بالتمام في يأس. وإنما خذ منها بقدر، وبحكمة، وبتدرُّج، وتحت إرشاد..
خذ الفضيلة في روحها، لا في شكلها.
فحينما تقرأ مثلًا عن قديسي التوبة، حاول أن تكون مثلهم في حرارة توبتهم، وفي عدم عودتهم مطلقًا إلى الوراء. وتمثَّل بهم في انسحاق قلوبهم وفي دموعهم. ولكن لا تقلّد تقليدًا حرفيًّا الذين قادتهم التوبة إلى الرهبنة مباشرة، مثل بيلاجية ومريم القبطية وموسى الأسود، وأغسطينوس..
خذ محبة التائب لله، وعودته إليه، وعمق ندمه، واشمئزازه من الخطية.. ولكن عش في حدود شخصيتك وإمكانياتك، وما أُعطِيتَه من النعمة..
التأثير الثاني لسِيَر القديسين: هو تقوية الإيمان.
سواء ما تقدمه سِيَر الشهداء والمعترفين من التمسك بالإيمان، إلى حد الموت من أجله، أو قبول كل صنوف التعذيب، برضى وفرح وصبر.. أو ما تقدمه سِيَر أبطال الإيمان الذين دافعوا عن العقيدة، بكل قوة وكل فهم، محتملين في سبيلها السجن والنفي والتشريد وكافة ألوان الاضطهاد، كالقديس أثناسيوس الرسولي مثلًا: الذي نُفي عن كرسيه أربع مرات، واتهموه اتهامات شنيعة، وصدرت ضده أحكام، وقيل له: "العالم كله ضدك يا أثناسيوس".
نقرأ عن ذلك فيتبكَّت هذا الجيل، الذي لا يبالي بالخلاف في المذهب أو العقيدة، وينسى ما تحمله القديسون من آلام في سبيل ذلك!!
كانت المجامع المحلية والمسكونية تقام بسبب نقطة خلاف واحدة. ويبذل القديسون كل جهدهم في الدفاع عن الإيمان وفي إثبات العقيدة السليمة. والآن من أجل زواج أو طلاق، يمكن أن يغير إنسان مذهبه، بكل سهولة وبلا مبالاة، أو بجهل!! أو يختلف شخص مع أحد رجال الكهنوت، فيترك الكنيسة كلها، بكل إيمانها وعقيدتها. ولا يبالي بكل جهاد القديسين في سبيل ذلك الإيمان.
لذلك نحن محتاجون إلى قراءة سِيَر القديسين أبطال الإيمان؛ لتغرس في نفوس الجميع أهمية الإيمان والثبات فيه، ونبذ ما يُسمَّى باللا طائفية!!
إن الكنيسة ليست طائفة، ولا هي مجموعة طوائف، ولكنها جماعة المؤمنين بإيمان سليم في كل تفاصيله...
هذا الإيمان الذي استُشهِد من أجله قديسون في جميع الأجيال، والذين تألم بسببه وتعذَّب عدد كبير من القديسين. ومن بينهم رهبان عاشوا في البرية الجوانية. ولكن عاشوا في الإيمان. وما أجمل الرمز الذي يحويه تكفين الأنبا بولا السائح في رداء البابا أثناسيوس بطل الإيمان...
التأثير الثالث لسِيَر القديسين: هو غرس مشاعر الاتضاع والانسحاق.
فكلما نقرأ عن هذه القمم العالية، وما وصلوا إليه، تتضع نفوسنا في الداخل، ونشعر أننا لا شيء إلى جوارهم..
حينما نقرأ عن القديس الأنبا أبرآم في العطاء، ألا تنسحق نفوسنا؟ هذا الذي كان يعطي كل شيء. ولا يبقي لنفسه شيئًا. حتى إن البعض أعطاه مرة قطعة قماش أسود ليفصلها ثوبًا له بدلًا من جلبابه البالي، فوهب قطعة القماش هذه لأرملة زارته.. أو ماذا نقول عن الأنبا يوحنا الرَّحوم الذي باع كل ما كان له وأعطاه للفقراء. ولما لم يجد شيئًا يملكه، باع نفسه عبدًا، وتبرَّع بثمن نفسه للفقراء..!! ألا تتضع نفوسنا، حينما نقارن عطاءنا بعطاء هؤلاء؟!
حقًّا إن سِيَر القديسين تطرد من نفوسنا كل محاربات الكبرياء والمجد الباطل، إن حاربنا العدو بها.
إن حاربتنا أفكار من جهة خدمتنا، وقارنَّا أنفسنا بسيرة بولس الرسول الذي تعب أكثر من جميع الرسل (1كو10:15). وبشَّر في أورشليم، وفي أنطاكية، وآسيا الصغرى، واليونان، وفي روما، ووصل إلى أسبانيا. وأسس كنائس لا حصر لها، وذاق متاعب لا توصف (2كو11). وكان يكتب رسائل، حتى وهو في السجن (أف1:4).. ألا تنسحق أنفسنا بهذه المقارنة وأشباهها؟!
ومهما انسحقنا لن نصل إلى اتضاع القديسين.
هؤلاء الذين على الرغم من كل فضائلهم، قيل إنهم كانوا يبكون على خطاياهم!! القديس مقاريوس الكبير بكى وأبكى كل المجمع معه. القديس موسى الأسود، القديس شيشوي، القديس باخوميوس الكبير.. ماذا كان يُبكي كل هؤلاء؟!
القديس أرسانيوس الذي كان يقف ليصلي وقت الغروب، والشمس خلفه، ويظل واقفًا في الصلاة حتى تشرق مرة أخرى من أمامه، يقال إنه سقطت رموش عينيه من كثرة البكاء. وكان يبلل خوصه بالدموع!! فأين هو اتضاعنا نحن مهما اتضعنا؟!
القديس مكاريوس الكبير مؤسس الرهبنة بالإسقيط سألوه بعد رؤيته لسائحين في البرية الجوانية، فقال: "أنا لست راهبًا، ولكنني رأيت رهبانًا"! القصص أمامنا لا تنتهي فلعلنا نكتفي بهذه..
إننا نُحارَب بالكبرياء، حينما نقارن أنفسنا بأمثلة حيَّة، نظن أننا أعلى منها!! أما حينما نقرأ سِيَر القديسين، فحينئذ يستد كل فم، وندرك أننا لا شيء..
التأثير الرابع لسِيَر القديسين: إنها تعطينا روح الحكمة والإفراز.
تعلمنا الطريق الصحيح الذي نسلك فيه..
ما أجمل ما نقرأه عن داود الملك، حينما أراد أن يشتري مكانًا لبناء الهيكل، ووافق أرونه اليبوسي أن يهبه كل شيء بلا مقابل، حينئذ رفض داود وقال: "لاَ، بَلْ أَشْتَرِي مِنْكَ بِثَمَنٍ، وَلاَ أُصْعِدُ لِلرَّبِّ إِلهِي مُحْرَقَاتٍ مَجَّانِيَّةً"(2صم24:24).
إننا نتعلم الحكمة أيضًا من أبيجايل: كيف أنها تمكنت من توبيخ داود النبي بطريقة ربحته بها (1صم25: 23 - 35).
نتعلم الحكمة من سير آباء البرية، حتى من الشباب الذين فيهم، أمثال القديسين يوحنا القصير الذي قيل إن الإسقيط كله كان مُعلَّقًا بإصبعه، ومثل تادرس تلميذ باخوميوس، ومن حكمة الشيوخ مثل الأنبا أغاثون والأنبا إيسيذورس وغيرهم..
إن حكمة الآباء كنز لمن يتعلم..
التأثير الخامس الذي نتعلمه من سِيَر القديسين: هو دوام النمو.
إنه صعود إلى فوق بغير حدود.. مثال ذلك بولس الرسول بكل مواهبه وخدمته وصعوده إلى السماء الثالثة. ومع ذلك يقول: "لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ أَوْ صِرْتُ كَامِلًا، وَلكِنِّي أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ. أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ. أَسْعَى نَحْوَ الْغَرَضِ"(في3: 12 - 14).
الدرجات العليا التي وصل إليها القديسون في كل فضيلة، تحثُّنا على أن نمتد إلى قدَّام، ولا نكتفي مهما وصلنا. فالطريق أمامنا طويل طويل.. والنعمة مستعدة أن تأخذ بأيدينا لنقطع فراسخ أولًا.. على آثار هؤلاء القديسين، إذ تعطينا سيرهم حرارة لا تخمد ولا تنطفئ..
أمور أخرى كثيرة نتعلمها من تأثير سِيَر القديسين فينا.
نتعلم كيف تكون اعترافاتنا أكثر دقة، إذ نكتشف تقصيرات عديدة في حياتنا، بالمقارنة بسيرهم.. نتعلم أيضًا أسلوب التخاطب مع الله في الصلاة، عندما نقرأ صلواتهم، وما فيها من دالَّة، وما فيها من اتضاع، ومن حب وحرارة.. نتعلم أيضًا أسلوبهم في التعامل مع الناس، وطريقتهم في مواجهة الحروب الروحية، وأسلوب الانتصار عليها.
إن الذي يقرأ سِيَر القديسين، يصير على الدوام في تغيُّر مستمر، إلى أفضل: أسلوبه يتغير، كلامه يتغير، معاملاته تتغير، محاولًا أن يصل إلى تلك الصورة عينها..
وبعد، أنا لا أدَّعي مطلقًا أنني وفَّيت هذا الموضوع حقه، فهو يحتاج إلى كتاب أو كتب. وكل ما ذكرته هو مجرد أمثلة.
وأترك لك أيها القارئ العزيز هذا الخِضَم الواسع من التأمل في فوائد سير القديسين. فلا شك أن هذا الموضوع قد يشمل الحياة الروحية كلها.
[1] من كتاب "سلسلة الوسائط الروحية" لقداسة البابا شنوده الثالث، الباب الثالث.
أهمية قراءة سير القديسين
أهمية قراءة سير القديسين[1]
أريد أن أنصحكم نصيحة وهي أهمية وفائدة قراءة سِيَر القديسين من الناحية الروحية.
اهتمام الكنيسة بسِيَر القديسين
سِيَر القديسين مفيدة جدًّا لتنشيط الحياة الروحية، والتشجيع على السَّيْر في طريق الله. والكنيسة تهتم جدًّا بهذا الأمر، لدرجة أنه في كل قداس يُقرأ السنكسار (وهو عبارة عن سِيَر القديسين)، لأنها تعرف أن معرفة هذه السّيَر مفيدة للإنسان.
وأيضًا الكنيسة تقرأ جزءًا من أعمالِ الرسل في الإبركسيس، لأجل سِيَر الآباء الرسل.
ومن مظاهر اهتمام الكنيسة بالقديسين وسِيَرهم هي الأعياد التي تُقيمها للقديسين، وفي هذه الأعياد تذكُر سِيرهم أيضًا.
كذلك الأيقونات التي توضع في الكنيسة لتُعطي فكرة عن هذا القديس، وتوقَدُ أمامها الشموع، على اعتبار أن هذا القديس كان نورًا للعالم.
وأيضًا المدائح والذوكصولوجيات التي تقدمها الكنيسة للقديسين... كل هذا لأجلِ أن تكون للقديسين مكانة جيدة في عقل الإنسان.
وأيضًا التَّسمّي بأسماء القديسين، ليس فقط تسمية الكاهن أو الراهب باسم قديس، بل نلاحظ حاليًا أن كثيرًا من أبنائنا الصغار تتم تسميتهم بأسماء قديسين أيضًا، مما يدل على اهتمامنا بالقديسين وبأسمائهم.
نوعيات مختلفة من القديسين
هؤلاء القديسون الذين نقرأ عنهم على أنواع، فهناك قديسون شهداء، وهناك أبطال للإيمان مثل القديس أثناسيوس، القديس كيرلس... وغيرهم. وهناك قديسون من معلّمي البيعة، ومعلّمي البيعة هم الذين نأخذ كتاباتهم كمراجع في الدين عمومًا. ومن أمثلة معلّمي البيعة مثلًا: القديس يوحنا ذهبي الفم، والقديس أغسطينوس... وغيرهما.
وهناك قديسون أيضًا من آباء الرهبنة، وقديسون من الرعاة أو رجال الإكليروس عمومًا. وهناك خُدَّام بعضهم علمانيين، مثل: إبراهيم الجوهري وحبيب جرجس. وهناك قديسو الكتاب المقدَّس، وأيضا هناك قديسون من الشباب مثل: تادرس تلميذ القديس الأنبا باخوميوس، ومثل القدِّيس يوحنا القصير. كما أنَّ هناك قدِّيسين من السيدات ومن الأطفال، وكلُّ واحدٍ يقرأ ما يترُك في نفسِه أثرًا، بمعنى أن أمامك كل هذه السِّيَر، وتقرأ منها ما يعجبك وما تتأثر به.
فضائل القديسين
هؤلاء القديسون أيضًا يمثّلون فضائل متعددة، بل ربما لا توجد فضيلة من الفضائل إلَّا ولها أمثلة في سِيَر القديسين، وبطريقة عالية جدًّا وسامية.
مثلًا في سِيَر القديسين تقرأ عن الصلاة، وعن العبادة عمومًا، عن الاتضاع، عن التوبة، عن العفة، عن النسك، عن الشجاعة، عن القوة، عن الحكمة، عن كلام المنفعة، عن الصمت، عن التسامح، عن الجهاد، عن العطاء، عن السمو الروحي.
فمن يقرأ سِيَر القديسين إما أن يقرأ سيرة تعطيه معنى معيَّنًا، أو يختار فضيلة ويقرأ سِيَر القديسين الذين اشتهروا بهذه الفضيلة.
- خذ مثلًا فضيلة العطاء، يمكن أن تقرأ سيرة الأنبا أبرآم أسقف الفيوم، أو سيرة الأنبا صرابامون أبو طرحة. وسيرة الأب يوحنا الرَّحوم الذي تأثر بآية: "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلًا فَاذْهَبْ وَبعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ..."(مت21:19). فباع كل ماله وأعطاه للفقراء، ثم أصبح لا يملُك شيئًا، وأخيرًا باع نفسه كعبد وأعطى ثمن نفسه للفقراء! لذلك تجدون أمثلة عجيبة جدًّا في سِيَر القدِّيسين. هذا مثلًا من جهةِ العطاء.
- من جهة التوبة، نجد سيرة القديس أغسطينوس، والقديس موسى الأسود، والقديسة بيلاجية، والقديسة مريم القبطية. وكلُّ هؤلاء تعطينا سِيَرهم فكرة عجيبة جدًّا وهي أنَّهم ليسوا فقط قد انتقلوا من الخطية إلى التوبة، بل انتقلوا من تائبين إلى قديسين، ومن قديسين إلى حياة الكمال.
- إلى جوار هؤلاء هناك أبطال الإيمان والشهداء، فهم يقدّمون لنا فكرة عن الشجاعة والقوة والاعتراف بالإيمان، واحتمال الألم. هناك أيضًا قديسون يعطون فكرة عن الصمت وفوائده، وقديسون يعطون فكرة عن كلام المنفعة، لدرجة أنَّ الكثيرين كانوا يأتون من أقاصي الأرض لأجلِ أن يسمعوا كلمة منفعة من آباء البرية.
لهذا كله قال مار إسحق: "شهية هي أخبار القديسين، مثل الماء للغروس الجدد"، بمعنى أنَّه عندما تغرس نباتًا جديدًا فإنَّه يحتاج إلى المياه، هكذا سِيَر القديسين بالنسبة لنا.
ما هي فوائد سِيَر القديسين؟
سِيَر القديسين تقدّم لنا القدوة الصالحة في الحياة الروحية، وليست مجرد قدوة عادية، وإنما ترينا أن المثاليات التي يتحدث عنها الكتاب المقدس يمكنُ تطبيقها عمليًّا في حياة الناس، فمثلًا آية: "اِذْهَبْ بِعْ كُلَّ مَا لَكَ.."(مر10) طبَّقها القديسون.
أيضًا الصلاة كل حين (لو18) طبَّقها القدِّيسون، الاحتمال، الاتضاع... طبَّقها القديسون.
كل المثاليَّات التي تبدو نظريًّا صعبة، قدَّم لها القديسون أمثلة عملية في حياتهم. ونحن عندما نقرأ عنهم نشعر أنَّه يمكننا أن نسلك في المثاليات، وندرِك أيضًا سهولة الحياة الروحية، لأن هناك البعضُ يعتقِد أنَّ بعضَ الوصايا صعبة، لا يستطيعُ الإنسان تنفيذها، لكن القديسون أثبتوا أنَّ جميع الوصايا سهلة وممكِنة.
من سِيَر القديسين نتعلَّم سائر الفضائل، ونتعلَّم أيضًا الطريقة المثالية للتعامُل مع الناس، بل نعرف أيضًا من صلوات القديسين أدب التخاطب مع الله، وكيف نتكلَّم مع الله، وما هي صفات الصلاة السليمة التي تأتي بنتيجة.
سِيَر القديسين تعلمنا أيضًا استمرار النمو الروحي، حتى يصل الإنسان إلى درجة الكمال بقدر إمكانياته، بمعنى أن لا يقف عند حد ويكتفي.
سِيَر القديسين أيضًا تعطينا فكرة عن الحكمة والإفراز في الحياة الروحية، وكيف يمكننا أن نجاوب ونتصرف بحكمة، مهما كان الأمر صعبًا. كما تعطينا فكرة أيضًا عن اشتهاء الفضيلة، مثل قصة راهب ذهب ذات مرة لرئيس الدير، وقال له: "يا أبي اصرفني من الدير لأذهب لدير آخر". فقال له رئيس الدير: "لماذا يا ابني؟ هل أتعبك أحد؟"، قال له: "المشكلة يا أبي أنَّه لا يوجد أحد يُتْعِبني، وأنا أريد أن آخذ فضيلة المغفرة للمسيئين، ولست أجد أحدًا يُسيء إليَّ، أريد أخذ فضيلة الاحتمال، ولا أجد أحدًا أحتمله. كلُّهم أناس صالحون". فعرف الأب أنَّه راهب يستمر في البحث عن الفضيلة حتى لو كانت تبدو صعبة.
سِيَر القديسين أيضًا تقوي الإيمان..
عندما نقرأ قصص أبطال الإيمان فإنها تقوي إيماننا. وعندما نقرأ قِصص الشهداء الذين بذلوا دماءهم وتحمَّلوا الآلام والتعذيب من أجل إيمانهم، كلّ هذا لا يقوي إيماننا فقط بل أيضًا يُخْجِلنا..! عندما نرى أنَّ إنسانًا من الممكن لأجل أن يطلّق امرأة أو يتزوَّج بأخرى يغيّر مذهبه أو يغيّر دينه! فنعرف كيف كان الشهداء يحيون بالقوة والثبات في الإيمان مهما حدث.
سِيَر القديسين أيضًا تجعلنا نحب القديسين، ونطلب شفاعتهم، ونحاول أن نتمثَّل بهم، وتُرشِدنا إلى الطريق الذي نسير فيه.
كيف نقرأ سِيَر القديسين؟
ما دامت سير القديسين مهمة بهذا الشكل، فلا بد أن نسأل: كيف نقرأ سِيَر القديسين؟ وكيف نستمع إليها؟ وكيف ننفّذها؟
بداية لا تُقلد تقليدًا أعمى، وخصوصًا إذا قرأتَ عن فضائل وصل إليها أحد القديسين بعد جهاد طويل وبعد مدة طويلة من الزمن، فتقوم أنت بالبدء بها! هذا غير معقول!! ما انتهى إليه القديسون تجعله أنت نقطة بدء؟ ولذلك من النصائح التى تُقدَّم في سِيَر القديسين: التدرُّج. انظر الفضيلة التي وصلوا إليها، وكيف يمكن أن تتدرَّج فيها خطوة خطوة حتى تصل إليها.
كذلك في تنفيذِ سِيَر القدِّيسين لا بَدَّ أن تضَع في ذهنِك، هل هي مناسبة لك أم لا؟ وهل مناسبة للجو الذي تعيش فيه أم لا؟ أي أن تقرأ سِيَر قديسين اشتهروا بالصمت، فإذا بك تصمت حين يجب الكلام، وحين يَحسُن الكلام لا تفتح فمك! هذا تقليد أعمى، ومن الجائز أنَّ الصمتَ لا يناسبك. أو أن تقرأ عن قديس كان يطوي الأيام صومًا لثلاثة أيام أو أربعة، فتقوم أنت بطيّ هذه الأيام صومًا، فلا تستطيع، وتتعَب وتُصاب بصِغَر نفس. إنَّما يجب أن تتدرَّج وتأخذ ما يناسبك من سِيَر القديسين. تنفّذ من سِيَر القديسين بقدر إمكاناتك، وبقدر الظروف المحيطة بك، ولا تيأس.
تقرأ مثلًا عن قديسين أتقنوا الصلاة الدائمة، فتبدأ بالصلاة الدائمة مثلهم ولا تعرف..! ولكن عليك أن تتدرَّج خطوة خطوة حتى تصل.. أو تقرأ عن قديسين عاشوا في الوحدة، فترغب في تقليدهم، وربما لا تناسبك الوحدة لأنه عليك واجبات اجتماعية، وعليك زيارات، وأمور أخرى لا تقدر معها على الوحدة.
عليك إذًا أن تأخذ روح الفضيلة، وليس شكلها.
تقرأ عن القديسين الذين تابوا وبكوا بكاءً مرًّا، أو كما يقول داود النبي: "أُعَوِّمُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ سَرِيرِي بِدُمُوعِي. أُذَوِّبُ فِرَاشِي"(مز6:6)، "مَزَجْتُ شَرَابِي بِدُمُوعٍ"(مز9:102)، فتظل تبكي على الدوام! لا، بل خُذ روح الانسحاق وروح الندم، ولا تأخذ الحرف؛ لأنَّ الحرف يقتل.
أيضًا عندما تقلّد ما يتاح لك من سِيَر القديسين، يجب أن تكون تحت إرشاد روحي، لأنَّ كثيرين سلكوا حسب فكرهم فضاعوا.. كما يجب أن تبتعد عن القفزات السريعة التي لا توصل. انظر أيضًا كيف كان القديسون يتصرَّفون في المناسبات المختلفة، فالقديس موسى الأسود كان صائمًا الصوم الكبير، لكن أتى إليه ضيوف فقدَّم لهم طعامًا، وأكل معهم، وقال لهم: "إكرام الضيف أن أفعل هكذا". أي أنَّه كان يسلُك بحكمة، وليس بطريقة حرفية.
ليتَ كل أحد يبدأ بأن يضع لنفسه نظامًا في قراءةِ سِيَر القديسين، وليس الموجود في السنكسار فقط، إنَّما هناك سِيَر كاملة عن أشخاص معيَّنين بها تفاصيل كثيرة. وحاوِل أن تنفّذ على قدر استطاعتك.
[1] عظة لقداسة البابا شنوده الثالث بعنوان "أهمية قراءة سير القديسين"، بتاريخ 13 ديسمبر 2006م
اتّباع سير القديسين
اتّباع سير القديسين[1]
كلما قرأت كتب سير القديسين، مالت نفسي إلى أن أصير مثلهم. وللأسف لا أقدر أن أفعل مثلهم. فبماذا تنصحون؟
كثيرون من الذين كتبوا مثاليات القديسين، ذكروا ممارسات وصل إليها القديسون، ربما بعد عشرات السنوات من الجهاد، دون أن يذكروا التداريب التي سلكوا فيها، أو الخطوات التدريجية التي اتبعوها حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه.
فهل تريد أنت – بمجرد القراءة – أن تمارس دفعة واحدة ما وصل إليه القديسون في عشرات السنوات؟!
ضع أمامك الفضيلة، ولكن الوصول إليها يحتاج إلى أمرين:
(أ) تدرُّج. (ب) إرشاد روحي.
انظر أيضًا إلى نقطة ثالثة هي مدى مناسبة هذه الفضيلة لك أنت بالذات، في نوع حياتك، الذي قد يختلف عن نوع حياة القديس الذي تقرأ له.
فمثلًا الصمت والصلاة الدائمة، يناسبان حياة الوحدة، ولكن من الصعب ممارستهما في الخلطة مع الناس.. وإلا يقع الشخص في إشكالات عملية، وربما يصطدم مع الناس..
كذلك الأصوام الانقطاعية الشديدة، ربما تناسب من يحيا حياة الانفراد، ولا تناسب حياة من يبذل مجهودًا جسمانيًّا كبيرًا، أو من هو في سن النمو...
عمومًا، من المفروض أن تكون في كل ممارساتك الروحية، تكون تحت إرشاد من أب حكيم مختبر، ولا تسلك حسب هواك لأن "الذين بلا مرشد، يسقطون مثل أوراق الشجر".. والمرشد سيحميك من التطرف، ومن الانحراف اليميني، ومن المغالاة، ومن القفزات الفجائية التي ليس لها أساس. لذلك لا تحزن إن كنت لا تستطيع الآن أن تنفّذ كل ما تقرأه عن القديسين. ربما تستطيع فيما بعد، بالتدريج.
كذلك نلاحظ أن كل قديس، كانت له فضيلته التي نبغ فيها، فهل تريد أنت أن تجمع جميع الفضائل لجميع القديسين، الأمر الذي يندر حدوثه.. كن معتدلًا.
[1]سؤال وجواب لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 28 أغسطس1981م
التأمل في سِيَر القديسين الذين أحبوا الله
التأمل في سِيَر القديسين الذين أحبوا الله[1]
إذا تأملت حياة القديسين الذين أحبوا الله، لا بد أنك ستحبه مثلهم. وبخاصة إذا تأملت الدالة العجيبة التي كانت بينهم وبين الله، وكيف منحهم الرب مكانة سامية، واعتبرهم كأصدقاء. الله يأتمنهم حتى على أسراره.
سِيَر القديسين ترفع القارئ إلى مستوى روحي عالٍ.
مستوى أعلى من المادة ومن العالم، وأسمى من الجسد ومن الخطية.. فتطرح العالم خارج القلب، لكي يسكن الله فيه. وهي غذاء روحي للنفس، كما قال مار إسحق: "شهية هي أخبار القديسين، مثل المياه للغروس الجدد".
تؤثر سِيَر القديسين في النفس، تدعو إلى التمثُّل بهم.
إن سيرة القديس الأنبا أنطونيوس التي كتبها القديس أثناسيوس لأهل روما، تركت تأثيرًا عميقًا جدًّا، لدرجة أن كثيرين زهدوا العالم، وأحبوا أن يعيشوا في حياة الوحدة مع الله، بل إن هذه السيرة كان لها تأثير عجيب جدًّا في حياة أغسطينوس، إذ قادته إلى التوبة والزهد، وحولته إلى قديس عظيم، أحبَّ الله جدًّا، وظهرت هذه المحبة في تأملاته التي تناقلها جيل بعد جيل.
كذلك فإن سِيَر قديسي البرية التي كتبها السائحون الذين زاروا رهبان مصر في القرن الرابع وبداية الخامس، ما أعظم الأثر الذي تركته في النفوس، حتى قادت عشرات الآلاف إلى حياة الرهبنة متفرغين لمناجاة الله في صلواتهم حيث عاشوا في البرية، بلا أنيس، بلا مُعزٍّ، تكفيهم متعتهم الروحية بعشرة الله ومحبته.
تأملوا أيضًا ما قيل عن القديسين: "لَمْ يَكُنِ الْعَالَمُ مُسْتَحِقًّا لَهُمْ"(عب38:11). قيل إن الأرض لم تكن مستحِقَّة أن يدوسوها بأقدامهم. ومن أجل صلواتهم كان الله يُنزِل المطر على الأرض..
كانوا صورة لله على الأرض، أو أنهم عادوا إلى الصورة الإلهية التي خُلِق بها الإنسان الأول. فكان كل من يراهم يحب أن يبقى معهم، لكي يتمتع بنفوسهم الشفافة التي تُظهِر حياة الله داخلهم (غلا20:2).
هؤلاء القديسون وهبهم الله عيونًا مفتوحة ترى ما لا يُرى.
كما طوَّب السيد المسيح تلاميذه قائلًا: "طُوبَى لِعُيُونِكُمْ لأَنَّهَا تُبْصِرُ"(مت16:13). وهكذا كان إليشع النبي يرى ما لا يستطيع تلميذه أن يراه. وهكذا صلى لكي يفتح الرب عيني ذلك الغلام لكي يرى، فرأى قوات الرب محيطة بالمدينة لتنقذها (2مل17:6).
حقًّا ما أعجب عينيّ يوحنا الحبيب اللتين رأتا كل ما سجله في سفر الرؤيا.
ما أجمل قوله: "نَظَرْتُ وَإِذَا بَابٌ مَفْتُوحٌ فِي السَّمَاءِ"(رؤ1:4)، ثم يقول: "وَلِلْوَقْتِ صِرْتُ فِي الرُّوحِ، وَإِذَا عَرْشٌ مَوْضُوعٌ فِي السَّمَاءِ، وَعَلَى الْعَرْشِ جَالِسٌ"(رؤ2:4). ثم شرح ما رآه من القوات السمائية، وعلاقتها بالله، وتسبيحها، ومنظرها وكرامتها.
وماذا نقول أيضًا عن بولس الرسول وصعوده إلى السماء الثالثة، حيث سمع أمورًا لا يُنطَق بها (2كو12: 2، 4).
وماذا عن الرؤى التي رآها قديسو الله عبر العصور سواء ما سجلها الكتاب مثل رؤى دانيال وحزقيال، أو ما وردت في تاريخ الكنيسة وهي لا تدخل تحت حصر، يعلن بها الرب إرادته لمحبيه، ويكشف لهم عن أمور مستقبلية، ويقويهم بها ويعزيهم.. اسأل عن ذلك أيها القارئ العزيز: القديس الأنبا أنطونيوس، والقديس الأنبا بيشوي، والقديس بولس البسيط، وغيرهم كثيرين..
حينما تقرأ عن كل هذا ألا تشتاق أن يعلن لك الله مثلهم؟ وكيف يعلن لك إن لم تحبه وتحيا في نقاوة القلب. وحينئذ لا ترى فقط رؤى، إنما كما يقول الرب في التطويبات: "طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ"(مت8:5).
يعاينون الله..؟! هذا مجد عظيم يا رب لا نستحقه.. ليتك إذًا تمنحنا نقاوة القلب هذه، مثلما منحتها لمحبيك..
يوحنا الحبيب أبصر الرب في شيء من مجده. والأنبا بيشوي رآه وغسل قدميه، وكثيرون رأوه في رؤى أو في أحلام، وسمعوا صوته.. ولا أريد هنا أن أتحدث عن قديسي العهد القديم، الذين رأوه وسلَّمهم رسائل ورسالات ليبلغوها للناس.
هؤلاء القديسون كانت لهم دالَّة عند الله..
اعتبرهم الله أصدقاء له يكشف لهم خططه ومشيئته، ويأخذ رأيهم، ويسمح لهم أن يناقشوه فيما يقول..
كما حدث مع أبينا إبراهيم قبل حرق سدوم، إذ قال الله: "هَلْ أُخْفِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ مَا أَنَا فَاعِلُهُ؟!"(تك17:18). وكشف له الرب الأمر. ودخل إبراهيم في حوار معه، بل إن إبراهيم في دالَّته مع الرب قال له: "أَفَتُهْلِكُ الْبَارَّ مَعَ الأَثِيمِ؟!"(تك23:18). "حَاشَا لَكَ أَنْ تَفْعَلَ مِثْلَ هذَا الأَمْرِ، أَنْ تُمِيتَ الْبَارَّ مَعَ الأَثِيمِ، فَيَكُونُ الْبَارُّ كَالأَثِيمِ. حَاشَا لَكَ! أَدَيَّانُ كُلِّ الأَرْضِ لاَ يَصْنَعُ عَدْلًا؟"(تك25:18). وظل في حوار مع الله، حتى قال الله له: إن وُجِد في المدينة عشرة من الأبرار "لاَ أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعَشَرَةِ"(تك32:18).
وبالمثل حدث مع موسى النبي، لما أراد الرب إهلاك الشعب بعد عبادتهم للعجل الذهبي..
لم يشأ الرب أن يفعل ذلك دون أن يخبر عبده موسى أولًا: "وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: رَأَيْتُ هذَا الشَّعْبَ وَإِذَا هُوَ شَعْبٌ صُلْبُ الرَّقَبَةِ.. فَالآنَ اتْرُكْنِي لِيَحْمَى غَضَبِي عَلَيْهِمْ وَأُفْنِيَهُمْ، فَأُصَيِّرَكَ شَعْبًا عَظِيمًا"(خر23: 9، 10). ولكن موسى لم يتركه يفعل هكذا. بل قال له في دالَّة: "لِمَاذَا يَا رَبُّ يَحْمَى غَضَبُكَ عَلَى شَعْبِكَ... اِرْجِعْ عَنْ حُمُوِّ غَضَبِكَ، وَانْدَمْ عَلَى الشَّرِّ بِشَعْبِكَ. اُذْكُرْ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَإِسْرَائِيلَ عَبِيدَكَ الَّذِينَ حَلَفْتَ لَهُمْ.."، ويسمع الرب لكلام موسى، يقول الكتاب: "فَنَدِمَ الرَّبُّ عَلَى الشَّرِّ الَّذِي قَالَ إِنَّهُ يَفْعَلُهُ بِشَعْبِهِ.."(خر32: 11- 14).
إن قرأت كل هذا، ألا يتأثر قلبك بهذه الدالَّة، وتحب أن يكون لك شيء منها في محبة متبادلة بينك وبين الله؟!
على أن هؤلاء القديسين كانت لهم دالَّة مع الله ومكانه عنده، حتى بعد وفاتهم.
فنرى أن الله لم يعاقب سليمان في حياته، وأبقى العقوبة إلى أيام ابنه رحبعام. وقال تعليلًا لذلك: "لأَجْلِ دَاوُدَ عَبْدِي"(1مل13:11). وظلَّ الرب يحتفظ بهذه المكانة لعبده داود، حتى إن المرتل يقول للرب في المزمور: "مِنْ أَجْلِ دَاوُدَ عَبْدِكَ لاَ تَرُدَّ وَجْهَ مَسِيحِكَ"(مز10:132)، "اُذْكُرْ يَا رَبُّ دَاوُدَ، كُلَّ ذُلِّهِ"(مز1:132).
بل أكثر من هذا، تسمَّى الرب بأسماء أحبائه.. فقال لموسى لما ظهر له في العليقة: "أَنَا إِلهُ أَبِيكَ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ"(خر6:3). واستخدم الرب هذه الآية في الرد على الصدوقيين من جهة القيامة (مت32:22).
ومن جهة الشريعة - مع أنها شريعة الله - إلا أنه ينسبها لموسى. فيقول: "اُذْكُرُوا شَرِيعَةَ مُوسَى عَبْدِي الَّتِي أَمَرْتُهُ بِهَا فِي حُورِيبَ عَلَى كُلِّ إِسْرَائِيلَ"(ملا4:4).
ويقال عن العذراء: "وَلَمَّا تَمَّتْ أَيَّامُ تَطْهِيرِهَا، حَسَبَ شَرِيعَةِ مُوسَى.."(لو22:2). وتتكرر عبارة شريعة موسى مرارًا، كما في (1مل3:2)، (نح1:8)، (دا11:9). وكذلك أيضًا عبارة: "نَامُوسِ مُوسَى"(يو23:7)، (أع39:13)، (أع5:15)، (عب28:10)، وبالمثل أسفار الكتاب تسمَّت أيضًا بأسماء محبيه. كما نقرأ سفر صموئيل، نحميا، وسفر أستير.. كل هذه الكرامة التي يمنحها الرب لأولاده، ألا تؤثر فيك لكي تحيا معه، وتنال بركته؟
أولاده أيضًا منحهم مفاتيح السموات والأرض (مت19:16).
"كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاءِ"(مت18:18)، ويقول لهم: "مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ"(يو23:20).. أي سلطان هذا؟ وهكذا أيضًا في العطايا. وفي صنع المعجزات. بل قال لهم عبارة عجيبة مذهلة وهي: "مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَالأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا يَعْمَلُهَا هُوَ أَيْضًا، وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا"(يو12:14).
إلى هذه الدرجة يا رب؟ من ذا الذي لا يحبك؟!
لقد استأمن الرب أولاده على مخازنه.. يعطون منها كما يشاؤون وتوافق مشيئتهم مشيئته.
ما أجمل قول الرب عن موسى النبي: "وَأَمَّا عَبْدِي مُوسَى فَلَيْسَ هكَذَا، بَلْ هُوَ أَمِينٌ فِي كُلِّ بَيْتِي... فمًا إِلَى فَمٍ وَعَيَانًا أَتَكَلَّمُ مَعَهُ... وَشِبْهَ الرَّبِّ يُعَايِنُ"(عد12: 7، 8).. بل ما أعجب قوله لذلك الابن: "يَا بُنَيَّ أَنْتَ مَعِي فِي كُلِّ حِينٍ، وَكُلُّ مَا لِي فَهُوَ لَكَ"(لو31:15)!! بل يقول الرب عن تلاميذه لله الآب: "وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي.."(يو23:17).
إنني أقف في حيرة ومبهوتًا أمام هذه العبارات الثلاث، أغوص في أعماقها لعلي أفهمها كما ينبغي... "أَمِينٌ فِي كُلِّ بَيْتِي"، "وَكُلُّ مَا لِي فَهُوَ لَكَ"، "أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي".
حقًّا ما أعمق محبة الله فائقة الوصف! وما أعجب كَرَمَه وجوده حينما يُعطي! ليس فقط لبنيه ولتلاميذه بل حتى لذلك الابن الذي كان في موقف جحود (لو15) ألا نحبه من أعماقنا، وهو بهذا الحب والجود؟!
فلنتأمل سِيَر أولئك القديسين، ونرى كيف أحبوه..
من أجله فضَّل دانيال أن يُلقَى في جب الأسود، عن أن ينكره وبهذا دخل في اختبار عجيب قال فيه: "إِلهِي أَرْسَلَ مَلاَكَهُ وَسَدَّ أَفْوَاهَ الأُسُودِ"(دا22:6).
والثلاثة فتية من أجله فضَّلوا أن يلقوا في أتون النار الملتهبة عن أن ينكروه، فتمتعوا بأمرين عجيبين جدًّا: ابن الله يسير معهم وسط النار والنار لم تؤذهم بشيء، وشعرة من رؤوسهم لم تحترق (دا3: 24 - 28).
وأبونا إبراهيم، من أجل إيمانه بالرب وطاعته له، رفع يده بالسكين ليقدم ابنه وحيده محرقة للرب، لأن محبته للرب كانت أعمق بما لا يقاس من محبة الابن الوحيد لذلك تمتَّع ببركة الرب، وبأن نسله كنجوم السماء ورمل البحر في الكثرة، "وَيَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ"(تك22: 16 - 18). ويُعوِزنا الوقت إن تحدثنا عن قصص الشهداء والمعترفين والكارزين وكل محبي الرب، وبركة الرب لهم، وما وهبهم من معجزات وظهورات وشفاعات سواء في حياتهم أو بعد وفاتهم.
وجميل أن نتذكر هنا كيف انتقل كثير من هؤلاء القديسين من عالمنا الفاني، وما كان بعد ذلك..
لنترك إلى حين قصة صعود إيليا إلى السماء (2مل11) وقصة أخنوخ وكيف أخذه الرب إليه (تك24:5). وقصة نياحة السيدة العذراء مريم وصعود جسدها. فهذه كلها حالات نادرة جدًّا لمستويات عالية. ولنستمع إلى قول الكتاب: "لِتَمُتْ نَفْسِي مَوْتَ الأَبْرَارِ، وَلْتَكُنْ آخِرَتِي كَآخِرَتِهِمْ"(عد10:23).. ولننظر:
روح الأنبا آمون، وكيف رآها القديس أنطونيوس، والملائكة تحملها في تهليل.. ولنقرأ عن القديس الأنبا كاراس السائح، وكيف حضر قديسون لاستقبال روحه. وأنشد له داود مزمور: "ارْجِعِي يَا نَفْسِي إِلَى رَاحَتِكِ، لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ أَحْسَنَ إِلَيْكِ"(مز7:116).. كذلك القديس اسطفانوس أول الشمامسة كيف في وقت استشهاده رأى "السَّمَاوَاتِ مَفْتُوحَةً، وَابْنَ الإِنْسَانِ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ"(أع7: 55، 56)، "وَرَأَوْا وَجْهَهُ كَأَنَّهُ وَجْهُ مَلاَكٍ"(أع15:6).
وماذا عن الذين فارقوا العالم في أيامنا. وكأن الحُجرَة وقت وفاتهم، وقد أضاء فيها نور، واشتمَّ الناس رائحة بخور.. أو الذين كانوا يرون رؤى معزية وقت انتقالهم. ويرقدون والابتسامة على وجوههم، والفرح في قلوبهم..
كل أولئك أحبوا الله، فجعل ساعة نياحتهم ساعة فرح..
وبعضهم أخبره الرب بوقت انتقاله، ومن أمثلة ذلك بعض الآباء السواح كما في قصة أبا نفر السائح، والقديس سيداروس المتوحد وآخرين. كذلك قصة القديسة مريم القبطية.
وما أكثر الذين ظهروا بعد وفاتهم لآخرين.
مثل القديس إغناطيوس الأنطاكي الشهيد الذي بعد أن ألقوة للأسود الجائعة وافترسوه، ظهر لزملائه المؤمنين في السجن وعزاهم وشجعهم.. وظهورات القديسين لا تدخل تحت حصر.. والبعض كانت تحدث معجزات أثناء تعذيبهم أو استشهادهم مما يجعل غير المؤمنين يؤمنون، كما في قصة مار جرجس. أو تفشل الطرق التي أرادوا قتلهم بها، مثلما حدث مع القديس يوحنا الحبيب، والقديس بوليكاربوس، والسم الذي أعدوه لمار جرجس.
أيضًا تأملنا في صفات القديسين الجميلة، يجعلنا نحبهم، ونحب صفاتهم، ونحب الله الساكن فيهم.. ألست ترى معي أن الموضوع طويل إن استرسلنا في الحديث. لذلك أعتبر ما ذكرته مجرد مثال، وأترك الباقي لتأملك الخاص..
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، بعنوان "كيف نحب الله (5)"، نُشر في جريدة وطني 29 مارس 2009م
الفصل الرابع فضائل في حياة القديسين
القديسون أنواع يجمعها تشابه[1]
قدم لنا الكتاب المقدس، كما قدم لنا تاريخ الكنيسة وسير القديسين، أنواعًا كثيرة من القديسين:
فمنهم أبطال الإيمان مثل القديس أثناسيوس الرسولي، ومنهم آباء الرهبنة كالقديس أنطونيوس الكبير. ومنهم رجال الرحمة كالقديس صرابامون أبو طرحة، والأنبا أبرآم أسقف الفيوم... ومنهم نسَّاك بلا صفة، كالقديس الأنبا رويس...
منهم أطفال مثل القديس أبانوب، والقديس قرياقوص ابن يوليطه. ومنهم شيوخ مثل القديس يوحنا الحبيب، ومثل تلميذه الشيخ بوليكاربوس. ومنهم شباب مثل مار مينا ويوحنا المعمدان.
منهم الرجال، ومنهم النساء.. منهم رجال الكهنوت، وأيضًا العلمانيون منهم البتوليون، وكذلك المتزوجون، منهم من فارق العالم شهيدًا، ومن فارقه معترفًا، ومن مات ميتة عادية.
إنهم أنواع لا تُحصَى، يقدمون أمثلة لكل أحد أيًّا كانت صفته.. ولكنهم على الرغم من هذا التنوع، يتشابهون في نقاط رئيسية..
يتشابهون في أنهم أحبوا الله من عمق أعماق قلوبهم.
من أجل هذا الحب، ترك بعضهم كل ملاذ العالم، وعاش كراهب. أو ترك الحياة كلها ومات شهيدًا. أو ترك الراحة والهدوء، وعاش مجاهدًا من أجل الإيمان أو الكرازة. أو فرَّق ماله على الفقراء..
وبمحبتهم لله، عاشوا على الأرض كغرباء يلتمسون وطنًا سمائيًّا..
ليس الرهبان منهم فقط، وإنما خادم كبولس الرسول، يقول وهو يخدم في العالم: "خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ وَأُوجَدَ فِيهِ"(في3: 8، 9).
وملك مثل داود يقول في مزاميره: "غَرِيبٌ أَنَا فِي الأَرْضِ، لاَ تُخْفِ عَنِّي وَصَايَاكَ"(مز19:119). "لأَنِّي أَنَا غَرِيبٌ عِنْدَكَ. نَزِيلٌ مِثْلُ جَمِيعِ آبَائِي"(مز12:39).
وإذ عاشوا هكذا، تشابهوا كلهم في نقاوة القلب وقداسته، وإنما كانت لكل منهم درجته في القداسة.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 21 أبريل 1989م
كيف صلَّى القديسون؟
كيف صلَّى القديسون؟[1]
يجب أن تأمل كيف كان القديسون يصلُّون؟ وكيف كانت محبتهم لله تظهر في صلواتهم.
أولئك الذين كانوا يكلّمون الله بقلوبهم، ولو صمتت ألسنتهم.. وكما قال الشيخ الروحاني: "سكّت لسانك، لكي يتكلم قلبك. وسكّت قلبك لكي يتكلم الله". ومن هنا يبدو أن صلواتهم كانت حديثًا متبادلًا مع الله: يحدثونه بقلوبهم، ويتحدث هو في قلوبهم. وفيما يتكلمون مع الله، يستمعون إلى صوته في قلوبهم.
وكل كلمة يقولونها في صلواتهم، كانوا يتعمقون في معناها جدًّا، ويلتذذون بها، حتى قيل عنهم: "ومن حلاوة اللفظة في أفواهم، ما كانوا يشاؤون أن يتركوها ليقولوا لفظة أخرى".
كانت كلمات الصلاة حلوة في أفواههم، ولها عمق وتأثير على نفوسهم، حتى كان يعزّ عليهم أن يتركوها إلى غيرها... أين هذا، من الذين يصلُّون، وهم لا يدركون معنى ما يقولون؟! أو يصلُّون بسرعة حتى ينتهوا من الصلاة ويعودوا إلى مشاغلهم!!
أما القديسون فمن حلاوة صلتهم بالله في صلواتهم، ما كانوا يريدون أن يختموا الصلاة، ويكتفوا بهذا الحديث الجميل بينهم وبين الله، وأثره العميق في نفوسهم.
كانت الصلاة لهم وقت متعة روحية، تَسبَح فيها الروح خارج نطاق الجسد والماديات..
كانت لذتهم في الصلاة، أو بمعنى أدق: لذتهم في العشرة الإلهية أثناء الصلاة ومن أجل هذه المتعة الروحية، تركوا العالم وكل ما فيه، لكي يتفرغوا لعمل الصلاة، حيث يتمتعون باللقاء مع الله، ويشعرون بوجودهم معه، أو بوجوده معهم.
وكثيرًا ما كانوا ينسون أنفسهم وكل ما يحيط بهم. مثلما حدث مع القديس يوحنا القصير الذي طرق الجمَّال بابه ليحمل عمل يديه من القفف ليبيعها. فكان في كل مرة يدخل قلايته ليحضر القفف له، يُختَطف عقله في الصلاة فينسى..
وكثيرًا ما كان الله ينعم على هؤلاء القديسين بحالة روحية أثناء الصلاة، فلا يدرون هم في الجسد أم خارج الجسد. كما حدث للقديس بولس الرسول (2كو12: 2، 3).
أحيانًا يتمتعون برؤى روحية، أو يدخلون في حالات من الدهش. أو يجدون عقلهم منشغلًا بكلام الصلاة. دون أي حركة إراداية منهم، بحيث لا يستطيعون إيقافه عن الصلاة، ولا يريدون. ولعل هذا بعض ما قصده الشيخ الروحانى بقوله: "ليتكلم قلبك"..
ويتمتعون أثناء صلواتهم بسيل من المعاني الروحية يتوارد على أذهانهم، وما كان يخطر على بالهم من قبل. وربما العبارة الواحدة تأخذ معنى جديدًا في كل صلاة، حتى ليقولوا مع داود النبي: "اكْشِفْ عَنْ عَيْنَيَّ فَأَرَى عَجَائِبَ مِنْ شَرِيعَتِكَ"(مز18:119).
تتحول صلاتهم إلى حب. ويتحول حبهم إلى مناجاة، وتتحول مناجاتهم إلى متعة روحية...
وفي هذه المتعة، يتمنون لو بقوا هكذا قائلين مع التلاميذ عند جبل التجلي: "يَا سَيِّدِي، جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ ههُنَا"(مر5:9)... وهذا يحدث حينما يكون المصلي في حالة روحية معينة، فيها الحب والعاطفة والفهم والتركيز، والانشغال الكلي بالله، والموت الحسي والعقلي عن كل ما حوله. ويذكرنا هذا بالقديس يوحنا الأسيوطي حينما سألوه: "ما هي الصلاة الروحانية؟" فأجاب: "هي الموت عن العالم"...
من أجل اختطاف عقلهم أحيانًا أثناء الصلاة، كانوا يصلون وهم وحدهم في مكان خلوتهم.
فلا يرى أحد مشاعرهم أثناء الصلاة، ولا ما يشغل عقلهم وقتذاك، أو ما يحدث لهم من رؤى أو من دهش... أو كيف يدغدغ حب الله حواسهم حتى ينطبق عليهم قول عذراء النشيد: "فَإِنِّي مَرِيضَةٌ حُبًّا"(نش5:2).
أما أنت يا أخي إن كنت لم تصل بعد إلى شيء من هذا
فنصيحتي لك أن تلتصق بالرب على قدر ما تستطيع أثناء الصلاة، وتبعد نفسك عن طياشة الفكر، وتركز ذهنك في كلمات الصلاة، وتصحبها بكل عواطفك ومشاعرك. وكلما حان انتهاء الصلاة، حاول أن تستمر، وأن تقول للرب: "امكث معي يا سيدي"(لو29:24).. وحاول في بعض الأوقات أن ترتفع عن مستوى الطلب.
وتدرَّب في صلاة الحب، أن يكون طلبك الوحيد هو الله وليس غيره.
كما قال داود النبي: "طَلبْتُ وجْهَك، ووَجْهَك يَا رَبُّ ألْتمِسُ. لا تَحْجبْ وجْهَك عنِّي"(مز27: 8، 9).. مثل هذه الصلاة تعبر عن الحب.
اتخذ الله صديقًا لك، وحبيبًا، وراعيًا وحافظًا ومرشدًا. وافهم في قلبك تمامًا أنك لا تستطيع الاستغناء عن محبته لحظة واحدة ولا طرفة عين. حينئذ تجد المحبة التي في قلبك قد ظهرت في صلاتك.
[1] من كتاب "المحبة قمة الفضائل" لقداسة البابا شنوده الثالث، الفصل التاسع من الباب الثالث
سهر القديسين
سهر القديسين[1]
ليتكم تتأملون في سهر القديسين... أتذكر أنني في إحدى المحاضرات منذ أعوام، طلبت منكم – كتدريب روحي - أن تتأملوا في موضوع (ليالي القديسين)، وتجمعوا من سير القديسين كل المعلومات المتعلقة بهذا الموضوع.. وطبيعي أن القديسين كانوا يقضون لياليهم في العمل الروحي: في الصلاة، والتسابيح، والتأمل، وأحيانًا في القراءة الروحية أو في التلاوات الروحية..
القديس أرسانيوس، كثيرًا ما يقضي الليل واقفًا يصلي..
وهو رافع يديه نحو السماء.. كان يقف متجهًا إلى الشرق وقت الغروب، والشمس خلفه. ويظل واقفًا يصلي حتى تطلع الشمس من أمامه. وكان يقاوم النوم..
والقديس الأنبا بيشوي، كانت له طريقته في السهر..
كان يقضي الليل ساهرًا. وإذ يخشى أن يغلبه النوم كان يربط شعره بسلسلة مثبَّتة في الحائط، حتى إذا غفا من ضعف الجسد، تشده السلسلة فيصحو. وهكذا يُرغِم جسده على السهر. وكما قال السيد المسيح: "أَمَّا الرُّوحُ فَنَشِيطٌ وَأَمَّا الْجَسَدُ فَضَعِيفٌ"(مت41:26).
على أن الأقوياء في الروح، لا يخضعون لضعف الجسد، بل يرغمونه – أراد أو لم يرد – على السهر مع الروح، والاشتراك معها في عملها الروحي.
على أن أعجب ما قرأته عن سهر القديسين، هو تدريب القديس مقاريوس الإسكندري[2]..
دخل في تدريب شديد جدًّا، قضى فيه عشرين يومًا "لم يطبق فيه جفنًا على جفن" حتى قال: "أحسست بعدها أن أعصاب مخي قد يبست".
كل ذلك وهو سهران، ليلًا ونهارًا، وقائم في الصلاة، بعقل مجتمع غير مشتت، وبسيطرة عجيبة على جسده وفكره، مفضلًا الصلاة على الراحة..
كان سهر القديسين مصحوبًا بالصلاة والميطانيات، وأيضًا بالدموع.
ولعلكم قرأتم في البستان قصة ذلك الراهب الحريص الذي كان مشهورًا بدموعه في الصلاة. وكان له صديق يهتم ببستان وقد طلب منه أن يساعده في ري هذا البستان. فأجابه هذا الراهب الحريص بقوله: "اذهب أنت اروِ بالنهار، وأنا أروي بالليل"، يقصد دموعه التي يروي بها نفسه العطشانة إلى الله.
يعوزنا الوقت إن تحدثنا عن كل قصص القديسين..
فالسهر عمل أساسي في حياة الآباء، وعنصر روحي ما كانوا يستغنون عنه. ويمكنك أن تقرأ عن ذلك في كتب بلاديوس، وچيروم، وكاسيان، وروفينوس، وبستان الرهبان، والسير المتفرقة عن حياة قديسي البراري.
و"سهر الليل في الصلاة"، عبارة وردت في طقس سيامة الرهبان، كما قيل عنهم في إحدى مدائح شهر كيهك: "سهارى ليلًا ونهارًا، صارخين قائلين قدوس".
على أن السهر ليس فضيلة خاصة بالرهبان وحدهم.. إنما السهر فضيلة للخدام أيضًا، ولجميع الناس..
فالقديس بولس الرسول يتحدث عن خدمته وخدمة زملائه أيضًا فيقول: ".. فِي كُلِّ شَيْءٍ نُظْهِرُ أَنْفُسَنَا كَخُدَّامِ اللهِ: فِي صَبْرٍ كَثِيرٍ، فِي.. فِي أَسْهَارٍ، فِي أَصْوَامٍ.."(2كو6: 4، 5).
وهكذا ترينا طريقة معاملته للجسد: يسيطر عليه من جهة الطعام، فيقدم له الأصوام. ويسيطر عليه من جهة النوم، فيقدم له الأسهار.. وبهذا يظهر نفسه كخادم (وليس كراهب..).
وكما كان بولس الرسول، كان داود الملك أيضًا...
وهو أيضًا خادم للرب، في ميدان آخر.. هذا نسمعه يقول: "إنّي لا أدْخُل إلَى مَسْكنِ بَيْتي، ولا أصْعَدُ عَلَى سَريرِ فِراشي. ولا أُعْطي لِعَيْني نَوْمًا، ولا لأجْفاني نُعاسًا، ولا لصدْغي راحَةً. إلَى أنْ أجِدَ مَوْضِعًا لِلرَّبِّ.."(مز132: 1 - 5).. ومزامير داود مملوءة بحديثه عن سهره بالليل في الصلاة..
إن الذين تعودوا السهر مع الله، إذا ناموا تكون قلوبهم أيضًا معه..
هؤلاء إذا ناموا، يحلمون بالإله المحبوب الذي يملأ قلوبهم.. ويقول مار إسحق عن نوم هؤلاء، إن خيالات أحلامه أطهر وأقدس من صحو غيرهم ممن لا يعملون عملًا روحيًّا مثلهم.. لا شك أن الذي ينشغل في النهار بعمل روحي، يملأ ذهنه بالأفكار الروحية. ويملأ قلبه بالمشاعر المقدسة: هذا إذا نام، تخرج من عقله الباطن في نومه صور روحية جميلة، وربما يصلي أيضًا وهو نائم، أو تكون له في أحلامه تأملات روحية عميقة..
هل نتطرَّق من هذا الموضوع إلى موضوع (أحلام القديسين)؟!
إنها أحلام في نوم. ولكنه نوم أقدس من سهر كثيرين.. هل نتكلم عن السلم الذي رآه أبونا يعقوب واصلًا بين السماء والأرض، وكان الملائكة القديسون يصعدون وينزلون عليه (تك28). أم نتكلم عن أحلام يوسف الصديق، أو أحلام دانيال النبي، وأحلام قديسي البراري، وأحلام قديسي الخدمة، والرؤى المقدسة في حياة هؤلاء وأولئك.
ما رآه بولس الرسول، وما رآه يوحنا الحبيب، وما رآه أنطونيوس الكبير، وما رآه هرماس (في كتابه: الراعي).
إن موضوع (أحلام ورؤى القديسين) موضوع طويل، ربما يحتاج إلى كتاب خاص. فأعتذر اليوم عن الخوض في تفاصيله، وأرجع إلى حديثنا عن السهر الروحي.. وأكتفي بأن أقول أن هناك نومًا عند البعض أقدس من صحو عند آخرين. وأقول أيضًا:
إن كان لك سهر روحي مقدس، يكون لك أيضًا نوم روحي مقدس..
وإن رفعت عينيك إلى الله في سهرك، تستطيع حينما تطبقهما أن تراه أيضًا. وكما قال أحد الأدباء الروحيين:
أغمضتُ عينيَّ، لكي أراك..
ما علاقتك إذًا بالليل، وسهر الليل، وإله الليل؟
الليل الذي ليس لك عذر فيه.. ولا تستطيع أن تقول عنه كما تقول في صلاتك عن النهار: "ثقل النهار وحره، لم احتمل لضعف بشريتي".
وهوذا الليل أمامك، لا ثقل فيه ولا حَر..
نعود ونكرر عبارة مار إسحق: الليل مفروز لعمل الصلاة. ويقول القديس بولس الرسول: "وَاظِبُوا عَلَى الصَّلاَةِ سَاهِرِينَ فِيهَا بِالشُّكْرِ"(كو2:4).. هنا ونتذكر العبارة التي قالها رئيس النوتية موبخًا بها يونان النبي: "مَا لَكَ نَائِمًا؟ قُمِ اصْرُخْ إِلَى إِلهِكَ (يونان6:1).
قم ساهرًا في الليل، حسب دعوة الكنيسة التي تقول: "قوموا يا بني النور، لنسبّح رب القوات، ليُنعِم علينا بخلاص نفوسنا". ثم نقول للرب: "عندما نقف أمامك جسديًّا، أعطنا يا رب يقظة، لكي نفهم كيف نقف أمامك وقت الصلاة" (صلاة نصف الليل)..
وقم أيضًا باكرًا من النوم، وقل مع داود النبي في المزمور: "سَبقتْ عَيْنايَ وَقت السَّحَر لأَتلو في جَميعِ أقوالِكَ"(مز62:119). حقًّا أين نهرب من هذه الآية؟
اسهروا يا إخوتي وصلوا، حسب أمر الرب لنا..
لا تجعلوا عيونكم تثقل بالنوم، ولا أجسادكم تثقل بالنوم...
مارسوا السهر حتى يصبح لكم عادة. ولتكن أجسادكم نشيطة، وأرواحكم أيضًا نشيطة. اسهروا مع الرب، لأنه يوبخنا بقوله: "أَهكَذَا مَا قَدَرْتُمْ أَنْ تَسْهَرُوا مَعِي سَاعَةً وَاحِدَةً؟"(مت40:26).
[1] من كتاب "السهر الروحي" لقداسة البابا شنوده الثالث.
[2] اقرأ كتاب "الثلاثة مقارات" الذي أصدره دير السريان في أواخر الخمسينات.
الدموع في حياة القديسين
الدموع في حياة القديسين[1]
1- القديس أرسانيوس من القديسين الذين اشتهروا كثيرًا بالبكاء...
حتى قيل إن رموش عينيه تساقطت من كثرة البكاء. وتكوَّن أخدودان (حفرتان) على كل خده من كثرة البكاء. وكان في الصيف يبلل الخوص بدموعه. وكان يضع على ركبتيه قطعة من القماش تسقط عليها دموعه.
وفي ساعة موته بكى كثيرًا، فقال له تلاميذه: "حتى أنت يا أبانا تخاف من هذه الساعة؟!"، فقال لهم: "إن فزع هذه الساعة ملازم لي منذ دخلت إلى الرهبنة"...
إن كان القديس العظيم أرسانيوس يبكي هكذا، فماذا نقول نحن عن أنفسنا؟
وماذا نقول عن فزع تلك الساعة الذي كان يلازمه؟! ويلازم من؟ يلازم أرسانيوس العظيم مثال الوحدة والصمت في بستان الرهبان، الذي كان البابا ثاؤفيلس يشتهي أن يقابله. وكان القديسون يقولون له: "لماذا تهرب منا يا أبتاه؟!" فيجيب: "يعلم الله أنني أحبُّكم جميعًا. ولكنني لا أستطيع أن أتكلم مع الله والناس في نفس الوقت".
أرسانيوس العظيم الذي كان يقف للصلاة وقت الغروب، والشمس وراءه، ويظل واقفًا يصلّي حتى تشرق أمامه من جديد، ويقضى الليل طوله في الصلاة...
أرسانيوس المتضع، مُعَلّم أولاد الملوك، الذي كان يستشير ذلك المصري الأمي، ويقول له إنه لم يعرف بعد ألفا بيت التي يتقنها ذلك المصري. بل يقول أيضًا إنه تعلم اللاتينية واليونانية، ولكنه لم يعرف بعد كيف يُنقي الفول مع رهبان الإسقيط.
أي خطايا فعلها القديس أرسانيوس حتى كان يبكي ويفزع من تلك الساعة؟!
هل بعد كل هذا نُسرع نحن إلى العزاء والفرح من مبدأ الطريق، ونتباهى بأن خطايانا قد غُفِرت؟! ونبحث عن المواهب؟! ونطالب بنصيبنا في الميراث؟! وننسى أنفسنا!!
صدق داود النبي الذي اختبر الدموع جيدًا في حياته فقال: "الَّذِينَ يَزْرَعُونَ بِالدُّمُوعِ يَحْصُدُونَ بِالابْتِهَاجِ"(مز5:126).
قيل إنه لما حانت وفاة القديس، البابا ثاؤفيلس، قال: "طوباك يا أنبا أرسانيوس، لأنك بكيت طول حياتك من أجل هذه الساعة".
2- وعندما سمع الأنبا بيمن أن القديس أرسانيوس قد تنيح، قال: "طوباك يا أنبا أرسانيوس لأنك بكيت على نفسك في هذا العالم...".
"لأن الذي لا يبكي على نفسه في هذا العالم، لا بدَّ سيبكي إلى الأبد في العالم الآخر. أما بكاؤه ههنا فباختياره. ولكن هناك بسبب ما يناله من عقاب". "ولكن من المحال أن يفلت إنسان من البكاء هنا وهناك".
صدق داود النبي الذي اختبر الدموع جيدًا في حياته فقال: "الَّذِينَ يَزْرَعُونَ بِالدُّمُوعِ يَحْصُدُونَ بِالابْتِهَاجِ"(مز126: 5).
3- من أشهر الأمثلة أيضًا في الدموع: القديس إيسيذورس قس القلالي.
كان تحت إشرافه ثلاثة آلاف راهب. وكان يرى رؤى. وكانت الشياطين تخافه وتهرب منه، وبسهولة كان يخرج الشياطين..! وفي إحدى المرات ظهر له الشيطان وقال له: "أما يكفيك أننا لا نستطيع أن نمر على قلايتك، ولا على القلاية التي جوار قلايتك، وأخ واحد كان لنا في البرية، جعلته يعتدي علينا بصلاته في النهار والليل"...
ومع ذلك كان القديس إيسيذورس يبكي بدموع غزيرة. وكان يجهش بالبكاء بصوت عالٍ، لدرجة أن تلميذه في الغرفة المجاورة سمعه يبكي، فدخل عليه وقال له: "لماذا تبكي يا أبي؟"، فأجابه القديس: "إنني يا ابني أبكي على خطاياي"... فقال له التلميذ: "حتى أنت يا أبانا، لك خطايا تبكي عليها؟!"، فأجابه: "صدقني يا ابني، لو كشف الله لي كل خطاياي، ما كان يكفي لو اجتمع ثلاثة أو أربعة معي للبكاء عليها"!
هؤلاء القديسون كانت لهم حساسية شديدة من جهة أن الخطية خاطئة جدًّا، وأنها تجرح قلب الله المحب.
ما كانوا يفكرون في عقوبة الخطية، إنما كانوا يفكرون في مشاعر الله، وأنهم لم يرضوه بعد، على الرغم من السمو العظيم الذي وصلوا إليه في الحياة الروحية. ويرون أن هذا (التقصير) إذا ما قيس بالكمال الذي يتطلعون إليه، هو الخطية التي يبكون عليها بدموع...
4- ومن القديسين الذين بكوا بدموعهم القديس باخوميوس أب الشركة.
حتى إن تلاميذه - بعد صلاته - وجدوا الأرض التي كان واقفًا عليها مبللة بالدموع.
5- وكان القديس مقاريوس الكبير مشهورًا أيضًا بالدموع.
ولما قرُبت أيام انتقاله، سأله الآباء أن يأتي إليهم ليتباركوا منه قبل رحيله، بدلًا من أن ينتقل كل سكان الجبل إليه. فلما جاءهم، تجمعوا حوله، وطلبوا منه كلمة منفعة فبكى القديس وقال لهم: "فلنبكِ يا إخوتي، ولتفض عيوننا بالدموع، قبل أن نذهب إلى المكان الذي فيه تحرق دموعنا أجسادنا".. فبكوا كلهم وسقطوا على وجوههم قائلين: "صَلّ عنا أيها الأب".
6- ومن الذين اشتهروا بالدموع: القديس بفنوتيوس تلميذ وخليفة القديس مكاريوس الكبير.
وكان منذ شبابه المبكر ناميًا في حياة القداسة، وكان كل الآباء معجبين به ويحبونه، حتى إنه أصبح رئيس الإسقيط بعد القديس مقاريوس.
حكى هذا القديس لأولاده فقال: "حينما كنت صبيًّا، وجدت خيارة وقعت على الأرض من الجمَّالين، فأخذتها وأكلتها. وكلما تذكرت هذه القصة أبكي"... حدث هذا وهو صغير، وترهَّب، ونما في النعمة، وصار رئيسًا للإسقيط، وكان يخرج الشياطين، وكان البابا ثاؤفيلس يشتهي سماع كلمة منفعة من فمه... ومع ذلك كلما تذكَّر تلك القصة يبكي...
ليس البكاء هنا لكي يغفر له الرب خطية. فإن داود النبي قد بكى بعد أن غفر له الرب خطيته. بعد أن قال له ناثان النبي: "الرَّبُّ أَيْضًا قَدْ نَقَلَ عَنْكَ خَطِيَّتَكَ. لاَ تَمُوتُ"(2صم13:12).
إن الإنسان الحساس لا يبكي فقط من أجل طلب المغفرة. إنما يبكي حزنًا على نفسه وكيف وصل إلى مستوى السقوط، وكيف أحزَنَ الروح القدس الساكن فيه، وبكل جرأة كسر وصايا الله المحب، الذي خلقه على صورته ومثاله، ففقد هذه الصورة بخطاياه.
ابْكِ يا أخي ههنا لكي يمسح الرب عينيك.
ولكنك إن لم تبكِ ههنا، فما الذي سيمسحه المسيح من عينيك في العالم الآخر؟! إن الذي لا يبكي ههنا، تنفجر من عينيه ينابيع دموع اليأس التي لا يمسحها أحد. دموع لا تستطيع أن تطفئ النار المحيطة به. مما يدعو إلى الملاحظة أن الكنيسة تدعونا إلى البكاء على خطايانا في كل يوم، في صلاة الهجعة الثانية من صلاة نصف الليل، حيث نقول: "أعطني يا رب ينابيع دموع كثيرة، كما أعطيت في القديم للمرأة الخاطئة، واجعلني مستحقًّا أن أبل قدميك اللتين أعتقتاني من طريق الضلالة، وأقدم لك طيبًا فائقًا، وأقتني لي عمرًا نقيًّا بالتوبة"..
وهكذا نضع أمامنا إنجيل المرأة الخاطئة (لو7). لنصليه كل يوم في نصف الليل ونأخذ درسًا من دموعها وتوبتها. ويقف كل منّا ليصلي أمام الله ويقول: "أعطني يا رب ينابيع دموع كثيرة، لأبكي على كبريائي وغضبي وقسوتي ونجاستي، وتقصيري، وأخطائي باللسان والقلب والفكر... محبتي لك وللناس، وقلة جديتي في روحياتي، وقلة حرصي على حفظ وصاياك"...
ما أكثر ما قاله الآباء القديسون عن البكاء والدموع.
سأل أخ القديس الأنبا بيمن قائلًا: "ماذا أفعل من جهة خطاياي؟" فأجابه: "إن الذي يريد أن تُمحَى خطاياه، يستطيع هذا بالبكاء. لأن البكاء هو الطريق الذي علَّمنا إياه الكتاب. والآباء أيضًا كانوا يبكون باستمرار. ولا يوجد طريق آخر غير هذا".
سأل الأنبا نوح القديس مقاريوس: "قل لي كلمة منفعة". فقال له الشيخ: "اهرب من الناس". فسأله الأنبا نوح: "ماذا تعني يا أبي بأن أهرب من الناس؟". فقال له الشيخ: "اجلس في قلايتك وابكِ على خطاياك".
وقال الشيخ الروحاني: "طوبى للذين احترقت خدودهم بدموع محبتك. فإن هذه الدموع تروي الأرض الناطقة التي احترقت بالنار، فتعطي ثمار الروح".
إن الله يطلب منا أن نبكي باستمرار، ويقول لنا في سفر يوئيل النبي: "ارْجِعُوا إِلَيَّ بِكُلِّ قُلُوبِكُمْ، وَبِالصَّوْمِ وَالْبُكَاءِ وَالنَّوْحِ"(يوئيل12:2). ويقول في سفر ملاخي النبي: "مُغَطِّينَ مَذْبَحَ الرَّبِّ بِالدُّمُوعِ، بِالْبُكَاءِ وَالصُّرَاخِ"(ملا13:2).
نحن محتاجون إلى هذه الدموع، طالما نحن على الأرض، يكفي أن ربنا يسوع المسيح قال في تطويباته: "طُوبَاكُمْ أَيُّهَا الْبَاكُونَ الآنَ..."(لو21:6)... وعبارة (الآن) تعني هنا على الأرض. وعبارة: "لأنكم تتعزُّون" تعني هناك في السماء. لأن الدموع من ثمارها العزاء...
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 2 مارس 1990م، أيضًا نشر قداسة البابا شنوده كتابًا بعنوان "الدموع في الحياة الروحية".
لقاءات القديسين
لقاءات القديسين[1]
قد يجتمع اثنان خاطئان. فكل منهما يجذب الآخر إلى أسفل، ويملأ سمعه وفكره وقلبه بما لا يفيد...
وقال أحد القديسين: إذا سرت مع إنسان قديس من قلايتك إلى الكنيسة، يقدمك في الحياة الروحية عشر سنوات، وإن سرت مع إنسان منحل، يؤخرك خمسين سنة.
لهذا ينبغي أن نحسن اختيار الأشخاص الذين نلتقي بهم...
نتخير نوع الشخص، ونوع الجلسة، ونوع الحديث، حتى لا تنحسر أرواحنا من مشورة الأشرار، ومن مجالس المستهزئين (مز1).
نقرأ في بستان الرهبان أن كثيرين كانوا يتكبدون الأسفار، ويعبرون البحار، والبراري والقفار، لمجرد سماع كلمة منفعة من راهب.
فلقاءات القديسين فيها كلام المنفعة، وفيها أيضًا المنظر الروحي
قابل البعض القديس الأنبا أنطونيوس، وسألوه في أمور. وشخص آخر لم يسأل، وإنما قال للقديس: "يكفيني مجرد النظر إلى وجهك يا أبي". مجرد النظر إلى وجه القديسين كانت فيه منفعة روحية.
لذلك كان قديسون يتقابلون، ويجلسون صامتين، ويستفيدون روحيًّا...
مثال ذلك: اللقاء بين البابا ثاؤفيلس والأنبا بفنوتيوس. قال الأنبا بفنوتيوس: "إن لم يستفد من سكوتي، فمن كلامي أيضًا سوف لا يستفيد". لأن الذي يريد أن يستفيد، ممكن أن يستفيد من السكوت.
لقاءات القديسين مملوءة من النفع الروحي: فيها كلمة المنفعة، وفيها القدوة الصالحة، والروح الطيبة التي يمتصها الشخص من الآخر. وفيها أيضًا البركة. يكفي أن تقابل قديسًا لمجرد أخذ بركة...
لقاءات القديسين في الكتاب
من هذه اللقاءات التاريخية: مقابلة إبراهيم أب الآباء لملشيصادق (تك4).
ملشيصادق ملك ساليم، وملك البر، وكاهن الله العلي. قدَّم إبراهيم في هذا اللقاء العشور، وقدم ملشيصادق خبزًا وخمرًا. ومن العجيب أنه لقاء كان يحمل أيضًا رموزًا روحية، ونبوءات...
كذلك من المقابلات التاريخية، لقاء إبراهيم بضيوفه الثلاثة (تك18)
لقاء ظهرت فيه روح البساطة، إذ ركض إبراهيم لاستقبالهم وهو شيخ، بروح الاتضاع، إذ سجد لهم إلى الأرض وقال: "يَا سَيِّدُ، إِنْ كُنْتُ قَدْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ فَلاَ تَتَجَاوَزْ عَبْدَكَ"(تك3:18). وروح الخدمة والكرم؛ إذ غسل أرجلهم وذبح لهم وأحضر طعامًا كثيرًا. كما ظهرت في هذا اللقاء مواعيد الله، وظهرت محبة إبراهيم وتشفعه في أهل سدوم.
لا شك أنه ما كان يعلم أن ضيوفه هم الرب وملاكان معه، وإلا ما كان ذبح لهم ويقدم زبدًا ولبنًا وخبزًا...
ومن لقاءات المحبة المشهورة في الكتاب: لقاء داود ويوناثان.
إنه لقاء الحب، والإخلاص، والعهود. وقف فيه يوناثان ضد أبيه من أجل محبته لداود مسيح الرب. وقف ضد الملك وتعرَّض لإيذائه، وضحَّى بنفسه لينقذ صديقه. وبكى الاثنان، وظل داود زمانًا طويلًا يذكر محبة يوناثان. وقال بعد وفاته: "قَدْ تَضَايَقْتُ عَلَيْكَ يَا أَخِي يُونَاثَانُ. كُنْتَ حُلْوًا لِي جِدًّا. مَحَبَّتُكَ لِي أَعْجَبُ مِنْ مَحَبَّةِ النِّسَاءِ"(2صم26:1). ولما صار ملكًا، ظل يبحث: هل بقى هناك أحد من بيت شاول، لأقدم له معروفًا، لأجل يوناثان...
هناك أيضًا لقاءات للقديسين خاصة بالخدمة كلقاء بولس بتيموثاوس، كاجتماع الرسل في مجمع أورشليم.
قال له: "بَادِرْ أَنْ تَجِيءَ إِلَيَّ سَرِيعًا،... خُذْ مَرْقُسَ وَأَحْضِرْهُ مَعَكَ لأَنَّهُ نَافِعٌ لِي لِلْخِدْمَةِ"(2تي4: 9 - 11). وتقابل الثلاثة لأجل الخدمة.
هناك لقاءات أخرى للتصافي، كلقاء يوسف الصديق بإخوته
بكى وبكوا، وغفر لهم، وتصافوا، وأعطاهم من حُبّه، وأعطاهم أرضًا ورزقًا وصفحًا، وأراح قلوبهم، وكفكف دموعهم...
ولعل أعظم اللقاءات في التاريخ لقاء السيد المسيح بالمعمدان
منذ زمان كان يوحنا يشتاق إلى هذا اللقاء... وهو لقاء ظهر فيه تواضع الرب العجيب، وظهر فيه الروح القدس كحمامة، وسمع فيه صوت الآب. إنه يوم الظهور الإلهي...
من اللقاءات الجميلة أيضًا لقاء موسى وإيليا على جبل التجلي، مع الرب في وسطهم...
كذلك لقاء فيلبس بالخصّي الحبشي، حيث شرح له سفر إشعياء، وقاده إلى الإيمان وإلى العماد أيضًا. حدثه عن الأمور المختصة بالملكوت كما حدَّث المسيح تلاميذه، وكما شرح لتلميذي عمواس...
جميل فى لقاءات القديسين، التقاؤهم حول كلمة الله..
لقاءات للقديسين، في التاريخ
من أشهر هذه اللقاءات، لقاء الأنبا أنطونيوس بالأنبا بولا..
بهذا اللقاء عرفنا سيرة الأنبا بولا، وعرفنا السياحة، وجلس القديسان يتحدثان عن عظائم الله، وعن عمله في الكنيسة... لقاء شعر فيه الأنبا أنطونيوس العظيم بضآلة شأنه، وأن هناك من هو أعظم منه في حياة الرهبنة.
وكما أخذ القديس أنطونيوس درسًا في الاتضاع من لقائه بالأنبا بولا، كذلك اتضع القديس مقاريوس عندما التقى بالسائحين..
رجع مكاريوس العظيم الأب الروحي لبرية شيهيت وقال لتلاميذه: "إنني لست راهبًا، ولكنني رأيت رهبانًا"...
من اللقاءات المشهورة أيضًا لقاء الأنبا أنطونيوس بالقديس مقاريوس، وقوله عنه: "إن قوة غريبة تخرج من هاتين اليدين"..
لقاءات القديسين لقاءات عجيبة، حياة في جو روحي، لقاء للناس مع الله، لقاء يجذب إلى فوق، فيه بركة، وقدوة ومنفعة وعمق. لقاء حول كلمة الله، أو حول الصلاة.
ومن لقاءات الصلاة هذه، لقاء الأنبا غاليون السائح بالسواح الثلاثة الذين ترهَّبوا في دير القديس الأنبا شنوده..
رآهم من بعيد، وهم يرتلون المزامير، فأخذ يصليها معهم بلحنها. واقتربوا وهم يصلون، وهو يصلي معهم. ووقفوا معه يكملون ترتيل المزامير وهو يصلي معهم. وهكذا التقوا في الرب.
[1]مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 13 أغسطس 1976م
أحداث تصدَّى لها قديسون
أحداث تصدَّى لها قديسون[1]
هناك أشخاص يفهمون المسيحية خطأً.. فيظنون أن القداسة هي مجرد بُعد عن الأخطاء، وربما في سلبية، لا تتحرك ولا تعمل! ويظنون هذه وداعة!
ولكن القداسة في حقيقتها إيجابية فعَّالة...
ولقد وقف القديسون في قوة أمام أحداث عصرهم، في إيجابية تشرح الخطأ وتحلله وتعارضه. وتظل تدافع عن الحق، حتى ينتصر الحق، مهما تألموا في سبيله.
وقف القديسون ضد بدع عصرهم وهرطقاته.
القديس أثناسيوس الرسولي وقف في قوة أمام الهرطقة الأريوسية، وقاومها بالنقاش، وبالمؤلفات، وبالمجامع، والأسفار العديدة، وبتحمل النفي والاضطهاد. وعاش مدة حبربته (45 سنة) في هذا الجهاد، حتى ثبت الإيمان..
وبنفس الوضع، وقف القديس كيرلس عمود الدين ضد هرطقة نسطور، وتحمل في سبيل ذلك. ووقف القديس تيموثاوس الإسكندري ضد هرطقة مقدونيوس، ووقف القديس ديسقورس ضد مجمع خلقيدونية، وضد الإمبراطور مركيانوس وزوجته بُلكارية (بوليكاريا).
ووقف القديسون أيضًا في قوة ضد أخطاء عصرهم، وما فيه من فساد..
يوحنا المعمدان، بكل صراحة وقوة، قال لهيرودس: "لاَ يَحِلُّ أَنْ تَكُونَ لَكَ امْرَأَةُ أَخِيكَ" زوجة (مر19:6). ولم يقف المعمدان وقفة سلبية من هيرودس مكتفيًا بالاشمئزاز من أخطائه، أو مكتفيًا بالصلاة لهدايته..
ويوحنا ذهبي الفم، لم يقف موقفًا سلبيًّا من الإمبراطورة عندما ظلمت أرملة.
وكذلك إيليا النبي كان له موقف إيجابي قوي من آخاب ومن كل عبادة البعل والسواري في أيامه.. والسيد المسيح نفسه، أخذ موقفًا إيجابيًّا، حينما دخل إلى الهيكل وطهَّره، وطرد منه الباعة، وقلب موائد الصيارفة...
بل إن بولس الرسول أخذ هو أيضًا موقفًا إيجابيًّا حازمًا من رسول آخر أقدم منه هو القديس بطرس، وقال في إحدى رسائله "قَاوَمْتُهُ مُواجَهَةً، لأَنَّهُ كَانَ مَلُومًا"(غلا11:2).
داود أخذ موقفًا إيجابيًّا من جليات بينما الجيش كله كان في وضع سلبي للغاية. وإيجابية داود كان لها تأثيرها في الأحداث فحولتها إلى اتجاه آخر، كله فرح بالرب وعمله. والحق لا بد أن يكون له شاهد في كل جيل يدافع عنه، على أن يكون ذلك أيضًا في حكمة وفهم.
إن عالي الكاهن، لما أخذ موقفًا سلبيًّا من أخطاء أولاده، أو على الأقل لمَّا وبخهم بطريقة لينة، كانت نهايته ردية، وأنهى الله رئاسته للكهنوت، وجعله مثالًا لغيره..
والمصلحون في كل جيل، هم الذين يأخذون موقفًا إيجابيًّا من أخطاء جيلهم..
في فعالية وتأثير.. وفي نتيجة واضحة، بحيث إن الجيل نفسه، أو العصر كله، كان يُنسَب إلى واحد منهم، فيقال في عصر فلان، أو في أيام فلان..
وأنت في محاسبتك، لنفسك، اسأل: ما هو عنصر الإيجابية في حياتك؟ هل ترى السلبية أسلم؟ أم ترى هذا سلامًا زائفًا، لبعده عن الحق؟
[1] "من أحداث التاريخ" مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 9 نوفمبر 1979م
غضب القديسين
غضب القديسين[1]
كان القديسون ودعاء. ولكن وداعتهم لم تكن سلبية مطلقة من جهة الشر، أو عدم انفعال على الإطلاق، إذ كانوا يغضبون أحيانًا غضبًا مقدَّسًا، يعلنون به سخطهم على الخطية. وسنضرب لذلك أمثلة منها:
1- غضب موسى النبي
نعم، موسى النبي الذي قال عنه الكتاب: "وَأَمَّا الرَّجُلُ مُوسَى فَكَانَ حَلِيمًا جِدًّا أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ"(عدد3:12). موسى هذا، لمَّا أبصر بني إسرائيل يرقصون ويعبدون العجل الذهبي، يقول الكتاب عنه: "فَحَمِيَ غَضَبُ مُوسَى، وَطَرَحَ اللَّوْحَيْنِ مِنْ يَدَيْهِ وَكَسَّرَهُمَا فِي أَسْفَلِ الْجَبَلِ، ثُمَّ أَخَذَ الْعِجْلَ الَّذِي صَنَعُوا وَأَحْرَقَهُ بِالنَّارِ، وَطَحَنَهُ حَتَّى صَارَ نَاعِمًا، وَذَرَّاهُ.." ووبخ هارون (خر32: 19- 21).
ليس معنى الوداعة برودة في الطبع، بحيث لا ينفعل الإنسان إطلاقًا، ولا يتحرك بالغضب! فالوديع قد يغضب أحيانًا، معبّرًا عن سخطه على الشر، ولكنه يغضب بأسلوب يتفق مع وداعته. يغضب ولا يخطئ (أف26:4).
وهنا نرى موسى النبي يوبخ هارون في حزم، حتى إن هارون ارتبك أمامه... ومع كل ذلك تشفَّع في الشعب لكي لا يفنيهم الله.
2- غضب أليهو
كان الرابع بين أصحاب أيوب الصديق. وظلَّ صامتًا طوال فترة حوارهم مع أيوب الذي استغرق 28 إصحاحًا. وأخيرًا يقول الكتاب: "فَحَمِيَ غَضَبُ أَلِيهُوَ بْنِ بَرَخْئِيلَ الْبُوزِيِّ مِنْ عَشِيرَةِ رَامٍ عَلَى أَيُّوبَ حَمِيَ غَضَبُهُ لأنَّهُ حَسَبَ نَفْسَهُ أَبَرَّ مِنَ اللهِ. وَعَلَى أَصْحَابِهِ الثَّلاَثَةِ حَمِيَ غَضَبُهُ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا جَوَابًا وَاسْتَذْنَبُوا أَيُّوبَ"(أي32: 2، 3).
تكلم أليهو، ووبَّخ أيوب. ولم يستطع أيوب أن يجيب بحرف واحد كما أجاب على أصحابه الثلاثة. وأليهو هو الوحيد الذي لم يوبّخه الله بين أصحاب أيوب. وكان في غضبه يتكلم في حكمة بكلام الله، مع أنه كان أصغر الموجودين سنًّا... ولم يخطئ إطلاقًا في غضبه، بل كان يُفَصّل كلمة الحق باستقامة.
وعبارة "غضب أليهو" أو "حمِيَ غضبه" لا تعني هنا العصبية، إنما تعني أن الذي حدث أمامه، لم يسترِح له ضميره.
لذلك وقف يحتج عليه، ويبين الحق. لأنه "مَلآنٌ أَقْوَالًا. رُوحُ بَاطِنِي تُضَايِقُنِي"(أي18:32). وكان إنسانًا لا يحب المحاباة ولا التملق...
مثال آخر نذكره للغضب المقدس وهو:
3- غضب نحميا
نحميا العظيم، الذي غار غيرة الرب، وأعاد بناء سور أورشليم، بل أعاد البناء الروحي للشعب في أيامه، هو وزميله عزرا الكاتب.
لقد غضب جدًّا، لأن العظماء يقرضون الشعب بالربا.
وكان الفقراء قد صرخوا يشتكون من هذا النير الواقع عليهم، ومن أنهم في جوعهم رهنوا بيوتهم وكرومهم وحقولهم. وهنا يقول نحميا: "فَغَضِبْتُ جِدًّا حِينَ سَمِعْتُ صُرَاخَهُمْ وَهذَا الْكَلاَمَ، فَشَاوَرْتُ قَلْبِي فِيَّ، وَبَكَّتُّ الْعُظَمَاءَ وَالْوُلاَةَ، وَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّكُمْ تَأْخُذُونَ الرِّبَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَخِيهِ. وَأَقَمْتُ عَلَيْهِمْ جَمَاعَةً عَظِيمَةً..."(نح5: 1 - 7). لقد غضب وعالج المشكلة بحزم، وليس بعصبية. وأمر العظماء أن يردُّوا الرّبا الذي أخذوه من الفقراء. وأقام العدل بين الناس. وفي كل ذلك لم يخطئ...
عقوبة عالي الكاهن.
لقد أخطأ أولاد عالي الكاهن خطيَّة بشعة في خيمة الاجتماع. وكان لا بد من أخذ حق الله منهم. ولكنه تهاون في ذلك. ووبَّخهم بأسلوب غير حازم (1صم2: 22- 25).
وكانت النتيجة أن الله عاقب عالي الكاهن عقوبة مخيفة جدًّا، لأنه لم يغضب غضبه المقدس على أولاده ليردعهم عن خطاياهم.
وهكذا كلَّم صموئيل النبي – وهو بعد صبي – وحمَّله رسالة إلى عالي الكاهن. وقال له: "هُوَذَا أَنَا فَاعِلٌ أَمْرًا فِي إِسْرَائِيلَ كُلُّ مَنْ سَمِعَ بِهِ تَطِنُّ أُذُنَاهُ. فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أُقِيمُ عَلَى عَالِي كُلَّ مَا تَكَلَّمْتُ بِهِ عَلَى بَيْتِهِ. أَبْتَدِئُ وَأُكَمِّلُ... وَقَدْ أَخْبَرْتُهُ بِأَنِّي أَقْضِي عَلَى بَيْتِهِ إِلَى الأَبَدِ مِنْ أَجْلِ الشَّرِّ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّ بَنِيهِ قَدْ أَوْجَبُوا بِهِ اللَّعْنَةَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَلَمْ يَرْدَعْهُمْ. وَلِذلِكَ أَقْسَمْتُ لِبَيْتِ عَالِي أَنَّهُ لاَ يُكَفَّرُ عَنْ شَرِّ بَيْتِ عَالِي بِذَبِيحَةٍ أَوْ بِتَقْدِمَةٍ إِلَى الأَبَدِ"(1صم3: 11- 14). ووقع عالي الكاهن من على كرسيه "فَانْكَسَرَتْ رَقَبَتُهُ وَمَاتَ،" كما مات ابناه، وماتت كنته وهي تضع طفلها (1صم4: 18، 17، 20). وكانت عقوبة إلهية لعالي وابنيه وزوجة ابنه، لأنه لم يغضب للرب.
هناك مواقف تحتاج إلى حزم. والحزم فيها يدخل في نطاق الغضب المقدَّس، ولا يكون غضبًا خاطئًا ولا غضبًا باطلًا. وإن كان الشخص المسئول لا يغضب مطلقًا، ولا يتصرف بحزم مهما كانت الأخطاء، ولا يقيم الحق والواجب، فإنه بلا شك يكون مخطئًا، ويكون مقصرًا في مسئوليته. ولكن هناك فرق بين الحزم والعصبية.
[1] من كتاب سلسلة الحروب الروحية، (3 – الغضب) لقداسة البابا شنوده الثالث، الفصل الأول (الغضب المقدس)
الفصل الخامس شفاعة القديسين
شفاعة القديسين[1]
شفاعتان
البروتستانت ينكرون الشفاعة كلية سواء بالعذراء أو الملائكة أو القديسين، ويعتمدون في ذلك على قول يوحنا الرسول: ".. لَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ"(1يو1:2). وأيضًا قول بولس الرسول: "لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ"(1تي5:2).
1- والحقيقة أن هناك فارقًا أساسيًّا كبيرًا بين شفاعة المسيح وشفاعة القديسين، فشفاعة المسيح شفاعة كفارية...
أي أن السيد المسيح يشفع في مغفرة خطايانا باعتباره الكفارة التي نابت عنا في دفع ثمن الخطية. فكأن شفاعته معناها أن يقول للآب: "اترك لهم حساب خطاياهم لأني حملت عنهم هذه الخطايا"(إش6:53). وهكذا يقف وسيطًا بين الله والناس. بل إنه الوسيط الواحد الذي وقف بين الله والناس: أعطى الآب حقه في العدل الإلهي، أعطى الناس المغفرة، بأن مات عنهم كفارة عن خطاياهم.
وهذا هو المعنى الذي يقصده القديس يوحنا الرسول. فهو يقول: "إِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ. وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضًا"(1يو2: 1، 2).
هنا تبدو الشفاعة الكفارية واضحة. فهي شفاعة في الإنسان الخاطئ "إِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ" وهذا الخاطئ يحتاج إلى كفارة. والوحيد الذي قدم هذه الكفارة هو يسوع المسيح البار. لذلك يستطيع أن يشفع فينا، بدمه المسفوك عنا.
ونفس المعنى أيضًا يحمله قول بولس الرسول عن السيد المسيح باعتباره الوسيط الوحيد بين الله والناس. فيقول في ذلك: "وَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً لأَجْلِ الْجَمِيعِ"(1تي2: 5، 6). فهو هنا يشفع باعتباره الفادي الذي بذل نفسه ودفع ثمن خطايانا.
هذا اللون من الشفاعة لا نقاش فيه مطلقًا. إنه خاص بالمسيح وحده أما شفاعة القديسين في البشر، فلا علاقة لها بالكفارة ولا بالفداء. وهي شفاعة فينا عند السيد المسيح نفسه.
2- شفاعة القديسين فينا هي مجرد صلاة من أجلنا ولذلك فهي شفاعة توسلية غير شفاعة المسيح الكفارية.
والكتاب يوافق عليها، إذ يقول: "صَلُّوا بَعْضُكُمْ لأَجْلِ بَعْضٍ.."(يع16:5)، والقديسون أنفسهم كانوا يطلبون صلوات الناس عنهم. فالقديس بولس يقول لأهل تسالونيكي: "صَلُّوا لأَجْلِنَا"(2تس1:3). ويطلب نفس الطلبة من العبرانيين (عب18:13). ويقول لأهل أفسس: "مُصَلِّينَ بِكُلِّ صَلاَةٍ وَطِلْبَةٍ... لأَجْلِ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، وَلأَجْلِي، لِكَيْ يُعْطَى لِي كَلاَمٌ عِنْدَ افْتِتَاحِ فَمِي"(أف6: 18، 19)، وطلب الصلاة لا حصر له في الكتاب المقدس.
فإن كان القديسون يطلبون صلواتنا، أفلا نطلب نحن صلواتهم؟
وإن كنا نطلب الصلاة لأجلنا من البشر الأحياء، الذين لا يزالون في فترة الجهاد "تحت الآلام مثلنا" أفلا نطلبها من القديسين الذين أكملوا جهادهم، وانتقلوا إلى الفردوس، يحيون فيها مع المسيح!
وهل هؤلاء قلَّت مكانتهم بعد انتقالهم من الأرض إلى الفردوس. بحيث كان يجوز لنا أن نطلب صلواتهم وهم على الأرض. وأصبحت صلواتهم مُحرَّمة وهم قريبون من الله في الفردوس.. وإن كنا نطلب صلوات البشر، هل كثير أن نطلب صلوات الملائكة؟!
أمثلة للشفاعة
3- إن الله يطلب من الناس شفاعة الأبرار فيهم...
يطلب ذلك بنفسه، ويقبله ويفسِح له مجالًا لكي يحدث. وسأضرب بعض أمثلة لهذه الشفاعات التي قبلها الله:
أ- قصة أبينا إبراهيم، وأبيمالك الملك.
لقد أخطأ أبيمالك وأخذ سارة زوجة إبراهيم، وضمَّها إلى قصره وفعل ذلك بسلامة قلب، لأن إبراهيم كان قد قال عنها إنها أخته. فظهر الرب لأبيمالك في حلم، وأنذره بالموت. ثم قال له: "فَالآنَ رُدَّ امْرَأَةَ الرَّجُلِ، فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، فَيُصَلِّيَ لأَجْلِكَ فَتَحْيَا"(تك20: 1 - 7).
كان يستطيع أن يغفر للرجل، بمجرد رَدّه المرأة إلى زوجها، ولكنه اشترط للمغفرة، أن يصلي إبراهيم لأجله، فيحيا. وهكذا نرى أن الله اشترط وطلب شفاعة إبراهيم في أبيمالك.
ب- قصة أيوب الصديق، وأصحابة الثلاثة (أي42).
بنفس الطريقة اشترط الرب شفاعة أيوب الصديق في أصحابه الثلاثة وصلاته من أجلهم لكي يغفر الرب لهم. وفي هذا يقول الكتاب: "أَنَّ الرَّبَّ قَالَ لأَلِيفَازَ التَّيْمَانِيِّ: قَدِ احْتَمَى غَضَبِي عَلَيْكَ وَعَلَى كِلاَ صَاحِبَيْكَ... وَالآنَ فَخُذُوا لأَنْفُسِكُمْ سَبْعَةَ ثِيرَانٍ وَسَبْعَةَ كِبَاشٍ وَاذْهَبُوا إِلَى عَبْدِي أَيُّوبَ، وَأَصْعِدُوا مُحْرَقَةً لأَجْلِ أَنْفُسِكُمْ، وَعَبْدِي أَيُّوبُ يُصَلِّي مِنْ أَجْلِكُمْ، لأَنِّي أَرْفَعُ وَجْهَهُ لِئَلاَّ أَصْنَعَ مَعَكُمْ حَسَبَ حَمَاقَتِكُمْ"(أي42: 7، 8).
في كلا الحادثتين، الله يكلم الشخص بنفسه، ولكنه لا يعطيه غفرانًا مباشرًا، وإنما يشترط صلاة القديس من أجله، لكي ينال المخطئ هذا الغفران، ولكي يرفع الله وجه هذا القديس ويعطيه كرامة أمام الناس. ويقبل الله هذه الوساطة، بل يطلبها.
جـ- شفاعة إبراهيم في سَدوم.
كان يمكن لله أن يعاقب سدوم، دون تدخل أبينا إبراهيم في الموضوع. وإبراهيم لم يتدخل من نفسه، وإنما الرب هو الذي عرض عليه الأمر وأدخله فيه، وأعطاه فرصة للتشفع في هؤلاء الناس، وقبل شفاعته. وسمح أن تسجل لنا هذه الحادثة، لكي يرفع وجه إبراهيم أمام العالم كله، ويرينا الله كيف يكرم قديسيه... وفي هذا قال الكتاب: "هَلْ أُخْفِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ مَا أَنَا فَاعِلُهُ.."(تك17:18).
وعرض الرب موضوع سدوم على إبراهيم، وأعطاه فرصة أن يشفع فيها عسى أن يوجد في المدينة خمسون، أو45 أو40 أو30 أو20 أو10 فلا يُهلك الرب المدينة من أجل هؤلاء.
ومجرد أن الرب لا يهلك المدينة من أجل هؤلاء الأبرار الذين في المدينة، لا يعطينا فقط فكرة عن كرامة إبراهيم أمام الرب. إنما أيضًا كرامة هؤلاء الأبرار أمام الله.. "فَقَالَ الرَّبُّ: إِنْ وَجَدْتُ فِي سَدُومَ خَمْسِينَ بَارًّا فِي الْمَدِينَةِ، فَإِنِّي أَصْفَحُ عَنِ الْمَكَانِ كُلِّهِ مِنْ أَجْلِهِمْ"... "لاَ أَفْعَلُ مِنْ أَجْلِ الأَرْبَعِينَ، لاَ أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعِشْرِينَ، لاَ أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعَشَرَةِ"(تك18: 26 - 32).
إن عبارة "من أجل..." لها قيمتها اللاهوتية الدالَّة على إنقاذ الله لأشخاص، من أجل آخرين وتعطي دلالة واضحة على وساطة الأبرار من أجل الخطاة، وقبول الله هذه الوساطة، حتى دون أن يطلب هؤلاء وأولئك...
د- شفاعة موسى في الشعب.
أراد الله أن يهلك الشعب لعبادة العجل الذهبي. ولكنه لم يفعل مباشرة، وإنما عرض الأمر على موسى النبي، وأعطاه فرصة للشفاعة فيهم وقبل شفاعته.
وكما قال له إبراهيم: "حاشاك يا رب"، قال له موسى: "اِرْجِعْ عَنْ حُمُوِّ غَضَبِكَ، وَانْدَمْ عَلَى الشَّرِّ بِشَعْبِكَ اذْكُرْ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَإِسْرَائِيلَ عَبِيدَكَ الَّذِينَ حَلَفْتَ لَهُمْ" ويقول الكتاب بعد هذا: "فَنَدِمَ الرَّبُّ عَلَى الشَّرِّ الَّذِي قَالَ إِنَّهُ يَفْعَلُهُ بِشَعْبِهِ"(خر32: 7 - 14).
هـ- هذه أمثلة صلوات أحياء من أجل أحياء. أما الذين انتقلوا فلهم مكانة أكبر لدرجة أن الله كان يرحم الناس من أجلهم حتى دون أن يصلُّوا. فكم بالأولى إن صلُّوا لأجل أحد.
ومن أمثلة ذلك ما فعله الرب من أعمال الإشفاق والرحمة من أجل داود عبده بسبب خطية سليمان. قرر الله أن يمزق مملكته. ولكنه يقول له عن تقسيم المملكة: "إِلاَّ إِنِّي لاَ أَفْعَلُ ذلِكَ فِي أَيَّامِكَ، مِنْ أَجْلِ دَاوُدَ أَبِيكَ، بَلْ مِنْ يَدِ ابْنِكَ أُمَزِّقُهَا. عَلَى أَنِّي لاَ أُمَزِّقُ مِنْكَ الْمَمْلَكَةَ كُلَّهَا، بَلْ أُعْطِي سِبْطًا وَاحِدًا لابْنِكَ، لأَجْلِ دَاوُدَ عَبْدِي، وَلأَجْلِ أُورُشَلِيمَ الَّتِي اخْتَرْتُهَا"(1مل11: 12، 13).
ويكرر الرب نفس الكلام في حديثه مع يربعام: "هأَنَذَا أُمَزِّقُ الْمَمْلَكَةَ مِنْ يَدِ سُلَيْمَانَ وَأُعْطِيكَ عَشَرَةَ أَسْبَاطٍ. وَيَكُونُ لَهُ سِبْطٌ وَاحِدٌ مِنْ أَجْلِ عَبْدِي دَاوُدَ وَمِنْ أَجْلِ أُورُشَلِيمَ الْمَدِينَةِ الَّتِي اخْتَرْتُهَا"(1مل11: 31، 32).
"وَلاَ آخُذُ كُلَّ الْمَمْلَكَةِ مِنْ يَدِهِ، بَلْ أُصَيِّرُهُ رَئِيسًا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِهِ لأَجْلِ دَاوُدَ عَبْدِي الَّذِي اخْتَرْتُهُ الَّذِي حَفِظَ وَصَايَايَ وَفَرَائِضِي"(1مل11: 34).
الله يكرر نفس العبارة ثلاث مرات في إصحاح واحد: "مِنْ أَجْلِ عَبْدِي دَاوُدَ" لهذا قال المرتل: "مِنْ أَجْلِ دَاوُدَ عَبْدِكَ لاَ تَرُدَّ وَجْهَ مَسِيحِكَ"(مز10:132).
إن كانت هكذا مكانة داود عند الرب، فكم بالأكثر تكون مكانة العذراء، والملائكة ومكانة يوحنا المعمدان أعظم مَن ولدته النساء. وكم تكون مكانة الشهداء الذين تعذبوا وذاقوا الموت من أجل الرب.
لذلك، ما دمنا نطلب صلوات رفقائنا على الأرض، فلماذا لا نطلب صلوات أولئك الذين "يَضِيئُونَ. كَالْكَوَاكِبِ إِلَى أَبَدِ الدُّهُورِ"(دا3:12)؟ ولماذا لا نطلب صلوات أولئك الذين جاهدوا الجهاد الحسن، وأكملوا السعي وحفظوا الإيمان (2تي7:4).
وإن كانت الشفاعة - وهي صلاة، تعتبر وساطة، وإن كانت كل وساطة غير مقبولة، تكون إذًا كل صلاة إنسان من أجل إنسان آخر هي أيضًا وساطة مرفوضة إذ لنا وسيط واحد!
وبرفض وساطات الصلاة، يكون الرسول إذًا قد أخطأ (حاشا) حينما قال: "صَلُّوا بَعْضُكُمْ لأَجْلِ بَعْضٍ"(يع16:5)، على اعتبار أن العلاقة بين الإنسان والله علاقة مباشرة وهي في ظل الحب الإلهي لا تحتاج إلى صلاة من أحد..!
وبالتالي تكون كل الصلوات من أجل الآخرين التي وردت في الكتاب لا معنى لها وضد الحب الإلهي!
لأن الله يحب الناس، وهو غير محتاج إلى آخرين يصلون عن أولاده ويذكّرونه برعايته الأبوية لهم وبحبه الأبوي!
ويكون هؤلاء أيضًا قد أساءوا فهم القصد الإلهي، حينما طلب الله من أبيمالك أن يصلي عنه إبراهيم (تك7:20)، وحينما طلب من أصحاب أيوب أن يصلي عنهم أيوب (أي8:42).
إن صلوات البشر بعضهم لأجل بعض (منتقلين ومجاهدين) دليل على المحبة المتبادلة بين البشر، ودليل على إيمان البشر الأحياء بأن الذين انتقلوا ما يزالون أحياء يقبل الله صلواتهم، دليل على إكرام الله لقديسيه.
من أجل هذا سمح الله بهذه الشفاعات، لفائدة البشر. وهذه الشفاعة أقامت جسرًا ممتدًّا بين سكان السماء وسكان الأرض. ولم تعد السماء شيئًا مجهولًا مخيفًا في نظر الناس. وأصبح للناس إيمان بالأرواح وعملها ومحبتها.
هناك سؤال هام كثيرًا ما يقدمه منكرو الشفاعة وهو:
هل يعرف الملائكة والقديسون حالتنا على الأرض؟
وهل أرواح القديسين تعرف حالتنا؟ وهل تصلهم صلواتنا؟
ونجيب عن هذا السؤال بنعم. أما الأدلة فهي:
أ– لا شك أن معرفة السماء أكثر من معرفة الأرض. لذلك من المذهل أن يسأل أحد: هل يعرف القديسون في السماء أخبارنا وصلواتنا على الأرض؟
هوذا بولس الرسول يجيب ويقول: "فَإِنَّنَا نَنْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ، لكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهًا لِوَجْهٍ. الآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ، لكِنْ حِينَئِذٍ سَأَعْرِفُ كَمَا عُرِفْتُ"(1كو12:13).
إذًا معرفتنا في العالم الآخر ستزيد، وستنكشف لنا أسرار كثيرة عندما نخلع هذا الجسد المادي الذي يقيّد الروح. حينئذ، هناك، ستتسع معرفة الروح، وستخرج من نطاق (بعض المعرفة) إلى مجال أوسع.
يضاف إلى هذه المعرفة، ما يعلنه الرب للأرواح، أي ما يدخل في نطاق الكشف الإلهي.
ب. معرفة الملائكة واضحة من قول الرب إنه "يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارًّا لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ"(لو7:15).
ومعنى هذا أن أخبار الأرض تصل إلى سكان السماء، سواء كانوا ملائكة أو أرواح قديسين. فيعرفون مَن يتوب، ومَن لا يحتاجون إلى توبة، ويسرون لتوبة الخاطئ لأنهم إن كانوا لا يعرفون فكيف سيفرحون؟
جـ- الملائكة تعرف صلواتنا لأنها تحمل صلواتنا إلى عرش الله.
والشهادات كثيرة على هذا في سفر الرؤيا.
ورد في سفر الرؤيا (8: 3- 5): "وَجَاءَ مَلاَكٌ آخَرُ وَوَقَفَ عِنْدَ الْمَذْبَحِ، وَمَعَهُ مِبْخَرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَأُعْطِيَ بَخُورًا كَثِيرًا لِكَيْ يُقَدِّمَهُ مَعَ صَلَوَاتِ الْقِدِّيسِينَ جَمِيعِهِمْ عَلَى مَذْبَحِ الذَّهَبِ الَّذِي أَمَامَ الْعَرْشِ، فَصَعِدَ دُخَانُ الْبَخُورِ مَعَ صَلَوَاتِ الْقِدِّيسِينَ مِنْ يَدِ الْمَلاَكِ أَمَامَ اللهِ".
وهنا ترى صلوات القديسين تصعد أمام الله، من يد الملاك ومبخرته. فكيف لا يعرفها؟
وكما يعرف الملائكة صلواتنا ويرفعونها، كذلك الحال أيضًا بالنسبة إلى الأربعة والعشرين قسيسًا:
ورد في (رؤ8:5) عن الأربعة والعشرين قسيسًا: "وَلَهُمْ كُلِّ وَاحِدٍ قِيثَارَاتٌ وَجَامَاتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوَّةٌ بَخُورًا هِيَ صَلَوَاتُ الْقِدِّيسِينَ"، داخل مجامرهم يرفعونها إلى الله. وهذا دليل على معرفتهم لهذه الصلوات التي يرفعونها إلى الله.
ولا شك أنه مما يمكن أن يقال أيضًا ذكر "ملائكة الأطفال" حيث قال الرب: "اُنْظُرُوا، لاَ تَحْتَقِرُوا أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ، لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلاَئِكَتَهُمْ فِي السَّمَاوَاتِ كُلَّ حِينٍ يَنْظُرُونَ وَجْهَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ"(مت10:18).
د– مثال آخر هو قصة إبراهيم والغني ولعازر (لو16).
قال أبونا إبراهيم للغني: "اذْكُرْ أَنَّكَ اسْتَوْفَيْتَ خَيْرَاتِكَ فِي حَيَاتِكَ، وَكَذلِكَ لِعَازَرُ الْبَلاَيَا.." (لو16: 25). فمن أين عرف أبونا إبراهيم البلايا التي احتملها لعازر المسكين، ومن أين عرف تنعمات الرجل الغني؟ وكيف قال عن أهل الغني إنه: "عِنْدَهُمْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءُ"، بينما أبونا إبراهيم انتقل من الأرض قبل موسى بمئات السنين، وقبل باقي الأنبياء، ولكنه عرف هذا كله.. وكيف لا يعرف إبراهيم، وهو الذي قال عنه الرب رأى يومي ففرح (يو56:8).
هـ- شهادة من أنفس الذين استشهدوا.
يقول القديس يوحنا في سفر الرؤيا (6: 9 - 11) إنه لما فتح الختم الخامس، رأى نفوس الذين استشهدوا تحت المذبح، يصرخون بصوت عظيم قائلين: "حَتَّى مَتَى أَيُّهَا السَّيِّدُ الْقُدُّوسُ وَالْحَقُّ، لاَ تَقْضِي وَتَنْتَقِمُ لِدِمَائِنَا مِنَ السَّاكِنِينَ عَلَى الأَرْضِ؟"، فأعطى كل واحد ثيابًا بيضًا، قيل لهم أن يستريحوا زمانًا قليلًا حتى يكمل العبيد رفقاؤهم سلسلة الشهداء...
إذًا فهؤلاء قد عرفوا – بعد وفاتهم – أن الرب لم ينتقم لهم بعد. وهم يصرخون إلى الله: إلى متى تترك الشر ينتصر في الأرض؟ وإلى متى تترك الأقوياء بالجسد يحطمون أولادك؟ وإلى متى سيسفكون هذه الدماء؟
فمن أين لهؤلاء أن يعرفوا كل هذا؟
إنهم يعرفون. وعندما سيكمل العبيد رفقاءهم، سيعرفون.
قصة عجيبة عن إيليا النبي (2أي21).
تروي القصة أن يهورام الملك قتل جميع إخوته، وسلك في الفساد في طريق آخاب الردية وأقام مرتفعات للأصنام، وعمل الشر في عيني الرب... وإذ بكتابة من إيليا النبي تصل إليه... كان إيليا قد ترك الأرض، وصعد إلى السماء منذ سنوات خلت.
"وَأَتَتْ إِلَيْهِ كِتَابَةٌ مِنْ إِيلِيَّا النَّبِيِّ تَقُولُ: هكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلهُ دَاوُدَ أَبِيكَ: مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ لَمْ تَسْلُكْ فِي طُرُقِ يَهُوشَافَاطَ أَبِيكَ وَطُرُقِ آسَا مَلِكِ يَهُوذَا، بَلْ سَلَكْتَ فِي طُرُقِ مُلُوكِ إِسْرَائِيلَ... وَقَتَلْتَ أَيْضًا إِخْوَتَكَ مِنْ بَيْتِ أَبِيكَ الَّذِينَ هُمْ أَفْضَلُ مِنْكَ، هُوَذَا يَضْرِبُ الرَّبُّ شَعْبَكَ وَبَنِيكَ وَنِسَاءَكَ وَكُلَّ مَالِكَ ضَرْبَةً عَظِيمَةً"(2أي21: 12 - 14).
كيف حدث كل هذا؟ وكيف عرف إيليا كل هذه الأخبار بعد انتقاله من الأرض؟ وكيف أرسل كتابه إلى يهورام ينذره فيها بأن الرب سيضربه وأهله وشعبه ضربة عظيمة بسبب خطاياه؟ هل بعد هذا نتكلم عن معرفة القديسين؟
5- أمور تشرح عظمة القديسين ومعرفتهم ورسالتهم.
أ– صموئيل النبي في حياته استُشير في موضوع الأُتن الضائعة (1صم9). وقيل: "هُوَذَا رَجُلُ اللهِ فِي هذِهِ الْمَدِينَةِ، وَالرَّجُلُ مُكَرَّمٌ، كُلُّ مَا يَقُولُهُ يَصِيرُ. لِنَذْهَبِ الآنَ إِلَى هُنَاكَ لَعَلَّهُ يُخْبِرُنَا عَنْ طَرِيقِنَا الَّتِي نَسْلُكُ فِيهَا"(1صم6:9).
فإن كان رجل الله – وهو على الأرض – يكشف له الله الخفيات. فكم بالأولى حينما يكون بالروح طليقًا في السماء، مع الله؟
ب- لقد عرف إليشع – وهو على الأرض – بما فعله جيحزي في الخفاء، حين أخذ هدايا من نعمان السرياني (2مل5: 15 - 27).
جـ- وقال عنه واحد من عبيد ملك آرام لسيده الملك ".. إلِيشَعَ النَّبِيَّ الَّذِي فِي إِسْرَائِيلَ، يُخْبِرُ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ بِالأُمُورِ الَّتِي تَتَكَلَّمُ بِهَا فِي مُخْدَعِ مِضْطَجَعِكَ" (2مل12:6).
د- وقد عرف إليشع في الخفاء أيضًا – في وقت المجاعة – أن ملك إسرائيل قد أرسل رسولًا يقتله (2مل32:6).
فإن كان إليشع – وهو في الجسد – له هذه الموهبة التي يعرف بها أشياء في الخفاء، فكم بالأولى تكون معرفته بعد خلع الجسد، وهو في السماء.
هـ- بنفس الوضع عرف القديس بطرس الرسول بما فعله حنانيا وسفيرة في الخفاء، وأعلن ذلك لهما وعاقبهما (أع5: 3، 9).
و- كذلك عرف القديس بولس الرسول بأنه بعد ذهابه ستدخل بين أهل أفسس ذئاب خاطفة لا تشفق على الرعية (أع29:20).
فإن كان الرسل يعرفون هذه المعرفة وهم على الأرض، فكم بالأولى سيكشف الله لهم في السماء؟!
إن هؤلاء القديسين لهم معرفة ولهم رسالة من أجل الناس. كما أن حياتهم التي كانت على الأرض، لم تنته بذهابهم إلى السماء. ونحن نطلب تدخلهم أكثر مما نطلب من الذين يجاهدون مثلنا على الأرض ولم يصلوا بعد...
6- أمثلة أخرى عن عظمة هؤلاء القديسين.
- إن كانت عظام إليشع النبي. قد استطاعت أن تعمل عملًا، وتكون بركة لقيام ميت، بمجرد الملامسة، بدون صلاة وهي عظام لا روح فيها (2مل21:13)، فكم بالأكثر إذًا تكون روح إليشع، ولا شك أنها أقوى من عظامه قدرة، ومعرفة وحياة، ودالة عند الله! وكم تكون إذًا أرواح أمثال إليشع من القديسين.
- إذا كانت المناديل والعصائب التي على جسد بولس الرسول لها بركة لشفاء المرضى وإخراج الأرواح الشريرة (أع12:19)، فكم بالأولى روح بولس الرسول وأرواح أمثاله من القديسين.
7- القديسون الذين انتقلوا، ما زالوا أحياءً.
وقد شرح الرب ذلك بقوله للصدوقيين: ".. أَمَا قَرَأْتُمْ مَا قِيلَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللهِ الْقَائِلِ أَنَا إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ؟ لَيْسَ اللهُ إِلهَ أَمْوَاتٍ بَلْ إِلهُ أَحْيَاءٍ"(مت22: 31، 32).
إذًا هؤلاء القديسون لا يزالون أحياء. لماذا نعتبرهم موتى فلا نطلب صلواتهم؟
لا ننسى أيضًا ظهور موسى وإيليا مع الرب على جبل التجلي – موسى هذا الذي كان قد مات بالجسد منذ حوالي أربعة عشر قرنًا، هو ما يزال حيًّا مع الرب تمامًا مثل إيليا الذي صعد إلى السماء. إن أرواحهم لم تمت بل هي في الفردوس وهي ترى أكثر مما نرى نحن.
8- أمثلة من شفاعة الملائكة.
نرى في سفر زكريا النبي مثالين لشفاعة الملائكة هما:
أ– شفاعة ملاك الرب في أورشليم، إذ صلى وقال: "يَا رَبَّ الْجُنُودِ، إِلَى مَتَى أَنْتَ لاَ تَرْحَمُ أُورُشَلِيمَ وَمُدُنَ يَهُوذَا الَّتِي غَضِبْتَ عَلَيْهَا هذِهِ السَّبْعِينَ سَنَةً؟"(زك12:1).
فإن كان ملاك الرب بالأكثر يشفع هكذا في أورشليم حتى دون أن تطلب هذا منه، فكم بالأكثر إن طلبت صلواته؟
ب- شفاعة ملاك الرب في يهوشع الكاهن، ووقوفه ضد الشيطان الذي يقاومه وقوله له: "لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ يَا شَيْطَانُ! لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ... أَفَلَيْسَ هذَا شُعْلَةً مُنْتَشَلَةً مِنَ النَّارِ؟"(زك3: 1، 2).
جـ - مثال آخر من سفر التكوين هو: حراسة الملاك لأبينا يعقوب وتخليصه له. وقد تحدث عن هذا فقال عند مباركة أفرايم ومنسى "الْمَلاَكُ الَّذِي خَلَّصَنِي مِنْ كُلِّ شَرّ، يُبَارِكُ الْغُلاَمَيْنِ"(تك16:48).
د- لا ننسى أيضًا قول الكتاب عن الملائكة إنهم: "أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ"(عب14:1). فإن كان لهم عمل من أجل البشر على الأرض، ألا يكون لهم نفس العمل في السماء؟!
دالَّة القديسين عند الله
- إننا نطلب شفاعة القديسين من أجل الدالَّة العظيمة التي لهم عند الله. ومن أجل إمكانياتهم الواسعة بعد خروجهم من الجسد، وطاقاتهم الروحية الأكثر قدرة. ومن أجل محبة الله لهم وتكليفه لهم بأعمال رحمة وخدمة للبشر، ومن أجل معرفتهم وهم خارج الجسد بشكل أوسع بكثير من معرفتهم وهم في الجسد.
- ونحن نذكر في هذه الدالة للقديسين كيف أن الله كان أحيانًا يتسمَّى بأسمائهم، فيقول: "أَنَا إِلهُ أَبِيكَ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ..."(خر6:3).
جـ- ولهذا فإن الآباء والأنبياء كانوا يذكّرون الرب بقديسيه، حتى يحن قلبه ويشفق، بمجرد سماع أسمائهم وتذكر عهوده لهم. وهكذا فإن موسى النبي حينما شفع في الشعب حتى لا يفنى، قال للرب: "اُذْكُرْ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَإِسْرَائِيلَ عَبِيدَكَ الَّذِينَ حَلَفْتَ لَهُمْ بِنَفْسِكَ وَقُلْتَ لَهُمْ: أُكَثِّرُ نَسْلَكُمْ كَنُجُومِ السَّمَاءِ.."(خر13:32).
د- ونحن نتذكر أنه لما حدث أن حزائيل ملك آرام ضايق إسرائيل يقول الكتاب: "فَحَنَّ الرَّبُّ عَلَيْهِمْ وَرَحِمَهُمْ وَالْتَفَتَ إِلَيْهِمْ لأَجْلِ عَهْدِهِ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يَسْتَأْصِلَهُمْ، وَلَمْ يَطْرَحْهُمْ عَنْ وَجْهِهِ"(2مل13: 22، 23).
ه- وفي دالَّة القديسين عند الله، نضرب مثلًا لذلك بتوبيخ الله لهارون ومريم لما تكلَّما على موسى النبي.
فنزل الرب في عمود السحاب، وقال لهارون ومريم أمام موسى: "إِنْ كَانَ مِنْكُمْ نَبِيٌّ لِلرَّبِّ، فَبِالرُّؤْيَا أَسْتَعْلِنُ لَهُ. فِي الْحُلْمِ أُكَلِّمُهُ. وَأَمَّا عَبْدِي مُوسَى فَلَيْسَ هكَذَا، بَلْ هُوَ أَمِينٌ فِي كُلِّ بَيْتِي. فَمًا إِلَى فَمٍ وَعَيَانًا أَتَكَلَّمُ مَعَهُ، لاَ بِالأَلْغَازِ. وَشِبْهَ الرَّبِّ يُعَايِنُ. فَلِمَاذَا لاَ تَخْشَيَانِ أَنْ تَتَكَلَّمَا عَلَى عَبْدِي مُوسَى؟"(عد12: 5 - 8).
و- ومن أمثلة هذه الدالَّة، قول الرب لرسله: "اَلَّذِي يَسْمَعُ مِنْكُمْ يَسْمَعُ مِنِّي، وَالَّذِي يُرْذِلُكُمْ يُرْذِلُنِي"(لو16:10)، وقوله أيضًا: "وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يَخْدِمُنِي يُكْرِمُهُ الآبُ"(يو26:12).
10- اعتراضات والإجابة عنها.
(أ) يقول: إننا في التشفع بالقديسين نتوجه إليهم بالصلاة.
ونحن نقول إننا لا نصلي للقديسين، وإنما نطلب صلواتهم، ونطلب معونتهم لنا، حديثنا إلى العذراء ليس هو صلوات موجَّهة إليها، إنما هي مُخاطَبة بنين لأمهم، نوع من المناجاة وليس من الصلاة، راجين منها أن تشفع فينا، وهي الملكة القائمة عن يمين الملك.
(ب) يقولون: إن الشفاعة هي نوع من الوساطة.
فنقول: وماذا في ذلك ما دام الله نفسه قد قبل هذه الوساطة بل وطلبها بنفسه، حينما طلب من أبيمالك أن يصلي إبراهيم لأجله لئلا يهلك (تك7:20)، وحينما طلب من أصحاب أيوب أن يصلي أيوب لأجلهم لئلا يصنع معهم حسب حماقتهم (أي8:42). وكذلك حينما سمح لإبراهيم أن يشفع في سدوم (تك18)، وسمح لموسى أن يشفع في الشعب (خر32)، وسمع لكليهما وقَبِل شفاعتهما.
روحانية التشفع بالقديسين
(أ) الشفاعة بالقديسين تحمل معنى الإيمان بالحياة الأخرى، الإيمان بأن الذين انتقلوا ما زالوا أحياءً ولهم عمل. إنه إيمان بالصلة الدائمة بين السماء والأرض. وإيمان أيضًا بإكرام القديسين، ما دام الله نفسه يكرمهم.
(ب) الشفاعة هي شركة حب بين أعضاء الجسد الواحد...
الكنيسة هي جسد واحد، المسيح رأسه وكلنا أعضاؤه سواء في السماء أو على الأرض. والحب والصلوات والشركة، أمور متبادلة بين أعضاء الجسد الواحد: نحن نشفع فيهم بصلواتنا عن الراقدين. وهم يشفعون فينا بصلواتهم أيضًا. إنها رابطة لا تنفصم. لماذا يريد منكرو الشفاعة تحطيم هذه الشركة؟ فلا صلاة منا لأجل الراقدين، ولا شفاعة من الراقدين فينا؟
هل المحبة القائمة بين كل مؤمن والله الآب، تمنع وجود المحبة والصلة بين الأبناء وبعضهم البعض؟
أليس السيد المسيح قد طلب من الآب قائلاً: "لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا نَحْنُ" "لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا" "أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ"(يو17).
جـ- الشفاعة فائدة، مَن ينكرها يخسرها... بلا مقابل:
الذين يؤمنون بالشفاعة ينتفعون برابطة الحب التي بينهم وبين القديسين، وينتفعون بمجرد الصلة التي بينهم وبين أرواح المنتقلين. ويضيفون إلى صلواتهم الخاصة صلوات أقوى وأعمق، صادرة لأجلهم، من العالم الآخر... وفي كل ذلك لا يخسرون شيئًا.
أما منكرو الشفاعة فإنهم يخسرون هذه الصلة وهذه الصلوات بلا مقابل... بل يخسرون إيمانًا بسيطًا غير معقد، نلاحظه في كل من يحتفلون بأعياد القديسين، ومن يزورون كنائسهم، ومن يطلبون صلواتهم...
بأي وجه سيقابلون القديسين في العالم الآخر، وقد رفضوا إكرامهم ورفضوا صلواتهم وشفاعتهم؟
د- والشفاعة تحمل في طياتها تواضع القلب...
فالذي يطلب الشفاعة، هو إنسان متضع، غير مغرور بصلته الشخصية بالله، يأخذ موقف الخاطئ الضعيف الذي يطلب شفاعة غيره فيه.
وعلى العكس فمنكر الشفاعة، قد يسأل في انتفاخ:
وما الفرق بيني وبين هؤلاء القديسين؟ إن الصلة بيني وبين الله أقوي من أن تحتاج إلى وساطتهم!! (واضعًا نفسه في مصاف القديسين والشهداء والملائكة).
يُخجِل هؤلاء قول بولس الرسول: "صَلُّوا لأَجْلِنَا.."(عب18:13).. "..لأَجْلِ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ"(أف18:6).
هـ- الشفاعة دليل على عدل الله في مبدأ تكافؤ الفرص...
إن كان الله قد سمح للشيطان أن يحارب أولاد الله، ويجربهم ويظهر لهم في رؤى وفي أحلام كاذبة، ويضايقهم. فبالأولى يقتضي العدل ومبدأ تكافؤ الفرص أن يسمح للملائكة وللأرواح الخيرة أن يساعدوا أولاده على الأرض، كما سمح للأرواح الشريرة أن تضايقهم. وبهذا يظهر العدل من جهة تدخل العالم الآخر (الأرواح) في حياة البشر.
وإن كان الله قد سمح للشيطان أن يضرب أيوب، فليسمح أيضًا للملائكة أن تعصب ضربات البشر، وأن تخدم أولاده، حتى بدون طلبهم، فكم بالأولى إن طلبوا... "أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ"(عب14:1)؟! فما دام هؤلاء مرسلون لهذا الغرض؛ فلا مانع إذًا من أن نطلب تدخلهم لمساعدتنا، وهم قريبون منا.
12- الشفاعة واقع نعيش فيه.
شفاعة القديسين – بالنسبة إلينا – ليست مجرد بحث لاهوتي تثبته آيات من الكتاب المقدس، إنما هي واقع عملي نعيشه.
إنه تاريخ حي على مدى الأجيال، يرى الرابطة العجيبة التي بين المنتقلين ومن يحيون على الأرض. إنه صلة حية بالقديسين الذين يشفقون على أوضاعنا أكثر منا وبإشفاق حقيقي. حتى إن كثيراً من مشاكلنا تُحَل أحيانًا دون أن نصلي، من أجل تشفعات القديسين فينا، دون أن نطلب ذلك. إنهم أكثر منا فهمًا لتلك الآية التي تقول: "فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ"(رو15:12).
إن الشفاعة دليل على الرابطة بين أعضاء الكنيسة الذين على الأرض والذين في السماء – إنها كنيسة واحدة – جزء منها على الأرض (نسميه الكنيسة المجاهدة) وجزء منها في السماء (نسميه الكنيسة المنتصرة). وهما يتبادلان الصلاة.
والذين يرفضون شفاعة القديسين، كأنما يتجاهلون المعجزات العجيبة التي يشهد الناس بحدوثها لهم، بصلوات القديسين، أو في أعيادهم، أو في كنائسهم وأديرتهم.. إنها محاولة لإلغاء الواقع والتاريخ، وليست مجرد انحرافات في التفكير النظري اللاهوتي.
يكفي أن نذكر هنا المعجزات التي حدثت في ظهور العذراء في الزيتون، سواء للمسيحيين أو للمسلمين، وسُجّلَت بأصوات الناس أو بكتاباتهم... وكذلك المعجزات التي تحدث باسم مار جرجس والملاك ميخائيل وباقي القديسين.
كل هذا لا يكفي عند البروتستانتية التي ترفض صلوات القديسين وترفض شفاعاتهم، وترفض معجزاتهم...
اقرأوا أيضًا سير القديسين لكي تروا تدخلات الملائكة والقديسين في حياة الناس...
ظهوراتهم، وتنبؤاتهم، ووعودهم، وتبشيراتهم، سواء بميلاد قديس من أم عاقر، أو باختيار قديس لخدمة الله، أو لإرشاده في طريق ما...
والموضوع بالنسبة إلى الشعب وصِلَتهم بالقديسين، ليس هو معرفة يوم وليلة، إنما هي عشرة زمن طويل، وعلاقة لا نستطيع أن نفصلها أبدًا.. إنها صداقة بين الشعب عامة، والملائكة والقديسين.
ولذلك فإن ادعاءات البروتستانت ضد القديسين، لا تجد لها مجالًا إطلاقًا. لأنها تتحدَّى اعتقادات ومشاعر تجري في دم الناس.
[1] فصل شفاعة القديسين، من كتاب اللاهوت المقارن لقداسة البابا شنوده الثالث، كما نشر قداسته سلسلة مقالات عن الشفاعة نُشرت في مجلة الكرازة، في تاريخ 22 يونيو 1979م، 29 يونيو 1979م،13يوليو 1979م، 20 أغسطس1979 و27 يوليو 1979م ولعدم التكرار نكتفي بنشر هذا الفصل.
الفصل السادس أعياد القديسين
أعياد القديسين[1]
إن كنيستنا تحب قديسيها بطريقة تفوق الوصف. ونحن شعب يتعلق بالقديسين تعلقًا قلبيًّا ليس عن عقيدة فقط، وإنما عن خبرة وعشرة وحياة.
القديسون نتسمَّى بأسمائهم، كما تتسمَّى بأسمائهم كنائسنا. ومن محبتنا لهم ننذر لهم نذورًا، ونقيم لهم أعيادًا، ونتشفَّع بهم ونصادقهم، ونرسم لهم أيقونات، ونحتفظ بصورهم في بيوتنا، ونكتب سيرهم في مؤلفات، ونقصُّها على أبنائنا، وتدخل في مناهج تعليمنا الديني.
قبل أن أتولى مسئوليتي الحالية، كانت تقام لهم موالد. ونصح البعض بإلغائها. ولكننا وجدنا أنها تجمعات شعبية يمكن أن تصبح لها فوائد روحية ورعوية عديدة. وقد كان. وغيرنا اسمها إلى (أعياد القديسين). ويتجمَّع في أعياد القديسين آلاف وعشرات من محبي القديسين. وأحيانًا مئات الآلاف، كما يحدث في عيد مار جرجس بالرزيقات في الصعيد.
صارت لبعض القديسين شهرة وشعبية عجيبة مثل: العذراء، ومار جرجس، ومار مينا، والملاك ميخائيل، والأنبا بيشوي.
من أهم أعياد القديسة العذراء
عيدها السنوي 16 مسرى (22 أغسطس) الذي يسبقه صومها، وأعياد أخرى في دير المحرق، وفي دير العذراء بجبل أسيوط (درنكة) وفي كنيسة العذراء بالزيتون، وفي كنيستها بمسطرد. وتقام سهرات روحية في أعياد العذراء... وفي أعياد باقي القديسين.
ومن أهم أعياد القديس مار جرجس.
عيده في ديره بالرزيقات، وعيده في ميت دمسيس. وكلاهما في شهر أغسطس. وقد بُنيَت كنائس عديدة على اسم هذا القديس في كل أنحاء القُطر تحتفل بعيده..
ومن قديسي الرهبنة الذين لهم أعياد مشهورة يأتيها الآلاف من محبيهم..
عيد القديس الأنبا بيشوي، وعيد القديس الأنبا موسى الأسود في ديرهما ببرية شهيت. وعيد القديس الأنبا شنوده في ديره ببرية سوهاج، وعيد القديس الأنبا أنطونيوس في الكنائس التي بُنيَت على اسمه وفي ديره.
ويوجد قديسون لهم أعيادهم المحلية..
مثل عيد الأم رفقة في سنباط، وعيد الأم دولاجي في إسنا، وعيد القديس قرياقوص الطفل الشهيد وأمه يوليطة في طهطا، وعيد الطفل الشهيد أبانوب في كنيسته بسمنود، وفي بعض كنائس بُنيَت على اسمه...
ومن قديسي الأديرة أيضًا...
عيد القديس الشهيد أبي سيفين في دير الراهبات بمصر القديمة، وعيد القديسة دميانة الشهيدة والأربعين عذراء في ديرها ببراري بلقاس. وعيد الأمير تادرس في دير الراهبات بحارة الروم. وعيد الأنبا بولا السائح في ديره بالبرية الشرقية...
وهناك أعياد تقام للملاك ميخائيل...
سواء في الكنائس الكثيرة المبنية على اسمه، أو في عيد الملاك في اليوم الثاني عشر من كل شهر قبطي. واشتهر الأقباط بعمل فطير الملاك تذكارًا لمعجزات الملاك ميخائيل، يوزعونه على أحبائهم لكي يتذكروا شفاعته وعمله.
إن أعياد القديسين مجال لتجمُّعات ضخمة من المؤمنين، نطلب شفاعة أولئك القديسين، في ملء الإيمان، الإيمان بدالة القديسين عند الله، وبقبول الله لصلواتهم وشفاعتهم. والإيمان بخلود الروح، وعملها بعد الموت، والصلة الدائمة بين الكنيسة على الأرض وأرواح القديسين الذين انتقلوا.
وكثيرًا ما تحدث معجزات في هذه الأعياد نتيجة إيمان الناس، ومنح الرب لهم سؤل قلوبهم حسب إيمانهم. وكم كان الأجدر بنا تسجيل كل المعجزات التي تحدث في أعياد القديسين، تسجيلًا يقوي إيمان الجميع، ويريهم أن عهد المعجزات لم ينته أبدًا، ولم يقتصر على العصور الأولى..
وقد انتفعت الكنيسة من هذه التجمعات الضخمة في أعياد القديسين، لإقامة نهضات روحية، وبرامج نافعة لتعميق الإيمان، وقيادة الناس في حياة الروح.
فقضت على كل أنواع الملاهي والعبث، وأقامت القداسات اليومية، ونظَّمت إذاعة داخلية في عيد كل قديس، تذيع التراتيل والألحان والعظات والتعاليم الروحية في نواحي الحياة المختلفة.. مع تنويع البرامج الروحية، لتشمل ما يهم العائلات، والأطفال، والشبان، والسيدات، والعمال..
وتوسيع الاستفادة من الوسائل السمعية والبصرية في عرض الأفلام الدينية المشوقة، والشرائح بالفانوس السحري، وما يستلزمه ذلك من بناء القاعات اللازمة لهذا الغرض.. وكذلك توزع النبذات والمطبوعات النافعة للناس، وعرض الهدايا التذكارية من صلبان وأيقونات وصور.
وأصبح الناس يقضون فترات روحية مركَّزة خلال هذه الأعياد يخرجون منها بحصيلة روحية كبيرة.
وأعياد القديسين بركة كبيرة، وبخاصة بعد اهتمام الآباء الأساقفة بها، في الكنائس الأثرية التي يقصدها شعبنا، ويشعر بقدسيتها وتأثيرها الروحي.
وكل هذه الأعياد وازدحامها بالزوار، إنما تدل على عمق الإيمان في القلوب: إيمان الناس بالبركة، وإيمانهم بالحياة الأخرى، وبأن هؤلاء القديسين لم يموتوا. وتدل كذلك على الإيمان بالشفاعة وبالمعجزة.
إنهم يؤمنون بمحبة الله لقديسيه، وبدالَّة هؤلاء القديسين عند الله.
وهم أيضًا يحبون الحياة الطاهرة التي عاش بها هؤلاء القديسون، ويضعونها نموذجًا أمام أعينهم.
كانت أعياد القديسين تسمى موالد، ولا يزال هذا الاسم شائعًا بين العامة حتى الآن.
والكنيسة لا تحتفل بمولد القديس، وإنما بعيد استشهاده أو نياحته، اليوم الذي أكمل فيه سيرته بسلام وانطلق إلى الله بحياة طاهرة... وذلك حسبما قال الرسول: "انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ"(عب7:13). وكما قال عن نفسه: "أَكْمَلْتُ السَّعْيَ.. وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ"(2تي4: 7، 8).
والكنيسة لم تغير اسم (الموالد) فقط، وإنما غيَّرت أسلوبها أيضًا. وألغت كل المسليات غير اللائقة. وأصبح هناك هدف روحي من أعياد القديسين. وصارت أيامًا روحية وسهرات روحية، فيها القداسات والألحان والترانيم والبرامج الروحية النافعة لبنيان النفس.
[1] مقال "أعياد القديسين" نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 10 يوليو 1998م، ومن كتاب كلمة منفعة لقداسة البابا شنوده الثالث، الجزء الثاني صـ41، أعياد القديسين، ومقال "أعياد القديسين"، نُشر في مجلة الكرازة بتاريخ 16 يوليو 1985م
سنكسار بعض الشهور والأعياد
سنكسار بعض الشهور والأعياد[1]
شهر توت المبارك[2]
يبدأ بعيد النيروز (عيد الشهداء)، يليه عيد يوحنا المعمدان أول شهيد سبق المسيح، وأيضًا زكريا بن براخيا آخر شهداء العهد القديم (يوم 8).
وفيه تذكار القديس اسطفانوس أول الشهداء (يوم 15)، والقديسة تكلا أولى الشهيدات (يوم 23). وفيه عيد الصليب رمز الاستشهاد عمومًا (يوم 17). وفيه تذكار القديس يوليوس الأقفهصي كاتب سير الشهداء (يوم 22)، والقديس ديسقورس شهيد الأرثوذكسية الأول (يوم 7).
ونذكر في شهر توت (يوم 21) شهيدًا آخر كان ساحرًا هو القديس كبريانوس، ونذكر أيضًا الذين استُشهِدوا بغير سفك دم، كالقديس غريغوريوس الأرمني الذي طُرِحَ في بئر سنوات عديدة (يوم 19). ومثل القديس أغاثون العمودي، الذي عذَّب نفسه باختياره على عمود..
- (أول توت): عيد النيروز.
- (17 توت): عيد الصليب.
تذكارات أنبياء عِظام
- (2 توت): يوحنا المعمدان.
- (6 توت): إشعياء النبي.
- (8 توت): موسى النبي- زكريا الكاهن.
- (25 توت): يونان النبي.
آباء بطاركة عظام
- (7 توت): البابا ديسقوروس (25).
- (16 توت): يوحنا ذهبي الفم.
- (19 توت): القديس غريغوريوس الأرمني.
- (24 توت): القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات.
- (13 توت): معجزة مع القديس باسيليوس.
- (30 توت): معجزة مع القديس أثناسيوس.
قديسين عظام
- (15 توت): اسطفانوس رئيس الشمامسة.
- (14 توت): أغاثون العمودي.
- (22 توت): يوليوس الأقفهصي.
- (21 توت): كبريانوس، ويوستينا.
قديسات مشهورات
- (5 توت): شهادة القديسة صوفية.
- (10 توت): شهادة القديسة مطرونة.
- (20 توت): نياحة القديسة ثيئوبستا.
- (23 توت): القديسة تكلا أولى الشهيدات.
- (28 توت): شهادة إيرائي وأخيها أبادير.
- (29 توت): شهادة القديسة أربسيما.
- (21 توت): القديسة يوستينا.
من قديسي شهر بابه[3]
رسل وأنبياء وشهداء
- (12 بابه) القديس متى الإنجيلي.
- (22 بابه) القديس لوقا الإنجيلي.
- (21 بابه) القديس يوئيل النبي.
- (4، 10 بابه) الشهيدان سرجيوس وواخس.
آباء وبطاركة وأساقفة
- (2 بابه) القديس ساويرس الأنطاكي.
- (3 بابه) القديس غريغوريس الأرمني.
- (17 بابه) القديس غريغوريوس أسقف نيصص.
- (18 بابه) القديس البابا ثاؤفيلس الإسكندري.
- (27 بابه) القديس الأب مقار الأسقف.
آباء رهبنة كبار
- (7 بابه) الأنبا بولا الطموهي.
- (20 بابه) الأنبا يوحنا القصير.
- (24 بابه) الأنبا إيلاريون.
- (25 بابه) الأنبا أبيب العابد.
- (30 بابه) الأنبا إبراهيم المتوحد.
نساء قديسات
- (1 بابه) القديسة أنسطاسية.
- (6 بابه) القديسة حنة النبية.
- (11 بابه) القديسة بيلاجية التائبة.
الكنيسة في شهر نوڤمبر (هاتور)[4]
ودَّعت الكنيسة شهر أكتوبر، بعيد القديس الأنبا رويس (31/10) ونفس اليوم كان تذكار القرعة الهيكلية لاختيار قداسة البابا شنوده الثالث.
- ثم ابتدأ شهر نوڤمبر بعيد استشهاد القديس لوقا الإنجيلي.
ونريد أن نذكر في هذا الشهر تذكارات هامة وهي:
- تذكار نياحة القديس يوحنا ذهبي الفم: وذلك يوم 26 نوڤمبر (17 هاتور).
وهذا القديس هو أشهر وعَّاظ الكنيسة الجامعة، وهو من أشهر المفسرين أيضًا، وله مؤلفات كثيرة، أهمها تفسير إنجيل متى، وتفسير إنجيل يوحنا، وتفسير أعمال الرسل، وتفسير رسائل بولس الأربع عشرة، وله كتب أخرى.
- تذكارات استشهاد القديس مار مينا العجائبي: وذلك يوم 24 نوڤمبر (15 هاتور).
وهو من أشهر الشهداء، وآباء الرهبنة. وله ديره المعروف في صحراء مريوط. وعلى اسمه تأسست كثير من الكنائس في مصر وفي بلاد المهجر. وكان استشهاده في بداية القرن الرابع.
- اجتماع مجمع نيقية المسكوني: وذلك في يوم 18 نوڤمبر (9 هاتور).
وهو المجمع المسكوني الأول في تاريخ الكنيسة الذي انعقد سنة 325م، لما له من مكانة لدى كل كنائس العالم. وهو المجمع الذي قرر قانون الإيمان الذي يؤمن به جميع المسيحيين. وكان بطل هذا المجمع هو القديس أثناسيوس الرسولي الإسكندري، الذي كان في ذلك الوقت شماسًا. على أنه صار بابا الإسكندرية العشرين بعد المجمع بثلاث سنوات (سنة 328م).
- بدء صوم الميلاد: يبدأ صوم الميلاد المجيد يوم 25 نوڤمبر الموافق (16 هاتور).
وفي هذا اليوم تحتفل الكنيسة أيضًا بتكريس كنيسة أبا نفر.
- تكريس كنيسة مار مرقس: يوم 30 بابه (الموافق 9 نوڤمبر).
وفي ذلك اليوم أيضًا يحتفل بظهور رأس القديس في الإسكندرية.
تكريس كنسية العذراء بدير المحرق: يوم 6 هاتور (الموافق 15 نوڤمبر).
وهو من أشهر الأعياد التي يحتفل بها دير المحرق بجبل قسقام.
- عيد الملاك ميخائيل: يوم 12 هاتور (الموافق 21 نوڤمبر).
والكنيسة تحتفل بعيد الملاك ميخائيل، في كل يوم 12 من الشهر القبطي.
- عيد القديسة العذراء مريم: يوم 21 هاتور (الموافق 30 نوڤمبر).
وفي هذا اليوم تعيد الكنيسة أيضًا بعيد نياحة القديس غريغوريوس صانع العجائب. علمًا بأن الكنيسة تحتفل بعيد العذراء في كل يوم 21 من الشهر القبطي.
- عيد القديسة حنة أم مريم: يوم 11 هاتور (الموافق 20 نوڤمبر).
- عيد استشهاد القديس مقاريوس أسقف إدكو: يوم 27 بابه (الموافق 6 نوفمبر).
وهو أحد الثلاثة مقارات القديسين.
ومن الأعياد المشهورة الأخرى في شهر نوڤمبر:
- عيد القديس إنيانوس أول خلفاء مار مرقس - يوم (29 نوڤمبر).
- عيد القديس إيلاريون الكبير يوم 3 نوڤمبر (24 بابه).
- عيد القديسين أبوللو وأبيب يوم 4 نوڤمبر (25 بابه).
ليالي شهر كيهك[5]
هذا الشهر المبارك، شهر العذراء، وشهر السهر، وشهر التسابيح، وشهر الألحان، الذي اعتادت فيه الكنيسة أن تسهر طول الليل في الصلاة والتسبيح، وينتهي سهرها صبيحة اليوم بالقداس.. ثم لما ضغطت المشغوليات، أصبح السهر في كنائس العالم قاصرًا على مساء السبت إلى صباح الأحد.
وعُرف في الكنيسة ما يُعرف باسم اللحن الكيهكي، والتسابيح الكيهكية، والمدائح الكيهكية كما فيها أيضًا الإبصلمودية الكيهكية... كل ذلك في ليالي كيهك.
وتنافس عرفاء الكنائس في تأليف مدائح كيهك. ملأوها بأشعارهم ومشاعرهم. وإن كان الكثير منها يحتاج إلى تصحيح في اللغة والأسلوب، وأحيانًا في المعاني، لتتكامل صورته...
وشهر كيهك هو استعداد لعيد الميلاد، لذلك كانت كثير من ألحانه ومدائحه تختص بالقديسة العذراء مريم.
ومجمع القديسين في الإبصلمودية الكيهكية يشمل كثيرًا من أسماء القديسات والشهيدات والناسكات. ويحفل هذا الشهر بألحان جميلة هي ذخيرة من تراثنا الموسيقي.
ونحن نحتفل بعيد الميلاد باستمرار في يوم 29 كيهك. فإن صادف يوم 7 يناير 28 كيهك نضم للعيد اليوم التالي (29 كيهك).
هو إذًا شهر الميلاد والاستعداد للميلاد، كأن الكنيسة تستقبل ميلاد المسيح بشهر كامل كله أغانٍ روحية وتسابيح ومدائح وترانيم.
كما نستعد روحيًّا أيضًا لاستقبال هذا الشهر بالصوم. فشهر كيهك كله صوم ما عدا اليومين الأخيرين منه.. كما أن شهر برمهات كله صوم أيضًا (الصوم الكبير). ويقع عيد البشارة في يوم 29 منه، فيكون بينه وبين عيد الميلاد (29 كيهك) تسعة أشهر كاملة.
وفي هذا الشهر تحتفل الكنيسة بتذكار كثير من الآباء السواح.
- (2 كيهك): الأنبا هرمينا السائح.
- (11 كيهك): الأنبا بيجيمي السائح.
- (12 كيهك): الأنبا هدرا السائح.
- (13 كيهك): الأنبا إيليا السائح.
عيد الأنبا صموئيل أحد قديسي شهر كيهك
تحتفل الكنيسة بتذكار هذا القديس العظيم في يوم 8 كيهك. ويقام عيد كبير له في دير الأنبا صموئيل بجبل القلمون، يُشرف عليه رئيس هذا الدير.
- كما يُحتَفل في يوم 13 كيهك بتذكار تكريس كنيسة الأنبا ميصائيل السائح أحد قديسي الدير.
- وفي نفس يوم 8 كيهك، عيد استشهاد القديستين بربارة ويوليانة.
- وعيد القديس الأنبا يحنس كاما يحتفل به دير السريان في (25 كيهك).
ومن أشهر الأعياد في شهر كيهك
- تذكار الملاك جبرائيل الذي بشر السيدة العذراء. ويحتفل به في أول السنة الميلادية في (22 كيهك).
- وتذكار داود النبي في (23 كيهك).
- وتذكار البابا أبرآم (62) الذي حدثت في عهده معجزة الجبل المقطم. وذلك في (6 كيهك).
- وتذكار القديس غريغوريوس الأرمني (15 كيهك).
- وتذكار القديس أغناطيوس الأنطاكي في (24 كيهك).
- وتذكارات بعض الرسل والآباء الرهبان.
- وفوق الكل تذكار ميلاد السيد المسيح له المجد في (29 كيهك).
فليعطنا الرب بركة شهر كيهك وروحياته.
أعياد شهر طوبة[6]
شهر طوبة يتميز بأعياد كثيرة...
- عيد الختان في (6 طوبة).
- عيد الغطاس في (11 طوبة).
- عيد القديس مكسيموس في (14 طوبة).
- عيد القديس دوماديوس في (17 طوبة).
- عيد العذراء في (21 طوبة).
- عيد الأنبا أنطونيوس في (22 طوبة).
نهنئ الكنيسة كلها بهذه الأعياد السيدية، وبأعياد العذراء وآباء الرهبنة الكبار.
احتفالات الكنيسة في شهر مايو (برموده/ بشنس)[7]
- يبدأ أول مايو بعيد القديس مار جرجس (23 برموده).
- ونحتفل فيه أيضًا بعيد القديسة الشهيدة دميانة في ديرها المعروف ببراري بلقاس، يحتفل به من أول مايو إلى يوم 22.
- وفي يوم 9 مايو نحتفل بعيد ميلاد القديسة العذراء (أول بشنس).
- وفي يوم 8 مايو (30 برموده) الاحتفال بعيد كاروز ديارنا المصرية القديس مار مرقس الرسول.
- كما نحتفل بعيد القديس الرسول يوحنا الحبيب في 24 مايو (16 بشنس).
- ونحتفل بعيد القديس أثناسيوس الرسولي في 15 مايو (7 بشنس).
- وفي نفس اليوم أُعيد إلينا رفاته في رحلة البابا شنوده إلى روما والڤاتيكان (15 مايو 1973).
ونحتفل بمجموعة ضخمة من آبائنا الرهبان، أو مؤسسي الرهبنة خلال شهر مايو. من بينهم:
- عيد القديس باخوميوس أب الشركة في 22 مايو (14 بشنس).
- كما نحتفل بعيد تلميذه تادرس في يوم 10 مايو (2 بشنس).
- وعيد ميلاد القديس الأنبا شنوده رئيس المتوحدين، في يوم 15 مايو، في يوم عيد القديس أثناسيوس. وهو من القلائل الذين تحتفل الكنيسة بعيد ميلادهم.
- ونحتفل بعيد القديس أرسانيوس الكبير معلم أولاد الملوك في يوم 21 مايو (13 بشنس).
- وبعيد القديس مكاريوس الإسكندري أحد المقارات الثلاثة القديسين في يوم 14 مايو (6 بشنس).
- وبعيد القديس الأنبا دانيال قمُّص شيهيت في 16 مايو (8 بشنس).
- وبعيد القديس الأنبا إسحاق قس القلالي في 27 مايو (19 بشنس).
- ونعيد أيضًا في شهر مايو بعيد القديسة هيلانة أم الملك قسطنطين التي اكتشفت موضع الصليب المقدس وبنت العديد من الكنائس. وذلك في يوم 17 مايو (9 بشنس).
إنها مجموعة ضخمة من القديسين ومن القديسات، ليتنا نعرف كيف نحتفل بهم.
القديس أثناسيوس الرسولي مثلًا، بابا الإسكندرية الـــ 20، وأبو جميع علماء اللاهوت.. وتوجد على اسمه كنيسة في أرض السيوف بالإسكندرية، وكاتدرائية باسمه في دمنهور. وتوجد كنيسة أخرى في ميسيساجا بكندا، وكنيسة في لوس أنجلوس. ولكننا حتى الآن لم ننشر كل مؤلفاته وكتبه..
قديسو شهر أبيب[8]
شهر أبيب القبطي يتزامن تقريبًا مع شهر يوليو في التقويم الميلادي. وتحتفل فيه الكنيسة بتذكار قديسين كثيرين من طبقات متنوعة.
ففي يوم 5 أبيب (12 يوليو) تحتفل الكنيسة المقدسة بعيد الآباء الرسل.
وهو بالذات عيد استشهاد القديسين العظيمين: بطرس الرسول، وبولس الرسول، إذ قد اؤتُمِن القديس بطرس على إنجيل الختان، بينما اؤتُمِن القديس بولس على إنجيل الغرلة (غلا2: 7).
وقد أصدرنا لكم نبذة عن هذين القديسين يمكن توزيعها فى عيد الرسل. ولم يقتصر شهر أبيب على تذكار القديسين بطرس وبولس الرسولين وحدهما.
- بل في يوم (2 أبيب) تذكار تدَّاوس الرسول.
- وفي يوم (9 أبيب) تذكار القديس سمعان كلوبا الرسول.
- (8 أبيب) تذكار القديس يعقوب الرسول. فكأن ثلث الآباء الرسل الاثني عشر، نحتفل بهم في شهر أبيب.
وفي شهر أبيب نحتفل بتذكار اثنين من قادة الرهبنة الكبار...
- في يوم (7 أبيب) (14 يوليو) تذكار القديس الأنبا شنوده رئيس المتوحدين.
ولعل هذا العام هو أول عام نحتفل فيه بتذكار القديس الأنبا شنوده بعد اعتراف المجمع المقدس بديره الأثري في برية سوهاج، وبعد بناء أسوار الدير وشراء أراضيه، وتعميره رهبانيًّا.
- وفي يوم (8 أبيب) 15 يوليو، تذكار القديس الأنبا بيشوى حبيب المسيح.
وعيده في هذا العام، يزامن الاحتفال بالعيد الفضي لسيامة أول أسقف لهذا الدير العامر، نيافة الأنبا صرابامون. ومن الجميل باستمرار أن يتجاور عيد القديس الأنبا شنوده مع عيد القديس الأنبا بيشوي.
- ومعهما في يوم (11 أبيب) (18 يوليو): تذكار سيامة البابا شنوده راهبًا.
الذي في عهده تم تعمير دير الأنبا بيشوي بدرجة لم يسبق لها مثيل في القرون الماضية. كما تم في عهده تعمير دير الأنبا شنوده، بعد أن خلا من الرهبان قرونًا طويلة جدًّا..!
- وفي (3 أبيب) تحتفل الكنيسة بقديس عظيم هو البابا كيرلس عمود الدين.
كيرلس الأول الكبير رئيس مجمع أفسس المسكوني المنعقد سنة 431م. وهو البابا
الـــ 24 من بابوات الإسكندرية. وهو أحد أبطال علم اللاهوت في العالم المسيحي كله. وللأسف نادرًا ما تقيم له كنيستنا عيدًا يتناسب مع قدره اللاهوتي الكبير.
- أيضًا في يوم (24 أبيب) (31 يوليو) نحتفل بتذكار الطفل الشهيد أبانوب النهيسي.
كما نهتم بتذكار الآباء الرسل وآباء الرهبنة وأبطال الإيمان، نهتم في شهر أبيب بتذكار الأطفال، ومنهم أبانوب.
- وفي (15 أبيب) (23 يوليو)، نذكر أيضًا الطفل الشهيد قرياقوص وأمه يوليطه. ويهتم بتذكاره جدًّا أهل طما. وكما نذكر يوليطه، نذكر كثيرات...
- الشهيدة ثيئودوسية في (6 أبيب) (13 يوليو).
- والشهيدة أوڤيمية العذراء في (17 أبيب).
- والشهيدة القديسة مارينا في (23 أبيب).
- ونذكر مريم المجدلية في (28 أبيب)...
حسن أن نعيّد للقديسة المجدلية، التي بشرت الرسل بالقيامة، في الشهر الذي نعيّد فيه للآباء الرسل. حسن لو بُنيَت على اسمها كنائس.
- في (26 أبيب) نعيد لقديس عظيم هو يوسف النجار..
نذكره حينما نذكر مجيء العائلة المقدسة إلى مصر. ونادرًا ما نذكره فى غير ذلك! ونادرًا ما تُبنَى على اسمه كنائس!
وفي شهر أبيب تذكارات لكثيرين من الشهداء.
- (4 أبيب) (11 يوليو): نقل أعضاء القديسين أباكير ويوحنا.
- (11 أبيب) (18 يوليو): الأنبا إشعياء المتوحد.
- (15 أبيب) (22 يوليو): الأنبا أفرام السرياني، والقديس قرياقوص وأمه يوليطة.
- (18 أبيب) (25 يوليو): القديس يعقوب الرسول (الصغير).
- (21 أبيب) (27 يوليو): القديس مار تادرس الشطبي.
قديسون في النصف الثاني من شهر مسرى[9]
عيد العذراء
في أول النصف الثاني من شهر (16 مسرى) نحتفل بعيد صعود جسد السيدة العذراء (22 أغسطس).
عيد أبا مقار الكبير
وبعدها بثلاثة أيام (19 مسرى) نحتفل بإعادة جسد القديس مقاريوس الكبير إلى ديره في برية شهيت. ويقيم الدير حفلًا كبيرًا بهذه المناسبة، لأنه العيد السنوي للقديس، غير يوم نياحته في (27 برمهات).
عيد القديس تكلا هيمانوت
وفي يوم (24 مسرى) نحتفل بتذكار نياحة القديس تكلا هيمانوت الحبشي، أكبر قديسي إثيوبيا.
أعياد قديسين آخرين
- وفي (17 مسرى) نُعيّد للقديس الشهيد يعقوب الجندي، الذي كانت له ثلاث أخوات راهبات.
- وفي يوم (21 مسرى)، نُعيّد مع العذراء بتذكار القديسة إيريني، التي تعبَّدت للرب، ورفضت الزواج بأولاد الملوك، وكانت السبب في إيمان والديها، وبضعة آلاف من الناس.
- وفي يوم (25 مسرى) نُعيّد بتذكار القديس بيصاريون الكبير تلميذ القديس أنطونيوس أب الرهبان.
قديسات شهر مسرى
السيدة العذراء مريم
أول قديسة نذكرها في هذا الشهر هي السيدة العذراء. فعلى الرغم من أن لها أعيادًا كثيرة على مدار السنة، وأن لها عيدًا شهريًّا كل يوم 21 من الشهر القبطي، إلا أن مسرى يتميز:
أولًا: بصوم السيدة العذراء (15 يومًا).
ثانيًا: عيد صعود جسد السيدة العذراء (16 مسرى - 22 أغسطس).
وإن كنا نكرم أمنا العذراء في هذا الشهر، فإننا نكرم البشرية كلها في شخصها، على اعتبار أنها فخر جنسنا. ونكرم معها كل النساء، ومنهن:
القديسة بائيسة (تذكارها 2 مسرى - 8 أغسطس).
وهي قديسة التوبة المشهورة.
بدأت حياتها غنية توزع أموالها على الفقراء والأديرة، وانتهت إلى حياة الخطية. فأرسل لها شيوخ برية شيهيت القديس يوحنا القصير، الذي قادها إلى التوبة. قالت له: "هل لي توبة؟"، فأجاب: "نعم، ولكن ليس في هذا المكان".
وخرجت معه بكل قلبها من مكان الخطيئة. وفيما هي نائمة في نصف الليل، والقديس واقف يصلي، شاهد عمود نار واصلًا بين السماء والأرض، والملائكة يحملون روحها، وإذا بها قد ماتت. وصلى، فسمع صوتًا من السماء ينبئه بقبول توبتها الصادقة، أكثر ممن قضوا زمانًا في التوبة.. فدفنها القديس، ورجع إلى شيهيت وأخبر الآباء الشيوخ بقصتها، فمجدوا الله.
القديسة مارينا الراهبة (تذكار نياحتها 15 مسرى - 21 أغسطس)
في اليوم السابق لعيد العذراء مباشرة. وهي قديسة تمثل احتمال العار، وعدم الدفاع عن النفس... اسمها مريم، وترهَّبت في أحد أديرة الرهبان باسم رجل (مارينا). وأجهدت نفسها في حياة النسك والصلاة. فسدت إحدى الفتيات، ولقنوها أن تتهم الراهب مارينا ظلمًا. ولم تدافع هذه القديسة عن نفسها. وطردوها من الدير، ودفعوا إليها بابن الخطيئة لتربيه، فاحتملت في صمت، وبقيت مطرودة ثلاث سنوات. وعاشت أربعين سنة في الرهبنة، ثم تنيَّحت، وعندئذ اكتشفوا أنها امرأة. فتباركوا منها. وأقرّ الذين اتهموها بذنبهم.
القديسة إيريني الأميرة (تذكار نياحتها 21 مسرى - 27 أغسطس)
عاشت في العصر الرسولي، آمنت واعتمدت، فعذبوها، وأنقذها الله. وكانت سببًا في إيمان أسرتها. وحدثت عجائب على يديها.
قديسات أخريات
تحتفل الكنيسة خلال شهر مسرى بأعياد قديسات أخريات نذكر من بينهن:
- القديسة الشهيدة يوليطه (تذكارها 6 مسرى - 12 أغسطس)
وقد عذبوها، وطرحوها في النار.. مدحها القديس باسيليوس الكبير...
- القديسة الشهيدة سارة أخت القديس مويسيس.
ترهَّبت مثله، ثم استشهدت معه في اضطهاد الملك داكيوس (عيدهما 26 مسرى - أول سبتمبر).
تعليقات حول بعض الأعياد[10]
عيد قسطنطين الملك
في يوم 28 برمهات، ثاني يوم نياحة القديس مقاريوس الكبير، تحتفل الكنيسة "بعيد نياحة قسطنطين الملك البار".
وأول تعليق حول هذا الخبر، هو أن الكنيسة تُعيّد لقسطنطين، على الرغم من بعض أخطاء له كمبتدئ في الإيمان، وكرجل سياسة غير متخصص في الدين. يكفي أنه أصدر مرسوم ميلان سنة 313م، يصرح فيه باعتبار المسيحية أحد الأديان تمارس عبادتها بلا اضطهاد من الدولة الرومانية لها...
ويكفي أنه حاول أن يبذل كل جهده في إخلاص لفضّ النزاعات الداخلية في الكنيسة وقابل الآباء الأساقفة في مجمع نيقية المسكوني المقدس بكل احترام. ويكفي أنه أطلق الحرية لأمه القديسة هيلانة أن تجول تعمل خيرًا، وتبني الكنائس وتعمر الأديرة، وتساعد الفقراء، وهي التي اكتشفت الصليب المقدس.
لهذا تدعوه الكنيسة بلقب (البار). وتؤلف له الذكصولوجيات والمدائح. وتُبنَى بعض الكنائس اليونانية على اسمه، على الرغم من أن بعض الأساقفة الأريوسيين أثروا عليه، فأمر القديس أثناسيوس ثم القديس إلكسندروس بطريرك القسطنطينية بقبول أريوس، ولم يتم الأمر!
لكنه في جملته كان إنسانًا طيبًا استخدمه الرب لنشر ملكوته. ولم تساعده ظروفه السياسية والدينية على أكثر من هذا... هكذا قامته.
القديسة مريم القبطية
وتُعيّد الكنيسة في يوم 6 برموده (14 أبريل) بتذكار نياحة القديسة مريم التائبة.. ثم في يوم 9 برمودة (17 أبريل) بتذكار القديس زوسيما القس الذي كتب سيرة هذه القديسة العظيمة، والذي ناولها من الأسرار المقدسة قبل نياحتها، وتبارك منها، وعرف قصتها.
إن هذا يعطينا فكرة أن مجال القداسة مفتوح للجميع. وأن خاطئة فاسدة قد أعثرت الآلاف من الشبان وأسقطتهم، لا تصير مجرد تائبة! وإنما قديسة عظيمة تحتفل بها الكنيسة وتطلب بركتها...
ونأخذ أيضًا فكرة أن النعمة يمكن أن تعطي بوفرة وسخاء، وأنه ".. لَيْسَ بِكَيْل يُعْطِي اللهُ الرُّوحَ"(يو34:3).
تحوَّلت مريم القبطية من خاطئة إلى تائبة، إلى راهبة متناهية في النسك، بل إلى سائحة في البراري... الماضي كله انتهى. الرب نفسه لم يعد يذكره. والحاضر الجميل المشرق هو القائم وحده أمام الله.
ومريم القبطية لم تكن المثل الوحيد، فلها في التوبة والقداسة مثيلات كثيرات.
هناك القديسة بيلاجية وأيضًا القديسة بائيسة ومريم ابنة أخت القديس إبراهيم، وفي الرجال يوجد القديس أغسطينوس وكذلك القديس موسى الأسود.. وكثيرون.
إن السنكسار لم يكن فقط للأنبياء والرسل وكبار رجال الكهنوت...
بل أيضًا لخاطئة تائبة مثل مريم، ولملك علماني مثل قسطنطين.
[1] سنكسار بعض الشهور والأعياد كما كتبها قداسة البابا شنوده الثالث ونشرها في مجلة الكرازة.
[2] مقالتان لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشرتا في مجلة الكرازة، بتاريخ14 سبتمبر 1979م، 20 سبتمبر 1985م
[3] مقال افتتاحي لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 11 أكتوبر 1985م
[4] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 6 نوفمبر1992م
[5] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 16 ديسمبر 1988م، وجزء من مقال "شهر كيهك وسهراته" نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 29 ديسمبر 1995م
[6] مقال افتتاحي لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 23 يناير1976م
[7] مقال افتتاحي لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 19 مايو 1989م
[8] مقال افتتاحي لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 26 يونيو 1998م، وجزء من مقال بتاريخ 27 يوليو1990م، وقد نشر قداسة البابا شنوده مقال آخر بعنوان "شهر أبيب شهر الأعياد" في الكرازة، بتاريخ 4 يوليو 1975م، وأيضًا مقال "شهر يوليو وأعياد القديسين" في الكرازة بتاريخ 3 يوليو 1981م، ولعدم التكرار نكتفي بنشر هذا المقال.
[9] مقال من أحداث التاريخ، لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 26 أغسطس 1977م، و7 أغسطس 1981م
[10] مقال من أحداث التاريخ بعنوان "تعليقات حول أعياد الأسبوع"، لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في مجلة الكرازة بتاريخ 10 أبريل1981م
نصائح في مواضع القديسين
نصائح في مواضع القديسين[1]
ما هو شعورك حينما تزور مواضع القديسين، كمن يزور ديرًا لقديس في مناسبة عيده؟
الرحلة للدير ليست هي زيارة للمشاهدة أو للنزهة، إنما هي التماس للبركة، والفائدة الروحية. لذلك فإن الزيارات الفردية تكون أكثر عمقًا ونفعًا من زيارات الرحلات، التي يزدحم فيها الكثيرون...
في زيارتك للدير، ضع في ذاكرتك ما يختص بهذا المكان المقدس من ذكريات وأفكار روحية.
تذكر أنك في مكان يليق به الصمت والخشوع، وليس الكلام والضوضاء والصوت العالي، الأمر الذي يحدث في المدن. كان القديسون يصمتون ليتفرغوا للتأمل والصلاة. فاصمت أنت أيضًا، وادخل إلى أعماق نفسك، لتدخلها إلى أعماق الله.
لا تضيع وقت الرحلة في سمر أو ضحك مع زملائك، سواء أثناء الرحلة، أو في الطريق إليها، أو أثناء العودة، لئلا تضيع الفائدة الروحية...
لا تنشغل أثناء الرحلة بالتعليقات على كل ما تراه أو تسمعه، ولا تقف لتدين هذا أو ذلك، لئلا تأخذ دينونة بدلًا من أخذ بركة...
اذكر أسماء القديسين الذين عاشوا في ذلك الموضع، والفضائل التي اتَّصف بها كل منهم، وتأمل في حياة هؤلاء، وفي عمق صلتهم بالله، وما تستطيع أن تفعله في اقتفاء آثارهم.
خذ معك في الرحلة كتاب صلوات، ومفكرة لكتابة تأملاتك. ولا تتصل إلا بكل من يفيدك روحيًّا.
تذكَّر أن كل شبر من الأرض قد رواه القديسون بدموعهم، وأنك تسير على أرض مقدسة.
اطلب شفاعة قديسي الدير. واستغل زيارة الدير، لكي تسكب صلواتك أمام الله في كل ما يشغل قلبك، طالبًا صلوات هؤلاء القديسين لتسندك.
استفد من الطبيعة الهادئة والجو الساكن، لكي تجلس قليلًا في هدوء إلى نفسك، وتفحصها في عمق.
اسأل نفسك في صراحة، ماذا استفدت من الرحلة؟
[1] كلمة منفعة عن (في مواضع القديسين 132)، لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشرت في مجلة الكرازة، بتاريخ 30 يناير 1981م
الفصل السابع أسئلة عامة عن القديسين
طلب شفاعة أكثر من قديس[1]
سؤال
إذا طلبت شفاعة كل القديسين في الصلاة لأجل مشكلة معينة هل هذا ممكن؟ أم أنه يجب أن اختار قديسًا أو اثنين فقط ليكون شفيعًا لي دائمًا؟
الجواب
ممكن.. طلب شفاعة أكثر من قديس حسب رغبتك، فالقديسيون لا يغيرون من بعضهم البعض. ونحن في صلاة المجمع نتشفع بآلاف من القديسين وبكل طغمات الملائكة وكل طغمات الشهداء.. وفي الهيتنيات في القداس: (هيتين ني إبريسفيا، هيتين ني إفشي..، نقول: "بطلبات أو بشفاعات العذراء، بشفاعة رئيس الملائكة ميخائيل، بشفاعة المعمدان، وبشفاعة (القديس...) يا رب اغفر لنا خطايانا. لذا يمكن أن يتشفع الإنسان بمن يشاء من القديسين، وبأي عدد، على حسب إيمانه.
_*__*___*___*_
صداقة القديسين[2]
سؤال
أحب أن تكون لي صداقة بيني وبين القديسين، مثل القديس العظيم مار جرجس. ماذا أفعل؟
الجواب
تحب القديس وتتمثل بسيرته، وتتشفع به، لكن الصداقة لا تعني أن القديس يأتي ويجلس ويظل يتحدث معك! كل شيء في حدود المعقول.
_*__*___*___*_
لماذا لا نذكر بعض القديسين في المجمع؟[3]
سؤال
لماذا نذكر القديسين دون القديسات في المجمع؟
الجواب
في الحقيقة مذكورة السيدة العذراء مريم، وهي من القديسات، وهي "تساوي"[4] الكل، فلا يوجد تعصب ضد المرأة. لكن المجمع الخاص بالإبصلمودية بالتسبحة توجد فيه قديسات كثيرات جدًّا.
مجمع الخولاجي ليس به سوى السيدة العذراء، ولعل السبب هو أنهم أرادوا في المجمع أن يذكروا أبطال الإيمان، والمجامع المسكونية، ورؤساء الرهبنة. حتى إذا نظرنا نجد أنه لا يوجد قديسون بعد السيدة العذراء سوى مار مرقس ورئيس الشمامسة اسطفانوس، ويوحنا المعمدان ثم أبطال الإيمان كلهم، وبعدهم المجامع، ثم رؤساء الرهبنة. وهؤلاء كانوا من الرجال وليس فكرة المرأة مقصودة أو غير مقصودة!
_*__*___*___*_
سؤال
أرجو إيضاح الآتي: البابا أبرآم بن زرعة والقديس سمعان الخراز وهما من أبطال الكنيسة الأرثوذكسية. لم يُذكرا في مجمع القديسين بالقداس الإلهي؟[5]
الجواب
يوجد عندنا آلاف القديسين، وإذا وضعنا أسماء كل القديسين لن ننتهي.. ولكن يمكن لو كان هذا السؤال مقدمًا من كهنة كنيسة المقطم مثلًا.. في آخر المجمع يمكن ذكر اسم هذا القديس.. لأنه معروف أنهم من القديسين الكبار في الكنيسة. لكن لا نقدر أن نذكر آلاف القديسين في المجمع.
_*__*___*___*_
القَسَم (الحلفان) بالقديسين
سؤال
يعرض لي في الحياة اليومية أن كثيرًا من الناس والأصدقاء لي أو من أتصل بهم في بعض الظروف يحلفونني ببعض القديسين أو الشهداء لكي أنفذ معهم ما يريدونه، وذلك عندما لا أوافق على فعل شيء، يضطرون أن يحلفوني لكي أستحرم وأتمم معهم ما يريدون، فهل أتبعهم عندما يحلفونني أم لا؟
الجواب
أنت لا تتبع إلا الحق، إذا كان شيئًا صحيحًا افعله وإن كان شيئًا خاطئًا مهما حلفوك لا تفعله.
نجد في أوقات أن بعض الأشخاص يقسمون بالقديسين حتى في الأكل والشرب، إنسان يأكل ويشبع ويلحون عليه ليأكل أكثر وإذا اعتذر، يقولوا له: لأجل خاطر مار جرجس، كُل! فيضطر أن يأكل لأجل خاطر مار جرجس حتى تؤلمه معدته، ثم لأجل خاطر العذراء، أو مار مينا... فلا يصح أبدًا أنهم يحلفونه.
أو يحلفون إنسانًا بالقديسين لكي يذهب معهم في نزهة خاطئة! فأنت ترد عليهم وتقول الرد الآتي: إن القديسين لا يوافقون على هذا الأمر، وأنا لأجل خاطر القديسين لن أفعل هذا الأمر لأنه ضد ربنا.
أيضًا لا تكن شخصية مُقادة، الشخص القوي يقود غيره ولا يُقاد من غيره، لكن هذا لا يعني أنك تصلب رأسك وتنفذ ما في مخك، لكن بوجه عام.
يجب أن تكون إنسانًا له مبادئه، وشخصيته، وله طريقه السليم، أي إنسان يُبعدك عنه قل له: لا أقدر، يقول لك: لأجل خاطر ربنا أو خاطر القديسين، قل له: آسف لأجل خاطر ربنا والقديسين أنا لن أفعل هذا الأمر، لأن هذا لا يرضي ربنا أو القديسين. كما أن موضوع التحليف غير لائق، وبينك وبين أصدقائك قل لهم: أرجوكم لا داعي من موضوع التحليف.
_*__*___*___*_
كلمة "أنبا"؟[6]
سؤال
لماذا نقول كلمة الأنبا على بعض القديسين مثل الأنبا بولا والأنبا بيشوي حبيب مخلصنا الصالح والأنبا صرابامون أبو طرحة.. إلى آخره.. مع أن بعضًا منهم لم ينل درجة الأسقفية؟
الجواب
هذا السؤال به خطأ، لأن الأنبا صرابامون أبو طرحة كان أسقف المنوفية، فلا تقل كلهم لم ينالوا درجة الأسقفية.
كلمة "أنبا" تعني: "أب كبير"، وأطلِق هذا اللقب على بعض الرهبان الذين كانوا آباءً كبارًا في الكنيسة ولم يكونوا أساقفة مثل الأنبا بولا والأنبا بيشوي والأنبا أنطونيوس والأنبا باخوميوس.
بل إن كلمة "أنبا" أُطلِقت على ناس اعتبرتهم الكنيسة من الآباء مع أنهم لم يكونوا رهبانًا ولا في أي درجة من رتب الكهنوت مثل الأنبا رويس، الذي لا كان راهبًا أو قسيسًا أو أي رتبة أخرى لكن اعتبرته الكنيسة من الآباء.
فلا تأخذ الأمر هكذا لأنك اعتدت أن كلمة "أنبا" حاليًا تُطلَق على الأساقفة، لكن هي كانت تُطلَق على الآباء الذين اعتبرتهم الكنيسة أنهم آباء كبار ولا علاقة لهم بدرجة الأسقفية، مثل الأنبا برسوم العريان، ومثل غالبية الآباء الموجودين في البستان كلهم: الأنبا أرسانيوس، الأنبا بيمن، الأنبا شيشوي...
_*__*___*___*_
تعارف القديسين في السماء[7]
سؤال
هل يوجد في الملكوت تعارف بين أرواح القديسين وأرواحنا، وهل يوجد حوار بين أرواح القديسين وبعضها، وما هو الفرق بين حالة القديسين في الفردوس وحالتهم في الملكوت، وهل يصح أن تتحاور الأرواح وتتعارف في وجود الله؟
الجواب
طبعًا الناس في السماء يمكن أن يعرفوا بعضهم البعض، وقصة الغني ولعازر تؤكد أنه يوجد تعارف، وأبونا إبراهيم عرف لعازر، وعرف الغني وكان فيه تحاور. لكن لا تعني أن الناس القديسين كانوا يحبون بعض على الأرض لكن عندما يصعدون السماء لن يوجد تفاهم بينهم وبين بعض. بالطبع سيفهمون بعض ومن الممكن أن يتحاوروا ويتحدثوا مع بعضهم البعض.. إن عشرة القديسين إحدى متع الفردوس..
_*__*___*___*_
شكل القديسين الذين انتقلوا إلى الفردوس[8]
سؤال
في تأمل قداستكم ما هو شكل القديسين الذين انتقلوا إلى الفردوس؟
الجواب
القديسون الذين انتقلوا إلى الفردوس انتقلوا بالروح لأن أجسادهم في قبورها، وغالبيتهم لم يبقَ من أجسادهم إلا العظام في القبور.
أما شكلهم؛ أو شكل الأرواح؟! الكتاب المقدس لم يقل لنا ما شكل الأرواح؟ لكن يظهر أن الأرواح شكلها يكون مثل الأجساد، يعني في قصة قرأتها في حياة القديس الأنبا أنطونيوس الكبير، يقول: إنه مرة وهو سائر مع تلاميذه وجدوه شرد قليلاً فسألوه: ماذا حدث؟ فقال لهم: رأيت روح الأنبا أمونيوس أب جبل نتريا تزفها الملائكة إلى السماء.
فكيف عرف الأنبا أنطونيوس أن هذه هي روح الأنبا أمونيوس؟
طبعًا كان شكلها مثل شكله في الجسد، ولو أن الروح بطبيعتها ليس لها شكل. بدليل أن الإنسان عندما تخرج روحه لا نرى لها شكلاً.. لكن الروح عمومًا إما أن لها شكلًا أو تتخذ شكلًا، والشكل الذي تتخذه يكون شكل جسدها. ما عدا العيوب التي في الجسد، يعني إذا كان أحدهم أعرج لا تظهر روحه وكأنها تنقصها القدم العرجاء، أو واحد قُطعت رجلاه لا يظهر بدون أرجل، لكنها تتخذ شكل الجسد ما عدا عيوبه هذا ما أعرفه.
_*__*___*___*_
ظهورات القديسين[9]
سؤال
لماذا يظهر القديسون للمرضى ومَن لديهم مشاكل فقط؟ لماذا لا يظهرون للناس العاديين كعلاوة تشجيعية؟
الجواب
أنت عندما تحتاج إلى شفاعة أي قديس وتطلبه، هو يشفع فيك. لكن الظهورات مسألة تخيف، لأنك لا تضمن أن الذي يظهر لك قديس أم لا.. لأنه توجد ظهورات مضللة، فربما أي أحد يظهر لك ويقول لك: أنا القديس الفلاني.. وهو ليس كذلك!!
_*__*___*___*_
تحلل عظام لقديسين[10]
سؤال
هل يعني بقاء جسد أحد القديسين بدون تحلل تكريمًا له دون قديس آخر؟ وإن كان كذلك فلماذا يتحول الجسد الأرضي إلى جسد ممجد عند دخول الملكوت؟
الجواب
يوجد قديسون كبار وتحللت أجسادهم بدليل أن يوسف الصديق - وهو من القديسين الكبار - أوصى من جهة عظامه (عب22:11) أي أنه لم يبقَ منه إلا عظام، فإذًا جسده تحلل، وهكذا أيضًا عظام إليشع النبي التي أقامت ميتًا عندما وُضع عليها؛ هي مجرد عظام أي أن الجسم تحلل، وهو قديس عظيم جدًّا لدرجة أن الميت عندما وضع على عظامه قام (2مل21:13).
فليس عدم تحلل الجسد يُعطي أفضلية أو أولوية أو أكثر قداسة من الذين تحللت أجسادهم، لأن الغالبية العظمى تحللت أجسادهم، وفيهم قديسون كبار. إنما ربنا أحيانًا يحفظ جسد واحد لحكمة إلهية، أو لتكريم معين في نقطة معينة وليس من جهة أفضلية عن باقي الناس.
_*__*___*___*_
وضع حنوط على أجساد القديسين[11]
سؤال
هل تتغير أجساد القديسين بعد فترة كبيرة من الزمن، وما هو تأثير الحنوط على الجسد؟
الجواب
أجساد القديسين تتحول إلى عظام، والجسد يصير ترابًا، إلا القديسين الذين حفظ الرب أجسادهم وهم قلائل جدًّا.
نحن لا نضع الحنوط على جسد القديس أبدًا، بل نضعه على الأنبوبة التي بداخلها رفات القديس. أي لا نُخرج الجسد ونضع عليه الحنوط.. بل نضعه على الأنبوبة.
_*__*___*___*_
الشموع أمام الأيقونات[12]
سؤال
الشموع التي نضيئها أمام أيقونات القديسين، هل هذه الشموع تُفيد من تُقاد باسمه؟!
الجواب
من المفروض أن الشموع التي توضع أمام القديسين معناها طلب شفاعة هؤلاء القديسين، من أجل أنفسنا، أو من أجل الأشخاص الذين نطلب من أجلهم. وطبعًا كل صلاة تفيد، لأنه إذا كنت تطلب صلاة من شخص يحيا على الأرض، تحت الآلام مثلك، وممكن يخطئ كل يوم، فكم بالأولى عندما تطلب صلوات إنسان أكمل جهاده، وأصبح في حَضرة الله وفي الفردوس مع القديسين.. من جهة أفضل وأقرب إلى الله، ومن جهة أخرى أننا في صلواتنا عمومًا بنطلب من غيرنا أنهم يصلون من أجلنا... فإنسان عادي على الأرض عنده أتعاب مثله مثلك يصلي لك، أم قديس جالس قرب الله وحياته أفضل يصلي من أجلك؟!
_*__*___*___*_
رسم هالة من نور حول رؤوس القديسين[13]
سؤال
لماذا تُرسَم هالة من نور حول رؤوس القديسين؟
على اعتبار أن الله قال لهم: "أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ"(مت14:5).. فعلى الأقل نرسم لهم هالة من نور.
_*__*___*___*_
الاستشهاد بقطع الرقبة[14]
سؤال
نُلاحظ عند قراءة السنكسار أن معظم الشهداء تنيحوا بقطع الرقبة، وسؤالي: لماذا لم يُنهِ الله حياتهم بطريقة غير قطع الرقبة كما نجاهم من عذابات كثيرة؟
الجواب
من الظاهر أن قطع الرقبة أسهل طريقة، فمن يقوم بقطع الرقبة يحسس بين العظام على المكان الفارق، بحيث ضرب السيف مرة واحدة يقطع الرأس، بينما العذاب ربما يكون أصعب بكثير.
_*__*___*___*_
هذه أسهل للضارب والمضروب، يعني قطع الرقبة بالسيف لا تأخذ وقتًا أو جُهدًا من السياف، كما أنها تنتهي بسرعة من الشهيد المتنيح.
[1] سؤال أجاب عنه قداسة البابا شنوده الثالث في عظة بعنوان "الوقت جزء من حياتك"، بتاريخ 22 أكتوبر 1997م
[2] سؤال أجاب عنه قداسة البابا شنوده الثالث في عظة بعنوان "الله الديان العادل"، بتاريخ 28 فبراير 1996م
[3] سؤال أجاب عنه قداسة البابا شنوده الثالث في عظة بعنوان "علاقة الله بقديسيه"، بتاريخ 15 يوليو 1977م
[4] لعل قداسته يقصد أن السيدة العذراء أعظم من كل القديسين (الناشر)
[5] سؤال أجاب عنه قداسة البابا شنوده الثالث في عظة بعنوان "اذهبوا عني.. لا أعرفكم"، بتاريخ 13 مايو 1998م
[6] سؤال أجاب عنه قداسة البابا شنوده الثالث في عظة بعنوان "هل ترك المسيح الكنيسة بصعوده؟"، بتاريخ 27 مايو 1998م
[7] سؤال أجاب عنه قداسة البابا شنوده الثالث في عظة بعنوان "عيد الأم"، بتاريخ 17 مارس 1999م
[8] سؤال أجاب عنه قداسة البابا شنوده الثالث في عظة بعنوان "البنوة لله"، بتاريخ 21 يناير 1998م
[9] سؤال أجاب عنه قداسة البابا شنوده الثالث في عظة بعنوان "كيف أعدهم؟"، بتاريخ 9 مايو 2007م
[10] سؤال أجاب عنه قداسة البابا شنوده الثالث في عظة بعنوان "عمل الله"، بتاريخ 7 فبراير 2001م
[11] سؤال أجاب عنه قداسة البابا شنوده الثالث في عظة بعنوان "مفهوم الراحة والتعب"، بتاريخ 26 مايو 1993م
[12] سؤال أجاب عنه قداسة البابا شنوده الثالث في عظة بعنوان "كيف نرضي قلب الله"، بتاريخ 8 يونيو 1979م
[13] سؤال أجاب عنه قداسة البابا شنوده الثالث في عظة بعنوان "يهيئ الرب شعبًا مستقيمًا"، بتاريخ 25 يناير 2006م
[14] سؤال أجاب عنه قداسة البابا شنوده الثالث في عظة بعنوان "حياة التوبة"، بتاريخ 8 فبراير 2012م





